shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

                                 

                                          لا ينفع العقار في ما أفسده الدهر

                                                     "الغش مات"

                                                     الدكتورعبد الكريم المحمودي                                                                 

(جاءنا الجواب التالي بعنوان "لا ينفع العقار في ما أفسده الدهر" مرفقا مع رسالة الدكتور المحمودي رد فيه عن سؤال وجهه إليه الموقع سائلا إياه رأيه في ما سماه صاحبه بآداب الضيافة في التعليق على أحد أجوبة الأستاذ أبي يعرب. ولم نسأل أبا يعرب بعد أن قرأنا جوابه الرمزي بقصة المدفع كما نزلها الدكتور المنصوري على الواقع:" أخي الفاضل أبا لؤي كل عام وأنتم بخير وبعد (......) )". وقد ذيل الصديق الجارح هذه الرسالة بحاشية هامشية [i]  استأذن

 أستاذه المحمودي في نشرها مع رسالته فقبل شاكرا ومشكورا.

كلانا يعلم أن مرض الجدل والكلام ليس منه دواء كما بين حجة الإسلام في رابع أبواب الكتاب الأول من الإحياء. وسبق أننا أجمعنا على الانتهاء من ذكر جماعة الأصلين في محاولاتنا الفكرية كما سبق أن أشرنا جميعا المنصوري وحليم[ii] وابن إبراهيم وأنا, علما وأن أبا يعرب لم يعرض لهم قط إلا بالقصد الثاني وبوصفهم عينة من المرض العضال الذي يعاني منه الفكر العربي الإسلامي.

وحتى الجارح فقد أعلمني في رسالته الأخيرة التي عيد علي فيها- جمعا بين كل الأعياد التي تلاقت هذه السنة وكذلك لأني لم أتمكن من القدوم-أنه بمقامته الثالثة ينهي الكلام عليهم وأنه سيمر إلى المستوى الثاني من العلاج بعد وصف العينة التي تمثل الآثار الجانبية للكلام. وقد استأذنني في تحشية رسالتي بهوامش يراها مفيدة فلم أتردد في الترحيب بمشاركته في عملي لما عرفت عنه من نباهة تفضح ما عند الخصوم من تذاك ولا مانع عندي من جراحه إذا لم تجار سفينتي رياحه (عملا بعكسه العلاقة بين الشاهد والغائب). لذلك فكل الهوامش هي من تأليفه بوحي الظرف وباستعارة من النسيج الفكري المقامشْ للحواشي والهوامشْ.

ولا أنوي أن أطيل مع ملعاء[iii] الكلام لا مع مولاهم[iv] ولا مع الهوام ولا مع ما بقي معه من أزلام[v] ولا مع من أفسدوا ملكاتهم ممن كان يمكن أن يكون لهم كبير مقام[vi]. ما أنوي الغوص[vii] فيه إلى أعمق الأعماق هو علاج أصل الداء نفسه. فلا أحد منهم أهل لما يجانس الجهد الذي بذله المنصوري الذي بز الإفرنج في فني المنطق والشطرنج. لن اتبع طريقته في حصر أشباه الحجج ولا في صوغها أو في الرد عليها. سأكتفي بالفعل بدل رد الفعل فأعالج علاجا نسقيا قضيتين لا ثالث لهما لأبين للمتشايخ وجماعته خفة عقل من ولوه أمرهم وفراغ شغلة وسماجة حكمه إذ يتكلم على آداب الضيافة وهو يطرد كل من لا يصفق له ليس من موقعه فسحب بل حتى من الملة والإنسانية.

فالمتطفل على مائدة[viii] لم يدعه صاحبها إليها لعلمه أن من  تعود على التبن عديم الذوق فلا ينظر إلى الفوق خاصة وهو من نفاة الجهة في الرؤية ومن القائلين بالجهات في الرأي. إنما هو يبقى كل حياته يعاني من البلاء الذي وصفه حجة الإسلام في رابع أبواب الكتاب الأول من الإحياء  خاصة وأن كل من له ذرة ذكاء أو نجابة يطلب المعرفة من الرجال لأنها لا توجد إلا في الأدغال التي يستثنى منها الأطفال. لن أتكلم معه في المسألة العلمية. فهو لا يميز فيها كوعه من بوعه. يكفي كلامه على عدم التغير في العلم الرياضي. أراد أن يقنع من أحاط بهم نفسه من عبيد الحافرة بحجج كافرة[ix]:

1-من جنس: ألا ترون أن أي تاجر في المدن القصديرية لا يزال يستعمل نفس عمليات الجمع والطرح البدائية ؟ ونسي أن يقول لهم: ذلك يصح على من كان من باعة الروبافيكا محدود الأفق كالدجالين لأن رجال الثورة الاقتصادية يستعملون الرياضيات العالية التي لا تعالجها الأدمغة البالية. ولا شك أن من جعلوهم عامة يكفيهم تصور الأرض على قرن ثور. لكنه لا يفهم أن هندسة إقليدس لم تعد الحقيقة بل هي صورة ما تقبل إذا قبلت فرضياتها التأسيسية أو أن المعرفة الرياضية لم تعد إلا حلولا فرضية ولا علاقة لها بالحقيقة أصلا فضلا عن اليقين: وهو ما فهمه شيخ الإسلام الذي سمى ذلك بعلم المقدرات الذهنية وميزه عن العلم بالحقائق الوجودية الفعلية,

2- أو من جنس ما يقوله لمن ينادونه يامولاي: سلموا يا أغبياء حتى يرضى عنكم الملعاء أن الملع أوصلنا إلى عنان السماء حتى ولو كنا غارقين في حفرة ماء. أليس بوسع الملعاء أن يؤولوا "دحاها" بـ"بسطها" لتطابق فلك بطليموس ثم بـ "كورها" لتلائم فلك كوبرنيكوس ثم ربما ب"عورها" لتلائم عورات خطابهم ؟ وما إلى ذلك من تخاريف الإعجاز العلمي: وكل تخريفات المتكلمين هي من هذا الجنس لكونها إما شرح كلام بالمعاجم أو سوء فهم للمعاني الفلسفية وخفة أصابع عامية قيسا للغائب على الشاهد مع جهل المشبه والمشبه به ووجه الشبة ومن ثم العيش على المتشابه فيكونوا كما وصفهم القرآن يعانون من زيغ القلوب وابتغاء الفتنة.

ولا تعجب من تضمن هذا التمهيد بعض أساليب الراجح للمزاح. فقد حاولت أن أبدأ رسالتي بشيء من تسجيعاته[x] لأني تابعت كل ما جرى وحاولت أن أمازح الأصدقاء فأشاركهم المرح والأريحية قبل الدخول في المسائل الوجودية علما وأن ما عالجوه لم يكن دونها جدية ولا أقل صرامة منهجية. وإليك المسألتان الغايتان اللتان سيدور عليهما كلامي:

المسألة الأولى: هي دلالة الآية السابعة من آل عمران وكيف حرفها المتكلمون.

المسألة الثانية: هي تحليل أحكام العقل والجهات وكيف أساء فهمها المتقحمون.

وسيكون كلامي في الحالتين تذكيرا للقراء الذين أتوجه إليهم مع عجبي ممن لا يزال منهم مخدوعا بتخريف الملعاء تذكيرا بما ورد في دلالة الآية وفي مسألة الأحكام العقلية من علاج واف في أعمال الأستاذ وحتى في تحليلات بعض تلامذته من الأجيال المتوالية وخاصة ما ورد في مقامة الجارح الثالثة التي لم يكن فيها المازح ولا المارح بل الفيلسوف الأريب الذي يعالج المسائل بالمجهر ومن قريب.

ففي المسألة الثانية سأكتفي بالاقتباس من جواب الجارح لأن شكله المازح يخلط بقصد بين الصالح والطالح كما يقتضي ذلك فن الموالح. لكني سأقدم على مدخله مدخلا ثانيا لعل ذلك يوضح ما عسر عن الفهم من تحليلاته الجارح ذات الدقة والاختصاص ولا يفهمها من لم يتعلم شروط الاقتصاص.

أما في المسألة الأولى فسأجمع ما أراه مناسبا للظرف من تحليلات دون تأويلات انتخبها من بعض كتابات أستاذي أبي يعرب. وسأبدأ بالمسألة الأولى لمناقشة تحايل الملعاء مع الآية السابعة من آل عمران وأختم ببيان ما لا يمكن للإمعات أن تدركه من نظرية أحكام العقلاء في الجهات.

لكني قبل ذلك لا بد من أن أمهد بعلاج مسألتين أداتين تكونان تمهيدا منهجيا سريعا أبين فيه وهاء كل مهارب المتشايخ في علاجه لقضايا الجلال بما لا يليق من الجواب الجدير بالسؤال الخطير. ذلك أنه ما يزال معتقدا أن القراء مثله يخلطون بين العقل والعقال ولا يميزون بين الأشباه والرجال. وقد اخترت الكلام في مهربين كلاهما مضاعف لجأ إليهما المتشايخ هذه المرة في التخريف حول مسألتينا الغايتين وبسببهما قدمت المسألتين الأداتين. والمعلوم أنهما لا يعدان مهربين إلا مع القراء الغافلين لكنهما مأزقان للهارب إليهما مع القراء النابهين:

الأول هو مهرب الخلط بين المعرفي والوجودي من مستويات التحليل والعلاج.

والثاني هو مهرب الخلط بين وصف الآراء ومعرفتها العلمية في النظرية المعرفية.

وبذلك تكون المسائل التي أعالجها في هذه الرسالة التي لي الشرف أن أوجهها إليك أخي أبا لؤي لتنشرها في موقعك تقديرا لما تبذله من جهد لخدمة العلم والعلماء وفتح المجال لحرية الفكر والآراء مسائل أربعا تنقسم إلى صنفين كلاهما مضاعف[xi]:

الصنف الأول أداتي: وفيه مسألتان تتعلقان بمغالطات الملعاء المنهجية:

المسألة الأولى: مهرب الملعاء الأول حول المستويين المعرفي والوجودي

المسألة الثانية: مهرب الملعاء الثاني حول مناط الدلالة في تاريخ المعرفة

الصنف الثاني غائي: وفيه مسألتان تتعلقان بمغالطات الملعاء الموضوعية:

المسألة الثالثة: بعائد التحيل على الآية السابعة

المسألة الأخيرة: دلالات أحكام العقل وجهات الوجود.

 

 

                   صنف المسائل الأول: في المغالطات المنهجية      

                  المسألة الأولى: الخلط بين المعرفي والوجودي

إن الخلط بين نفي قدرة العقل على علم الحقيقة الغيبية ونفي وجودها يعني دون شك أن الخالط بينهما يعاني إما من السذاجة المعرفية أو من فساد الطوية. وصاحبنا دون شك يعاني من الدائين كليهما. فالمتشايخ في الحالتين غير دار أنه إذا قال بالتلازم بين النفيين فإنه يثبت صحة فهم الأستاذ لموقفه الباطني من الدين تقليدا في الحالة الأولى وموقفا شخصيا في الحالة الثانية:

فإذا كان نفي أن يكون العلم العقلي مستوفيا للحقيقة كما يرى الأستاذ المرزوقي

ينتج عنه نفي الحقيقة لما يراه المتشايخُ مستبدلُ الفهم بالوهم  من تلازم بين الأمرين

فإن الوحي يصبح لا داعي له ولا فائدة منه لأن العقل يكون بديلا كافيا مغنيا عنه.

