
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
كش مات
(القسم الأول: 1 من 3)
د.عبد الله المنصوري
تمهيد: [1]
أود قبل كل شيء أن اعتذر لأخوتي وأصدقائي. فقد انشغلت عن مجالستهم بأمر ملح ولم أسهم في بعض ما يدور من نقاشات حول همومنا الفكرية والفلسفية المشتركة التي لا صلة لها بهذر المتكلمين. فهم أبعد الناس عن العلم والعقل وأكثرهم كلاما عليهما. فما من أحد منهم مهما كان مبتدئا إلا ويبدأ بالحديث عن علمه في مسائل رائحة العلم فيها ممتنعة الوجود بمقتضى طبيعة فنهم. وهو لا يدري أن كلامه على جهل غيره بها مدح لهذا الغير واعتراف برجاحة عقله[2].
وقد حُرمت من متابعة التخريف عند متشايخي الأصلين ذوي العلم اللدني في انتظار أن يؤيده ما ينوي زعيمهم "الشايخ" (حلا وسطا بين التسليم بلقب الشيخ لمن يشرك فيرى له مولى مع الله ونفي معنى المشيخة الحقيقي رمزا إلى ذلك بما تفيده زيادة الألف في اللهجة التونسية)[3] أن يزين به اسمه ككل نخبنا التي توصف بلادها تجملا بكونها متنامية وهم جعلوها متهاوية. ولعله قد استحلى كلامنا على دجله فبات يطلب المزيد. إنه يطلب أي شهرة حتى الفضيحة. وهو دون شك بحاجة للمساعدة حتى يحصل على ما يحلم به من نياشين: أعني أن يحصل بعد باء الأربعين على ميم الخمسين إن شاء الله وربما دال الستين إن يسر الله آمين. اللهم لا تحرم الساعين مهما طال الحين يارب العالمين[4].
لم أطلع إلا يوم الاثنين على تلخيص أخينا ابن إبراهيم ما فرغ منه الصديقان أستاذي المحمودي وزميلي حليم فراغهما مما سعيا إليه. وقد وجدت رسوم الصديق الراجحي الكاريكاتورية حلا ذكيا قد يخرج الجماعة من وهم الحرب فتنجلي تقاطيبهم وتنشرح أساريرهم: فقد كانت مبارزة هزلية مع شماريخ الأصلين رغم ظن أصحابها أنها قنابل نووية للدفاع عن العقائد الإسلامية التي جعلوها خرافات بهلوانية بتحريف البينات القرآنية.
إن تجاوز مناوشات التبكيب التمهيدية قد سبقني إليه أستاذي المحمودي وزميلي حليم. وعلي أن أتأسى بهما في ما أنوي القيام به لحسم الأمر مع شائخ الأصلين: لذلك عنونت عملي ب"كش مات" ليس بمعنى اللعب مع الشائخ بل بمعنى جعل كل من كان ينتظر من الوسطاء مده بالأجوبة أن يتولى عنه فيسعى إلى الحقيقة بنفسه بعد أن يرى ما آل إليه أمره من عجز حتى على فهم حججه فاضطرنا لإفهامه ما غاب عنه لئلا يظن الأمر تلاعبا بحوشي الكلام أمام من لم تثقف منهم الأفهام. ولي ثقة بعقول الشباب لإيماني بما فيهم من خير مهما حاول سقيم الجواب أن يُرين عليها من سفيه الخطاب .
سأتبع ما انتهجه الصديقان المحمودي وحليم كما بين أخي ابن إبراهيم في حواره مع جاحظنا الراجحي لنكون بذلك قد شرعنا في وجهة جديدة تناسب ما نحقق به العرفان لأستاذنا أبي يعرب فنسعى سعيه في فهم شروط النهوض وعوائقه. وبذلك نكون قد وافقنا نداء الصديق صهيب حتى من قبل أن يعلن عنه ونحن نتلقاه جميل التلقي. ويسعدنا أن يكون في ذلك بعض تلبية لما دعا إليه. وطبعا فنحن نعلم أن الشايخ وجماعته سيظنون المرحلة الثانية من نهجنا (المراحل الموالية ستكون علاجا فلسفيا خالصا ولن يرد لهم فيها ذكرا) تراجعا عما اعتبروه حربا يتوهمون أنهم رابحوها يوما ما. ولا غرابة من مثل هذا الوهم. فقد بدأ بعد في خامسة مراحل حلقته السابعة في توزيع التهم يمنة ويسرة ضد من كان يغالطهم لأن انفضاضهم من حوله العلامة القاطعة على خسرانه.
ورأيه لا يعنينا كثيرا فالمعلوم أن كل المنهزمين في التاريخ يعزّون أنفسهم بالنصر رغم خسرانهم كل شيء في ما كان رهان المعركة. ونحن لا يضيرنا إذا حققنا ما نريده من نتائج علمية وخلقية فزعم خصيمنا أنه انتصر في معركة التنابز حتى صار يوجه رماحه إلى من كان يتصورهم صاروا عبيدا لصياحه: فما ادعينا يوما أننا ساعون للتنافس معهم في ما هو من خصائص الفكر الكلامي في جميع العصور وعند جميع الأمم.
يكفي علامة على هزيمته الساحقة أن كل من يسعى إلى التحرر من الاستبداد ينهال عليه هو والقلة الباقية معه من كل جانب بالتخويف والتهويل إلى حد تجريم الحرية الفكرية التي صارت مشروطة بموافقته مرجعيةً تعطي شهادة في الأهلية حتى في مجرد التفكير المستقل عما صاغه من تحريف للسنة السوية. أليس من أشراط الساعة أن يصبح من "يُكَرْكر" في الشهادة الابتدائية لعلوم الملة مرجعا يحدد الأهلية لرتبة الاجتهاد؟ ما بال من هزلت عندهم القيم إلى هذا الحد يسمحون لدجال بفتح دكان يبيع فيه المغشوش منها والمضروب فيصبح ذا سوق لا ينفق فيها إلا النفاق ؟
لعل حضوره متسللا في أحد مؤتمرات الفلسفة جعله يتصور نفسه قد أصبح فيلسوفا يناطح الكبار وهو أصغر من الصَّغار والصغار. فكل من له أدنى ثقافة فلسفية يعلم أن حضوره وحضور بعض من هم أمثاله في هذه الندوة كان سبة للفلسفة العربية لو كان المشرفون يعلمون ؟ ومن علامات الإفلاس ذهابه في آخرة المراحل من حلقة مسلسله السابعة إلى استعمال أكثر أسلحته ردعا ضد من ظنهم من الشباب تابعيه إلى يوم الدين-بعد أن انفضوا من حوله فخلا مجمع الكهان-اتهاما لهم بسبب السماع من غيره اتهامهم بأنهم قد ضلوا السبيل وخاصة إذا سمعوا من أبي يعرب الذي يرد الشائخ فكره إلى فكر أركون[5].
ألم يزعم فيها أن أبا يعرب لم يمل إلى فكر الغزالي إلا لأن ابن رشد لم يعد محبوب الجماهير لكأن الغزالي كانه سنة 1972 لما كان اليسار صائلا جائلا ؟ أليس ذلك لأنه يتصور الناس نسائين مثله فلا يذكرون أنه كتب مذكرته الأولى يوم كان ابن رشد يُؤله والغزالي يُشيطن أعني لما كان هو في الابتدائية التي لم يخرج منها إلى الآن؟ وما رأي القراء في من يزعم أن أبا يعرب يهتم بابن تيمية لأنه يحتاج إلى العمل في السعودية وهو فوق الستين؟ وفي من يغفل أن من يتكلم على ابن تيمية في المرحلة التي كتب فيها رسالته عليه في بلد علماني ينبغي أن يكون بشجاعة الرجال لا مثل أشباههم؟ هل بعد هذا يحتاج الناس إلى تصديقه في أي قول يتفوه به؟ ولولا الوعد الذي أخذته على نفسي بأن أجعل كل القراء يحكمون بأنه في وضعية كش مات فكريا ومنطقيا دون حاجة إلى التنابز معه وفي المجال الذي يدعي فيه معرفة بالمناظرة والمنطق لكان هذيانه هذا وحده كافيا للسكوت عن تخريفه وإهمال ذكره:
الخطة
سأبدأ فأصوغ حجج الشايخ سعيد لأحدد وجه الدلالة من استدلاله ضد ما قدمه أستاذنا أبو يعرب آملا أن أكون منصفا إلى أقصى حد في عرض دليله بل وسادا بعض ثغرات كلامه المرسل.
ثم أشفع ذلك ببيان ما نصبه لنفسه من أفخاخ جعلته يثبت عكس ما سعى إليه. وهو ما كان بوسعه تجنبه لو صاغ حججه فحدد بنفسه وجه الدلالة منها. وهنا يتوقف القسم الأول من البحث.
ثم أمر في القسم الأخير إلى بيان ما في كلام أستاذنا من مستويي دلالة. وهما مستويان لا يمكن للمبتدئين فهمهما إلا إذا تحلوا بالصبر فقبلوا ما يقتضيه العلم المتأني والمتروي من كبد وخاصة لفهم المستوى الثاني منهما. والمعلوم أن الشايخ لم يصبر ليقرأ مثلا جواب الأستاذ على أسئلة السيد طوقان الثانية بتاريخ 27 نوفمبر ومن ثم فقد كتب قسمي سابعته الأخيرين متعجلا كالعادة ففوت على نفسه فرصة السكوت.
وبذلك فسيكون البحث مؤلفا من ستة فصول تتوزع على ثلاثة أقسام كل واحد منها يعالج مسألتين. فالقسم الأول تدور مسألتاه حول ردود الشايخ في سابعة مسلسله على أبي يعرب. والقسم الأخير تدوره مسألتاه حول حل الأستاذ حله الذي ينقده الشيخ ويحاول دحضه دون فهم ولا روية. ولما كانت قسمة البحث هذه لا تعني أني أوازن بين الفكرين فإنه من واجبي أن أضع بين قسمي البحث قسما ثانيا أفصل فيه بين علم الكلام في أدنى درجاته عند هذا الأمي وكلام العلم في أسمى درجاته عند أبي يعرب. وطبعا فلن يكون القسم الوسيط بحجم القسمين الأول والأخير. وهو قسم أقدمه على القسم الأخير ليكون جسرا بين الفكرين ينشر إن شاء الله في الأسبوع المقبل.
