معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                            موزة الإرث

                                     (2)

                المثال الأول من قشور الموز العلمانية

                                                               أبو يعرب المزروقي

 

تكلمت في علل الصراع الزائف بين العلمانيين والإسلاميين إذا أردنا  لكلام الأولين أن يقتصر على ضمان شروط التربية العقلية وكلام الثانين على ضمان شروط التربية الروحية فلا ينحط أي منهما إلى التحيز الإيديولوجي المقيت  والموقف السياسوي قصير النظر. ففي هذه الحالة يكون كلا الصفين متحررا من الأبعاد الهامشية التي تنتجها قشور الموقفين إذ يتشبث بها المتطرف من الجماعتين ليحول دون الثورة ومتابعة مسارها نحو تحرير الإنسان العربي عامة والتونسي خاصة.

 

وحان الآن وقت ضرب الأمثلة.

فنبدأ بمثال من قشور الموز التي يرمي بها متطرف العلمانيين.

وسنشفعه بمثال من قشور الموز التي يرمي بها متطرف الإسلاميين.

 

 ومثلما اخترنا مثالا يعرض فيه متطرف العلمانيين بعقيدة الإسلامي أعني مسألة المساواة بين الجنسين في الإرث فسنختار مثالا يعرض فيه متطرف الإسلاميين بعقيدة العلماني أعني مسألة العلاقة بين الإيمان والعلمانية. وقد اخترت المثالين من نفس الطبيعة لصلتهما كليهما بعلاقة موقف أحد الطرفين بعقيدة الثاني ومن ثم لما يمثلانه من عدوان كلا الطرفين أحدهما على الآخر بدون مبرر عدا ما ورثاه من توظيف الاستبدادين والفسادين: استبداد الأنظمة التي تدعي العلمنة (جمهوريات الفاشية البوليسية وملكيات الفاشية القبلية: وكلتاهما تجمع بين الفاشيتين ومن ثم الفسادين).

 

وليست البداية بأهم قشور الموز في صف المتطرفين من المتكلمين باسم العلمانية بداية تحكمية. فالتمهيد الذي أسسنا به لإشكالية الصلح بين الفريقين من أجل أهداف الثورة اقتضى أن نبدأ بتوجيه النقد لمتطرف الإسلاميين لأن تمثيلهم للأغلبية البينة يقتضي أن يتحملوا المسؤولية الأكبر في عدم حصول الصلح. ذلك أن خصائص الأقليات تجعلها معذورة في تطرفها الدفاعي وخصائص الأغلبيات تجعلها غير معذورة لعدم حاجتها للتطرف الدفاعي. ولما كنا قد قدمنا في البحث السابق الكلام على المتطرفين في صف المتكلمين باسم النقل (الذين هم دائما أغلبية) على الكلام على المتطرفين في صف المتكلمين باسم العقل (الذين هم دائما أقلية) فإنه من العدل أن نعكس في عرض أمثلة إشكالية الملهيات فضلا عن كون الغاية من البحث كله بأجزائه الثلاثة هي مساعدة من يمثل الأغلبية على فهم شروط الحاضن للتعدد والثراء الروحي والفكريين.

 

ومثلما أن موزة المساواة في الإرث هي ما يكاد أن يجمع على رميها في طريق الإسلاميين من يغلب عليه التطرف اليعقوبي من العلمانيين فإن  موزة الكفر والإلحاد هي ما يكاد أن يجمع على رميها في طريق العلمانيين من يغلب عليه التطرف الطالباني من الإسلاميين كما سنبين في البحث الموالي. لذلك كان المنطق العملي لتحقيق الغاية من البحث بمراحله الثلاث هي أن تكون البداية في التمهيد بمن يمثل الأغلبية وبه تكون النهاية حتى نحقق شرط السلم المدنية فيكون من بيده الأغلبية متسامحا ورحب الصدر مع من بيده الأقلية: فلا خوف على التربية الروحية من متطرف المتكلمين باسم التربية العقلية بل إن ذلك قد يكون محفزا لها. لكن تطرف الإسلامي خطر على التربية العقلية بل إنه قد يقتل الفكر نهائيا.