والمعلوم أن الأستاذ المرزوقي ينفي التلازم بين النفيين. فهو ينفي استيفاء العقل للحقيقة عامة والغيبية خاصة. لكنه لا ينفي وجود الحقيقة والاعتراف الإيماني بها. والوحي وحده هو الذي يخبرنا عنها ولذلك فالإيمان بها شهادة واعتراف وليس علما ومعرفة برهانية. والعقل يصدق فيشهد بمجرد أن يدرك حدود علمه فيعلم أنه ليس مغنيا عما أتى به القرآن مما وصفه الله بكونه فوق طاقة الإنسان. وأبو يعرب لا يدعي التفرد بهذا القول. إنما هو ينسب أصله في ثقافتنا على الأقل إلى الغزالي وابن تيمية وابن خلدون الذين يعتبرهم مراجعه الأساسية في تحديد الخط البياني لتطور الفكر العربي الإسلامي في سعيه للخروج من الفكر المدرسي. وبذلك فالمهرب الأول الذي لجأ إليه الدجال مهرب مضاعف:

فهو يوهم القراء بأن نفي الأستاذ قدرة العقل على علم الغيب نفي لحقيقة الغيب.

ويوهم القراء بمنهجه الأعرج أن الأستاذ يكذب في نسبة موقفه إلى مراجعه الثلاثة.

ولنبدأ بالإيهام الأول:

ولنكتف فيه بمثال واحد هو نفي الأستاذ المرزوقي أن تكون مسألة الصفات قابلة للعلاج التأويلي بالعقل. وهو ليس المثال الأيسر فضلا عن جمعه بين الغيب والشهادة: فالصفات تجمع بين الغيب من حيث الأصل لأنها صفات الذات والشهادة لأن أهم خصائصها تظهر في ثمرات أفعال الله  الشاهدة ومنها آيات الأنفس والآفاق خاصة. فهل يعني هذا النفي للعلم نفيا للوجود؟ أي هل نفي قدرة العقل على علم الصفات يعني نفي حقيقة الصفات ؟ الأستاذ المرزوقي يقول إن العقل لا يستطيع أن يعلم كيفية الاستواء مثلا تماما كما يقول السلف. لكنه مثلهم لا ينفي وجود الاستواء ويحصر الاعتقاد في وجوده بالتسليم الإيماني دون الدليل البرهاني. رأيه أن ذلك لا يُعلم وجوده بالعقل بل بتصديق الوحي. والوحي أساسه تصديق النبي في ما قال إن الله قد قال له أن يقول.

وطبعا سيقول المتكلم المتحايل كالعادة: ولكن كيف تعلم أن النبي صادق؟ هنا أيضا الجواب ليس بالعقل ولا حتى بالمعجزة بمعناها التقليدي. فالقرآن الكريم نفى ثمرة المعجزة بهذا المعنى مستبدلا الإخافة بالطمأنة (الإسراء). تصديق النبي لا يحصل بالاستدلال الكلامي المصوغ صوريا من مقدمات ونتائج بل بالاستدلال القرآني الذي به يعلم الإنسان أنه موجود وأن غيره من البشر موجود وأن العالم من حوله موجود وأن الله موجود وهو خالق كل ذلك: ولولا تجربة العرب العينية للمجاهدة النبوية لما ميز الناس بين محمد الأمين ومسيلمة المهين. ولولا حضور هذه التجربة ومعها تجارب كل الأنبياء في القصص القرآني لما أمكن لنا أن نعلم شيئا مما جاء به الوحي. لذلك كان القرآن الكريم وكانت السنة الشريفة والخبر الوافي الشروط الضرورية والكافية لفهم الصادق الأمين وتصديق خاتم المرسلين.

كل هذه الحقائق لا يعلمها المرء بالدليل العقلي بل بالعلم "الحدسي-التاريخي" ذي الدليل العياني لأن العقل لا يستطيع أن يثبتها ولا أن ينفيها بالدليل البرهاني. وكل ما ليس ببرهاني ليس بدليل إلا عند من ليس له من الفهم إلا أقل من القليل. فالبرهاني لا يكون إلا بمقدمات من أحد جنسين لا ثالث لهما:

فإما أن المقدمات تكون من هذا الجنس فيرد البرهان إلى المعرفة الحدسية ويكون نافلا في المسائل الدينية بل مصادرة على المطلوب لأنها جميعا متعلقة بالحقائق المباشرة وليست متعلقة بما يحتاج إلى طويل استدلال.

وإما أن المقدمات تكون فرضية فيرد إلى الفرضي الاستنتاجي الذي لا يمكن أن يبنى عليه العقد إلا بمعنى رهان الغزالي وباسكال. وهذا هو الملجأ الوحيد للمتعاقلين في ما لا يعلم إلا بشهادة البصيرة والعين.

أما كيف يعلم النبي من غير النبي فإن أفضل من بينه هو قاضي القضاة ابن رشد الحفيد الذي يتطاول عليه من لا يقبل به حمالا لمؤلفاته: نميز النبي من الكذاب بما نميز به الطبيب من مدعي الاستطباب. والطبيب لا يعرف بالاستدلال المنطقي بل بالممارسة العلمية وبالممارسة العملية. وكلتاهما مما يحصل إدراكه بالحدس المباشر. فمن درس الطب وعرف الصحة يعرف الطبيب معرفة عيانية لا قياسية. وهذا شرط ضروري غير كاف. لا بد من معاينة الطبيب يعالج المرضى في المستشفى وهو العيان الأتم لأنه عيان الأفعال لا عيان الأقوال. فإذا كان ممن حفظ متون الطب فحسب كان حمال أسفار كغالب الملعاء. أما إذا كان ذا خبرة وممارسة فعليتين فهو طبيب حقا.

والجمع بين الشرطين في تعينهما الفعلي هو الدليل العيني الحي الذي تعتمد عليه أدلة القرآن كلها وهي المعنى الحقيقي للدليل العقلي الذي يجمع بين عينية الصورة وفعلية المادة. وبها يوصلنا القرآن إلى الإيمان بأن محمدا نبي صادق فنقبل كل ماجاء في القرآن كما جاء به محمد دون تأويل ولا تبديل. وهذا المعيار مشروط في الحياة الفطرية ولذلك فهو ما يطبقه من لم يسمع بالمنطق حتى مجرد السمع: فمن يمرض ابنه لا يحتاج إلى الأدلة لمعرفة أي طبيب يختار لعلاجه. سيختار من يرى فيه تعين الطبابة الحقيقية بالقرائن التي لا تحصى في الممارسة اليومية. والعقائد علاج روحي: ويصح عليها ما يصح في مثال الطب والمعلوم أن حرص الناس على أرواحهم أكبر من حرصهم على أبدانهم.

كل ذلك من مجال الإيمان الذي يتحقق في الاطمئنان لتلاقي ما لا يتناهي من الآيات والعلامات والقرائن والبينات حتى يحصل اليقين. فلست أشك في وجودي رغم أني لا أستطيع إثباته بالدليل العقلي ولست أشك في وجود العالم من حولي ووجود الناس الآخرين لكني لا أستطيع أن أصوغ قياسا منطقيا يثبت ذلك لأنه سيكون مصادرة على المطلوب: فلا بد لي قبل صوغ القياس من التسليم بوجودي وبوجود العقل وبوجود قوانين القياس إلخ... وكل ذلك يتم بدون قياس.

ومثله معرفة الصادق من الكاذب: وهذا النوع من التصديق بتضافر القرائن اللامتناهية هو المعجزة الكبرى التي تثبت شروط كل إثبات بما في ذلك العقل نفسه: ومن جنسه ما يسميه الغزالي بالنور الذي يقذفه الله في القلب. بذلك نميز بين الشاعر والنظام وبين العالم والدجال وبين الصادق والكاذب وليس بالقياس العقلي المصوغ صوريا لأن كل قياس مقدماته من حيث هي مضمون معين هي من هذا الجنس أو من الجنس الفرضي وإلا فهو لا يبدأ أصلا فضلا عن أن ينتج. ولعلي لا أغالي إذا قلت إن القياس الكلامي في مثل هذه الحالات لا يؤدي إلا إلى الخطأ: ذلك أن قيس الغائب على الشاهد ليس هو شيئا آخر غير تحكيم العادة أي المبدأ الذي لا تكاد سورة من القرآن الكريم لا تستنكر اللجوء إليه أعني مبدأ هذا ما وجدنا عليه آباءنا أي العادات عن الشاهد.

أما إذا أردنا أن ننهج النهج العقلي الفلسفي الخالص بمعناه التقليدي القائل بمبدأ بارمينيدس في أحد تأويلاته الخاطئة -(الوجود = العقل)- فعلينا عندئذ أن نقول بالإلهيات العقلية التقليدية التي هي علم كلام غير واع بنفسه رغم كونه صريحا وغير منافق في القول برد الغيب إلى الشهادة: فالفلسفة الميتافيزيقية التقليدية تقيس الغيب على الشهادة وتلزم الوجود بقوانين العقل الإنساني. وعندها يعتقد عديم العقل أن العقل الإنساني يعلم كل شيء ويحيط بالوجود. ولذلك فهم يعتقدون أنهم أغنياء عن الأنبياء. والمعلوم أن ذلك هو ما ينفيه ابن خلدون لقوله إن الوجود لا ينحصر في الإدراك وهو ما ينفيه الغزالي لقوله بطور ما وراء العقل أو ما فهمه منهما أبو يعرب ويكذبه المتشايخ. أما ابن تيمية فلا حاجة للتدليل على رأيه. وبذلك نصل إلى المغالطة الكلامية الثانية.

ولنمر إلى الإيهام الثاني:

 1-هل يوجد من ينفي أن ابن خلدون قد قال إن الوجود أوسع من الإدراك ولا يبرهن بذلك على أنه أفاك؟  ناور المتشايخ وأحد المعجبين به ودوارا حول رأي ابن خلدون في الكلام متناسين أن كل ما يقوله عن الفلسفة يصح على الكلام عامة فضلا عما قاله عنه لذاته وبمعزل عن الفلسفة وفضلا عما قاله عنه بعد اختلاطه بها صراحة (عند المتأخرين بعد الرازي) وضمنا (عند المؤولين إلى الرازي). فالكلام إذا بقي مقصورا على الدليل النقلي لم يختلف عن العلم الديني المقبول شرعا. وهو عندئذ ليس علم كلام بل نقيضه تماما. وإذا تجاوز الدليل النقلي إلى الحجاج العقلي بالمقدمات المستندة بعلم غير واع بعيبه الجوهري أعني بقيسه الغائب على الشاهد في جليل الكلام وحتى في  دقيقه فإنه يصبح نفيا للغيب ومن ثم فهو عين العيب الذي يتكلم عليه الجنيد[xii].

2-وما أظن رأي ابن تيمية يحتاج إلى بيان حتى قبل الاطلاع على العلم اللدني الذي وعدنا به المتشايخ حول فكره. فلا يمكن أن ينفي أحد أن خلافه مع المتكلمين والفلاسفة والمتصوفة مداره كله على ردهم النقل إلى العقل بالتأويل وأن الدرء لا يعني عنده أن العقل يعلم كل ما يعلمه الوحي -لأن الغيب مستثنى-بل يعني أن ما يتجاوز به الوحي العقل لا يستطيع العقل نفي إمكانه ولا بيان وجوبه. وتلك هي علة التسليم للإيمان ليس بسبب تحييد العقل فسحب إذ هذا سلبي بل لأن العقل نفسه بحاجة إلى ما يؤسسه كما بين الغزالي عند كلامه على النور الذي أعاد الثقة بالأوليات. فيكون بذلك لم يكتف ببيان حدود العقل بل هو بين كذلك حدود ما يعلمه صاحب الوحي بالقياس إلى ما يعلمه الله.