وفي الجسر أبين طبيعة الهوة السحيقة التي تفصل بين الفكرين وأعلل مع ذلك ضرورة الجسر بين الخطابين الأول ممثلا للمرض الذي تعاني منه لحظتنا والثاني ممثلا للدواء الشافي منه إن شاء الله. وسأبين فيه كذلك طبيعة ما أقوم به من عمل في هذه الحالة حتى أحقق ما حققه أستاذي المحمودي وزميلي ابن إبراهيم من انتقال إلى المرحلة الثانية من العلاج. وطبعا سيواصل الشايخ "تدنخته" ذات اليمين وذات الشمال حتى وإن قل مصفقوه وغابت مزغردته على فرس النات بأقلام الألوان دون أن يعي ما يقول فضلا عن أن يفهم فكر الأستاذ: ذلك أنه لم يقدم على نقده أي محاولة لتنظيم ما أفكاره حتى يبين للقراء من أين يبدأ وإلى أين ينتهي في حملات دونكيخوت الكلامية التي تتكرر بلا نظام. وبذلك فالقسمة ستكون منصفة إذ أقوم بموازنة مع عدم نسيان الفارق النوعي بين الخطابين. وزيادة في التجرد سأبدأ بخطاب الشايخ لإيماني بأفضلية الإيثار على الأثرة في العلاج الفكري الهادئ[6]:
القسم الأول
(هذا الأسبوع بإذن الله)
حجج الشايخ ومنطق استدلاله النقدي
المسألة الأولى: ألخص فيها الحلقة السابعة وأبين وجه الدلالة منها بفرعيها وبترتيب صاحبها قبل ترتيبي حتى يتأكد الجميع من أني أنصفه تأسيا بنهج شيخ الإسلام في عرض آراء الخصوم بخلاف ما يلجأ إليه الشيخ من تجن وتحريف قصدي لأفكاره.
المسألة الثانية: أبين ما نصبه الشايخ لنفسه من أفخاخ تجعله يدحض نفسه بنفسه بل ويتهمها بأقذع النعوت. ولا يحتاج المرء في ذلك لغير الوصل بين ما جاء في المرحلتين الأوليين من الحلقة السابعة بقراءة ما جاء في الحلقة الأولى في ضوء ما جاء في الحلقة الثانية.
القسم الجسر
(الأسبوع المقبل إن شاء الله)
بيان الهوة الفاصلة وضرورة الجسر
المسألة الأولى: أحدد فيها الهوة السحيقة بين نوع الخطاب عند الشايخ الذي يسعى إلى الدحض كدأب المتكلمين لتأسيس سلطان الاستبداد الفكري على من يسمونهم بالعامة بعد أن جعلوهم كذلك ونوع الخطاب عند الأستاذ الذي يكتب في شروط النهوض وعوائقه وأول الشروط تحرير العامة من العامية.
المسألة الثانية: أصف عملي نفسه ولم أتعامل مع الشايخ بهذه المنهجية التي فيها شيء من الموازنة بين ما يقدمه على أنه فكر وفكر الأستاذ رغم أن الشيخ ليس جديرا بمثلها. لكن ذلك ليس منه بد إذا أردت أن ألحق بالصديق المحمودي وحليم فأباشر عملية البناء بعد التنظيف وإعداد الأرضية.
القسم الأخير
(الأسبوع الموالي للأسبوع المقبل إن شاء الله)
حجج الأستاذ واستدلاله البنائي لفلسفة الدين.
المسألة الأولى: أعرض ما فهمته من كلام الأستاذ أبي يعرب في المستوى الأول من أجوبته يوم 14 من نوفمبر دون أن أدعي أن فهمي مطابق لما قصده مطلق المطابقة.
المسألة الثانية: أبين فيها ما فهمته من مقاصد الأستاذ في المستوى الثاني من أجوبته يوم 27 من نوفمبر استتكمالا للجواب الأول بنفس الحرز. وهي مقاصد مرتبطة بما جاء في أعماله الأخرى ولا تقتصر على الأجوبة الموجزة في موقع الفلسفة.
القسم الأول من البحث
حجج الشايخ فودة ومنطق استدلاله النقدي
تمهيد:
سأكتفي إذن بما كتبه الشايخ يومي 30 نوفمبر و1 و2 ديسمبر 2008 موضوعا لبحثي موضوعا يتضمن ما حاول الشايخ ادعاءه زاعما أن البديل الوجداني للاستدلال الديني الذي يقدمه الأستاذ تعترضه نفس اعتراضاته على العقل بديلا من النقل لأنه هو بدوره يكون بديلا منه فنقع في التسلسل أو الدور. وإذن فالشايخ يتوجه بالنقد إلى ما لأجله اعتبر أبو يعرب الكلام ممتنعا بمقتضى حده الذاتي الذي يزعم أصحابه أنه حقيقته أعني المسالة الأم في فكر السنة السوي الذي يبيحه فرض كفاية بمنطق الضرورات تبيح المحظورات: الكلام حجاج بالعقل على العقائد الإيمانية ضد أعدائها.
وكعادته فقد بين عكس ما أراد فصار عونا للأطروحة القائلة بامتناع الكلام إلا بوصفه انحرافا مقنعا للعلم الديني كما تراه السنة لظنه أن أبا يعرب يخلط بين الأمرين: فعلم الدين هو ما يسميه أبو يعرب بفلسفة الدين بعد أن تخلص الفكر الفلسفي من توثين العقل وتأليهه بإطلاق قدراته. ومعنى ذلك أن الشايخ لا يميز بين الوجود الشرعي للعلم الديني وتحريفه الكلامي. وليس عنده بعد ذلك إلا السباب ومحاولة إثبات وجوده برفع الصوت وادعاء الصيت عله يكون جدير بأن يُسمع فيساعده على أنجاز شهادته الابتدائية في البحث. لكن دوران كلامه عليها ليس له فيه أي فضل. فالمسألة هي ما جعله الأستاذ موضوع البحث في شروط إمكان الكلام ومن ثم في تحديد طبيعته المستحلية فضلا عن كونه عين ما دار الكلام عليه في حكم الكلام منذ نشأة الكلام: طبيعة مقدمات الكلام هل هي نقلية أم عقلية؟
وحتى وقوعه على المسألة الأم فليس انجازا من قبله بل لأنه يرد على الأستاذ في ما لا يفهم فصادفه تعيين الإشكالية مجرد المصادفة. ولا أقول ذلك للاستنقاص أو للمفاضلة بل لأنه حصرها في هذا العموم ولم ينتبه إلى تحديدها المخصص لها في الإشكالية كما يراها الأستاذ أعني مع رجاء الانتباه إلى دقة الصوغ المضاعف التصوري والتاريخي:
فبصورة تصورية دقيقة: هل يمكن أن يكون الكلام مستقلا عن الكلام المتفلسف بالمعنى الذي ذمه الجميع فيكون علما دينيا حقيقيا إذا كانت مقدماته عقلية وغير نقلية بالمعنى المتعارف للنقل والعقل في الأدبيات الكلامية ؟
وبصورة تاريخية دقيقة: هل الكلام بقي كلاما ذا شرعية لما اختلط بالفلسفة في شكلها الموجود عند بلوغه غاية تدرجه أم إن ذلك يعني أنه بمقتضى جوهره كان ينبغي أن يكون مآله هذا المآل لاستناده الحتمي على التأويل الذي يرد النقلي الديني إلى العقلي الفلسفي ؟
والشايخ كما هو بين مما انتخبه من شواهد اقتصر تعليقه على أجوبة الأستاذ ليوم 14 نوفمبر دون سواها واصفا إياها مهربا يتخلص به الأستاذ من أجوبته السابقة تحت إلحاح ما يدعي أنه بينه من تناقضات كلامه في غير موضع: لكأنه فهم شيئا حتى يدرك التناقضات. ولما كان جاهلا بأعمال الأستاذ السابقة وغير قادر على الصبر في القراءة المتأنية فهو طبعا لم يقرأ حتى ما صدر يوم 30 منه (وقد أعلمني المشرف على الموقع أنه تلقى النسخة النهائية يوم 27 منه وقبلها بيومين النسخة التجريبية التي بعثها إلى الأستاذ طوقان: وهذه من عادات الأستاذ إذ يشرك بعض طلبته في مراجعة مخطوطاته من حيث الرقن خاصة) ليفهم الصيغتين ونسق الأجوبة فضلا عن مضمون دراساته الأخرى: لا يدرك معنى شروط إمكان الكلام وعلل امتناعه بل يكتفي بتبرير عجلته فيزعم أن الأستاذ يقدم أجوبة مختلفة كلما "زنقه" أحد من جماعة الشيخ ناهيك عن زنقات الشايخ التي لا تبقي ولا تذر إلا من يرضى بالثرثرة والهذر.
فرح بما ظنه كافيا ليفحم به الأستاذ بل ومنفذا يمكنه من أثبات ما لجأ إليه الشائخ بلال -الذي وجد الأستاذ عنده بعض نباهة بخلاف شايخه-ما أثبته من قبل دون تمييزه واعترافه بأنه لا يخلط بين أركون وأبي يعرب. فالشايخ تجاوز الحد الذي وقف دونه بلال قبل أن ينكث[7] فاعتبر أبا يعرب مثل أركون من دون شجاعته في الإفصاح عن رأيه. فراح يكيل التهم والنعوت بلا حساب كعادته لأن الخطاب العلمي يثقل عليه فلا يستطيع إلا أن يقدم نتفا لا رأس لها ولا ذيل ولا يربط بينها رابط متصورا غيره مثله: يكتب بالإلهام وبعفو الخاطر وليس بمنهجية النسق المعرفي متلاحم العناصر.
وهكذا فقد أصبح أبو يعرب لا يرى الأشياء إلا كما يراها محمد أركون مع التخفي أو الجبن اللذين يجعلانه لا يصرح بما يعتقد لأنه باطني ولم يعد ظاهريا كالوهابيين. فبعد أن يئس الشيخ من إثبات أنه وهابي أوهم نفسه بأنه بقامة الغزالي إذ دعا ذات يوم كل المدارس الكلامية إلى التوحد ضد الفلسفة فبات يطمع في أن يؤلب عليه الوهابيين ليتحدوا معه ضده. والغريب أنه لا يدري أن المبالغة في تهمه ونعوته لن تقنع الناس إلا بعكس ما يريد إثباته: كيف سيبين أن أبا يعرب أركوني ووهابي في آن ذلك حقا ما يحير كل ذوي العقول إلا الشيخ لكونه ليس منهم. ربما من يدري؟
لكني كما أسلفت لن أولي أهمية لهذه المزحات الباردات. فهي دليل على نباهة فلسفية ليس لها مثيل وعلى مضرب الأمثال من الرفعة الخلقية والأمانة العلمية. ما يعنيني حقا هو أن أفهم العوائق التي تحول دون الشايخ وفهم عدم فهمه لما يقرأ وتثبت عجزه عن العلاج العلمي أولا (حاجته إلى النتف الشوهاء المتوالية في أعداد لا يحكمها ترتيب ولا منطق) والإيجابي ثانيا لاقتصاره على العلاج السلبي ردا على غيره وأخيرا فإني لم أفهم لم لا يدرك أنه بعدم الانتباه إلى فقدان خطابه للتناسق والوحدة يورط نفسه دائما في ما يقنع به قراءه بأنه يتكلم دون روية ولا يدري إلى أين يذهب به فيض الخاطر؟ وذلك ما نحن مثبتون حيننا هذا بعد عرض حججه عرضا نسقيا لم يكن يحلم به حتى مجرد الحلم.
المسألة الأولى
تلخيص الحجج الواردة في تعليق الشايخ وترتيبها
ألخص مضمون الحلقة السابقة لأبين وجه الدلالة في فروعها الثلاثة الأولى بترتيب الشايخ قبل ترتيبي حتى يتأكد الجميع من أني أنصفه تأسيا بنهج شيخ الإسلام في عرض آراء الخصوم وبخلاف ما يلجأ إليه الشايخ من تجن وتحريف قصدي لأفكاره وأفكار أبي يعرب في انتخاب الشواهد وفي تحريف الدلالة.