 

لذلك فلن يكون علمنا هذا محققا للغرض إلا إذا أضاف إلى هذه المراحل الثلاث (التمهيد والمثالين) تعريفا علميا دقيقا للمقصود بالتربية العقلية التي يتبناها العلماني ومن ثم مفهوم النزعة العلمانية القائلة بها قولا يناسبها فيكون مغنيا عن تطرف الأصولية اليعقوبية والتربية الروحية التي يتبناها الإسلامي ومن ثم مفهوم النزعة الإسلامية القائلة بها قولا يناسبها فيكون مغنيا عن تطرف الأصولية الابنلادنية. فلعلنا بذلك نسهم في تحرير الثورة من معطلاتها الأساسية فنساعدها على تحقيق أهدافها والتغلب على أعدائها وهم كثر في الداخل والخارج.

 

وهكذا يكون بحثنا مؤلفا من متوالية المسائل التالية:

1-البحث السابق حول الملهيات

2-البحث الحالي حول أحد الأمثلة عن ملهيات العلمانيين.

3-ثم البحث المتعلق بأحد الأمثلة عن ملهيات الإسلاميين.

4-ثم البحث المتعلق بتعريف التربية العقلانية المناسبة لها العلمانية التي تقتضيها.

5-وأخيرا البحث المتعلق بتعريف التربية الروحية والنزعة الإسلامية المناسبة لها.

 

 

 

               المساواة بين الجنسين في الإرث

إن أسطورة المساواة بين الجنسين في الإرث وما أدراك ما هذه الأسطورة تمثل أهم القشور الموزية التي يرمي بها متطرف العلمانيين دون أن يدروا أنها في الحقيقة منافية لأهم مبادئ العلمانية أعني حقوق الإنسان الطبيعية. فهي دعوى سندها العقلاني المزعوم حق من حقوق الإنسان هو: إطلاق مبدأ المساواة. وقد سبق لي أن كتبت بحثا معمقا في مسألة العلاقة بين ما يطالب به البعض من مساواة في الإرث بين المرأة والرجل ومنزلة المرأة الوجودية التي يتصورونها منقوصة من دون هذا الشرط. وطبعا فكلنا يعلم أنها قشرة موز رميت في الطريق لاستفزاز بعض الإسلاميين استدعاء لتصرفات مطلوبة تدعم التخويف من الإسلام وتوطد الإسلاموفوبيا.

 

 ولعمري فإني أعجب من قلة حيلة أصحاب هذه القشور من متطرف العلمانيين: لم يدركوا بعد أن الناس "فاقت" وأن الغرب الذي يعولون عليه ويستدعونه بهذه الفزاعات هو بدوره "فاق" فلم تعد تنطلي عليه. وهو في الحقيقة لم يكن ممن تنطلي عليه بل كانت تفيده في ما يهدف إليه فجعلهم يظنون أنه يصدقهم في دعواهم. إذ يعلم الغرب أنه لا يسوي بين الوارثين لأنه لم يلغ حق الوصية للوارثين في جل أنظمة توزيع التركة أنظمتها الوضعية إن لم يكن فيها كلها.

 

لذلك فإني لا أنوي الآن الكلام في هذا الوجه بل أريد فقط أن أجادل في منطق هؤلاء العباقرة في رمي قشور الموز لمتطرف الإسلاميين ممن قد يستفزه مثل هذا الحمق فيرد عليه بحمق من جنسه من ثم يتقاسم الصفان المتطرفان ساحة الفعل السياسي فيسفدان على الثورة مسعاها نحو الإصلاح الديموقراطي والتربية الروحية والعقلية المتناغمتين : فأسأل المطالبين بهذا الحق المزعوم حق المساواة في الإرث وبالمنطق العقلي الخالص -دون حجة نصية تتجاوز كونها موضوع النقاش ومن ثم دون زعم لقدسية الخيار في مجال أنظمة الإرث- أسألهم أن يفهموني كيف يوفقون بين هذا الطلب والحقين الآخرين من حقوق الإنسان:

1-الأول هو حق المالك في التصرف الحر في ملكيته بحسب إرادته الحرة (في حدود عدم الإضرار بالصالح العام طبعا ؟).

2-والثاني هو حق المالك في عقيدته التي قد تكون ملزمه إياه بفهم معين للتصرف في ما يملك فيعتبر توزيع تركته من بعده فريضة يبقيها لخلفه وسلفه (بصورة لا تضر بالصالح العام؟).