 3-أما الغزالي فلا ينفي عالم موثوق بعلمه أنه وضع المفهوم الحد الذي سماه "طور ما وراء العقل". والخلاف هو هل قصد به  المعنى الذي فهمه الأستاذ المرزوقي أي تجاوز بعض حقائق الوحي ما يدركه العقل (أي كل ما يدور حوله الكلام أعني مسائل العقائد لا من حيث الإخبار بإخبار النبي بها بل من تأويل ما يتعلق بها من متشابه كمسألة الذات والصفات) ؟

 لما كان الخلاف يدور حول هذا المفهوم الحد الذي زعم الدجال أن الغزالي لا يعني به تجاوز مجال انطباق مبادئ العقل مدعيا أن المرزوقي نسب إلى الغزالي نفيها -وليس ذلك ما قاله الأستاذ بل هو ما يريد الدجال أن يقوله إياه إما لعدم  فهمه الدقائق أو لسوء نيته-ليدحض ما لم يقل به أحد فإن نص الغزالي الصريح يبقى الحكم. ألم يقل  ما مفاده أن الثقة في الأوليات (يعني مبادئ العقل) رجعت بنور قذفه الله في القلب:"ورجعت الضرورات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر" (المنقذ:ص87 ط دار الأندلس) ؟

هل يمكن لمن يفهم العربية أن يفهم شيئا آخر غير كون العقل يستمد إيمانه بمبادئه من النور الذي قذفه الله في القلب وإلا لكان الغزالي قد بقي في حالة السفسطة التي وصفها في المنقذ؟ فيكون فاهم هذا الكلام هذا الفهم قد قصد أمرين: أن العقل يستند إلى الحدس وأن إثبات مبادئ العقل مشروطة به ومن ثم فهي لا معنى لها في ما وراء الحقائق المشروط أعني في الحقائق الشارطة؟ فإذا كان العقل مستندا في مبادئه إلى الحدس فإن الأساس متعال على المؤسس ومتجاوز له.

وذلك هو معنى الحاجة إلى الحدس كتجربة وجودية تشير  إلى ضرورة الوحي ليكون للعقل ثقة في نفسه وفي أحكامه في حدود عالم الشهادة وكذلك في حدود انطباق مبادئ العقل التي توهَّم مطلقوه أنه مطرد في كل الوجود فيمكنهم من قيس الغائب على الشاهد: أي إن العقل من دون الإيمان الحدسي بكونه عقلا وليس جنونا يصبح جنونا وعلامة هذا الجنون هي طرد العقل في كل الحقائق ونفي الوحي بقيس الغائب على الشاهد متوهما أن أحكامه هي صفات الوجود كما سنرى في المسألة الثانية.

وبذلك نصل إلى علة قول الأستاذ المرزوقي إن موقفه مستمد من مراجعه الثلاثة. ذلك أنه لا جدال إطلاقا في أن:

1-             أن الغزالي قد وضع المفهوم الحد للعقل الإنساني أعني "طور ما وراء العقل" فكان بداية السلسلة الفكرية التي أسست محاولات التحرر من الميتافيزيقا حتى وإن كبا ولكل جواد كبوة.

2-             وأن ابن تيمية أدرك علل تجاوز هذا الحد عند المتكلمين والفلاسفة والمتصوفة مرجعا إياها إلى الميتافيزيقا المشائية التي هي أصل كل التخريف الكلامي والفلسفي والصوفي الوسيطة

3-           وأن ابن خلدون صاغ المسألة بنظرية نقدية صريحة في المعرفة تبين حدود العقل في فصلين صريحين لا جدال في دلالتهما الحاسمة (نص المنطق ونص الفلسفة).

ومن له فهم آخر لتطور الفكر النقدي في الفكر العربي الإسلامي فليسعف الأمة به. ولن يمانع أبو يعرب من تعدد الاجتهادات في علاج المسألة المصيرية في التفاتنا إلى المستقبل دون القطع مع الماضي ودون العيش على ما لم يبق حيا منه. ورأيي أن من يتبنى علاجا لا يستهدف "إحياء العلوم والأعمال الدينية والدنيوية وهي في النهاية دينية لأن الدنيا مطية الآخرة" ينبغي أن يكون من المنتسبين إلى موميات القرون الوسطى إذا كان ممن يظنون قانون الرازي وتخريفه علما.

ذلك هو موطن الخلاف. وهو ليس مع هذا المتشايخ ولا مع الببغاوات من حوله والذين لا يستحون بأن يصيروا موالي لغير الله. فليس هو ممن يحسب لهم الأستاذ أدنى حساب. تطحلب ليتدخل في ما لا يفهم فكان فرصة لبيان الأمر وما فيه: متشايخ يعيش بالدجل والدخل على الناس بما يتلاعب به من عبارات لا يدرك معناها قد ترهب الوهابي الذي لم يتعلم الفلسفة لكنها تضحك أي تلميذ فلسفة متوسط في سنواته الأولى من الدراسة الجدية.

إنما المسألة التي تعنينا هي أن التحليل المعرفي لنشأة الفكر النقدي عند المسلمين وتجاوز الفكر اليوناني الفلسفي والمسيحي الكلامي اقتضت أن يكون الكلام على العقبات التي نشأت في أصول الدين والفلسفة والتصوف وأصول الفقه أهم مجالات البحث لفهم منزلة فكرنا في تاريخ الفكر الكوني وذلك بعد مقدمتين معرفيتين خصص لهما الأستاذ زهرة شبابه:

الأولى هي الدراسة المتأنية للفكر اليوناني في مصادره الأصلية وليس من خلال الدكسوغرافيا التي من جنس تخريف النشار.

الثاني هو الدراسة المعمقة للفكر الغربي الحديث في مصادره الأصلية وليس من خلال الترجمات الرديئة أو من خلال نفس الدكسوغرافيا.

 

 

                 الصنف الأول: في المغالطة المنهجية

               المسألة الثانية: الخلط بين الرأي والعلم

تكرار القول إن الرأي لا يكون ذا دلالة إلا إذا كان قاطعا وجازما ووحيدا وترديد القول إن كثرة القائلين برأي دليل على صحته كلاهما مناف للعلم بمعناه الدقيق حتى وإن طابقا التصور العامي للمعرفة. ولذلك فلهذه المغالطة الثانية وجهان:

الوجه الأول هو كيف نحدد موقف العلماء تحديدا علميا وكيف نصل إلى الخط البياني لفكر أي عالم أو حتى مجتهد في مجال ليس للعلم فيه من سبيل.

والأمر الثاني هو طبيعة الحجة الإجماعية انطلاقا من القول إن من تقدم من العلماء يكونون قد أخطأوا إذا قبلنا بما يقول به عالم متأخر.

ولنبدأ بالوجه الأول:

فالمتشايخ يغالط من يتصوره غافلا من القراء فيحاول إقناعهم بأنه أفحم أبا يعرب لأنه طالبه بما عجز عن الإتيان به. ولم يدر أنه طالب بما لا يطلبه من يطلب الحق حتى لو تصورناه ممكنا. يتذاكى فيطلب نصا حاسما يقول فيه الغزالي وابن تيمية وابن خلدون إنهم يحرمون علم الكلام وينفون فائدته بإطلاق ولا يطالب نفسه بدحض القول إنهم يبيحونه إباحة الضرورات للمحظورات. ومعنى ذلك أنه يريد من أبي يعرب أن يخرجهم من عصرهم بإطلاق فيصبحوا قائلين بما تحقق بعدهم وكانت بذرته في محاولاتهم: أعني اكتشاف أن ما أبيح من أجله الكلام هو بدوره مستحيل التحقيق أعني أن الكلام لا يرد مشككا ولا يعالج متشككا بل بالعكس هو كما قال عنه القرآن الكريم تعبير خالص عن زيغ القلوب وابتغاء الفتنة.  

نحن الآن وبفضل جهدهم الذي نحاول مواصلته بأمانة صرنا نعلم دلالة التمييز القرآني بين العلم الإنساني والعلم الإلهي أو بين العلم النسبي والعلم المحيط. هم حوموا حول هذه المسألة ووضعوا الإشكالات الأساسية لاكتشاف هذه الحقيقة معرفيا وليس عقديا فسحب بحيث إنها صارت حقيقة من حقائق علم العلم: العقل الإنساني صار يعلم حدوده بصورة محدودة ولذلك فهو يعتبر الإيمان أصله وفصله حتى إن العقلانية تقال بلسان جوته عقيدة العقل Der Vernunftglaube مصداقا لما توصل إليه حجة الإسلام من أن الأوليات التي هي مبادئ العقل أساسها النور الذي قذفه الله في قلبه.

وهذا الطلب لا يمكن أن يصدر عمن يبحث عن الحقيقة للرد به على من لا يطلب الآراء المنفصلة والمعزولة بل يطلب الخط البياني في تكوينية الفكر النقدي في الحضارة العربية الإسلامية أعني مراحل التحرر من عقم الفكر المدرسي وليس اللحظات المنفصلة منه. وحتى لو أخذنا أي مفكر منفصل عن تاريخ مجاله الفكري فإن آراءه متغيره خلال حياته الفكرية فكيف سنختار الرأي الممثل لموقفه النهائي إذا لم نحدد خطا بيانيا بمقتضاه نفصل بين التنويعات المتوالية في أحكامه ؟ 

 فالأحكام القاطعة في تحديد المواقف من المسائل الإشكالية التي من هذا الجنس لا تجدها إلا عند الأميين. أما العلماء فيتحدد موقفهم بتدرج ولا يفيد في فهمه إلا الرسم البياني الحاصل من الوصل بين كل المواقف المتوالية ومحاولة استخراج نسقها بصورة تجعلها مناسبة لأفعالهم ولا تكون مقصورة على أقوالهم لكأن القول يمكن أن يكون وحيد الدلالة في أي مسألة كانت إذا لم تؤيده مقومات السياق الداخلي (كل النصوص) والخارجي (مناسباتها وظروف قولها).

وهذا المعيار المنهجي في فهم المواقف والنصوص مشروط في كل قراءة للأنظمة الرمزية سواء كانت لسانية أو غير لسانية. فلو اعتمد طبيب مثلا على كشف وحيد لحال المريض لقتله: لذلك لا يكفي قيس واحد لضغط الدم مثلا حتى نحدد المريض بالضغط بل لا بد من مئات القياسات لنحدد الخط البياني. لذلك فالطبيب الحاذق يحتاج إلى عدة كشوف ليستخرج منها الخط البياني لتطور عوامل التقويم التي تمكن من تأويل الأعراض. والأعراض من أهم الرموز الدالة على ما هي أعراض منه. وأقوال العلماء من جنس الأعراض الدالة على الأفعال: ماذا فعل الغزالي وابن تيمية وابن خلدون وراء ما قالوا في الكلام خلال سعيهم للتحرر من الفكر المدرسي وتأسيس الثورة النقدية في فكرنا حتى يكون علمهم مناسبا لقيم القرآن الكريم الذي نهى عن التأويل والبحث في الغيب ووجه العقل الإنساني إلى التحليل والبحث في الشهادة؟

ذلك هو مطلوب أبي يعرب وليس محاجة الملعاء حول زيد الذي قال كذا أو عمرو الذي هذى. أما اعتبار المناسبة والظرف لتأويل أقوال العلماء فلا يعني التشكيك في نزاهتهم. فالعالم ليس متهورا يقول أي شيء في أي ظرف بل هو في إبداء رأيه يعتبر المناسبة دائما خاصة إذا كان بحنكة ابن خلدون وتجربته السياسية كما هو معلوم للجميع. وكل العارفين بحياة ابن خلدون يعلمون ما كان يعاني منه من زميل له في الدراسة صار فقيها كبيرا وكيف حاول أن يؤدي به إلى التهلكة بالوشاية والسعاية كما يفعل الدجال الآن عندما يحاول أن يؤلب على الأستاذ كلا الصفين العلماني والأصلاني.

وما أظن المتشايخ يجهل حتى وإن تجاهل أن الصفين لم ينتظراه ليتألبا وأن أبا يعرب لا يخشى في الحق لومة لائم فضلا عن كونه اعتزل السياسة منذ عقود ولا مطمع له في الساحة الثقافة العربية التي يسود عليها الدجالون في كلا الصفين الأصلاني والعلماني. ولو لم تكن الساحة مستباحة لما دعي هو والكثير من أمثاله إلى مؤتمر الفلسفة أو لدعوا لـ"لتقريد" (بمعنى أخذهم على حد ظنهم بأنفسهم) ودعس الأذنين دون سواهما. ونصيحتي لهذا المتذاكي أن يعيد قراءة فصل المنهج في جواب الأستاذ ربما بصحبة السائل المتباكي.