وإذن فالحلقة السابعة تتألف من ثلاث مراحل (ما بعدها وما قبلها لا يعنيني):
فمضمون المرحلة الأولى: هو محاولة بيان أن المقدمات الكلامية ليست كلها نقلية بل إن بعضها نقلي وبعضها عقلي دون تعيين نصيب المقومين وطبيعة التكامل بينهما.
ومضمون المرحلة الثانية: هو محاولة استكمال الوجه الأول وفيه يسعى الشايخ إلى الجواب عن السؤال الذي بقي دون جواب أعني سؤال ما طبيعة التكامل بين المقومين دون تعيين العائد إلى كل منهما.
وقد عرض منظورين للعلاقة بين مقومي الكلام العقلي والنقلي هما المنظور الذي يعتبره ممثلا للأشعرية والمنظور الذي يعتبره ممثلا للاعتزال دون أن يحدد أيهما الأفضل عقلا. وقد اختار المنظور الأول عقدا دون تعليل مقنع يبين علل الاختلاف بين الجوابين. ولم أغفل عن كون التفسير الذي يقدمه لموقف الأستاذ بالخوف من القول بالراهمانية وبالتحسين والتقبيح قد يفيد شيئا من التعليل العقلي لموقفه لكنه ليس كافيا للخيار لأنه بالأولى كان يقتضي تفضيل الحل الاعتزالي الذي هو أكثر تناسقا من الحل الأشعري في حالة إستراتيجية الخطاب الذي تبناه (طبعا فهذا من باب حسن الظن ولا لكان الكلام معه سدى). والمهم أن كلتا المرحلتين من الحلقة السابعة تقدم وجها مضاعفا من علاجه الخالي من الربط بين فرعيه فضلا عن الربط بين المرحلتين:
1=فالبعد الأول من المرحلة الأولى يفسر فيه الشائخ موقف الأستاذ بالسعي إلى تجنب البراهمانية والتحسين والتقبيح العقليين المترتبين لو قال إن الأدلة الكلامية عقلية بدليل قوله إنها لو كانت كذلك لأغنت عن النبوة. فيكون قول الأستاذ بالنقل بدل العقل معللا حسب الشيخ هذا التعليل.
2=والبعد الثاني منها هو القول بثنائية المقوم التدليلي في الكلام أعني العقلي والنقلي دون تعيين لجنس المقدمات النقلية بم يتعلق وجنس المقدمات العقلية بما يتعلق. وهو اعتراض بالبعض على الكل أعني أيسر طرق دحض الكليات بعين مناقضة.
3=والبعد الأول من المرحلة الثانية هو الحل الأشعري لتحديد ما يعود إلى العقل وما يعود إلى النقل في الأدلة الكلامية دون أن يعين طبيعة ما ينسب إلى النقل في هذه الحالة ودلالته الدينية ناهيك عن الفلسفية.
4=والبعد الثاني منها هو الحل الاعتزالي لتحديد ما يعود إلى العقل وما يعود إلى النقل في الأدلة الكلامية بنفس ما غاب في الحالة الثالثة: ما طبيعة ما ينسب إلى النقل وما دلالته الدينية ناهيك عن الفلسفية.
ويأتي مضمون المرحلة الثالثة من سابعة الحلقات ليقدم ما يتصوره الشايخ الضربة القاضية أو الكش مات في إثبات ما دارت حوله الفروع الثلاثة من كلامه. والشايخ لعجلته ولأنه لم ينتبه إلى نتائج ما قدمه من حلول في المرحلة الثانية لتدعيم المرحلة الأولى لم يكن داريا بأنه فضلا عن كونه يتكلم في ما ليس محل نزاع قد استسلم نهائيا ورفع يديه إلى السماء ليس تضرعا الى لله لأنه لا يقول بالجهة بل اعترافا غير واع بالهزيمة النهائية: فهو يظن أنه قد ألزم الأستاذ بكش مات ولا يدري أنه قد أمات نفسه شطرنجيا. فالمشكل:
1-ليس هو: هل الكلام فيه العقلي وفيه النقلي. فكل علم شرعيا كان أم وضعيا فيه هذا وذاك ولي الكلام وحده كما نبين في القسم الثاني بالتدقيق وهنا بصورة عامة. ونحن نفهم أن المبتدئين لا يتجاوز فهمهم هذا المستوى.
2-بل المشكل هو: هل الكلام يكون كلاما بما فيه من عقلي أم بما فيه من نقلي؟ وإذا كان بمزيج منهما فما هي معادلة المزاج السوي لئلا يصبح الكلام فلسفة فلا يبقى كلاما يدافع عن العقائد الإيمانية؟ كما نفهم أن هذا عسير الفهم على المبتدئين.
ولذلك فبمجرد تعيين مناط الإشكال يصبح ما يتكلم عليه الشايخ ليس الكلام بل شيء آخر سنحاول فهم طبيعته ماهي حتى وإن كان ابن خلدون سماه الاختلاط التام بين الفلسفة والكلام ومن فساد كلا الفنين. ذلك أنه ما من خطاب إنساني يخلو من العقل إذ حتى هذيان المجانين وتخريف البهاليل فيه بعض العقل خاصة إذا كان يدور حول معنى ما يسمى بعلم الكلام. والمعلوم أن المبتدئين لأنهم لا يفهمون القول البين للمختصين يعتبرون ما يزاد لإفهامهم عند تبين بلادتهم تراجعا من مخاطبهم.
ورغم أني لست واثقا من أنه قد اختار الخطة التي تستند إلى حيلة جدلية معروفة فإني سأحسن الظن به وأتصوره مختارا رغم الدليل على العكس في كلامه لأنه لم يع ما ورط فيه نفسه من مآزق. سأحسن به الظن وأزعم أنه داهية في المراوغة الجدلية ومن ثم فهو قد تصور أن أيسر الأمور هو الاعتماد على المبدأ المنطقي الذي ييسر الهروب عند المجادلة:
فإذا نسب المجادل إلى خصمه دعوى كلية إثباتا أو نفيا يسر على نفسه عملية الدحض. ولذلك فإني أفترض أن بوعي أراد أن يخيل لسامعيه أن أبا يعرب ينفي وجود العقل في الكلام وليس لأنه لم يفهم أنه ينفي اعتباره مقوما لكلامية الكلام أي لكونه علما دينيا كما يزعم أصحابه.
فالمسألة بعبارة الأستاذ هي-بعد التسليم الجدلي بأن الكلام علم- هل علم الكلام يكون كلاما أي علما دينيا كما يزعمه أصحابه بما فيه من عقل أم بما فيه نقل؟ وإذا كان بما فيه من عقل فبم يتميز عن الفلسفة؟ وإذا كان يتميز عنها بما فيه من نقل ألا يكون ذلك هو فرقه النوعي؟
فإذا كان العقل في الكلام ككلام ثانويا في تقويمه من حيث هو علم ديني إذ كونه فيه كعلم بإطلاق أمر مشترك بين كل العلوم وليس هو فيه ككلام أي كعلم ديني ثم مع ذلك واصل المرء النزاع في ما يقول الأستاذ فإن المنازع لم يفهم مناط الإشكال ما هو. فلكأنه يزعم أنه ينفي العقل في الكلام –إذا كان علما-ولا ينفي كونه مميزه ككلام من حيث دعواه أنه علم ديني. فيكون المنازع وكأنه يقول: فرق الإنسان النوعي الذي يميزه من حيث هو إنسان عن الحيوان ليس العقل بل كونه غاذيا مثلا وهي أمر مشترك بين كل الحي.
وطبعا كل ذلك مع افتراض صحة التسليم الجدلي بأن الكلام علم. وأبو يعرب ينفي علمية الكلام لعلل أخرى نبيها إن شاء الله في القسمين المواليين: ولذلك سمى ما فيه من عقل تعاقلا وليس عقلا لعدم المطابقة بين حقيقة العلم الديني والاستدلال الجدلي الكلامي. لكننا نهتم هنا بحجج الشائخ لا بحجج الأستاذ: لذلك فسنأخذ المسألة كما فهمها هو ونذهب معه إلى غاية استدلاله ليتبين له ما حل به من قواصم لجهله بالعواصم.
نعود إلى إستراتيجية الدحض. فلا شك أن أي مبتدئ في المنطق يدرك أن دحض القضايا الكلية أيا كان كيفها إذا كانت من ذوات المضمون الوجودي من أيسر الأمور. ذلك أنه بمجرد أن يحصل القضاء بكلية ذات مضمون وجودي يصبح الدحض في متناول أي مجادل مهما كان غبيا: إذ يكفيه الإتيان بشاهد واحد يناقض الكلية. فإذا كانت موجبة فسالب وإذا كانت سالبة فموجب. ونحن عملا بحسن النية بالخصم ننسب إلى الشايخ خطة واعية مفادها أنه نسب إلى الأستاذ القول بأن كل مقدمات الكلام نقلية ومن ثم فالكلام خال من العقل (مهملا ما سماه الأستاذ التعاقل الكلامي).
قدم الشايخ شاهدين يمثلان حدين أقصى وأدنى ينفي بهما الكلية المنسوبة أو بصورة أدق يثبت بهما وجود العقل في الكلام: والشايخ لم يكتف بشاهد واحد بل بين أن نصيب العقل هو كل ما عدا السمعيات عند المعتزلة وأقل من القدر الاعتزالي بقليل عند الأشعرية لأنها تنفي التحسين والتقبيح. ولكن من حيث لا يدري يكون الشايخ قد أثبت لنا أنه يرى أن النقل في الكلام هو صاحب السهم الحقيرة وأن العقل هو الأصل حتى عند الأشاعرة: أي إن ما يتميز به الكلام عن الفلسفة ليس فرقه النوعي بل بعض أعراضه التافهة. ولم أعد أفهم عندئذ صلة الشايخ بالسنة عامة و بالأشعرية خاصة أو بصورة أدق عدم اعترافه بانتسابه إلى الاعتزال. ولا يلومنني أحد إذا ذهبت إلى أكثر من ذلك: فعلى الشايخ أن ينتسب إلى البراهمة لأن حجج الاعتزال للإبقاء على النقل واهية ناهيك عن حجج الأشاعرة وسنرى إلام تؤدي بالشايخ.
وأغفل الشائخ أهم عنصر في مثل هذا الحل بحدية الأدنى والأقصى أي الاعتزالي والأشعري: أليس للقسط النقلي موقف من القسط العقلي؟ فهل اعتبر في القسمة بينهما؟ ونحن نسلم له أن موقف القسط العقلي من القسط النقلي معلوم أعني ما يريد أن يثبته ضد موقف الأستاذ بهذه البلادة التي ليس لها نظير. فهو لا يدري أن البراهمة لما تنفي الحاجة إلى الوحي تجعل العقل الأصل في الإلهيات ولا تكتفي بكونه يدخل في علمها كأداة شأنه في كل العلوم فتكون متناسقة بخلاف من يجعلونه الأصل وليس مجرد أداة ثم يدعون الحاجة إلى الوحي في فضلة تافهة هي ورقة التوت التي تخفي الموقف الباطني.
