
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
قوة المعرفة العلمية و حدودها
محمد عزالدين الصندوق
لم يعرف الفكر الإنساني قوة استطاعت ان تغير الواقع و تتلاعب بالطبيعة مثل قوة الانجاز العلمي. و هذا ما دفع بالكثير من الأنماط الفكرية المختلفة لان تحاول ان تتوافق مع العلم ان لم تكن تطمح للتطابق معه.
من أين استمد العلم قوته؟. ليس هناك للعلم جيوش تفرض مقولاته على الآخرين و ليس للعلم أحزاب لتفرضه على مجتمعاتها و ليس للعلم مقاتلين يرفعون راية قتل الآخرين في سبيله. فمن أين استمد العلم سطوته و سيطرته؟ و كيف يعمل و ما هي حدوده؟
لأجل الإجابة على هذه الأسئلة لابد من القول بان هناك فرق شاسع مابين الانجاز العلمي والفكر العلمي. الكثير لا يفرق ما بين العلم و التكنولوجيا و الكثير لا يفرق ما بين الانجاز العلمي و المنطق العلمي . ان سرّ قوة العلم تأتي من منطقه و ليس من انجازاته. قوة العلم تأتي من بنائه الفكري و طريقة وصوله للمعرفة. هذه القوة هي قوة المنطق العلمي. المنطق العلمي دائرة تبدأ من الواقع لتدرسه (كظاهرة غير معروفة مثلا) ثم تطرح فرضيه لتفسير هذه الظاهرة و هنا يلعب الخيال و المنطق العقلي دوره في تشكيل النظرية العلمية [1] . إلا ان المنطق العلمي يحتم العودة للواقع و عدم الاكتفاء بالتصور النظري. لذا لا بد من التجربة و الاختبار للتأكد من صحة الافتراض. و بالتجربة يعود المنطق للتعامل مع الواقع. هذا هو المنطق العلمي ببساطة. الفكر العلمي يعتمد المنطق العقلي و التجربة فالمنطق العقلي لا يمثل شيء ان لم تأكده التجربة و العودة للواقع.
ميزات أخرى تمنح الفكر العلمي قوته وهي الدقة في الطرح و الوضوح و البساطة. التفسير العلمي لا يعتمد الرمزية و التلميح و التعقيد الذي لا موجب له. فالنظرية العلمية لا تطمح لان تكون بسيطة بل يجب ان تكون ابسط ما يكون. جانب أخر منح العلم القوة و الاستمرارية هو التقويم و التعديل المستمر لنظرياته و ليس هناك إصرار على قبول نظرية قاصرة لأي سبب كان مقابل أخرى جديدة أفضل و أوسع تفسيرا من سابقتها. حيث لا تقديس في العلم و لا مكانات اجتماعيه او او...
هكذا غزى الفكر العلمي العقل البشري بقوته و ليس الانجاز العلمي هو الغازي. لقد انبهرت المجتمعات المتخلفة و ما تزال بالانجاز العلمي و التكنولوجي دون ان تدرك ان الانبهار و الإعجاب يجب ان يكون للفكر العلمي المنطق القائد لهذا التطور.
أن الواقع المعاش و الطبيعة هما مجال الدراسة العلمية لذا اعتمدت هذا المنطق الدول المتقدمة في بنائها. فالطبيعة و إمكانياتها لا يمكن تسخيرها إلا من خلال إدراك هذا المنطق و طريقة عمله.
على أية حال الفكر العلمي مفتوح على كافة جوانب الحياة و الطبيعة و واسع ليشمل كل ما هو واقعي. فالعلم المعاصر يدرس كل ما يمكن ملاحظته و التأكد منه بالتجربة أو المشاهدة. هذا الواقع يشمل الطبيعة الجامدة و الحية و حتى المجتمع البشري و التصرف الإنساني و التاريخ و..... و لما كان العلم يبدأ من الواقع ويعود للواقع في دراسته فانه لا يستطيع التعامل مع كل ما لا يمكن قياسه. و ما مشكلة فيزياء الكم [2,3] إلا نموذج على ذلك. كما يواجه العلم مشكلة دراسة الكون الشاسع من خلال موقعنا الأرضي و هنا يلجئ العلم الى ما قد يسمى بتمدد المعرفة (Knowledge expansion) في محاولة دراسة ظواهر كونيه بعيدة و يستحيل الوصول لها موقعيا و التعامل معها تجريبيا.
المنطق العلمي نشئ و تطور في أحضان الفكر الفلسفي. و لكن العلم لا يستطيع التعامل كدارس للماهيات الفلسفية و الفكرية. مثل هذه المواضيع لا تخضع للتكميم و المنطق الرياضي كما لا تخضع للتجربة لذا اختص بها الفكر الفلسفي . أما الغيبيات او ما وراء الطبيعة فهي الاخرى غير خاضعة للتكميم او القياس كما انها ابعد ما تكون عن التجربة و من ثم غير قابلة للدراسة العلمية. هكذا نجد ان الحقيقة العلمية محدودة بإطار الطبيعة الجامدة و الحية.
هناك من يرى ان الحقائق على انواع :
1- الحقيقة العلمية و التي تكون التجربة محكها. وهذه الحقيقة مطلقه بين البشر لا يختلف عليها الا في حدود المنطق العلمي.
2- الحقيقة التاريخيه و التي تعتمد اسانيد التاريخ. وهذه قد تكون نسبيه تختلف عليها المجتمعات. و من المعرف ان هناك الكثير من الأحداث التاريخية يختلف في تفسيرها الكثير. هناك ألان توجهات كبيرة باعتماد المنطق العلمي في دراسة التاريخ كما يعتمد ألان البعض من الباحثين التجربة التاريخية.