ولنأت إلى الوجه الثاني:

هل إجماع المتكلمين القدامى حتى لو سلمنا بوجوده على فائدة علم الكلام وعلى كونه علما يكفي حجة لدحض من يشكك في الأمرين خاصة إذا طابق هذا التشكيك صحيح النقل وصريح العقل ؟ مبدأ الأغلبية أعلم أنه صالح في الحكم الحديث وفي تحديد الخيارات السياسية لكني لا أعلم أنه صار معيارا في الحكم العلمي الحديث وفي تحديد الحقائق العلمية أو العقدية.

فأولا ليس صحيحا أن الإجماع حصل على علمية الكلام ولا حتى على فائدته إذ بينا أن من الثلاثة الذين يدور حولهم الكلام في هذا النقاش أباحه اثنان إباحة الضرورات للمحظورات. أما الثالث فمنعه. وثانيا حتى لو أجمع كل العلماء القدامى على الأمرين فإن ذلك ليس حجة لأنهم أجمعوا على أشياء كثيرة لم يعد أحد يصدقها وخاصة في المجالات المعرفية والعقدية. ذلك أننا لا نتكلم على الإجماع في مجالات عملية خلقية كانت أو عرفية. فهذه حكمها مختلف لأنها تنقسم إلى نوعين كلاهما لا يخضع للمعرفة العلمية بل إما إلى التحكم التاريخي أو إلى التوقيف العقدي:

فبعضها توقيفي عرفي مثل إجماع العرب على رفع الفاعل ونصب المفعول وجر المضاف إليه.

وبعضها توقيفي شرعي مثل إجماع المسلمين على الصلوات الخمس بالكيفية التي ينجزونها بها وعلى كيفيات الحج إلخ..

أما في المجالات المعرفية فإن إجماع العلماء دائم التغير كلما تقدمت المعرفة تغيرت الإجماعات الهشة. لا وجود لاستقرار نهائي في أي مجال من مجالات المعرفة العلمية خاصة إذا كانت من العلوم الحقيقية. أما في المعارف الزائفة مثل السحر والتنجيم والكلام والكهانة فإن الإجماع ليس إلا التعبير الخفي عن سلطان الطاغوت الذي اشترط القرآن الكفر به ليكون الإيمان بالله صحيحا. فإذا أضفنا إلى ذلك أن كلام أبي يعرب يطابق النص الصريح من الآية السابعة من آل عمران تبين أن من يحتاج إلى التدليل على مزاعمه ليس هو بل من ينفي أن يكون ما يقوله هو ما يطابق القرآن الكريم في حكمه على الكلام وتحكيم العقل في النقل. وبذلك نصل إلى المسائل الموضوعية فننتقل إليها نقلة طبيعية.

 

              الصنف الثاني: في المغالطة الموضوعية

            المسألة الثالثة: الآية السابعة من آل عمران

 

بسم الله الرحمان الرحيم:

 {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} (7) سورة آل عمران.

مهما تهرب المتشايخون فلن يستطيعوا أن يفلتوا من خليتين ممكنتين عقلا في تأويل القراءة التي يدافعون عنها مستندين إلى الوقف بعد "والراسخون في العلم". فلنقبل منهم ذلك لأن هذا الفهم لا يقل وجوده حضورا من الفهم الثاني الذي يرى الوقف قبلها في تقاليد ثقافتنا الدينية. ألا يكون عليهم عندئذ أن يثبتوا أن علم الراسخين في تأويل المتشابه مساو لعلم الله أو أن يبدعوا حلا ثالثا حتى لا يكون تأويلهم من جنس التأويل الموصوف صاحبه بزيغ القلوب وابتغاء الفتنة؟ وفرضية الأستاذ المرزوقي لتحديد الخليتين يمكن صوغها على النحو التالي الذي أوصله إلى القول إن من لم يميز بين علم الله بالتأويل وعلم الراسخين به يكون هو ذاته من وصفته الآية بزيغ القلوب وابتغاء الفتنة لعدم إمكانية حل ثالث في مسألة علم الغيب. فالخليتان هما:

1-إما أنه يوجد تأويل مختلف عن تأويل الله للمتشابه وعن التأويل الناتج عن زيغ القلوب وابتغاء الفتنة وعلينا عندئذ أن نسأل عن مميزيه عنهما ما هما. وهذا الحل الثالث من اليسير بيان امتناعه لأنه يعني علما ليس بالعلم أو تأويلا مخالفا للحق (تأويل الله) وللباطل (التأويل المنهي عنه) في آن.

2-أو أنه يوجد تأويل مطابق لأحدهما تأويل الله أو تأويل زائع القلب ومبتغي الفتنة. ولما كانت المطابقة مع علم الله ممتنعة لأنها تنافي مفهوم الغيب ومفهوم الإحاطة المقصورين على الله باتت المطابقة الوحيدة هي مع تأويل ذي القلب الزائغ ومبتغي الفتنة.

والمعلوم أن ما لا يجادل فيه مجادل هو أن من يتصور علمه بالمتشابه أعني كل ما له صلة بالغيب مساويا لعلم الله ينبغي أن يكذب جل القرآن الكريم القائل إن الإنسان لا يحيط بشيء من علمه إلا بما شاء وقد شاء أن يستثني من علم البشر بمن فيهم الأنبياء العلم بالغيب وأن ينفرد به. وبذلك يكون القائلون بهذا الفهم نفاة لأهم أبعاد الثورة القرآنية بوجهيها المتلازمين:

حرية الضمير الديني وقدسية استقلال صاحبه بما فيه (نهي الرسول نفسه عن التدخل في ذلك والاكتفاء بما يعلن عنه صاحبه).

وإلغاء السلطة الروحية المفتشة في الضمائر نتيجة لذلك توكيدا لهذه القدسية وإبرازا للمسؤولية الشخصية أمام الله مباشرة.

وذلك ما سنحاول بيانه إن شاء الله لكي يفهم المغرر بهم من القراء ما دلالة التأويل الذي يحاول المتشايخ دعمه بالمهربين اللذين وصفنا في القسم الأول من البحث:

 فهو بالمهرب الأول يستنتج من القول بالحرية الدينية أن أبا يعرب ينفي العقائد لأنه ينفي أن يكون فيها رقيب آخر غير الله.  المتشايخ يريد أن يؤسس نظاما بوليسيا حتى في العقائد فيمتد إلى محاسبة الضمائر في حين أن الله نهى النبي نفسه عن ذلك.

وهو بالمهرب الثاني يحتج بأن هذا القول يؤدي إلى تخطئة كل المتقدمين في مسألة العقائد. وطبعا فقد يكون ما يدعيه على المتقدمين فيه شيء من الصحة: وهو بحصوله يفسر ما آل إليه حال المسلمين الذين حرفوا فهم الثورة القرآنية.

ذلك أن هذا الفهم حتى لو أجمع عليه كل ملعاء العالم وليس ملعاء المسلمين وحدهم فإنه يبقى مع ذلك منافيا لحقيقة القرآن الكريم فضلا عن منافاته لما بات العقل يعلمه من حدود علمه. والبشرية لم تتقدم إلا بتجاوز ما كانت أجيالها السابقة تتصوره من المفروغ منه. والقرآن كله مبني على ضرورة التحرر مما قال به الآباء إذا تبين خطؤهم أيا كانت منزلتهم خاصة إذا كان في ذلك عودة إلى فهم صحيح للقرآن الكريم. هذا فضلا عن كون الحقيقة هي من اللطافة بحيث إن الكثرة دليل على الخطأ أكثر مما هي دليل على الصواب في أغلب الأحيان. فكل الناس كانوا يتصورون الأرض ثابتة والشمس تدور من حولها ثم صاروا يقولون بالعكس.

والحقيقة هي غير ذاك وهذا لأن الأرض تدور حول الشمس والشمس ليست ثابتة بل هي أيضا تدور حول شيء آخر. ونحن نعلم الآن أن هذا هو الأقرب إلى ما يقول به القرآن. ولننظر الآن في الآية السابعة من آل عمران منطقيا ولغويا ومعرفيا حتى نبين أن ما قصدته الآية في ما يريد الله منا أن نحيط به من علمه هو ما يلزمنا بالوقف قبل "والراسخون في العلم":

العلاج المنطقي:

وبه نبدأ لأن النظم اللساني الجامع بين البلاغي والمعرفي يحتاج إلى سند يعلل التمييز بين الفهوم وانتخاب أكثرها رجحانا ولا يكون ذلك إلا بالتحليل المنطقي. فإذا سلمنا جدلا بأن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه فينبغي أن نسلم بتطابق تأويلهم مع تأويل الله لأن العلم الحقيقي لا يمكن أن يزدوج  فضلا عن كون ذلك هو القصد من الوقف بعد "والراسخون في العلم" ألا يعني ذلك أمرين كلاهما كفر محض؟:

فإما أن الراسخ في العلم يعلم ما لا يعلمه النبي لأن الكثير من الآيات تنفي عنه العلم بالغيب فيكون النبي غير راسخ في العلم. ولست بحاجة إلى أدلة كثيرة على نفي علم النبي بالغيب. يكفي مثال الروح ناهيك عن قيام الساعة أو الذات والصفات.

أو -وهذا أدهى وأمر-أن الوحي لا فائدة من وجوده ما دام الراسخ في العلم يغني عنه ويعلم ما من المفروض أن يتداركه فتكون لبنة النبي لبنة فضية دون لبنة ابن عربي الذهبية: أو لعلها كما يرى الباطنية هي لبنة "طوبية" (بمعناها المصري وبالمعنى الطوباوي).

العلاج اللغوي:

 يكفي دليل لغوي واحد لئلا نطيل مسلمين أن الاستئناف بعد الوقف يمكن أن يكون وصلا بتقدير ضمير واصل لا فصلا حتى لا نلغي إمكانات التعلل عند الخصم. ولما كان القرآن لا يستعمل لغة أكلوك البراغيث فالمطلوب أن نعتبر الجملة الموالية للوقف بعد "الراسخون" قد بدأت بضمير يعود على ما سبق. فما الحجة في عودتها على بعض من تعلق به الكلام ؟ فإذا كانت "الراسخون" معطوفة على "الله" في الآية في العلم بالتأويل فإن الضمير في الجملة المستأنفة (لأنها متصلة بما تقدم وليست منفصلة عنه) ينبغي أن يعود على المستأنف منه.

فيكون التقدير أن من يعلم التأويل -أي الله والراسخون في العلم- هو الذي يعود إليه ضمير "يقولون".  وعندئذ يكون الله أيضا قائلا ما جاء في بقية الآية هكذا: (وهم=الله والراسخون في العلم) يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ". وطبعا فهذا كفر محض. ونحن لا ننفي لغويا أن يكون الاستئناف ببعض المستأنف منه لكننا نفترض فيه شرط القرينة البينة تماما كما في حالة إبدال البعض من الكل. فهل توجد قرينة دالة على ذلك ؟ 

لكن استحالة اتساق الكلام مع ما تضمنته الجملة المستأنفة من دلالة على أن  الراسخين في العلم يعترفون بجهلهم بالتأويل ويحجمون عنه تنفي كل إمكانية لمثل هذه القرائن. فلا يمكن أن تكون دلالة الآية إلا واحدة من اثنتين.

فإما أن القصد هو أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل مثل الله لكنهم مع ذلك يكتمونه. وهو ما يعنيه الفلاسفة: فزيغ القلب وابتغاء الفتنة ليس هو التأويل عندهم بل هو التصريح به. وعندئذ يكون النبي عالما بالتأويل وكاتما إياه فلا يكون أتى بالنور بل بالظلام. وهذه أهم حجة لشيخ الإسلام على ابن رشد.

أو أن القصد هو المعنى الذي يفيده ما ألزمنا به التحليل المنطقي المتقدم أي أن الراسخين في العلم يعترفون بالعجز عن التأويل ويؤيدون هذا العجز بعلامتين هما علامة الرسوخ وعلامة الطاعة للنهي عن التأويل. ولنا على ذلك حجتان:

 فأما الحجة الأولى فهي من وصف القرآن: يقولون آمنا بالقرآن كله  أي متشابهه ومحكمه لأنه كله  من عند الله.