وماذا لو كان القسط النقلي يحد من القسط العقلي بصورة تنفي أن يكون له ما يدعيه من تأسيس العلم الديني بما يثبته بذاته من دون سند نقلي ألا يكون بذلك العقل المزعوم منافيا للنقل ؟ والحل هو التأويل الذي يكمل المهمة فيلغي ما أبقوا عليه من النقل مع العقل في الكلام: إذ معنى رد المعارض النقلي إلى العقلي يغني إلغاء هذه الزائدة الدودية من الكلام ليصبح عقليا خالصا. والذين خافوا من هذا المآل ذهبوا إلى أن العقل يتنحى بمجرد أن يثبت النقل فيستقيل ويسلم القياده للنقل. لكن النقل من أين له بهذا الدور ؟ أليس لأنه يقول بما يتجاوز العقل أي بالغيب فيكون التسليم اعترافا بأن الغيب كله-وليس السمعيات أو التحسين والتقبيح وحدهما-غير قابل للعلم بالعقل ؟ فهل الغيب عند الشيخ مقصور على ما يسميه المعتزلة السمعيات مثلا ؟ كيف يمكن للعقل أن يسلم بأن النقل الذي يثبته يصبح ذا قوة تمكنه من عزله ؟ وما هي هذه القوة؟
ثم أي عقل هذا الذي يستطيع أن يقول بيقين في الله ذاتا وصفات ويعجز عن التحسين والتقبيح وعن السمعيات ؟ هل هذه أعسر عليه من تلك ؟ أم هو القول الضمني عند الباطنية بأن مضمون الوحي ليس هو –كما يزعم فلاسفة عصر الكلام وعلمانيو عصرنا- إلا مجرد خرافات تتعلق بالممارسات الشعبية يمكن لحسن الصباح أن ينسخها ليعوضها بسلطان كنيسة المعصومين فيصبح دين الحرية والسلام دين الاستبداد والإرهاب: بعبارة فلسفة ذلك العصر الغابر لغتهم المهذبة مثالات عملية. لذلك جاءت الحلقة الثالثة لتزيد الطين بلة لأنها أسقطت الشائخ في رمل متحرك لا منجاة له منه. فهو يحاول فيها أن يثبت أمرين يدعم بهما ما تصور نفسه قد حققه في الفرعين الأولين من الحلقة السابعة وهو في الحقيقة يزداد غرقا في مأزقه كما نبين إن شاء الله:
الأمر الأول هو زعمه أن حل أبي يعرب تعترضه نفس المصاعب التي تعترض الدليل العقلي في الكلام: فالوجدان غير النقل. ولا يكون النقل مكتفيا بذاته. وإذن فحال الوجدان كحال العقل كلاهما غير النقل الخالص.
الأمر الثاني هو زعمه أن الفطرة والوجدان إذا اعتمدناهما دليلا في المعرفة الدينية امتنع علينا أن نميز الدين الصحيح من الدين غير الفاسد لأن سيثبت أي دين وكفى. فتتساوى الأديان. ولم يقل لنا لم لا يكون الأمر نفسه صحيحا بالنسبة إلى العقل.
فإذا كان الوجدان لا يستطيع أن يميز ولا أن يفاضل بين الأديان فلم يمكن للعقل أن يفعل وهو مثله مثل الوجدان قوة فطرية مشتركة بين البشر وينتهي حتما إلى تصورات متعددة بل ومتناقضة للدين اللهم إلا إذا نفينا تعدد المذاهب في الإلهيات الفلسفية؟ كيف يستطيع العقل أن يحسم في الإلهيات الفلسفية يستطيع أن يحسم في الإلهيات النقلية وكيف لا يستطيع الوجدان أن يحسم فيها وهي تعتبره أصلها ؟ ولما كان الشايخ لا يرى ما يورط فيه نفسه من بلاوي إضافية فإنه تصور نفسه قد أنهى علاجه وأنه دحض كلام أبي يعرب في طبيعة الدليل الكلامي أو بصورة أدق ما ينبغي أن يكون مقوما للدليل الكلامي ليكون المعلوم به دينيا فيطابق مايدعيه أصحابه من أنه الحجاج على العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية. لذلك فهذه الوجوه الأربعة والفرح السريع بنهاية للاستدلال المفحم لأبي يعرب كلها مجرد أوهام لأنها كلها تنتهي إلى ما يدعم خيار أبي يعرب لو كان الشيخ يدري: والأستاذ مستغن عنها لكنه لا مانع عنده إذا كان معارض رأيه يستدل له لا عليه.
ولأشر في غاية المسألة الأولى إلى أهم علامات العقلية الكلامية. فعجبي هو ممن لا يتحرر من العجلة وعدم الروية أعني مما هو نقيض العقل بل والدين بالجوهر ثم يزعم انه يعمل من أجل حماية الدين بالعقل والمنطق. فما رأيت متكلما يكتب شيئا ذا نظام ذاتي معلوم بل إن كل ما يكتبونه يكون نتفا محكومة بمنطق ما يتصورونه نقاط ضعف في المردود عليه وليس بمنطق موجب من عندهم يطلب الحقيقة لذاتها. وهذا يصح حتى على الشادين منهم ناهيك عن البادين: وتلك هي علامة الذهنية الصدامية لا الحوارية لأنهم لا يتواصون بالحق من أجل الوصول إلى الحقيقة ولا يتواصون بالصبر من أجل العمل بالحق.
ولأني أريد أن يكون النقاش منهجيا فقد بدأت فقمت بما كان ينبغي لصاحب الردود أن يقوم به لو كان يحسن المناظرة: ترتيب المسائل بصورة تبين نسقها ونهجها. لكن تدارك هذا الأمر من الممتنعات عند المتكلمين. لذلك ألزمت نفسي تطوعا بالبحث عن علاقة المراحل الثلاث في حلقة الشايخ السابعة وأهملت ما عداها مما تقدم عليها وما تلاها لأن جلها من جنس تنفيس المكلوم بالسباب وتكرار القشار بغير لباب: وقد وفيت بعضها حقه في الهوامش حتى لا أثقل على القراء. فأهم علامات العقلية الكلامية هي غياب المنهجية الإيجابية: نهجهم هو ما يفرضه منطق رد الفعل الدائم. ويبقى عجبي ممن لم يتحرر من العجلة وعدم الروية ثم يزعم انه يعمل من أجل حماية الدين بالعقل والمنطق قائما دائما كذلك. فما رأيت متكلما يكتب شيئا ذا نظام ذاتي معلوم بل إن كل ما يكتبونه يكون نتفا محكومة بمنطق ما يتصورونه نقاط ضعف في المردود عليه وليس بمنطق موجب من عندهم.
وهذا الوصف يصح حتى على الفحول دعك من الذيول: فتلك هي علامة الذهنية الصدامية لا الحوارية لأنهم لا يتواصون بالحق من أجل الوصول إلى الحقيقة ولا يتواصون بالصبر من أجل العمل بالحق. المهم أن يظهر الواحد منهم على الآخر. والحقيقة هي آخر همومهم. وأحسن من وصفهم حجة الإسلام في الإحياء. ولعل مقال أخي المحمودي الأخير قد بين بعض علل ذلك بمجرد ما أقامه من موازنة بين علم الكلام وكلام العلم. وتكفي ردود الشيخ بلال على مقاله حجة على أن المتكلم لا يميز بين أكداس النفايات الكلامية في مزابل الانحطاط وأنساق النظريات العلمية التي غزا بها أصحابها الأرضين والسماوات. وقد أعود إلى المسألة فأجعلها غرض بحث قائما بذاته. وقد أعود إلى المسألة فأجعلها غرض بحث قائما بذاته.
المسألة الثانية
أبين فيها ما نصبه الشايخ لنفسه من أفخاخ تجعله يدحض نفسه بنفسه بل ويتهمها بأقذع النعوت. ويكفي لاستنتاج ذلك الوصل بين ما جاء في المرحلتين الأوليين من الحلقة السايعة: يكفي أن نقرأ ما جاء في المرحلة الأولى في ضوء ما جاء في المرحلة الثانية. ويكتمل الأمر بالنور الساطع الذي أضافته الحلقة الثالثة.
وبذلك تتضح عناصر مسألتنا الثانية آملين ألا يزعم الشايخ أننا لم ننصفه في وصفنا أدلته أو أننا تجاهلنا عنصرا من عناصر حججه كما رصدناها في ما هو مفيد من سابعته مراحلها الثلاث الأولى. ونحن مستعدون لمراجعة الوصف إذا أقنعنا بأننا تغافلنا عن أمر مهم من حججه إذا كان مدركا لما تضمنته عناصر ونظما. ونشكره على تبرعه للجواب بدلا من الأستاذ زاعما أنه لم يبق له أي ذريعة لئلا يستسلم لمنطقه الذي سد كل المنافذ. وحق له أن يتصور ذلك. فمن البين أن "التوهم لا حد له" وهو دائما بهذه الصفة: صاحبه يفرح بالأشباح التي يصنعها فتصير عالم هذيان يحول دونه ورؤية شيء آخر غير أوهامه.
إن من يغفل شروط بنية الخطاب المؤثر وخاصة إذا كان قوله مجرد رد فعل على خطاب لم يحلله ومن لم يستخرج المبدأ الذي يؤسس عليه خطابه ليوجه إليه مدافع (بمعناها الكلامي لا الحربي) الدحض يحق له أن يطلق صيحة النصر. فالشايخ لا يعلم أن خطابه يظل غير مؤثر ما لم يدرك صاحبها بنيته وأصلها لئلا يكون قائده التخبط واللاوعي. فهو لم يبين لنا الأمر الذي يجعل خطابه على الحال التي صاغه عليها لأنه لم يتبينه. وذلك هو القصد بقيادة اللاوعي وتخبط الغضب الذي يعمي صاحبه: ما حججه؟ ولم كانت حججه بتلك العدة؟ وبذلك الترتيب؟ وما الضامن لتناسق الحلين اللذين يقدمها في المرحلة الثانية ببعديها مع التعليل الوارد في المرحلة الأولى ببعديها؟ ولماذا انتهى الدحض في المرحلة الثالثة من سابعة الحلقات إلى بيان أن أقصى مايثبته المرزوقي يجعل الحدس مثل العقل بديلين غير كافيين منه؟
لم ينتبه الشايخ إلى أنه قد دحض نفسه بهذا القول: والعلة أنه يقف عند مباشر النتائج ولا يلتفت إلى بعائدها لأنها تحتاج إلى الروية. وأنى له بالروية وهو يعتبر "قواعد ديكارت" أو حتى مقاله في الطريقة من علامات التغرب والاستشراق في حين أنه يستعمل بعض منطق القرن الرابع قبل الميلاد الذي هو بدوره غربي ودون فهم شروطه الميتافيزيقية ؟ فهو يتصور أبا يعرب يرفض أن يقره على هذه النتيجة. ولو كان يدري أن حديها متعاكسان تعاكسا كليا ومن ثم فهي علاقة تلازم بين وجهيها لأدرك أنه يجدف مع أبي يعرب من حيث لا يعلم. فالنور الطبيعي أو العقل السوي متعاكس كليا مع الحدس الوجداني أو الفطرة: كل عقل سوي حدس وجداني وكل حدس وجداني عقل سوي.
