shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

 

 

 

 

قيمة العقل الاجتماعية وضدها

محمد عمر سعيد

 موقع العقل في الحياة الاجتماعية للإنسان هو الذي يحدد مكانته فردا وجماعة داخل باقي الكيانات الحضارية الكونية، ويكون المعيار الأوحد لها إذا ما كان نسق الحياة اليومية كما تدرسه سوسيولوجيا الحياة اليومية (Sociology of evey day life)  قائما على تقدم أو تراجع للقيمة نفسها، إلى درجة الجزم بأن تقدم الحضارة وتخلفها لا يقاس بمظهر حسي مباشر بل الحكم مدين كله للعقل وحده!

والوقوف على إيضاح المقصود بقيمة العقل الاجتماعية يوجب بيان علاقتها بموقف الإنسان إزاء الحياة عموما كونها تجمع بين أدق تفاصيل الحياة مع أقصى المواقف كونيةً وسرمدية، أي أوسعها زمانا ومكانا، والعقل بما هو دلالة لغوية دالة على الربط والوصل، فإنه في موضوعنا هذا يمثل حلقة الوصل بين الدقيق والجليل، أعني هو القدرة على استكناه الروابط بين ما يمس الإنسان في حياته اليومية بشكل مباشر وبين ما يختلجه من شعور إزاء المواقف المفارقة لكيانه الذاتي.

وتتجلى تلك القيمة بوضعها عقلا (أي ربطا) بين اليومي والسرمدي، كونها العلاقة الصحيحة بين ما يمس الإنسان مساسا مباشرا وبين أبعد القضايا عنه من حيث الحس المباشر، وذلك باعتبارهما امتدادا طبيعيا أحدهما بالنسبة للآخر؛ ومثال ذلك وعي تأثير وتأثر الإنسان الفرد في التأثير والتأثر بالأحداث المحيطة به الأقرب منها والأبعد.

فالإنسان سواء أكان فردا أم جماعة إنما هو في النهاية كيان مستقل بذاته يعايشها ويكابدها دونما انفصال عنها حتى ولو حاول الهروب منها، إذ الكيان المستقل فردا وجماعة باعتباره فلكا داخل مجرة كبرى يكون للفلك فيها قوانين داخلية خاصة تحكمه لا تتعداه إلى أفلاك أخرى إلا عند الاحتكاك، وهذا التمثيل المستمد من الطبيعة لا يماثل المجال الإنساني إلا نظريا فلا يمكن أن يصدق إلا في التصور والمفهوم، وصِدقه النظري يتيح للتحليل العلمي الكثير من المصداقية كما يتجلى فيما سيأتي من درسنا لظاهرة الكيان الذاتي للإنسان في علاقته بمفهوم العقل.

ومحاولة الهروب من الذات تلك هي ما يسمى في المصطلح السوسيولوجي بالاغتراب (Aliénation) الذي يؤدي إلى فقدان المعايير الذاتية (Anomie) والتي ليست في الحقيقة إلا تمظهرا من تمظهرات الذات نفسها، كون محاولة الخروج من الذات وهْمٌ يمكن أن يستلب الإنسان فتصير كل أفعاله وسلوكاته مبنية عليه؛ وأما جوهر قضية قيمة العقل فتتركز على مفهوم استقلالية الكيان الذاتي، إذ أن تشكل العقل وبناؤه الصحيح يتم داخل الكيان الذاتي حين المعايشة والمكابدة الطبيعية، وهذا الذي يجعلنا نحكم أن بناء العقل هو المسار "الطبيعي" للحياة الإنسانية، وقد يكشف المسار المضاد للعقل عملية الاغتراب ذاتها، والمعيار أنه متى تمت محاولة تقمص الذات لذات أخرى تكون الذات قد انفصمت عن نفسها فاغتربت وأن قيمة العقل بدأت تنهار. كيف ذلك؟

هنا يبرز المطب الأكبر في التعريف العربي الإسلامي لمفهوم العقل بكونه نتاجا للحداثة الغربية بوصفها آخَرًا، فصار الخيار الوهمي داخل المنظومة الفكرية العربية الإسلامية إما أن تكون عقلانيا غربيا أو لا عقلانيا، واختزلت قضية العقل الإسلامية إلى لا عقلانية في حد ذاتها وأصبحت محجوزة في نقاش مغترب لا يول لقيمة العقل الحقيقية أية قيمة تذكر، بل جداله في مسألة العقل هو عنوان اللاعقل والاغتراب ذاته، بينما ليس العقل في إحدى تعريفاته إلا التزام الذات لذاتها بذاتها، بل حتى الروح التي اعتبرها مالك بن نبي المرحلة التي تسبق العقل في الحضارة أي تفوقه هي ذاتها قمة العقل، الرّوح قمة العقل، وذلك عندما يغوص الإنسان في ذاته فلا يحصي شيئا منها إلا التمتع بنعم تلك المعايشة ولذتها إلى أن تفتر تلك الوقدة الأولى وتعود إلى مرحلة إحصاء ما تم إنتاجه في مرحلة الروح والعيش على مخزونها الذي وفرته، وتلك هي مرحلة العقل التي هي في الأصل مرحلة فتور يليه فتور أكبر هو مرحلة الغريزة أو العودة إلى الحياة الطبيعية بفصلها عن كينونتها الأخلاقية.