وأما الحجة الثانية فهي من وصف الراسخ في  العلم: يتذكر لأنه من أولي الألباب وهي بالذات صفة مقابلة لزيغ القلوب وابتغاء الفتنة.

العلاج المعرفي:

لم يبق إلا العلاج المعرفي أعني أن نظرية المعرفة التي بنى عليها الفلاسفة والمتكلمون ومن تأثر بهم من المفسرين والفقهاء فهمهم للآية نظرية بدائية كانت تتصور الوجود شفافا ودلالة الرموز القرآنية متناهية وقابلة لأن يحيط بها عقل الإنسان ومن ثم فهي تنفي الغيب في الأفعال حتى وإن رددت أنها تؤمن به في الأقوال. وهذا طبعا لا يقول به صراحة إلا طائفتان:

الأولى هي الطائفة الباطنية التي تدعي أن الإمام يمتح مباشرة من علم الله ومن ثم فلا شيء محجوب بالنسبة إليه وذلك لتأسيس الكنسية في الإسلام أعني للقضاء على أهم ثورة تحريرية في تاريخ البشرية. فيكون الرسول مجرد "قوال كلام للعامة" لكن المتصل حقا هو الإمام.

والثانية هي الطائفة الفلسفية الساذجة التي كانت تقول بالاتصال بالعقل الفعال  الذي هو عبارة متنكرة للكلمة بالمعنى الأفلوطيني-المسيحي ومن ثم بما يماشي الطائفة السابقة وهو ما يفسر التطابق بين نظرية الفيلسوف الرئيس والإمام المعصوم والقطب الذي يدور عليه العالم.

وهذا هو أساس ما يدعيه الراسخون في العلم من حق التأويل وتحديد العقائد لغيرهم ومحاسبة الضمائر بمقتضى هذه العقائد فيصبح لهم ما لا يحق للنبي بنص القرآن الصريح وما انفرد به الله وحده. وهذه الدعوى هي زيغ القلوب وابتغاء  الفتنة: فكل الحروب الدينية علتها هذه الدعوى وما يترتب عليها من محاكم تفتيش بخلاف ما نجده في القرآن الكريم الذي يعترف بكل الأديان ويرجئ حتى المشركين بنص صريح لم ينسخ إلا في أذهان الملعاء من المتكلمين والفقهاء.

 

 

               الصنف الثاني: في المغالطة الموضوعية

        المسألة الأخيرة: مسألة الجهات أو أحكام العقل

 

كل هذه الإشكالية التي هي جوهر المسألة الفلسفية والدينية يلغيها المتشايخ بتخفيه وراء مهربيه. وهو يتصور ذلك منجيا إياه مما يورط نفسه فيه من مآزق لا مخرج منها. لذلك  فعلاجنا لن يكون مجرد "كش مات" فحسب  كما حصل في تحليلات الصديق المنصوري. إنه سيكون "مات الغش". آن أوان صفارة النهاية بالنسبة إلى المتشايخ إذا بقي له من الحياء بقايا.  فلن أطيل الكلام في ما بينه أبني المبدع الجارح بأسلوبه المارح وخاصة عندما أرجع المسألة إلى قضية العارض من الحادثات المقبلة فوضع الإصبع على نواة الفلسفة الصلبة التي لا يدركها من لا يطلب الحقيقة بل يسعى إلى الغلبة بأدوات يهزأ منها في نظامنا التربوي أضعف الطلبة.

سأكتفي باقتباس بعض ما ورد في نص الراجحي بعد أن أفرغ من علاج المسألة من مدخل ثان ذي صلة بالمسألة الأولى التي تتعلق بتأويل الآية الخاصة بتحريم التأويل أعني بالجرم المضاعف الذي أسس كل المخارف فكان بهاية العهد الطارف من حضارة المعارف.  وبذلك تكون المسألة الأخيرة ذات مستويين بحسب المدخلين:

 المدخل الديني من دلالة الآية السابعة من آل عمران.

والمدخل الفلسفي من مشكل عارض الحادثات المستقبلية.

وفي الحقيقة فوصف المدخلين بإحدى الصفتين دون الثانية تقريبي  لأن المدخل الأول هو وجه المسألة الديني الذي ينتهي إلى وجهها الفلسفي والمدخل الثاني هو وجه المسألة الفلسفي الذي ينتهي إلى وجهها الديني: الدين الخاتم والفلسفة التي أدركت حدود العقل يصح عليهما معيار شيخ الإسلام أعني أن صحيح النقل متطابق مع صريح العقل. ذلك أن صحة النقل هي ثمرة المعرفة العلمية المستندة إلى الحدس والتاريخ بمنهج عقلي حقيقي (وذلك هو جوهر ثورة ابن خلدون). وصراحة العقل هي ثمرة إدراك العقل لحدوده المستند إلى نظرية المعرفة أو علم العلم بمنهج عقلي حقيقي (وذلك هو جوهر ثورة ابن تيمية).

الوجه الديني بداية والفلسفي غاية:

لما كان المتشائخ -ومعه كل المتكلمين  على العقل دون عقل[xiii]- لا يميز بين المستويين المعرفي والوجودي فإنه قد جعل نفي الأستاذ المرزوقي لقدرة العقل على علم الغيب العقدي نفيا للغيب العقدي. وبدأ يدندن ليبين لقرائه إن أبا يعرب يدعو للتحلل العقدي لتأثره بفلاسفة الغرب الكافر حسب زعمه وأنه يعتبر الأديان كلها هواء لكأن رأيه ورأي  ابن عربي سواء . وطبعا فلا يتصورن أحد أن هذا منه دليل على الدهاء. فليس له علم السوفسطائي بحيل الحجاج وإنما هو  يعيش على غباء من كرك في التعليم الابتدائي ويترأس في الفجاج حيث لا يتجاوز العلم  تجميع زق الدجاج.

كل ما في الأمر أنه لا يدرك العلاقة بين مسألة اختيار الوقف بعد "الراسخين" وهذه القضية. لا يفهم أنها من جوهر المطابقة بين علم الراسخين بالتأويل وعلم الله به. ولا أظن أحدا يمكن أن يختلف معي في أن علم الله لا يمكن أن نميز فيه بين المستويين المعرفي والوجودي. فبوصف علمه علما مطلقا لا يمكن ألا يستنفد موضوعه الذي يكون مطلق الشفافية لا تخفى منه خافية. ومن ثم فلا وجود لأي فرق بين الشيء في علم الله والشيء في ذاته: وهو معنى علم الغيب المطلق المقصور على الله دون سواه.

فإذا قال الواحد بالتطابق بين علم الراسخ في العلم وعلم الله فينبغي أن ينفي أي إمكانية لفارق أيا كانت ضآلته بين علم الراسخ في العلم وموضوع علمه أي لا بد أن يسلم بأن الراسخ في العلم هو من لا تخفى عنه خافية من موضوع علمه ومن ثم فلا  معنى للغيب عنده. علم الراسخ في العلم ينبغي أن يكون محيطا بالغيب إحاطة العلم الإلهي به وإلا لكان تأويله للمتشابه عائدا إلى زيغ في القلب وابتغاء الفتنة لأنه رجم بالغيب وكلام على الله بغير علم. وبعد أن وضعنا المقدمات فلنتأت إلى النتائج. إذا كان ذلك كذلك فينبغي للمتشايخ أن ينفي جهتي الوجوب والإمكان حتما حتى بالإضافة إلى الإنسان.

ولنبدأ بالمسألة في إضافتها إلى الله: فهل يمكن لما يريده الله ألا يقع؟ وهل يمكن لما لا يريده الله أن يقع؟  إذا أمكن ألا يقع ما يريده الله كان ذلك مفيدا أنه يوجد ما يمكنه أن يحول  دون إرادة الله الموجبة والنفاذ. فيكون صاحب المنع إلها فوق إلله يحول دون إرادته والنفاذ. وإذا أمكن لشيء لا يريده الله أن يقع كان ذلك مفيدا أنه يوجد ما يمكنه أن يحول دون إرادة الله السالبة ومنع ما لا تريد.

وإذا كانت الحالتان غير ممكنتين فمعنى ذلك أن الامتناع والوجوب لا معنى لهما عند إضافتهما إلى القدرة المطلقة والعلم المطلق والإرادة المطلقة. وبذلك تكون الإرادة الإلهية أمام الممكن المطلق بحيث لا وجوب على إرادته ولا امتناع دونها. وهكذا ينعدم الوسيط بين الوجود والعدم لأن الأول يطابق الوجوب عند زوال الفارق بين العلم والموضوع والثاني يطابق العدم بنفس الشرط. والمعلوم أن المتكلم من المفروض أن يسلم بذلك وإلا لامتنع عليه أن يعتبر شرط إثبات وجود الله القول بخلق العالم عن عدم  اللهم إلا إذا كان من القائلين بالقوة أعني المادة الأولى التي ليست عدما بل هي من جنس شيئية المعدوم البهشمية أو من جنس الثوابت في العدم الحاتمية.

المتشايخ لأنه لا يرى بعائد ما يقول به لا يدري أنه يقطع العصن الذي يجلس عليه لما يؤول الآية ذلك التأويل ويقول بالوسط بين الواجب والممتنع اللذين يصبحان الوجود والعدم عند عدم التمييز بين المعرفي والوجودي بالنسبة إلى الرب. والسؤال هو: من أين يأتي الممكن الذي ليس بواجب ولا بممتنع بين الوجوب المطابق للوجود بمقتضى الإرادة الموجبة والامتناع المطابق للعدم بمقتضى الإرادة السالبة ؟

نحن نعلم أن الفلسفة حلت المشكلة بنظرية القوة. فقد استطاع أرسطو أن يتحرر من هذه المعضلة بوضع نظرية القوة في المادة الأولى التي هي الجوهر الحامل للوسيط بين العدم والوجود بوصفها شرطا في التوسط بين الجهتين إن أسقط حكم العقل عليها فتكون القوة هي هذا الوسيط. بذلك جعل أرسطو الوجود بنحو ما متحررا من مبدأ عدم التناقض والثالث المرفوع:  فبين الإثبات والنفي المتناقضين وضع شرط الحل الثالث أعني القوة التي هي حل وسط بين الوجود والعدم وهو ما أسس عليه علم الطبيعيات في السماع الطبيعي داحضا الفيزياء الأفلاطونية المستندة إلى الجدل بين الوجود والعدم المطلقين دون وسيط.

لذلك فالواجب على كل من يقول بالوسط بين الوجوب والامتناع أي بالجهة الثالثة خاصة إذا اعتبرها صفة للموجود وليست مجرد أحكام للعقل (كما يؤكد الغزالي في التهافت) لا بد له من القول بالمادة الأولى وبنفي الخلق عن عدم وبالتالي فإنه يصبح عاجزا عن إثبات وجود الله لأن الانتقال من القوة إلى الفعل يمكن أن يحدث دون مرجع إلهي بل هو يحدث بالفاعلية الدورية للآلة الفلكية. تلك هي البعائد التي لا يراها المبتدئون إذ يحاولون أن يتقحموا ما لا يفهمون.

لكن ماذا يحصل عندما نأخذ في الحسبان العلم الذي لا يمكن أن يطابق الوجود ومن ثم نقول بضرورة  التمييز بين العلم الإنساني والعلم الإلهي؟ سنجد ما لا يمكن أن يفهمه هذا المتقحم والذي يمنع بغبائه والسباب كل من يحاول من الشباب الفهم فيضطرني لفرك أذنيه مهما حاول أن يتلكم عن أخلاق الضيافة والتكرم وهو لا يني يكفر المسلمين ويجرم بكل تبرم: فالفارق بين الوجودي والمعرفي في العقل الإنساني هو مجال الإمكان الوسيط الذي يتوسع بقدر توسع التدرج اللامتناهي في سعي العلم للاقتراب من الوجود دون أن يطابقه أبدا.