وهما لا يختلفان إلا بما لا أثر له على الجوهر أي بكون الأول مصوغا بالفعل والثاني قابلا لنفس الصوغ بالقوة. ومن ثم فما يمكن أن يصف به الشايخ حجج الحدس الوجداني أو الفطرة من عجز أو قدرة يمكن للأستاذ أن يصف به حجج النور الطبيعي أو العقل السوي كذلك. فلا يكون أي منهما كافيا لتأسيس العقد الصحيح أو يكونان قادرين عليه بشرط المرونة التي تقتضي رفض الصوغ الصناعي أعني ما يسميه أبو يعرب بالتعاقل: فالخلاف كله يأتي منه بسبب الترجمة الناقلة من لغة النص الطبيعية إلى لغة الكلام الصناعية بالتأويل وذلك هو التعاقل أو العقل غير السوي الذي ينهى عنه القرآن بصريح العبارة وكذلك العقل الفلسفي بعد أن أدرك حدوده فتخلص من مركزية اللوجوس[8].
ويعني ذلك لمن يدرك البعائد أن الحل الأخير هو ما يرشدان إليه صاحبهما أعني ما قال به أبو يعرب وقد سبقه إليه سقراط وكل كبار الفلاسفة. وأبو يعرب لا يستحي من الاعتراف بالدين لغيره من الكبار. فلا يوجد أحد منهم لم يقل بذلك حتى وإن تغيرت تسمية الوحي فاعتبرت النور الطبيعي قبالة التعاقل الصناعي. فلا يمكن للمؤمن أن يكتفي بالعقل فيستغني عن الوحي مصدر الأدلة النقلية التي أتت في القرآن والتي هي عين العقل من حيث هو لب ونهى مصاحب للتجربة الوجودية والوجدانية المعيشة وليس من حيث هو استدلال منطقي. لم ير الشايخ العجول أنه بذلك يسلم مرغما بما يريد أبو يعرب أن يثبته بطرق أخرى تعي أسسها ومنهجها.
ثم إن كل كلام الشائخ لا يستقيم إلا إذا قبل بأمرين آخرين من لوازم قوله يجعلانه من حيث لا يعلم مضطرا لأن يكون تيميا حتى النخاع وهو غير دار إذا كان حقا يستعمل هذه الحجج بقناعة- دون تعاكس أي إن ابن تيمية لا يقول بحججه وينتهي إلى نفس النتائج لأنه يؤسسها على ما يعتقده ويثبته ذو اللب وأولو النهى:
فأولا الدليل العقلي صار عنده مقصورا على إثبات الربوبية وإلا لاستغنى بالكلية على الوجه النقلي في الكلام. وهو لا يستطيع أن يفعل لئلا براهمانيا: فقد جعل الحاجة إلى النقل لجعل المثبت بالعقل متجاوزا مجرد التصديق العقلي إلى التصديق الإيماني ليتحقق الإذعان لله. لكن اندفاعه جعله لا يرى هذه النتيجة الحتمية.
فصارت الحاجة إلى النقل ثانيا هي لإثبات الألوهية وإلا لكان الدين مقصورا على التصديق العقلي من دون التصديق الإيماني أو الإذعان كما يسميه الشايخ. وهو مضطر لأن يفعل لئلا يكون كلامه فلسفة خالصة وليس علم كلام يدافع بالعقل عن العقائد الإيمانية. وبذلك تتم تيميته الصريحة: لأن الدين التام هو توحيد الألوهية.
وليس من شك في أنه لم ينتبه لذلك لأنه يستعمل مصطلحات لا يفهم دلالتها العلمية على حقيقتها ليس لعاهة ذهنية عنده لا قدر الله-وهو ما لا أستبعده عنده دون أن أتمناه له-بل للعجلة كما هو دأب كل مبتدئ يتزبب وهو "حصرم". لم يتعلم النظر في البعائد فيقتصر على قرائب النتائج لتعليلاته وهذا مقتل كل المتقحمين: فحتى لو كفى التصديق العقلي لإثبات الربوبية فإنه يظل معلقا إلى أن يشفع بالتصديق الإيماني الضروري لمن يريد أن يصل إلى مرحلة توحيد الألوهية حتى يكتمل مفهوم الدين فتحصل حقيقته. فهل يكون الشايخ قد تتيتم ولعله قريبا سيتوهب؟
لكنه فعل ذلك بدون وعي ولن يسحب له ولا عليه. فقد اضطره إليه حماس المحارب الأهوج فاقد الروية في تدنكخه ضد النواعير ظانا إياها حجج أبي يعرب. المهم أنه قد انتهى إلى النتيجة التالية. فلكي يثبت القسط النقلي لئلا يكون براهميا سواء النقل بحده الأدنى عند المعتزلة أو بحده الأقصى عند الأشاعرة لا بد له من القول:
بما يشبه الفصل بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية أولا.
والتسليم بما هو أكثر من ذلك لتتأكد تيميته الحتمية ثانيا.
فتوحيد الربوبية كلي ويشمل خاصية الإنسان النوعية (ويكفي لإثباته الدليل العقلي حسب رده) في حين أن توحيد الألوهية خصوصي ويقتصر على ما أتت به الرسالة (لا بد فيه من الدليل النقلي الوحي): لذلك اعتبر الحراني القرآن المكي ممثلا للوجه الأول والقرآن المدني ممثلا للوجه الثاني (من منطلقات أخرى طبعا وليس بالأدلة الواهية التي يتوهمها الشايخ). وبذلك يكون التوحيد ذا درجتين مختلفتين كما يرى شيخ الإسلام. وقد انتهى إليهما الشايخ الذي يحاربه ليلا نهارا دون أن يعلم لعدم وعيه ببعائد كلامه. وطبعا فحججه الضعيفة غير ما يحتج به شيخ الإسلام: لكننا نقبلها منه لأنه عين الفخاخ التي نصبها لنفسه وليس دورنا أن نحرره من الشباك التي وقع فيها.
لكن النتيجة واحدة مع ذلك وهي ما يقول به الأستاذ من دون الحجج الهزيلة التي وقع فيها الشايخ المتكالم: فتوحيد الألوهية هو الذي يترتب عليه الإذعان الذي لا يتحقق بمجرد العقل في توحيد الربوبية بل لا بد من قسط مهم من النقل مؤيدا ذلك بضرورة رفض التحسين والتقبيح العقليين (سهم النقل في المنظور الأشعري) أو قسط زهيد مقصور على السمعيات (سهم النقل في المنظور الاعتزالي).
فلا يكون الخلاف إلا في تسمية أدلة الربوبية عقلية. فالوصف عقلي عنده هو الاستنباط الكلامي. وهو ما نرفضه لأن العقل ليس مفهوما متواطئا بل هو متعدد المعاني وملتبسها. فالعقلي الذي نقول به هو ما يعلمه كل من قرأ القرآن وفهم شروح المحاسبي: إنه اللب والنهى اللذين يجتمع فيهما الوجدان فهما حدسيا والفرقان فهما تحليليا جمعا للمعرفة والأخلاق في آن. وهما لا يقتصران على الاستنباط المتعاقل بالأدلة القولية بل هما ما يسمى ببرهان الرب أعني اليقين الذي يحصل خلال التجربة الوجودية المعيشة التي لا تقبل الصوغ بمقتضى كونها دالة من حيث هي متعينة في "ما لا ينقال" كالتجربة التي حصلت لفرعون وهو يغرق أو لأي محاصر في البحر بالأمواج التي كالجبال وكل التجارب التي يصفها القرآن الكريم والتي بها يخلق القرآن الحال الوجدانية والإدراك الفرقاني اللذين يدرك فيهما وبهما الإنسان العلاقة بين الفاني والباقي فيحصل الشعور اليقيني بالحاجة إلى الرب فقرا وإلى الإله شكرا في آن.
والتجارب الآيات التي تثبت ما يجعل الفطرة تثبت التوحيدين الربوبي والألوهي ليست عرضية قد تحدث أو لا تحدث بل هي مراحل النمو الروحي الجنيسة لمراحل النمو العضوي: لذلك قالت الآية التي لا يفهمها الشائخ إن الذي يظن الأستاذ في أرذل العمر أن بالغه لا يعلم من بعد علمه شيئا. ويمكن حصر هذه التجارب من خلال القصص القرآني: فلا يوجد إنسان لا يمر بها طوعا أو كرها. فالطوعي منها هو تجارب التفكر والتدبر والتذكر التي يعيها ذوو الألباب وألو النهى وهي معين الدعوة القرآنية والاستدلال القرآني. لكن الكرهي منها هو المادة الخام التي لا يخلو من عيشها إنسان مهما كان غافلا: كتجربة المرض والألم والحزن والخوف والجوع والضمأ: والنوم أو الموت الأصغر ثم الموت هما الذروة الجامعة بين النوعين لأنهما يمثلان لحظة التمييز بين اللاوعي والوعي نسبيا وكليا وفيه يدرك الإنسان الفرق المطلق بين الفناء والبقاء. ومن ينفي هذه الأمور لن يدرك أمرين أساسين في خاصيات الإيمان كما يحددها القرآن الكريم:
الأول إيجابي وهو جعل الإيمان والحساب والعقاب والمسؤولية شخصية. ولو كان الدليل الصناعي ضروريا للإيمان تصديقا وتطبيقا لكان الله قد كلف الناس بما لا يطاق فضلا عن كون كل أدلة القرآن هي من الجنس الذي وصفنا (تجارب معينة مدرك صاحبها لمغزاها الروحي).
الثاني سلبي وهو نفي الوساطة بل واعتبارها من جنس الشرك حتى إن الرهبانية الذوقية ومثلها العقلية-أي التمحض المزعوم للدين علما أو عملا بصورة تجعله اختصاصا لخاصة تقود عامة-يعتبره القرآن دالا على الفسق في أغلب الحالات (الحديد للرهبان وآل عمران للمتكلمين).
أما آية الانقطاع للتفقة في الدين فهي لا تعني ما فُهم منها وإلا لكان النبي أو حتى بعض الصحابة عاطلين في الصوامع أو في المعاهد ولم يؤسسوا كل أركان التاريخ الإسلامي بعلمهم وعملهم على علم في الدينيات غير الكلامي (العلم الحدسي التاريخي مثل التفسير المؤسس لفقه الشرائع ولفقه العقائد بالحجج النقلية مضمونا والعقلية شكلا) والدنيويات غير الميتافيزيقية أعني البناء "النظري-التجريبي" ككل المعارف الإنسانية التي ليس فيها ما يتجاوز الشهادة إلى الغيب.
إن عدم وعي الشايخ بذلك كله فضلا عن عدم فهم أن رده يخلو من الجواب المقنع عن هذه الأسئلة حول المبدأ المعلل لهذا التفسير يجعلان كلامه حول دور العقل في المقدمات الكلامية غير عقلي لأنه غير مؤسس. وهو من باب أولى عديم النسقية. فعلامة العقل الأولى هي أن يكون التفسير مؤسسا ومتناسقا يعني ذا مبادئ بدهية على الأقل من منظور الشايخ الذي يقول بالبديهيات العقلية بخلاف أبي يعرب الذي ينفيها دون أن يترتب على ذلك ما يصفه به الشيخ: السفسطة لأن الشايخ يجهل أن السفسطة لا تنفي البديهيات بل هي تستند إليها لتنفي العلم بما يترتب عليها من شروط. لكن أنصاف المتعلمين لا يفهمون شيء.