3- الحقيقة الدينية و هذه تعتمد الكتب المقدسة. هذه حقيقة يتفق عليها المؤمنون فيما بينهم و هي نسبيه باختلاف الأديان و المذاهب و الطوائف. و كل فئة تتصور أنها صاحبة الحقيقة المطلقة و لا تملك سوى وسيلة المنطق العقلي و الأسانيد التاريخية الخاصة و الوثائق الدينية لدعم تصوراتها و هذه لا يتفق عليها الجميع.
4- الحقيقة الاخلاقيه. وهذه تعتمد الاعراف و القوانين الاجتماعية وهي الاخرى نسبية. فما هو حقيقة أخلاقيه في الغرب ليس كذلك في الشرق و ما هو حقيقة أخلاقية ألان ربما لن تكون غدا.
من هذا نجد ان الحقيقة العلميه هي الحقيقة الوحيده التي يتفق عليها الجميع. لا احد يستطيع ان ينكر قانون الجاذبية لنيوتن على سبيل المثال و من اراد ذلك لا احد يمنعه كل ما عليه هو ان يقدم دليلا علميا على ما يدعي. و من ثم سيقتنع العالم كبيره وصغيره بما يقدمه الدليل الجديد. لقد عرف تاريخ العلوم مشاكل علميه و اختلافات كثيرة و لكن كان الحكم المنطق و التجربة العلمية. لذا لا حاجة لتجيش الجيوش و عربدة الصحف و وسائل الإعلام و الخطب العصماء لكي تفرض الآراء على الآخرين و إقناعهم رغما عن أنوفهم.
قد يحلو للبعض ان يفسر الامور الغيبيه على ضوء بعض المعطيات العلمية على سبيل المثال نشرت وسائل الاعلام في انكلترا خبر تمكن مصور صحفي لالتقاط صوره لشبح شخص متوفي قبل مدة وقد تم نشر هذه الصوره ربما للاثاره الصحفيه. لست هنا في معرض الطعن بالصورة بل لابد من القول ان عملية التصوير هي عملية فيزيائيه تتم ما بين كيانات ماديه. الضوء مادة و عند سقوطه على اي سطح مادي يعاني من عدة تغيرات و بعض هذه التغيرات انعكاسه و عملية التصوير تعتمد على هذه الظاهرة الطبيعية. على هذا يعني ان الروح التي تم تصويرها عبارة عن جسم مادي عكس الضوء و تم تصويره! و في هذه الحالة تنتفي صفة الروح عن هذا الشكل الذي تم تصويره.
العلم لا يستطيع ان يبت في وجود أو عدم وجود كيانات ميتافيزيقية أو غيبية. انه ليس حياديا بين الإيمان أو الإلحاد. موضوعة الإيمان و الإلحاد موضوعتان فلسفيتان لا قدرة للعلم على ان يبت فيهما. و هناك الكثير من العلماء ممن هم يعتنقون مبادئ دينية و منهم من يفصل إيمانه عن علمه و منهم من يحاول بمنطق أو أخر ان يجد علاقة ما. كما ان هناك الكثير منهم من لا يؤمن أبدا و دون ان يجد ضرورة لذلك. و تبقى هذه مسالة شخصيه تخص العالم ذاته و لا علاقة للعلم بها. أما بالنسبة للمفكرين و الفلاسفة فالمساءلة تختلف كثيرا لان هؤلاء يطمحون لكسب المجتمع و المسالة ليست ذاتيه بالنسبة لهم . فنجد هناك من يحاول ان يجد في الانجاز العلمي (ليس الفكر العلمي) وسيلة تدعم إيمانه و يبني ذلك بمنطق عقلي بالطريقة التي يريد و نجد أمثلة كثيرة على ذلك لدى الكثير من المفكرين الدينين المحدثين متمثلا بمحاولات الإعجاز العلمي وهذه المحاولات متشابه لدى الكثير من المتدينين المعاصرين و من أديان مختلفة. إنها محاولات لاستفادة من قوة الانجاز العلمي لصالح الإيمان.
كما هناك من المفكرين في الطرف الاخر من يجد في الفكر العلمي طريقه للإلحاد و هذا ما تعتمده الفلسفة المادية. و لكون العلم يتعامل مع الطبيعة و هذه هي عالم الفلسفة المادية لذا وجدت هذه الفلسفة ضالتها الكبرى في الفكر العلمي و انجازاته. و كما احتار الفكر الديني في بعض الانجازات العلمية (مثل نظرية النشوء و الارتقاء) كذلك احتار الفكر المادي ببعض هذه الانجازات (مثل نظرية الكم).
و لكن يبقى العلم بعيدا عن هذه الصراعات الفكرية التي لا تعنيه في شيئا. و ليقل فلاسفة الايمان ما يشاءون و لينكر فلاسفة الالحاد ما ينكرون. و يبقى الفكر العلمي فكر بناء للمجتمع و الإنسان و الطبيعة. انه الفكر الحر الذي لا يمكن ان تقيده أية إيديولوجيا كانت.
المصادر:
1- محمد عزالدين الصندوق "الفلسفة و التكنولوجيا" Philosophy of Technology, Philosophica, No. 1 Vol. V (2003) Bayt-Al Hikma
http://www.3almani.org/spip.php?article3415
2- محمد عزالدين الصندوق " مشكلة فيزياء الكم و الوجود الخفي"
http://www.alfalsafa.com/mouchkilt%20fizia%20al%20kam.html
3- محمد عزالدين الصندوق "الفيزياء و الوجود الخفي"
http://www.3almani.org/spip.php?article5301