 

 

ولنبدأ بمسألة عرضية قد تفسد علاج المسألة بصورة موضوعية. فلو فرضنا الصالح العام موجبا إزالة هذين الحقين فيقضي بألا يتصرف المالك في ملكه في حياته إلا بصورة تسوي بين أبنائه ذكورا كانوا أو إناثا أو بينهما إذا كانوا من جنسين فإننا يمكن أن نستنتج من ذلك أن القانون ينبغي أن يضبط تصرفه في ملكه بالوصية ومن حق الورثة بحسب هذا المبدأ. لكني لا أتصور عاقلا في الدنيا يمكن أن يعتبر الإلزام بذلك من شروط الصالح العام أو من شروط النظام العام بالمعنى القانوني للكلمة أعني أن يزيل حقين ثابتين لصاحب المال للاستجابة لما لن يصبح حقا إلا إذا أراد صاحب المال أن يبقي على شرطه بعد موته أعني ألا يوزع ملكه قبل وفاته بصورة تغنيه عن الوصية. فيكون شرط هذا الحق شرطا ذا وجهين كلاهما واجب بصفة الحق الإنساني:

أن يكون المالك قد اختار نظام إرث أولا وهذا أمر لا بد منه إذا قلنا إن حرية تصرف المالك في ملكه مضمونه.

أن يكون هذا النظام ذا صلة بمعتقداته المتعلقة بالتصرف في الملكية ثانيا وهذا أيضا أمر لا بد منه إذا قلنا بأن حرية العقد مضمونه.

 

 

ولعلي كنت سأفهم مثل هذا الدعوة لو قال أصحابها إننا نطالب بها للحد من الحق الأول لكننا نستثني منها من يؤمن بنظام الإرث الإسلامي فلا تكون دعواهم متعلقة بنظام عام للمسلمين بل بنظام عام لمن اختار أن يوزع ماله من بعده بنظام الوصية الحرة علما وأن هذه من شرطها عدم إلزام المالك بالمساواة بين من يوصي لهم حتى لا يزال حق التصرف الحر في المال بعد حق اختيار نظام الإرث المطبق بعد وفاة صاحبه. لكن حمق المتطرفين جعلهم يريدون نظاما عاما حتى لو عارض ذلك الحقين الثابتين للمالك أعني حق التصرف الحرف في ماله وحق التوريث بحسب ما يعتقده من نظام إرث هو في عقيدته فريضة.

 

 

ولنأت الآن إلى توضيح ما يترتب على وضع قانون المساواة في الإرث نظاما بديلا من نظام الإرث الإسلامي. ألا يكون من الواجب عندئذ أن نضع رديفا لهذا القانون أعني قانون تحريم الوصية للوارثين كما يفعل هذا النظام الذي نريد إلغاءه ؟ ألا ينبغي أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنحرم الوصية بإطلاق للوارث ولغير الوارث لأنه من المنطقي أن يكون ما يمنع على الأقارب ممنوعا من باب أولى على الأباعد.

 

فيتبين بذلك أن فرض المساواة في الإرث مشروط بشرطين:

منع المالك من التصرف في ماله بالوصية.

ومنعه من اختيار نظام الإرث بحرية.

 

 فنكون بذلك قد أسسنا المساواة في الإرث (تسليما جدليا بأن الوارث له حق في الإرث من دون إرادة المالك في وصيته) على التضحية بحقين من حقوق الإنسان أهم بكثير من المساواة التي هي ليست حقا إلا إذا كانت تناسبية لا تعادلية. والمعلوم أن أي قانون وضعيا كان أو شرعيا هو دائما محاولة للتوفيق بين عدة حقوق وواجبات. ولما كانت الآية لا تتعلق بهذه المسألة (11 من سورة النساء) إلا من خلال ربطها بهذا الوجه (وجه الحد من إخضاع الوصية للتحكم الذي ينتج عن المفاضلة المطلقة التي تؤدي إلى الإقصاء المطلق لبعض الورثة) فإنها قد أسست هذا الحد من حرية التصرف في المال على التحذير من الإفراط في المفاضلة بين الورثة المحتملين إلى حد حرمان البعض حرمانا كاملا. ولهذه العلة جعل التصرف في المال من حيث نقله إلى الورثة فريضة وتم تعيين ما يمكن أن نعتبره الحد الأقصى في عدم الاستثناء المطلق من الإرث: ذلك أن الغالب على البشر بصورة عامة -دون نفي الحالات الشاذة- أنهم يفضلون البنين على البنات في الإبقاء على الثروة التي هي جزء من التوق إلى امتداد الأسلاف في الأخلاف.