إن الكلام في أي موضوع من دون تأسيس وتنسيق ليس علما بل هو فيض خاطر كما أسلفنا: فلم كان رد الشيخ على هذا النحو من الفهم للقضية؟ وهل يمكن افتراض غيره أساسا لموقف الأستاذ بحيث يكون حله هو الأولى بأن يكون حلا عقليا؟ سنفترض بعدا خامسا ذا وجود ضمني عند الشايخ: من دونه لا يمكن فهم الأبعاد الأربعة الصريحة التي وردت في المرحلتين الأولى والثانية من سابعته نستخرجه من مرحلتها الثالثة. وهو حسب رأينا ذو وجهين عند النظر إليه من موقف الشايخ وذو وجه واحد عند النظر إليه من موقف الأستاذ.
وبعبارة أشد وضوحا فالمبدأ هو حد علم الكلام وطبيعته أي الظاهرة نفسها التي يمكن أن يقاس بها قول الشايخ وقول الأستاذ لكي يكون الاحتكام لحكم خارج عن قولهما ومشروطا بفعلهما. فالشايخ يعرف الكلام بكونه فنا جامعا بين مقدمات عقلية (هي القسط الأوفر من قضاياه) ومقدمات نقلية (تراوح بين حدين أدنى عند المعتزلة وأقصى عند الأشاعرة) ويستنتج من ذلك أن إن البرهان على وجود الله ممكن عقلا بل وواجب.
والأستاذ ينفي تعريف الكلام هذا التعريف ويرى أنه لا يمكن البرهان على وجود الله عقلا بالمعنى الكلامي للعقل -ويصفه بكونه تعاقلا لا عقلا-فضلا عن أن يكون واجبا. فيكون الأستاذ مطالبا بأمر واحد هو أن يثبت بالعقل وبالتاريخ حد الكلام كما يراه ومن ثم امتناع البرهان العقلي بمعنى الاستنباط الصوري القاطع. وقد يتطوع فيثبته بالنص. وهو لا يحتاج إلى دليل التحقيق الفعلي للدليل العقلي على عدم الدليل العقلي. لكنه مستعد للقيام به تطوعا وقد فعل كما سنرى في القسم الأخير. لكن الشايخ من واجبه أن يثبت بالعقل والتاريخ حد الكلام الذي يدعيه وأن يأتي بالعقل وبالفعل بالبرهان الذي يدعي إمكانه: فيحقق ما عجزت دون كل المحاولات المعلومة من العقول البشرية على الأقل إلى حد الآن. ونحن مستعدون للتنازل عن إثبات وجوبه. فمن موقفه لا بد أن يكون المبدأ مضاعفا لأن مقومات الدليل عنده مضاعفة. فهي:
1= من منطلق المقوم العقلي لا بد من الاستناد إلى الملاحظة العلمية للأدلة التي يدور حولها النقاش إما من حيث نظريتها أي القول الواصف لها أو من حيث عملها أي السعي لتحقيق ما يتحقق منها بالعقل وتمييزه عما لا يتحقق منها به لتكون من نصيب النقل.
2= ومن منطلق المقوم النقلي لا بد من النظر في التوافق بين يؤدي إليه الوجه العقلي وما يسمح به أو لا يسمح به الوجه النقلي من شروط الاستدلال بالعقل. فإذا كان الله ينفي على النبي القدرة على الجواب عن سؤال الروح مثلا فكيف يعلم الشايخ أن العالم حادث ليؤسس عليه دليل الحاجة إلى المرجح وعلم بعض أجزائه محجوب حتى على النبي ؟
ولن أذهب إلى أكثر من ذلك فأطالبه برأي القسط النقلي في القسط العقلي من حله ومن ثم بتفسير الآيات القرآنية التي تنفي الحاجة للدليل الكلامي المتعاقل على وجود الرب لأن الشهادة بوجوده قد تمت من أبناء آدم عند الأخذ من ظهور أبائهم. والاعتراض بالآية القائلة إن الإنسان خلق ولا يعلم شيئا -الذي يغالط به الشايخ الأخت الفاضلة شفاء علما وأنها برهنت على أنها صاحبة عقل راجح فلا يمكن أن يغالطها أحد-ليس حجة. فوجود الله ليس شيئا بل هو عين الواجد المطلق الذي يشاء الأشياء فتكون. وإذن فهذه الحجة لا تعمل إلا عند من لا يدرك شرطها: فيتوهم أن الله شيء ويشيئه تعالى الله على الأوهام والأفهام.
كما أن وجود الذات التي تدرك الأشياء ليس شيئا: علم الإنسان بذاته وبربه مستثنى من دلالة هذه الآية وإلا لكان الكلام عن التعلم مستحيلا: ومدلول الآية أن الإنسان يتعلم رغم أنه لا يعلم شيئا لما يولد والمفهوم عدا شروط العلم أعني علم الإنسان بذاته وبربه قبل تعلمه علم الأشياء التي علمها الله أسماءها. وهل كان الله يعلمه أو يخاطبه لو لم يكن له هذا العلم القبلي يا شائخ بمعنى دائخ ؟
لذلك كان الوعي بالذات متلازم من حيث هي ذات الوجود الفاني مع الوعي بالله من حيث هو ذو الوجود الباقي. وكلا الوجودين مدرك بالفطرة وثابت فطريا بل وشارط للتعلم ولتلقي الخطاب العقدي والتكليف الشرعي. ولا أحد منهما قابل لأن يشيأ أو يتشيأ فيعد شيئا في الأعيان أو في الأذهان لأنه فوق التعين والتصور. وكلاهما معلوم بل إن العلم بهما هو عين الوعي الإنساني والفطرة. وذلك هو سر الدليل الوجودي كما صاغه الأستاذ أبو يعرب في دحضه دحض كنط له (راجع المقالة الأولى من شروط نهضة العرب والمسلمين أم علقت على ماجاء فيه وأنت ساه لأنك شائخ بمعنى دائخ ؟). ومن ثم فالآية لا تنطبق. فيبقى السؤال مطروحا: ما الحاجة إلى الدليل العقلي لإثبات وجود الرب مثلا والشهادة بوجوده مفطورة في كل أبناء آدم ؟
أليس في ذلك التفسير المقنع لمعنى كون الأنبياء يأتون للتذكير بما هو مفطور وليس للإعلام بما يجهله الإنسان لأنه يعلم ذلك بالفطرة؟ وأنهم يأتون خاصة بما لا يعلمه العقل المتعاقل بالاستنباط الصناعي وتحدسه الفطرة عندما تحيا بوجدان حي التجارب الحدية التي يصفها القرآن في قصصه فيدركونها بما لهم من ألباب وتدبر وتفكر وتلك هي التجربة الوجودية التي لا يمكن للتعاقل الكلامي أن ينوبها لكونه صورة جوفاء جافة وفاقدة للحياة وللماء. ولكن لو كان العقل كافيا حتى للتذكير وليس للتدليل أما كانت الحاجة إلى الأنبياء تصبح سدى فيكون البراهمانيون على حق ؟
أما الأستاذ فهو في غنى عن المبحث الأول بوجهيه لأن الوجه الثاني منه هو معين حججه كلها ويكفيه المقوم الوحيد الذي يقول به للتدليل على وجود الله أعني النهى أو العقل بالمعنى القرآني. فالتجربة الوجودية الصادقة التي تنتهي حتما إلى الإيمان الذي هو الإسلام لله رب العالمين وليس مجرد الاسم الاصطلاحي للإسلام من حيث هو انتساب رسمي إلى جماعة قد يكون مصحوبا حقا بالإسلام لله وقد لا يكون فيكون كإسلام البدو الذين لما يدخل الإيمان إلى قلوبهم أعني نسوا الشهادة التي حصلت وهم في ظهور أبائهم.
ولما كان الشايخ قد عمل بمبدأ التيسير على نفسه –وقد لا يكون قصد ذلك لغفلته حتى على أسس تكتيكاته-في مستوى النظر أو الدليل القولي فزعم أن الأستاذ المرزوقي يقول بأن كل مقدمات الكلام ليست عقلية أو بأنها كلها نقلية متصورا أن العقل والنقل مفهومان متواطئان حتى يسهل دحضه بتقديم أي مقدمة عقلية أو ليست نقلية لكي يكون قد دحضه فإنه قد عرّض نفسه لنفس الطريقة. فيمكن أن أقلب عليه الحيلة في مستوى العمل أو الدليل الفعلي فأطالبه بمنطق إذا قلتم قلنا: نحن ننفي كل إمكانية لإنجاز دليل واحد بالعقل على وجود الله. وهبنا قصرنا نفينا في مجموعة عينة هي المعلوم من الفكر الإنساني إلى حد الآن فادعينا أنه لا أحد أثبت بالعقل وجود الله (حجة تاريخية) ثم عممنا فادعينا بإطلاق نفي الإمكان (حجة جدلية): ها نحن نطالب بدحض هذه الدعوى بوجهيها. ولا مفر من أن يقدم لنا على الأقل مثال واحد يحقق فيه ما يدحض دعوانا إن كان يراه ممكنا أو على الأقل بإثبات الإمكان بالحجاج العقلي وليس بالتحقيق الفعلي: فإيتنا بشاهد واحد يعارض هذه القضية حصولا أو إمكان حصول.
ولنسأل الآن عن التناسق. فأبو يعرب رفض الدليل العقلي في الكلام لأن العقل عنده ليس التعاقل الكلامي Ratiocination والشيخ يعلل رفض الأستاذ بخوفه من الوقوع في البراهمانية وفي ما يترتب على ما نفته من القول بالتحسين والتقبيح: فيكون أبو يعرب قد اختار هذا الحل خوفا من أن يكون براهمانيا أو اعتزاليا. فلنسلم للشايخ ذلك. ولنأخذ الفرضية التي يفسر بها موقف الأستاذ مأخذ الجد ولنسأل: كيف لم يترتب عليه هو أن يكون براهمانيا وهو يقول بالدليل العقلي ؟ أليس لأنه طعمه بالنقلي ؟ كيف أمكنه أن يجد مهرب التطعيم الأشعري أو حتى المهرب الاعتزالي دون المرزوقي والمهرب موجود أمام الجميع فيكفي أخذه؟
هل الشايخ هو الذي أسس الحل الاعتزالي والحل الأشعري ولذلك فله حق التأليف فلا يصح أن يستعمله أبو يعرب لو كان يرضى بما يرضى به الشايخ من الحلول المغشوشة ؟ أيكون هذا الترتب خاص بالمرزوقي ؟ لو كان أبو يعرب يقبل بالحل الاعتزالي أو الأشعري لما وجد المشكل من الأصل. فأي معنى إذن بالرد عليه بهما ؟ أليس هذا مصادرة على المطلوب ؟ لكن أكثر من ذلك بخصوص البراهمانية: لم لم يترتب على الاعتزال أن يصبحوا براهمانية فوجدوا السمعيات مهربا لإعطاء دور للنقل أي للقول بالنبوة من دونها ؟ كيف أمكن لهم أن يكتشفوا مهربهم منها؟ لماذا لا يدرك الشايخ أن أبا يعرب مثله مثل مراجعه الذين يذكرهم أدرك أن المهربين الأشعري والاعتزالي لا يخلصان من البراهمانية إلا بالتياسر. فالعقل المتعاقل إذا كان كافيا لإثبات وجود الله ألا يكون أولى به أن يكفي لتحديد خصائص شرعة فلا يحتاج إلى التصديق الإيماني وراء التصديق العقلي فضلا عن كون الوحي ليس له ما يحقق به التصديق الإيماني إذا كان فاقدا لما يحقق به التصديق العقلي؟
فلنتياسر مع الشايخ ولنعتبر تفسيره لحل أبي يعرب بكونه قد أراد أن يتجنب أحد الإلزامين الممكنين إن لم يكن بالتضامن بين التعليلين فبأيهما اتفق أي إما بالبراهمانية أو بالاعتزال تاركا الخيار للقارئ. فأي التعليلين يقنع كاف. وفي الحقيقة فهذا التياسر ليس تفضلا منا بل هو ما يمكن أن نستوحيه من الحلين في القسم الثاني من الحلقة السابعة حيث اقتصر الشيخ على الحلين الأشعري والاعتزالي لتقديم الحل لمسألة نصيب المقومين فبينا أنه بأي منهما يصبح تيميا ولما يدري بعد لم. فما يعنينا هنا ليس بيان أدلة الأستاذ التي هي موضوع القسم الأخير في الأسبوع الموالي للأسبوع المقبل بل هو تبكيب للشايخ الذي لا يعي ما يقول بدليل ما يضع نفسه فيه من فخاخ.
وذلك ما يوجب أن نمر إلى مسألة القسمة الظالمة بين الدليل العقلي والدليل النقلي في مزيج الكلام فاسد المزاج عنده ولم كانت بهذه الصورة التي يهضم فيها حق النقل بالقسط الزهيد عند المقارنة بقسط العقل. ثم نعود إلى بيان أن من يقول بالدليل العقلي لا يحتاج إلى القسمة أصلا فيكون الحل البراهماني أفضل الحلول وأكثرها تناسقا لأن العقل الذي يقدر على إثبات وجود الله أولى به أن يكون أقدر على إثبات صفات له تكون كافية لتأسيس شرعه فلا نحتاج إلى أنبياء في مجال التشريع إلا إذا حصرنا دور الأنبياء في ما حصره فيه الفلاسفة أعني القدرة التخييلية للحاجة العملية.
وفي الحقيقة فإن الشايخ لم ير أي منقلب سينقلب. فقد رددنا عليه هذا المهرب الهزيل فبينا أنه به قد انتسب من حيث لا يعلم كما انتسب من قبله بلال إلى الكلام غير السني سواء في وجهه الأشعري المتأخر بعد الانحراف أو في وجهه الاعتزالي من البداية بل أكثر من ذلك ولعدم إدراكه معنى التناسق فهو في ثالث الوجوه صار تيميا حتى النخاع: فشرحه الفرع الأول بالفرع الثاني من سابعته عند وصله بالاحتجاج المستأنف في الفرع الثالث من القواصم لو كان يعلم بل ومن القواتل.
ولا مزيد على ذلك فله أن يعلم ما يدعيه من علم بالمنطق ليفهم لما هو في الحقيقة مضطر للقول بالتيمية إذا أسر على حله. فالعقل دوره في إثبات العقد العقلي أو التصديق العقلي والنقل دوره في إثبات العقد النقلي أو التصديق الإيماني الذي يصفه الشايخ بالإذعان والطاعة أي توحيد الألوهية بلغة الحراني. فيكون الأول هو عينه مفهوم توحيد الربوبية وتكون نسبته إلى العقل هي عين نسبته إلى الفطرة قبله لأن ما يجعله في متناول العقل بالدليل أي الفطرة الواعية هو عين ما يجعله في متناول حتى أهل الجاهلية بالفطرة الغفلة المتقدمة على الواعية بالذات وبالتاريخ: فلا يكون الدليل العقلي إلا ما يسميه الفلاسفة المحدثون بالنور الطبيعي بعد أن يتدرج نحو الصوغ الصناعي للتدليل العفوي. فأهلا بالرفيق التيمي الجديد (ليس حبا في الألوان بل لأن المصطلح شيوعي ورمزها الشيوعة هو هذا اللون).
الخاتمة
لم يبدر مني أي لفظ يتجاوز اللياقة رغم كل ما جاء في كلام الشايخ (والنفر القليل من الأغبياء أو الجبناء الذين يجارونه لما يعلم الله من المصالح بعد أن تركه كل النبهاء فأصبح يهاجمهم مع الأستاذ كما صار الأمر صريحا في المرحلة الخامسة من سابعته: لم التلميح كافيا) في حق أستاذنا أبي يعرب ومهما تنوعت الخطوط أحجاما وأصنافا ومهما زينها بألوان أبي سعدية التي عاد إليها كما وعد ليكرر ما كنا دائما ننتظره منه وممن معه إذ حتى لقب الشائخ فهو وصف موضوعي ويخلو من المدح والذم: إثبات عكس ما يقصدون في كل ما يكتبون أو يقولون.
لن أطيل التعليق عما يترجم عنه ذلك من فوضى نفسية واهتزاز روحي لا يخفى على أي دار ببعض مبادئ علم النفس عند انطباقه على النفوس إذ تنكص فتتصابي لعبا بالكجة والصلصال والتلاوين فتطلي الجدران بتقازيح الألوان. وليس في ما أقول أدنى تجن ولا مخالفة لما وعدت به لأنه وصف لأمر يمكن لأي قارئ أن يكتشفه بنفسه بمجرد فتح الموقع في مداخلات الشيخ كلها تقريبا ولكن خاصة ما تعلق منها بردوده علينا. وما أظن أحدا يرى الأمر من المنظور النفسي بصورة أخرى: فمن لم يكن عييا في اللغة التي يكتب بها يعلم أن ما يوليه الشيخ للألوان تؤديه حروف معلومة هي أساس قيام النظم بدور الإفادة وخاصة بعد أضيف إليه من علامات مفصحة عن المعاني المقصودة بعد تبنى العرب نظام التفصيل الغربي في نسق الكلام.
لم نكن نريدها حربا فجعلوها كذلك حتى بالعناوين والشعارات. وذلك لأننا نعلم أنه ليس من خصائص البحث في الآفاق والأنفس بالاجتهاد الإنساني أن يزعم صاحبه أنه معصوم أو ذو علم لدني: لذلك فلا نحتاج إلى شن الحروب للدفاع عن الخطأ بل نعترف به ونتقدم إلى ما يصلحه شاكرين لأننا نطبق صادقين شرطي الاستثناء من الخسر. لذلك فسأختم بطرفة أحكيها بتصرف معتذرا للأستاذ أبي يعرب الذي رواها عن أحد أصدقائه الشاميين (القصة مقطوعة لسوء الحظ).
وقد قصها علينا بمناسبة ما أعلمناه به من ادعاء الشايخ أن أبا يعرب لا يرد عليه لأن أعصابه قد انهارت لهول حججه الدامغة. ولعل الهول النتاج عن تهديد الشايخ بالفراغ له مع نذره بغليظ الأيمان بأنه لن يعود إلى التلون والتلوين والتلاون إلا بعد أن يعد العدة ليصفي الحساب مع أبي يعرب المنهار حسب رأيه قبل للفهم بتأويل هذه القصة التي سأنزلها إلى الهامش بعد تنزيلها على الظرف لتوضيح مغزى قص الأستاذ للطرفة أنزلها إلى الهامش تجنبا للإطالة على مستعجل القراء مع علمي طبعا بأن الحكاية بالشامية أحلى. لا أعني الحلوى الشامية (وهي حلوى تونسية خالصة) بل اللهجة الشامية [9]. والله أعلم.
قسمت العمل إلى ثلاثة أقسام تجنبا لإرهاق القراء المستعجلين وحرصا على ما بقي للشيخ من قدرة على التركيز. فالعمل هو ثلاثة أضعاف ما هو عليه هنا وهو بعد طويل ومعقد. والشيخ يتصور العلاج المتماسك قابلا لأن يكون بطلقات الفوشيك المتناثرة كما يفعل لأنه لم يتعلم على الفكر المؤسس كدأب التخريف في ألف ليلة وليلة: لست مستعجلا ولا أخاف صياح الديك أكتب على مهلي لأتابع الاستدلال في أدق دقائقه. أما ما يتطاير من"بصاق" المتكلمين خلال فورات الغضب فهو ليس مما يستهويني ولا مما يستفزني حتى وإن أعد الشيخ العلاج النظري المتين سوفسطائية. وذلك لأنه لا يفهم تدقيق المعاني وتنضيد الأدلة ليكون نسيج الخطاب قابلا للامتحان العقلي الصارم.
لست أدري كيف يعلم المتكلمون ما عجزت دونه كل عقول البشر بل وما يؤكد النص الذي يزعمون تأسيس علمهم عليه بنفي كل علم فيه: كيف يعلمون ذات الله وصفاته ؟ وكيف يعلمون الاستواء والكرسي والجهة بغير الخبر الوارد القرآن والسنة باللسان العربي كما تفهمه العرب مع ليس كمثله شيء ؟ وكيف يصبح علمهم المزعوم لما يؤكد القرآن أنه محجوب حتى الأنبياء مصدرا لتبادل التهم والتنابز ثم للاقتال بسبب التكفير المتبادل. كل المتلكمين –دون استثناء- مرضى بهذه العاهة التي وصفها القرآن بكونها ثمرة زيغ القلوب وابتغاء الفتنة. ولذلك فهي قد أدت إلى القضاء على العلم والعمل أي على المعرفة والأخلاق وآلت بالأمة إلى الانحطاط لأنها لم تبق إلا على الحروب الكلامية تميهدا للحروب الفعلية ومن ثم العلة الأولى والأخيرة لما عليه الأمة منذ تفشي عدوى هذا السرطان إذ انتقل من فكر من يحارب (الفرق الهامشية) مؤسسي (السنة) دار الإسلام الكونية إلى فكرهم.
مادة ش.ي.خ. يحدد دلالتها مجالان دلاليان عربي فصيح في كل الثقافة العربية وعربي عامي في تونس.. ودلالتها العربية الفصحى مضاعفة: الشيخ هو أولا من بلغ إلى مقدار معين من الأعوام سنا وهي الشيخوخة وهو ثانيا من وصل إلى درجة معينة من الرئاسة وهي المشيخة وقد كانت رتبة في العلم عندما كانت الأمة سيدة فصارت رتبة في الدجل منذ أن انحطت الأمة أو بصورة أدق بسببها انحطت الأمة. ودلالتها العربية في العامية التونسية مضاعفة كذلك ولا بد فيها من جعل اسم الفاعل وصفا لمن تطلق عليه. فالشائخ هو أولا الحاصل على نشوة في حالة حقيقية وهو ثانيا الواقع في نشوة وهمية لغفلته الحقيقية. ونحن لا نعترف للشيخ بلقب الشيخ بمعناها الأول في المجالين بل نستعملها بالمعنى الثاني منهما ونضمر الألف في الثاني قاصدين الشائخ بمعنى الدائخ. لكننا نترك للقارئ الحصيف أن ينزل هذه الصفات على الحالة بعد قراءة البحث وتحديده الحكم المناسب.