وقد تعززت مرحلة الغريزة عند المسلمين بظهور "المارد الأوروبي" الذي سبب له الاغتراب عندما صار يبحث له عن المجد الضائع خارج أسوار الأستانة عاصمة الإسلام الأخيرة، وظهور العلمانية على يد اتاتورك، الذي ومن وجهة نظر أخرى نعده أول من استحث العقل المسلم نحو إعادة اكتشاف ذاته من خلال محاولة تقليد المارد الجديد. ولا زلنا نعيش تداعيات تلك المرحلة إلى غاية اليوم باعتبار إنسان المرحلة الراهنة ما زال في عداد إنسان ما بعد الموحدين فهو مازال يعيش أعراض المرض الحضاري العضال الذي تعد ذهنية التذرر إحدى أهم تجلياته.

 التذرر الذي هو العيش على اليومي مفصولا عن ناظمه السرمدي الذي يؤهل الإنسان لمكابدة حياته عاقلا لها، بتحرره من الكيان الذاتي الفرعي (ظاهر الحياة الدنيا) للإنسان فردا وجماعة إلى الكيان الجوهر (حياة أولي الألباب)، الحياة التي يعيش فيها الإنسان الفرد والجماعة السرمدي ويدركه داخل حدود يومه إدراكا عينيا، فهو محايثة ذاته الجوهرية في كل لحظة من لحظات قيامه على وجه الأرض، وهنا وجب التمييز بين المعايشة الحقيقية للجوهر وما يقابلها من المعايشة الوهمية المبنية على التعويض الرهباني المنفصل عن الواقع الفعلي لليومي ينزل فيها إلى ما دون مرحلة التذرر، ويكون في درك استلابي يعتقد فيه أن الدفاع عن العدو هو دفاع عن الذات، والتمثيل الأبسط لذلك نأخذه من التصوف الذي اعتبر الاستعمار قضاء وقدرا تعتبر فيه محاولة التحرر منه مواجهة للقدر الإلهي، أو التصوف المعاكس الذي يوهم نفسه باستطاعة مواجهة من هو أقوى منه في عز ضعفه!

نجد أننا الآن نضع أيدينا أمام مفهوم للعقل غير منبن على العقل بوصفه جوهرا، بل على الذات "الكيان المستقل" المشبع بالمكونات التاريخية المتغيرة والمتحوّرَة فردا وجماعة، والخوض فيها هو نوع من المساس والإحاطة بمفهوم العقل؛ وأما "الكيان المستقل" فهو الهوية (Identité) وأية هوية؟

إما هوية إنسان طبيعي عارية عن أي مخزون تاريخي متأت من الماض لكنه يضعه في إطلاقيته الكامنة قبل أن تتلون بتاريخيته، وهذا يفيد في التقصي النظري لأصالة الخلق الأول للإنسان، أعني الفطرة الأولى، كما يفيد التمييز بين الغريزي (الطبيعي) والكسبي (الأخلاقي)؛ وإما هوية تاريخية مكتسبة تقوم غريزة الإنسان ذاتها بحفظها والعمل على إعادة إنتاجها، أي الهوية المكتسبة، من خلال إنشاء المؤسسات الاجتماعية القائمة على حفظ النظام الرمزي داخل المخيال الاجتماعي العام ومن ثم ضمان أكبر قدر من التشارك في القيم والمعتقدات، إلى درجة يعد فيها الخروج عن المشترك الرمزي نوعا من اللانتماء المرضي الذي يستوجب العلاج داخل المشافي الاكلينكية!              

والحكم بغريزية النزوع إلى الحفاظ على الهوية الرمزية يجعل من الهويتين (الطبيعية والكسبية) هو عين الوحدة بين الوجهين، إذ هو ضمان للانتقال السلس من الطبيعي إلى الكسبي، فتكون العقدة الحقيقية تكمن أساسا في أن الطبيعة الكونية الأولى للإنسان هي ذات قابلية للتلون بأية خصوصية ثقافية، ومن ثم تكون تلك القابلية ذاتها وجها من الكونية، بل تكون هي مركز الكونية في الإنسان.

واجتماع الدلالة بين العقل الرابط والهوية الكونية يدلنا على أن المشترك الإنساني الفعلي المتجلي في الثقافات المتعددة التي تحكم العالم لها منطق ذاتي واحد، وأن درجة وضوح هذا المنطق الموحد هي نفسها درجة قيمة العقل عند الإنسان الفرد والجماعة، وتجلي ذلك هو في مدى القدرة على التعايش في ظل الاختلاف الثقافي، واعتبار الخروج على سنة التعايش خروجا عن التفكير السليم وطبيعة الإنسان الجبلية سواء كان ذلك عند الأفراد أم الجماعات.