 وحقيقة الختم الأساسية في القرآن الكريم هي التوكيد على هذا الطابع المحدود للعلم الإنساني حتى لا يدعي أحد النبوة بعد الرسول الخاتم فيزعم أنه يبلغ حكم الله في الناس سواء كان ذلك بفهم يدعيه لدنيا أو عقليا للقرآن أو بتلقي رسالة جديدة. والتأويل المنهي عنه هو بالذات الزعم بحصول المطابقة ومن ثم ادعاء الشفافية المطلقة لمن يزعم نفسه راسخا في العلم أعني جوهر زيغ القلوب وابتغاء الفتنة.  

الوجه الفلسفي بداية والديني غاية:

سأكتفي هنا بإيراد هذين النصين الشيقين لابني الجارح الراجحي حفظه الله ورعاه. فهو قد حدد فيهما طبيعة الإشكال وعالجه بصورة فلسفية نسقية حتى كاد يخلع رداءه الروائي:

تحديد طبيعة الإشكال:

 قال الجارح محددا طبيعة الإشكال: " لم ير (المتشايخ) أن أدلة وجود الله  قضيتها الأساسية تعود في حقيقتها إلى المسألة الأصلية في المعضلة الفلسفية والدينية أو ما يسمى بمسألة "عارض الحادثات المستقبلية" Le problème des futurs contingents.  وهذا يعني دون أدنى شك أنه لم يتعلم إلا دق الحنك وتحريك الفك. إن ذلك دليل على أنه لم يدرس كتابا فلسفيا أصليا واحدا من أرسطو إلى سبينوزا بل منه إلى اليوم بأي لغة من لغات العلم القديمة أو الحديثة بما في ذلك كتاب أرسطو الذي عالجها بوصفها أعوص مسألة في مصير العقل الإنساني ومن ثم في تأسيس العلم العقلاني والعلم الرباني.

إنما هو قد اكتفى كعادته بتلاخيص النشار الذي حكى لي جدي عن علمه المنطقي حكاية تموت منها ضحكا كل ندّابة وبكَّاية. وقد آن أوانها. لم يذكرها صديقي المنصوري رغم سماعه إياها ذات مسامرة حضرها معي في بيت جدي لأنه أبقى على أسلوب الود. ولعله تناساها أو عساه نساها. فالنسيان هذه الأيام معد عفاكم الله من الأسقام. وحتى لا أطيل فإن الفائدة الوحيدة من محاضرة النشار في ستينات القرن الماضي حول كل ما ليس بمنطق في المنطق هي تعلم جدي بعض مفردات اللهجة المصرية (كان يضحكنا بها كلما تحلقنا من حوله ليسامرنا). ولم يكن طالبا (لأنه كان بعد أستاذا في اختصاصه) بل  حضر المحاضرة حب اطلاع ليرى عن قرب شريك الرضاع مع زعيم الرعاع (من يعرف حياة النشار يفهم).

قال جدي رحمه الله وأرضاه وجزاه خيرا على ما علمنا إياه: "بهرنا النشار رحمه الله بعلمه فقد أفادنا بقوله:" دا هو المنطيء. حاجة صعبة يا أولاد"". ثم أضاف (جدي): كان ينبغي أن يحاضر على العلاقة بين الدكتاتورية العسكرية والكنسية الشيعية التي كانت قريبة إلى قبله قرب الخرافات الكلامية. فسبورة المدرج بقيت نظيفة وخالية من أي عبارة منطقية أو معادلة رياضية. فلا التواريخ كانت دقيقة ولا أسماء المصنفات وثيقة ولا القضايا الفلسفية عميقة. إن هي إلا حكايات دكسوغرافية ركيكة يعلفها اليوم الكحكاحون فيزعمون أنهم مختصون. أي والله إنهم لمختصون في الضحك على الذقون.

ولنعد إلى (...) (المتشايخ). إني أعده أن كل من يقرأ هذا التأديب لن يجلس أمامه بعد اليوم (...) فهو إذن يجهل معضلة "عوارض الحادثات المستقبلية".  وهو لا يعلم أنها جوهر المعاني في الفكر الإنساني: كيف نفهم طبيعة هذا الوسيط بين الممتنع والواجب فيكون من اللاممتنع واللاواجب في آن؟ ما مصدر مثل هذا الوسط النافي لشرط شروط مبادئ العقل والمؤسس لفسحة النقل حتى قال كنط قولته الشهيرة رغم وهمه في ادعاء الاضطرار في حين أن الأمر عين منزلة الإنسان عديم القرار "اضطررت للحد من العقل لأبقي فسحة للإيمان" ؟ فلو التفت المرء إلى الماضي بمنطق العلم لحكم:

 أن ماحدث لم يحدث إلا لأنه كان لا بد أن يحدث (الواجب بمعنى ضروري الوجود)

وأن ما لم يحدث لم يحدث إلا لأنه كان لا بد ألا يحدث (الممتنع=ضروري العدم)

وذلك حتى لو كان جاهلا بالعلل في الحالتين لأنها مفروضة قابلة للعلم إذ هي فرضها موجودة هو شرط البحث عنها. وإذا لم يسلم المرء بذلك فإنه يكون من القائلين بامتناع العلم: إذ ذلك هو معنى الحتمية المشروطة في المعرفة العلمية حتى وإن كان أرسطو وجد المخرج في ما يسميه بالضرورة الشرطية. أما إذا التفت المرء إلى المستقبل وحافظ على هذا المنظور وسأل السؤالين حتى يطبق شرط العلم فإنه سيضطر إلى نفي شرط العمل:

فإذا كان ما سيحدث لا بد أن يحدث مثل ما حدث فلا شيء نفعله بالاختيار.

وإذا كان ما لن يحدث لا بد ألا يحدث مثل ما لم يحدث فلا شيء نتجنبه بالاختيار.

فكيف سيكون الإنسان مختارا وهو مضطر؟ كيف يكون حرا ومكلفا ومسؤولا ؟ ولولا هذه المعضلة-التي تحير العقول ويغفل عنها (...) المتشايخ- لما وجد فرق بين المعتزلي والأشعري يا (...) (وهو) يدعي أن علمه يتجاوز علم النبي: فالله نهى الخاتم عن محاسبة الضمائر والحائر يريد أن نقبل زعمه بأنه ناه وآمر في ما لا يزعم العلم به إلا الكذاب والساحر. جهلك بالمسألة إن كنت تعلم بوجودها أصلا أردت أن تخفيه كالعادة بالهرج حتى تستعيد جوق المصفقين من الهمج. ظننت نفسك قادرا على اللعب بالتهويل الدرامي فزعمت أنك لم  تعرف كيف تعنون تخريفك ولم تدر أنك فعلا لم يكن بوسعك أن تدري لأنك لا تدري أنك لا تدري. وهذه هي العلة التي جعلتني أجعلك مثال الغباء دون أن أتعرض بنفسي للتعليق الفلسفي بالمعنى الفني لأن أخي الحلمان قد كفانيها بالجواب على طوقان الذي يبدو لي معجبا بعلوم الكحكحان".

علاج الإشكال:

وقال الجارح في علاج الإشكالية بعد أن بين طبيعتها الفلسفية: "ونحن هنا نستنتج الحل الذي يقدمه (الأستاذ) أبو يعرب من قلب العلاقة بين الشاهد والغائب: فقياس الشاهد على الغائب هو الذي يفهمنا هذه الإشكالية التي يخفي أعماقها قياس الغائب على الشاهد. وليكن مثالنا مسألة الجهات. فعندما يتكلم المرء على الممتنع والواجب والممكن الوسيط بينهما أعني الذي ليس بواجب ولا بممتنع هل يعتبر ذلك بإطلاق أم بإضافة؟ أعني هل هي مفهومات فاغرة أم هي بالقياس إلى قدرة معينة شاعرة ؟ هل الممتنع والواجب والممكن الوسيط بينهما عند الإنسان البدائي مثلا هي نفسها عند الإنسان المعاصر ؟ وهل هي نفسها إذا ذهبنا إلى غاية القدرة فأضفناها إلى الله؟

أليس المتكلمون حتى من لا يقول منهم بـ"التحسين والتقبيح العقليين" بقيسهم الغائب على الشاهد قد قالوا بـ"التوجيب والتمنيع العقليين" فيكونوا قد طبقوا على القدرة الإلهية ما يزعمون أنهم يتبرأون منه عند الكلام على الإرادة الإلهية فيحدون من قدرة الإيجاد الإلهي ويزعمون عدم الحد من إرادة التشريع الإلهي ؟

1-كيف نسلم لإرادة الله حرية التشريع القيمي أو الإرادة الخُلقية (رفض التحسين والتقبيح العقليين أو إثبات حرية الله التشريعية)؟

2-كيف ننفي عن مشيئة الله حرية الإيجاد الوجودي أو المشيئة الخَلقية (القول بالتوجيب والتمنيع العقليين أو نفي حرية الله الإيجادية)؟

ذلك هو مستوى الإشكالية الذي نعتبره من القوة الثانية في العلاج الفلسفي والذي ليس هو مما يدق على المختصين فحسب خاصة إذا كانوا ممن لم يفهموا المستوى الأول بل هو يدق على كل من أعماهم ملعاء السوء بمنطق قيس الغائب على الشاهد الذي هو أساس قانون التأويل: لأن العقل الذي يرد إليه النقل لا يعلم إلا الشاهد وهو بالتأويل يرد الغائب الذي لا يعلمه إلى الشاهد الذي يتصور نفسه قد علمه.

فلو أخذنا الممتنع مثلا واكتفينا بفحصه بالقياس إلى قدرة الإنسان قبل الكلام على قيسه إلى مشيئة الله. فهل الممتنع على البدوي الذي أقصى ما وصلت إليه قدرته هي تدجين الحمير وزرع الفجل(وأضيف لئلا ننسى المتشائخ ربما إصلاح عطب كهربائي) فكان مثلها حمال أسفار هو عين الممتنع بالنسبة إلى من جاب القارات وصنع أفلاك المجرات دون بهارات ولا شعارات(....) أم إن المتكلمين يتصورون الممتنع ممتنعا في ذاته دون إضافة إلى قدرة معينة يكون الامتناع بالقياس إليها ؟

حسنا فلنقبل منهم وجود ممتنع في ذاته بإطلاق نفي الإضافة إلى الإنسان للتسليم بقدرته المحدودة. فهل يصح هذا الإطلاق فيلغي الإضافة إلى من تعريفه أنه على كل شيء قدير أعني الله إن كانوا حقا مؤمنين بأنه ليس كمثله شيء أن نبقي على الممتنع  بهذا المعنى ؟ كيف لهم أن يقيسوا غائب قدرة الله التي تعريفها أنها قادرة على كل شيء وأن صاحبها ليس كمثله شيء فيحدون منها بهذا الممتنع الذي هو في الحقيقة قيس غائب القدرة الإلهية على شاهد القدرة البدوية التي ضربنا مثال ما تستطيعه أعني تدجين الحمير وتحويل الأمم إلى خمير ليكونوا هم حمالة الأسفار فيها ويستحلوا منها كل خير ؟

لكن الأدهى والأمر هو أن هذا السخف لا حد له حتى لو نسينا المسألة الربوبية واكتفينا بالمسألة العقلية الخالصة. فالجهات تصبح متقدمة على ما هي جهات منه عند نفاة الجهة: يوجهون الوجود وهم ينفون التوجه إلى وجه المعبود. فلنفرض أولا أن الكلام لا يدور على وجود الخالق بل على الوجود المخلوق فكيف يكون فعل خلقه مقيدا بجهة من جهات مخلوقه وهو لم يوجده بعد؟ ألا يكون القائل بذلك مضطرا بالقول إن المخلوق شيء قبل أن يخلق وأنه فيه ما يجعل خالقه مضطرا للخضوع إليه حتى يتمكن من خلقه؟  أيكون الخالق خاضعا لأحكام العقل الإنساني حتى قبل خلقه أو قد استعار منه أحكامه ليوجه بها الوجود الذي سيخلقه ؟  هل خلقت الجهات في العقل الإنساني الذي هو عندهم أول مخلوق قبل الخلق فتكون الجهات هي الموضوع ويكون الوجود هو المحمول عليها ؟

ثم ألا يعني ذلك أن المتكلم قد أخضع فعل الخلق للجهات فلم يعد الله قادرا على كل شيء؟ ألا بئس "الخرم"(يعني التخريف بالتونسي) كيف انحط إلى هذا الجرم. ما لهم لا يفقهون؟ كيف يحكمون؟ أليس لهذا لسبب رفض ديكارت مثلا أن تكون قوانين العقل فوق القدرة والإرادة الإلهيتين فاعتبرهما خيارا إلهيا وتوقيفا غيره ممكن لو أراد الله فقدر ؟ ماذا نعمل مع هؤلاء الأغبياء الذين جعلوا فيلسوفا مسيحيا أقدر على فهم المبدأ الأول للقرآن منهم جميعا؟

أما الطامة الكبرى فهي الفرضية التي تجعل المتكلمين يطبقون الجهات على الوجود بإطلاق فلا يستثنون منه حتى وجود الخالق فضلا عن الوجود المخلوق: وإلى هذا يرد ما يزعمونه جليلا من الكلام وهو حقير من الرغام. أفتكون ذات الله التي هي عين وجوده خاضعة لجهات الوجود ويكون في الله ما هو ممتنع وواجب وممكن مثله مثل الوجود المخلوق الذي جعلوه خاضعا لأحكام الشاهد أعني لأحكامهم المسبقة الناتجة عن عاداتهم؟  لذلك فلا غرابة إن كان (...) (المتشايخ) لا يقدر على فهم ما فهمه أبو يعرب من طور ما وراء العقل الذي وضعه حجة الإسلام.

أليس الكحكاحون قبلوا من الفلسفة تعريف الله بواجب الوجود متناسين أن جهة الواجب ليست إلا جهة غير الممتنع ومن ثم فهو مجرد تعريف سلبي فيكون الله وجوده مشروطا بجهة سلبية لولاها لما كان على ما هو عليه.

ليس عندي ما أضيفه إلى تحديد طبيعة المشكل ولا إلى علاجه المنطقي والفلسفي. فقد أبدع الجارح. لكن ما العمل إذا كان من يخاطبه الجارح يصح عليه المثل الذي اخترته عنوانا لكلامي: "لاينفع العقار في ما أفسده الدهر".

                          الخاتمة

وأحسن ما يختم به الكلام قوله تعالى مخاطبا الرسول الخاتم: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}صدق الله العظيم  سورة النحل(125)

فالقسم الأخير من الآية مفحم لكل مدع الكلام باسم الله في معرفة مكنونات الضمائر. ذلك أن الله يؤسس فيه أسلوب الدعوة على نسبية المعرفة الإنسانية وما يترتب على ذلك من تجنب الشطط في فرض الرأي  والتفتيش في السرائر. الله وحده يعلم الضال من المهتدي. ولما كان الخطاب موجها للرسول الأكرم فهو من باب أولى يصح على أي إنسان ناهيك عن الأميين من المتكلمين.

إن الجمع بين الحكمة و الموعظة الحسنة ليس بعده بيان من الدلالة على الوحدة بين الفلسفة والدين: فالحكمة هي رمز الفلسفة والموعظة الحسنة هي رمز الدين. ومن وحدتهما ينتج التحذير من الكلام الذي تقدم الآية بديلا منه: الجدل بالتي هي أحسن أي بما يقتضيه التطابق بين المنهجين الحكمي (العلم المدرك لحدوده) والوعظي (النصيحة المدركة لحدودها). والله ورسوله أعلم.

 

 


 

                                                                    حاشية الجارح الراجحي

i

 أعود لما عزمت التخلي عنه من الجرح في المستوى الثاني من رسالة الفُغران بعد حلقتها الثالثة بسبب ما يحدث الآن في غزة وما حدث قبله في لبنان وفي العراق تعليقا عاما على كل أمير يحرس مصالح الاستعمار وهو شايخ وعلى كل مالع (قلب عالم ومعناه الثرثار) يخرف آناء الليل والنهار وهو خايخ وعلى كل الشعب الذي يئن من القهر والدمار وهو دايخ وتعليقا خاص على ثرثرة الدجال الأخيرة ليس لذاتها بل للعار الذي يدل عليه وجود من يسمع لتخريفه سواء كانوا من المنافقين المعزين للبغل بعد أن فقد كل أوراقه أو من الصادقين لأنهم لا يزالون مغترين بهذا الجغل.  فأنا لم "أفلت" ما قاله ثلاثة منهم أحدهم أظنه من تونس لعله أبرز علامات انحطاط الزيتونة التي لم يبق منها إلا الجدار والحسير لضرب الطبل والبندير والآخران أحدهما متفاقه يدعي تبكيت مفتي مصر والثاني متناطق يدعي تفسير نظرية الوجود والوجودية وهو نية في ثنية لا يفهم من الفكر إلا حكايات أمك سيسية.

يبدو أن الدجال قد تحول إلى شبه رجال باللعب متسللا ومن الخلق متحللا. فبعد حضور مؤتمر الفلسفة دون استدعاء  ولعله قبل التراب  حتى يفتح له الباب ها نحن نراه يترك قلعته العوراء في الوراء ويشرع في مناوشات حرب العصابات حول جواب أبي يعرب على سائل عامله الأستاذ معاملة الضيف فيلومه من يطرد كل من لا يصفق من ضيوف جحره يلومه بسبب تقديمه الكافيار لا التبن الذي يعلفه لتابعيه هذا الشيخ الثرثار. إن ما يحصل اليوم في غزة وما حصل الأمس في لبنان وقبلهما ولا يزال في العراق وفي افغانستان والشوشان إلخ... كل ذلك علته قضاء ملع الملعاء على علم العلماء حتى صار المسلمون في القرن الحادي والعشرين هنود العالم السمر بعد هنوده الحمر لأن متشايخيهم "حمر مستنفرة فرت من  قسورة" كما قال المنصوري.

فالتكامش (كل منهم يكمش الآخر من رقبته) والتهامش (كل منهم يحاول تهميش الآخر ببيعه لمن يسمونهم أولي الأمر وهم عبيد الخمر) والتعامش (كل منهم يريد أن يعمي الآخر) بين فضلات الهوامش (ما يتصوره أصحابه فكرا) هي مصدر الفرقة بين المسلمين (الانقسام الطائفي في فلسطين وفي لبنان والعراق) والتخلف العلمي (عند كل المسلمين) سببه ما يزعمونه علم توحيد وهو عمل تشتيت وتفتيت في حرب مع دولتين كلتاهما تأسست على إصلاح ديني حرر فكرهم من المشكل من أصله ليفرغوا إلى البناء بعلم الآفاق والأنفس والاكتفاء بدور الدين في الوحدة الروحية دون محاسبة الضمائر من باعة الفطائر والشطائر بالبصاق المتطاير. ولكن يبدو أنه لا حاجة للعلم فيكفي أن يدعو الشيخ الدجال على إسرائيل بالزوال حتى ننتصر في الحال. وعندما تصول طائراتها وتجول كعزائيل سيرفع نافي الجهات يديه إلى السموات ككل الولايا عند ازدحام البلايا أو كالهنود الحمر عندما يشتد الأمر صائحا: يا حرام.

وحري به أن يلجأ إلى تعازي جوقه لئلا ينتحر بعد أن أنهى وهمه الصديق المنصوري بشروط النظر. بكته بصورة نسقية فلم يبق له إلا الخيار بين الفلسفة التيمية أو الفلسفة البراهمانية أو الغرق في ما بقي من مياة طبرية. ها نحن نرى متطفلا لم يستضفه أحد لكأن فضاء المرزوقي فندق يدخله أي قرفان من غير استئذان. فلا يكفي ما تميز به الشائخ من بلادة هو ذا يضيف إليها علامات التطفل المغفل في سوق ليس له فيه ما يذوق كما يقول المثل التونسي. وليس من شك في أنه  بماس الحاجة لمد جوقه بالتبن الذي ينتجه في مزرعته الجرداء حتى يعلفهم ما يثبت به أن قادر على تغذيتهم بالقشور وتحويل أنظارهم عن جلائل الأمور فلا يرون ما حولهم وما فيه يمور ويدور لأن وظيفته لا تعدو التلهية بإحياء الفتن ومنع الشباب من التعلم بمقتضى قواعد الفن.

 [ii]

 بين الصديق حليم بكل دهاء في المستوى الثاني من العلاج بين للمتشايخ بما لا يمكن لذي عقل أن يسمع منه بعدها أنه مصاب بداء العجلة التي تمنعه من أن يكون قادرا على الفهم فضلا عن أن يكون قادرا على الرد: فكل ما خرف به حول ابن خلدون هو إما معلومات ميتة سرقها من عمل أحد تلامذته نشره الموقع أو تأويلات على غير أساس تدل على ما عرف به من تحريف للنصوص ليزعم أن علمه موثق بما هو منصوص. وسأسمح لنفسي بالإشارة إلى ما اتسم به رد حليم من دهاء على "زعيم الخسارى" (قيسا على رده على زعيم النصارى). فقد بين له جهله ببلاغة النظم حتى العظم. ولم يكتف بذلك بل نصب لهم جميعا فخا. فإن أدركوه شهدوا على غباء شيخهم. وإن غفلوا عنه أضافوا إلى شهادة البلداء بهامة الغباء. فقد احتج عليهم  بأن الأمر كله في نص العلامة ابن خلدون متعلق بمسألة الإضمار. ثم قابل بين التأنيث والجمع وسكت. ترك لهم اكتشاف الفخ ليشهدوا على شيخهم أو عدم اكتشافه ليجمعوا بين الخطيئتين. وها أنا أشير إلى الفخ علما وأني لا أظن الصديق حليم يمانع: فهو يضمر الإشارة إلى أن غير العاقل ضميره مؤنث المفرد وجمع العاقل ضميره مذكر سالم الجمع. لكنه مليح لذلك فقد اكتفى بالتلميح دون التصريح. ولن أزيد لأبين معنى الشهادة كيف يكون ولا دلالة البلادة فيم تتمثل.

[iii]

  الملعاء مقلوب علماء وقد اخترعته للدلالة على ما عرف به المتكلمون من ثرثرة لا نهاية لها والملع مرادف للكحكحة التي هي فقدان الأسنان وسيل الريق من الفم الذي لا يستطيع له صاحبه غلقا. وإذا ما استثنينا علماء النقل بمنهج التاريخ والنقل وعلماء العقل بمنهج التجربة والعقل فإن كل من يعتبرون أنفسهم علماء هم ملعاء بهذا المعنى لا يخرج من فيهم إلا الريق البارد.

[iv]

  والأستاذ لم يضْف عليه هذا اللقب بل هو وجده أزلامه ينادونه به فاستعمله حتى لا يظلم أحد أستاذي فيتصوره يستعمل أسلوبي المناسب لهؤلاء الجماعة. وهو يعني دون شك ذلك الذي سميته الدجال الفشفاش الذي ما عنده باش ولا يدري علاش أو كيفاش. أم الأزلام فالقصد بهم الأربعة الباقين أعني الهجال الفياش والوجال المشماش والزجال البرباش والحجال الوشواش. وجميعهم فشلامة (تونسية وتعني الدعي) وهم من جنس النعامة: لا يرون ما يجري حولهم فيلهون شباب المسلمين بالكلام عن العرش والاستواء ليمنعوهم من الاستعداد (الآية 60 من الأنفال) لما يحل بالأمة من بلاء لكأنهم ليسوا على بعد أمتار من إسرائيل التي جعلها علماؤها قوية كبيرة لأن ملعاء أمتنا جعلوها ضعيفة حقيرة.

[v]

 بم يفرح الجوق المهذار ختما بالفساء البهبار الذي تصور أن المناظرة هي الكلام وظن ما يقوله الشيخ طه قرآن يمكن أن يؤسس فتوى للبهتان وتوسطا براكب الحمار وبدءا بذاك البليد الذي لم يجد من يسمعه في الخضراء فذهب يثرثر في البتراء عله يرضى عنه بعد الأمراء فيستخدمه في الصحراء حتى لجمع الخراء لأن المهم هو أن يصبح من ذوي الثراء. بئس ممثل  تستحي من تخرجه منها الجامعة الزيتونية لأنه لا يشرفها أن يكون خريجوها بهذا العمق الذي ليس بعده حمق. يدلي بآراء غريبة تبين أنه بلغ درجة من البهامة عجيبة. والأغرب أنه يتصور نفسه نزاريا وعلويا. فلا النزارية يمكن أن يكون من هو منها بهذا الغباء ولا من أولاد علي الذين يمثلون الإباء. لا يمكن إلا أن يكون من شلائك تونس أو من النزوح لأنه يريد أن يقول أي شيء في أي شيء لعله يجد من يأخذه كشيء أو يعطيه بعض شيء. تصوروا أنه يتكلم في نظرية العلم الحديث هكذا بثقافة الكُتاب بما لا يقوله إلا وضيع المستوى من الحُجاب (الصبايحي في عهد العسس) وليس الحجاب (بمعنى الوزير الأول في عصر الأندلس).

[vi]

  إنه حقا لمن المؤسف أن تكون سيدة فاضلة مثل الأخت شفاء بهذا الذكاء والفهم وتتحول إلى ثرثارة حول ما يحل ولا يحل من الطيب إلخ... من إضاعة الوقت والجهد في ما نهى عنه النبي نهيا صريحا. أما سمعت القرآن والرسول ينهيان المسلمين عن السؤال عما لم يأت فيه نص حتى لا يبدى لهم  فيسؤهم ؟ أليس ذلك دالا على أن تضخم الفقه بمثل هذه الأسئلة التافهة جريمة ليس بعدها جريمة حتى صار المسلم لا يستطيع أن يفعل شيئا إلا بعد مشورة الفقهاء سواء كانوه حقا أو متفاقهاء ؟ ثم بعد ذلك يزعمون أن الإسلام ليس فيه كنيسة ولا كهنوت؟ ما يسمون من جعل المسلم لا يمكن أن يتنفس إلا بمشورته؟ أليس هذا هو الكهنوت بعينه ؟ بالله عليك يا فاضلة شفاء خصصي وقتك لما هو أهم فالله قد حباك بفهم سليم فاستعمليه لما يمكن أن يمكن من تحرير القدس بدل تكبيل المسلمات باختيار طيبهن بدلا منهن. اتريكهن يخترن ما يعجبهن ويحيي في رجالهن حبهن فهذا هو الإيمان الحقيقي: تمتين الحب وتقويته بدل البحث عما يمرر عيشة العرب.

[vii]

  طبعا سيقول السفهاء هذه إطالة بلا فائدة. فجهلهم بالاستدلال العقلي والعلمي يجعلهم يتصورون نتف الكلام فكرا فيعد الهذيان لهم ذكرا. أما العلاج النسقي المبني على منهجية كل خطاها معللة فهي مما لا يروق لهم ولا يستطيعون عليه صبرا. تعلموا القفز كالماعز من غير رادع ولا واعز أو بصورة أدق لا يفهمون ناطحات السحاب الفكرية لتعودهم على الخيام في البراري الصحرواية وميلهم إلى الخرافات البدوية التي لا تتجاوز البدائيات الخيالية.

[viii]

 ولما كان الدجال قد فاق في الفهاهة باقلا ويظن نفسه يفوق في الفصاحة واصلا فإنه قد سرق عنوان تعليقه بعد أن "حاف" جهد أحد مواليه في ما يتصوره علما في ابن خلدون وهو "الحكمة من رأس الفكرون". فالأستاذ هو الذي سمى سائليه بضيوف الفضاء دون أن يميز بين من هم أهل ومن لا غرهم التأدب معهم والثناء في الفضاء الذي خصصناه لمقالاته تزيينا  لموقعنا المتواضع (لأننا لا نعمل لصالح أجندة خفية يمكن أن يمولها من ييسر الحرب على السلفية لخدمة الباطنية والرافضية فضلا عن الأجندة الاستعمارية بالتلهيات العبثية). فكان رده المقعار بالكلام على آداب الضيافة في حين أن القراء يعلمون أنه لا يكاد أحد يدخل موقعه إلا وكان شر الطرد جزاه إن لم يقبل بالتصفيق ودعوة أبي الدفاء بيا مولاه.

 [ix]  

كافرة بمعنى مخفية للحقيقة ومتعامية عنها. فهل يبقى بمثل هذا الفكر من ضرورة للبحث عن علة تفهمنا لم لا زلنا في "البعبوس" (يعني آخر من في الذيل بالتونسي الفصيح) ؟ لا عجب إذا صار العلم عند الملعاء تخريف عجائز يستقي سطحيات ما يكتشفه غيرنا ويستخرجه بالتأويل الذي هو عين فن التدجيل ليزعم لنا الطليعة بالكذب على الشريعة التي يبحث فيها عن علم الطبيعة. والحمد لله أن الدكتور الطائي باحترازاته الذكية على مقال من اتكأ عليها الأملع جاءت لتكذب أوهام مخه الأصلع. وهي لو كان يفهم كافية. لكن ذلك لا يصح إلا على الألباء. أما تعليقات الدكتور على الرضا حتى على تمنيات الدكتور الطائي فقد كانت وافية وهي لشيخ الدجالين ضربة قاضية. لكن ذلك لا يصح إلا على من بقي له شيء من الحياء. لم ينجده لجوؤه إلى تغيير وجهة الخطاب ظنا منه أنه سيجد من يخون العلم ليتبع الأدعياء فيرضى بلعبة الضحك على الذقون من أجل عيون هذا المفتون.

[x]

 وإني أرى أخي حليم ساخرا من هذا النزار الثرثار الذي "عمل لتونس العار". فهو لا يترك مناسبة حتى "يعبر عن الولاء ككل توابع الملعاء من البلهاء" فيدهم دون أن يفهم: صار بثقافة الكتاب يتكلم على العلوم خالطا بين المفهوم والمبهوم. وهو دون شك سيتلفت إلى صاحبه بلال الصامت قائلا بعتابة لعلمه أن الأستاذ توسم فيه الخير ووجد له نجابة: أيكون صمتك مفيدا أنك فاهم وتتباهم؟ أم أن ضميرك بدأ ولو بالسكوت يساهم ؟ فلا يمكن أن تبقى شاهد زور طول عمرك مع هذا المغرور كل الدهور؟ أو تتخلى عن الموقف المسؤول وتترك هذا البهلول يواصل تغذية الشباب بقشور الفول؟

لكنك دون شك لا تعجب من أن هذا الدجال لا يستحي وهو لم ينه الابتدائية فيريد أن يعلم المنهجية لمن درسها عند أكبر فلاسفة الغرب الأحياء منهم والأموات فضلا عن فلاسفة اليونان والعرب قبل أن يتعلم الكلام هذا الدب: وعلى الأقل ثلاثة منهم هم من كبار بناة الفكر الغربي الحديث أعني فوكو وهيبوليت وريكور إلخ...ومثلهم من كبار رجال القانون والاقتصاد والاجتماع في جامعات باريس تصور دجله على شيوخ الوهابية الذين لا يقدر أن يشق لهم غبار في الثقافة التقليدية ببعض الكلمات الفهلوية من الثقافة الفلسفية يمكن أن يمشى مع أبي يعرب فزعم معرفة الإيطالية ونساها ومعرفة المنطق الذي تجاوز به المتكلمون الفكر الحديث والعلوم التي أسسها المتكلمون فتغلبوا على آينشتاين لأن الغزالي بكت جالينوس أي عالم متقدم عليه بقرون في ما لا يمكن للغزالي أن يصل إليه إلى أخمصه.

وينسى أنه ما يزال إلى الآن يعيش على مبادئ أولية لعلم وضعه عالم غربي في القرن الرابع قبل الميلاد دون أن يفهم أصوله الميتافيزيقية فضلا عن أسسه المعرفية والوجودية لأنه لم يفتح في حياته أي كتاب من كتب الآلة الثمانية التي يدرسها أبو يعرب حتى في السنوات الأولى من إجازة الفلسفة منذ كان هو يحبو. وما يدهشني أكثر من تخريف هذا الدجال هو وجود من يسمع له في القرن الحادي والعشرين في بلد كنا نتصوره من أفضل بلاد المشرق صلة بالغرب وعلومه وحضارته لأن فيه من لهم التكوين الحديث الذي يمكنهم من سن أنظمة تعليم تبعد الشباب عمن لا يعمل فكره إلا في الظلام والضباب.

[xi]

  لا فائدة من التعليق الطويل على الفرق بين أساليب العلاج عندنا وأساليب التخريف عندهم. فهم لا يخرجون أبدا من النتف لسبب بسيط: فكل جامع زبالة في مصبات الفضلات لا يمكن أن تجد في زوادته إلا رقع ملابس أبي سعدية وجلاجله وألوانه وهلم جرا وكرا وفرا وهرا. أما نحن فإن كل حرف في ما نكتب لا يمكن أن يكون إلا حيث هو كائن لأنه لم يرم بالاتفاق كما يرمون هم بالبصاق بل هو ثمرة خطة متروية لا تبيض آخر كلمة منها إلا بعد أن تسود كلها مرات ومرات. فنكون أول الممحصين لما نكتب احتراما لأنفسنا قبل أن يكون دافعنا احترام القراء وإن كان هذا الاحترام لا يقل عن ذاك بل هما سواء بسواء.

[xii]

 كل ما يتصوره المتكلمون تنزيها في تأويلاتهم للصفات مثلا ينتج عن هذا المعيار الأعرج: فهم يتصورون أن ما يؤولونه يخرجهم عن التشبيه لمجرد أنهم نفوا ما قد يفيد الجسمية مثلا. لكنهم لا يرون أن كل ما يبقون عليه دون تأويل هو بدوره تجسيم فكل الصفات التي يتكلم عليها الإنسان إذا قاس الغائب منها على الشاهد كان مشبها فيها دون شك سواء كانت صورية أو مادية. الله ليس كملثه شيء يعني أن الغائب لا يقاس بالشاهد لا غير. لكن الكلام عن الغائب يكون دائما بما يفهمه الإنسان. والإنسان لا يفهم إلا لغة القرآن أي الرموز والآيات التي تبدو تشبيهية لكنها مصحوبة بليس كمثله شيء دون تعيين ما يماثله بما يزعم من التنزيه النافي لما ورد في النص. وأكثر من ذلك القرآن يعكس فيقيس الشاهد على الغائب ليبين مثلا أن الدنيا ليست كما تبدو لنا بل إن لها أبعادا لا نشهدها فتكون في الحقيقة لا تقبل الفهم إلا بالغائب أو بقيسها عليه: أعني بما تتضمنه من أسرار لا يمكن أن نعلمها إلا بعد الموت يوم الحساب عندما ندرك أن ما كان البعض لا يصدق به من الغيب هو الذي كان الحقيقة وما كان يشهده كان لهوا ولعبا كما يقول القرآن الكريم. والله أعلم.

[xiii]

 من عجائب الدهر أن متكالما يدعي الدفاع عن العقل ضد أبي يعرب قالبا الأدوار بحث صارت الفلسفة تدعو إلى فهم ما لقدرات العقل من حدود وصار الكلام يدعي إطلاقها. وهذه أكبر علامة على أن الكلام باطنية مقنعة. فلو كان الكلام حقا دفاعا عن الدين كما يدعي لكان أول أصحابه أول المدركين لضرورة فهم ما للقدرات العقلية من حدود لأن ذلك هو شروط القول بالحاجة إلى الوحي. أما وقد قلبت العلاقة فصار المتكالم يزعم أن العقل يمكن أن يتكلم بعقل في الغيب فإن الدليل القاطع على باطنية المتكلمين أمدنا به المتكلمون أنفسهم منذ اليوم الأول الذي أطلق فيه قانون التأويل.