بهرتني شهادة طوالبه لعلم شيخه وعبقريته ونضاله من أجل السنة بهمة الهمام. فرغم بعد الشقة في سعيه (راجلا أو على ظهر حمار لأن الإشارة إلى الـ 80 كلم لا معنى لها إلا في هاتين الحالتين) إلى علم شيخه لا يزال جاهلا بأن وجود شيخه ووجود أمثاله ممن يسمون أنفسهم طلبة علم وهم طلبة جهل وجهالة هو سر نكبة الإسلام والمسلمين منذ أكثر من عشرة قرون. إنها شهاة زور يتشايل بها عاطلوا العلم والعمل خاصة إذا كان الشاهد لا يستحي فيتهجم على الأستاذ جمعة ويزعم أنه ستكون له جولات مع من يسميهم بزمرة المرزوقي. ولو أدرك العرب والمسلمون حقا علل انحطاطهم لبدأوا فتحرروا من أمثال هذا الرهط من المتطفلين على العلم دينيا كان أو وضعيا قبل التحرر من الاستعمار المادي لأنهم هم علة الاستعمار الروحي المؤدي إليه بعلمهم الزائف وبما جعل عليه حال الأمة التي حولوها إلى مواشي جاعلين الناس عامة ليكونوا خاصة يستحلون أموالهم بعد أرواحهم فكانوا بذلك علة فساد النظام التربوي ومن ثم السبب الأول والأخير للتخلف الفكري والروحي والخلقي أعني أصل التبعية في كل شروط الوجود المستقل. فَصَهْ يازلمي يرحمك الله. لن يلتفت أحد ممن يعرف من هو أبو يعرب إليك وإلى تخريفك الذي تتبجح باعتباره جولات. ابحث عن الشهرة في مكان آخر. ابق في مقابر القرون الوسطى لن يزعجك أحد وإذا أردت فاستعمل نبالك الخربة مع مجانسيك من الهنود الحمر ولا تلتفت إلى من غزوا أرضنا وعرضنا على مرمى حجر منك: فأنت سعيد بعلم سعيد وكن "راجلا" ولا تسعى إليه راجلا. وسيكون الهمام ندا للأعداء لأنه يعتصم بمن جعله مولى له شريكا لمن لا مولى سواه.
رغم أن الشايخ لم يرعو حتى بعناوين الأبواب وبالمهارب التي تبين فقدانه لكل حجة فإنه دار على من كانوا يسمعون تخريفه. شعر بأنهم فهموا دجله وبدأوا ينفضون من حوله طلبا للحرية الفكرية والعقدية كما يدعوهم القرآن الكريم إلى ذلك بتين الرشد بأنفسهم والكفر بالطاغوت. ولما لم يجد ما يقنع به من تركوه حتى كاد لا يجد معه إلا ظله هو ذا يلجأ إلى سلاح التخويف من الكفر والإلحاد فيحاول أن ييسر عليه الأمر بمجرد الادعاء أن فكر الأستاذ يرد إلى فكر أركون. ولا يدري أنه بذلك يجعل مهمته مستحيلة. فهو ينطلق من يسر دحض أركون تسليما بأنه يفهم أفكاره مهما كانت سطحية. ثم يظن المهمة منتهية لكأن إثبات العلاقة بين الأستاذ وأركون يكفي أن يدعيها حتى يسلمها له عاقل على وجه الأرض على فرض نجاحه في دحض أركون. لكن ما الحيلة إذا كانت نباهة الشايخ إلى هذا الحد ؟
إذا صح حدسي فإن لتقازيح كتابته دورا في ما يسمى بآليات التذكر. ففي غياب النظام المنطقي الواضح لكلامه لا بد له من علامات يراجع بها نفسه في محاولة ترصيف أفكاره. ولعل الألوان هي معين أماراته من يدري ؟ ولحسن حظه فهو مصاب بعمى النظام العقلي دون عمى الألوان وإلا لضاع منه الخيط الهادي.
لكنه في مداخلته بتاريخ الثاني من ديسمبر غير موقفه وصار على رأي شيخه. وهل يمكنه أن يستقل فيكون له رأيه الخاص؟ فحتى لو أعلن رأيه صراحة فهو يغيره لسواد عيون شيخه لأن علم الكلام يعلم أصحابه الصدق والأمانة. لذلك فالرجاء عذره حتى ولو لم يعتذر عن الكذب في إحدى الحالتين عندما صرح بالتمييز أو عندما تراجع عنه. كما أنه لا بأس من فهم أن يحاور المحمودي بصب جام غضبه على المرزوقي: وإلا كيف سيرضى عنه موظفه ؟ أو لعله يتصور المحمودي مثله لا يحرك ساكنا إلا بعد استشارة المرزوقي وأنه مثله يمكن أن يتراجع عن رأي صريح قاله بعد أقل من أسبوع.
وهذا طبعا يقتضي معرفة بفلسفة اللغة واللسانيات وبما يسمى ألعاب اللغة وأفعال الكلام وهي أمور لا فائدة من الخوض فيها مع من لا يزال عاجزا حتى على فهم نظريات النظم واللسان في المحاولات العلمية العربية لوضع أدوات فهم القرآن الكريم.
قال له الصديق الشامي -بمناسبة افتتاح دمشق عاصمة ثقافية للعرب-إنه توجد مدينة شامية أهلها شديدو الذكاء والعداء لأهل مدينة مجاورة: لا فائدة من تسميتها لأن لأستاذنا فيها الكثير من الأصدقاء (فضلا عن كون هذا الجنس من العلاقات بين القرى وحتى الأحياء موجود عند كل الشعوب وهي ليست مطابقة لأي واقع كالصعيد في مصر وبلجيكا في فرنسا ولييبا في تونس إلخ..).
يحكى أن شيخ متكلميهم نصحهم بإعلان الحرب لأن أهلها لم يصدقوا خرافاته فاعتبرها ظالما أهلها. كان زعيم نخبتهم هذا شيخا متكلما شعلة في الذكاء وطلعة لم يفته شيء من علم الأولين والآخرين تعلمه من بقايا صحف خربة جمعت بعد أن ذراها الريح وكانت عديمة الترقيم ليس كلها لحسن الحظ بل بعضها محيت أرقامها لأنها كانت مرماة في مزبلة التاريخ الذي انحط أهليه بسبب ما فيها من أسرار الغيب. ولما عزموا على الحرب صنع لهم مدفعا ووعدهم بأنه سيكون ساحقا ماحقا للقرية التي حرضهم عليها ولم تكن ظالما أهلها واتهمهم بأنهم أعداء لهم وعملاء متأثرون بالاستشراق وعدم اتباع عقيدة الفرقة الناجية (وهذا من باب تنزيل الطرفة النموذجية على واقع الحال أو حال الواقع كما يفعل الفقهاء). ورأى أنه لا بأس لاسطوانة المدفع من أن تكون خشب في غياب الاتفاق على تأويل سورة الحديد اعتمادا على نظريات الفيزياء الكلامية التي عرضها مساعده والمستقاة من نفس الصحائف المبعثرة: ولا ذنب للرجلين لأن الصحائف فاقدة للترقيم الترتيبي في القسم الفيزيائي منها.
ملأوا الاسطوانة الخشبية بالبارود والمقذوفات بديلا من حجارة المناجيق لأن المتكلمين في القرية اكتشفوا النار والبارود ولما يكتشفوا الحديد (الاكتشافات العلمية كلها تقع بلا نظام ولا ترتيب) قبل الغرب والشرق مجتمعين. ثم أطلقوا النار غير هيابين جهادا في سبيل الله لأن الجماعة كفرة يتبعون القرآن من دون الترجمة الكلامية. فارتد ما فيها فجعل سافيها على عاليها وأتى على قريتهم كلها فبقيت خاوية على عروشها. اجتمع من بقي من كبار المدينة وشيوخها وشيخ شيوخها المتكلمين وبعد استدلال عقلي وغير نقلي صاغه الزعيم بعد جدل طويل انتهوا إلى النتيجة التالية: نحمد الله ونشكره فقد محقناهم ذلك أنه إذا كان أثر مدفعنا بما يخرج من دبره بهذه القوة فما بالك بما يخرج من قبله.
وهذا بصورة سريعة ما بقي في ذهني من صورة "السوريت" الذي بفضله أقنعهم الزعيم بقيس الغائب على الشاهد للخروج بهذه النتيجة الباهرة. فالقضية معقدة جدا ولا يكفي فيها قياس بسيط من مقدمتين ونتيجة. إنه قياس مركب على النحو التالي: إذا كان الأقل قوة مدمرا فالأكثر قوة أكثر تدميرا حتما (قياس الأولى). وتدمير مؤخرة الجيش دون تدمير مقدمته (فرضية). ذلك أن المؤخرة لا تلحق إلا على ما أبقاه المقدم فضلا عن تدخلها في لحظة فرار المدافع أو المهاجم بحسب حالتي النصر أو الهزيمة (تعليل الفرضية حتى تقبل كمقدمة). والمدفع سلاح له مقدمة ومؤخرة (مقدمة وسيطة للربط مع المبدأ العام). والعيان يثبت لنا فعل مؤخرة المدفع مدمرة. فإذن بالعقل ولا حاجة للنقل (أي لا حاجة لمشاهدة ما حصل عند الأعداء عملا بقياس الغائب على الشاهد) ينبغي أن نستنتج يقينا أن ما حصل عند أعدائنا أضعاف مضاعفة لما حصل عندنا. والخير الكثير لا بد فيه من الشر القليل لأن ذلك من شروط العناية: فلنصبر على ما حل بنا من شر قليل (خربت القرية لا يهم لأن الزعيم لا يزال موجودا ولله الحمد والشكر) وما حل بأعدائنا هو الخير الكثير لأن نظريات زعيمنا تحققت بما لا يدعو مجالا للشك فيها بعد الآن. ونحن ربما ربما ربما من يدري فقد يأذن شيخنا بعد أن يفرغ من الوهابية والتيمية والمرزوقية عندها ربما ربما ربما يتوجه إلى إسرائل فيمحقها آمين آمين آمين بمعونة نجاد زعيم البهبارين والذي خنس منذ أن نزل ثمن البرميل إلى الخمسين (يتم التحيين بحسب البورصة وسعر البترول) فذلك لا يكاد يكفي لرمق الجائعين. وذلك ما كان علينا بيانه. فهلل بعض الأنفار الذين بقوا من رجال القرية لأنهم كانوا كانوا يتفرجون على عجائب الزعيم المعجزة وكبروا فرعين مسرورين بما حصل لأعدائهم. لسوء الحظ لم نسمع أي زغرودة ولا حتى من فلوريال. لكن لا تنزعجوا فالنساء لم يصبهن سوء لأنهن هجرن المتكلمين لكرههن كل ما يضجر لطيف الأرواح وجميل النفوس. كان بعضهن في الحقول وبعضهن في المسجد يتعبدن بعيدا عن ساحة القتال التي دارت رحاها في أعشاش القرية القريبة من حدودها مع القرية العدوة لأن المدفع لحسن الحظ لم يكن مداه يتجاوز بمؤخرته كلم ولسوء الحظ كان مداه بمقدمته صنتم.