 

وبذلك فإن وضع قانون المساواة بين الجنسين في الإرث لا يكتفي بإنهاء حق تصرف المالك تصرفه الحر في ماله -وعلامة هذه الحرية الأساسية بقاء الحق في الوصية مع الحد منها- بل هو يؤدي كذلك إلى نفي حرية العقيدة إذا كان نظام الإرث جزءا مقوما لها كالحال في مثالنا عند المسلمين: فإذا كان المالك يعتبر من عناصر عقيدته أن يطبق الفريضة لأن الآية جعلت هذا النظام في الإرث فريضة فمعنى وضع هذا القانون يعني أن السلطة العامة  صارت تختار بدلا منه عقيدته في مجال التصرف في ماله وتلزمه بالتخلي عن مفهوم الفريضة بل هو  يعني أكثر من ذلك فهو يصبح تقديما للمساواة في ما ليس بحق على حقين فعليين آخرين وأهمهما حرية العقيدة والضمير.

 

ولما كان من لا يؤمن بالفريضة في الإرث حرا في أن يوزع ملكه قبل وفاته بين أبنائه فيسوي بينهم إذا أراد عن طريق البيع أو الوهب (وهو أمر موجود حتى بين المسلمين غير الملتزمين بالفريضة في الممارسة حتى وإن كانوا لا ينكرونها من حيث المبدأ) فإن وضع مثل هذا القانون يصبح دالا على حمق المطالبين به لأنهم بوضعه يضحون بحقين للمالك متقدمين على المساواة بين الورثة الذين لا حق لهم في ما سيروثه إلا بإرادة صاحب الملك.

 

فإذا لم نعتبر الإرث فريضة وكان خاضعا لإرادة المالك بإطلاق أصبح بالوسع حرمان البنات بإطلاق. وهو ما يحصل في الكثير من الحالات طوعا أو كرها حتى  بعد وفاة المالك كما هو معمول به في الكثير من مجتمعاتنا. ومن ثم فلو لم تضبط الفريضة نظام الإرث في حده الأدنى لأدى ذلك بصورة نسقية إلى حرمان البنات حتى من النصف إذ يكون المالك الذي أجبر بهذا القانون على فقدان حرية التصرف في ملكه بمقتضى عقيدته سيختار حرمان بناته وتوزيع ملكه في حياته على أبنائه لأنه عندئذ يكون متخلصا من كل رادع عقدي.

 

 لذلك فقد أشارت الآية إلى ذلك فخُتمت بقوله تعالى: "...آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا. فريضة من الله. إن الله كان عليما حكيما". والمؤمن يتصرف في ملكه الذي يعتبره رزقا وهبه له ربه بمقتضى هذا المبدأ لعلمه أن الله عليم حكيم. ومن ثم فهو يعتقد أنه أعلم منه بمن هو أقرب له نفعا فيتخلى عن الإفراط في المفاضلة التي هي تحكمية بالطبع.

 

لكن هذه الدعوة الأحمق أصحابها تريد:

 أن تزيل حرية تصرف المالك في ملكه

وتريد أن يتصرف المالك بما ينافي عقيدته

 

فتكون دعوة تطلب حقا للوارث لا وجود له إلا بإرادة المالك (مساواة الوارثين في الإرث دون علم أن المالك لو أجبر على غير ما يؤمن به من نظام إرث لما أبقى عليه ليوزع بحسب ما اختار من نظام توزيع الإرث) وتتخلى عن حقين ثابتين للمالك لا دور للوارث في وجودهما. فسبحان الله: لا أفهم علة هذا الحمق لدى متطرفي العلمانية من محترفي رمي قشور الموز لكي "يزلق" متطرفو الإسلاميين. لكن العلماني المعتدل والذكي مثله مثل الإسلامي المستنير لم يبقوا كما يتصورهم  كلا صفي التطرف"خنينة" أو "حريبشة للبلعان". لكن مكرهم أوصلهم إلى درجة الغباء فصارت قشورهم مزالق لهم. لذلك فمنطق استدلالهم وحجاجهم يبين أنهم على درجة من السخف ليس لها مثيل: لكأنهم لم ينظروا في الأنظمة الوضعية لتوزيع الإرث المصحوب بحق الوصية لدى المالك. ولو كنت ممن توجه إليهم هذه القشور أعني منتسبا إلى حركة إسلامية لحزنت لمستوى خصومي المتدني إلى هذا الحد لأن المعارك لا تكون جديرة بأن تخاض إلا عندما يتوفر شرط الندية أيا كان مجالها. ولكن الله له في عباده شؤون.

المصدر: بريد موقع الفلسفة www.alfalsafa.com

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2011

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي