shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  

                                  ليست نصيحة بل فراسة

                                    (تعليق على تدخل الأستاذ فراس:موقع الأصلين)

                                                               هادي حليم

احتججت بما تصورته تناقضا بين ما جاء في مداخلتي الأولى وما جاء في مداخلتي الثانية. واحتجاجك ليس في محله: ففي كلتا المرتين كان موضوع الكلام وصف ما بدر منك لكنه لم يكن نصيحة في أية واحدة منهما.

ففي تعليقك على بوسعدية استعملت نفس الكلام الذي استعمله بوسعدية فعقبت على كلامك واصفا إياه بأنه عدوى أصابتك فصرت تنطق بالقاذورات ولم أقل إن ذلك هو دأبك.

وفي خطابي لك كان الكلام يدور حول عملين لك قرأتهما فوجدت فيهما بعض ما يمكن أن يدل على سعي إلى الفهم يستحق التقدير خاصة إذا علمنا في أي بحر مناف للمعرفة الحق تسبح.

فعلت ذلك صادقا معك لأعبر عن تعجبي مما وقعت فيه في تعليقك السابق وهو ما جعلني أصارحك بما بدا لي من فراسة حول وضعيتك المعرفية. ظننت وبعض الظن إثم أنك طالب علم يتنازعك طلب الحقيقة في بعض بحوثك والخضوع لما ينافيها في سلوكك. وإذن فكلامي في المرة الأولى كان وصفا لكلامك. وكلامي في المرة الثانية كان فراسة تؤول كلامك لصالحك. فإذا كذب حكمي وأخطأت فراستي فلا ضير فأنت أعرف بنفسك مني ولن أجادل لأني لا أدعي الكمال لفراستي بل هي ظن والظن بعضه إثم كما أسلفت.

إذا شهدت بنفسك أنك بعكس ما وصفتك في مداخلتي الثانية فليس من حقي أن أواصل في تصديق فراستي ولعل حكمي الأول الذي ظننته ظرفيا (تضامنا منك مع بوسعدية) هو الأقرب إلى الصحة. لكني ينبغي أن أقنع نفسي بأن بعض ما هو مقبول في عمليك حول الكلام والوجودية أعني ما استمددت منه بعض الأمارات التي أولتها لصالحك ليس إلا نقلا عن غيرك. ولعل الحلقات الموالية التي هي تخريف خالص تؤيد هذا الرأي.

ولست محتاجا لكبير تدليل على ذلك. ففي كلامك العمومي حول الوجودية بعد أن استعرضت الأحكام العامة التي يعلمها المبتدئون من خلال قراءات صحفية اقتصرت على اسمين يترددان في صحافة عصر عبد الرحمن بدوي ها أنت عدت إلى مضغ الكلام على الغنوصية بما لا يرضى به أي باد فضلا عن الشادي في الفلسفة ودونك وآباء سعدية في الموقع: فأسأل أيهم شئت.

طبعا لا تنتظر أن يساجل أبو يعرب أمثالك. فحتى شيخك هو لم يساجله بل هو اعتبره عينا من أعراض المرض العضال الذي تصدى له قبل أن تولد أنت وشيخك. حتى إن من يعرفه يكاد يجزم أنه ما تعلم الفلسفة إلا للقيام بهذه المهمة بدءا بتفنيد ما تنسبه إليه لأنك لا تقرأ وختما بعلم ما تتصور نفسه داريا به وأنت مثلك مثل شيخك لا تفقهان حتى القشور: لم تتجاوزا الرواية إلى الدراية في أي علم من علوم الملة فضلا عن علوم الإنسانية ما تقدم منها على علوم الملة وما تأخر.

قد يكون لكما حفظ الببغاء ترددان بعض المتون دون فهم وإلا لانتصحتما بنصائح من تزعمان الكلام باسمهم نصائحهم التي قالوها بعد بلوغهم مرحلة النضوج بدءا بأكثرهم حصافة حجة الإسلام وختما حتى بمن تتصورونه شيخكم الأكبر قصدت الرزاي. لكنك لا تقرأ وإذا قرأت قل أن تفهم وإذا فهمت قل أن تصدق مع نفسك: والدليل أن كل ما تدعيه في المرزوقي بنيته على جملة واحدة لم تفهمها أخذتها من رده على الطالب المغربي المهذب وبقيت ترددها لكأنك اكتشفت كنزا يمكنك من أن تصرف بلا حساب.

لذلك فاسمع مني هذه النصيحة. وهي نصيحة هذه المرة. تعلم الفلسفة من مظانها أولا ثم تكلم فيها. ولا تتكلم فيها كلام شيخك على بور روايال ملخصا كلام النشار الذي لخص لست أدري من الذي لخص لست أدري من إلخ.. في العنعنة الحديثة. فالوجودية ليست لعبة يتكلم عليها من اكتفى بالملاحق الثقافية التي تلخص بعض تلعثمات بدوي رحمه لله في شبابه أعني قبل نضوجه. أما علم الكلام فرغم أنه  مجرد كلام لا يسمن ولا يغني فلا أنت ولا شيخك بقادرين على منازلة الأستاذ المرزوقي فيه. فكل سخافات المتكلمين يحتويها كتاب المواضع الذي لعلك لم تفتحه في حياتك وهو من أول ما علمنا إياه أبو يعرب في درسه عن فلسفة أرسطو.

ولو كنت تفهم حقا وتصدق نفسك-كما هو بين من ترددك في ما تنبس به من ثرثرات حول الوجودية-لأدركت صيحة النجدة التي عبرت عنها بصدق ولوعة الأخت الفاضلة شفاء. فهي قد فعلت لأنها فعلا تطلب العلم ومشكلها أنها ما زالت تحسن الظن بكم وتظن أن داء الكلام له دواء يمكن أن يمد أحدا بالشفاء. وأظنها لم تقرأ ما أجابها به الأستاذ المرزوقي في مسك الختام. ولعلها تخشى أن تقتنع بما تحدثها به نفسها. ذلك أن طلبها الملح لحل التناقض دليل على أنها لم تقتنع بالأجوبة التي قالت إنها حلت إشكالها في سؤالها عن معنى الوجود.

ورغم أني لست مختصا في الكلام بالقدر الذي أرضى عنه فإني أريد أن أذكرها بأن صيحتها الحالية هي عين سؤالها السابق وإن بصيغة أخرى وأن الجواب إذن هو نفس الجواب السابق: فالقول بالاشتراك الاسمي (الأشعري)  والقول بالتواطؤ (شيخكم الحالي في زعمه إصلاح خطأ ابن تيمية المنطقي) أو حتى بالتشكيك (شيخكم الرزاي) لا يقبلان الجمع بأي حال. ومن ثم فينبغي الاعتراف بأن الأشعرية المتأخرة تحريف للأشعرية الأصيلة وهو تحريف قصدي بدأ بغير قصد يوم ظن المنطق محايدا وجوديا وانتهي بقصد بعد أن امتزجت مسائل الكلام بمسائل المشائية.

ولا يمكن حسم الخلافات الكلامية. والكلام لم يحم الإسلام والمسلمين بل هو الذي شتت جمعهم وأفسد عقيدتهم وحرف معاني ثورتهم وحال دونهم والفراغ لما دعاهم القرآن للقيام به: النظر في الأنفس والآفاق بدل النظر في المتشابهات. ولعل وقاحات الرازي إزاء حجة الإسلام في مناظراته أكبر دليل على ذلك فضلا عما بينه لنا الأستاذ المرزوقي من سوء فهم الرازي لدليل الغزالي في الرد على دجال الباطنية (حسن الصباح) سوئه الذي يندى له الجبين.

ولتعلم الأخت شفاء أن الكلام داء ليس منه شفاء إلا بالتطعيم الذي يقوي الحصانة. وهذا التطعيم هو بالذات أسلوب القرآن في علاج حيرة الإنسان. أما الكلام فلمجرد كونه يعارض ما نهى عنه القرآن إذ يعمم بقانون التأويل النظرة القائلة إن القرآن ظاهر أو مثالات لها حقائق باطنة لا يدركها إلا الخاصة فإنه يبعد الناس عن النظر في الأنفس (العلوم الإنسانية) والآفاق (العلوم الطبيعية) فيعمم الجهل والأمية والتعصب الأعمى للفرقة الكلامية. لذلك فهو زراعة التبن التي تنتج البغال بل هو لا يولد إلا الجراثيم الفتاكة بالنفس الفردية للمؤمن واللحمة الجماعية للأمة. ولعل بعض ما يمكن أن يمرض هذا الداء هو ما بدأ موقع الفلسفة في نشره من دروس حول البديل الفلسفي من تخريف المتكلمين: فلسفة الدين في ضوء القرآن الكريم. فلتكن جديا ولتحزم أمرك لتتعلم ولا تحسبن نفسك فاهما وأنت لم تقرأ أي عمل من الأمهات في أصولها أو لم تقرأ على من يستطيع أن يقرأها في أصولها. والكلام ليس فيه أمهات لأنه مهمهات وتوهمات حول ما هو بالطبع من الغيبيات الذي مقدماته مجهولات ونتائجه شقشقات: فلا هو علم بالنفس البشرية ولا هو علم بالاجتماع الإنساني ولا هو علم بالطبيعة ولا هو علم بالمنطق.

 إنما هو شبائه من ذلك كله يستعمله المتنكرون للحقيقة والراضون بالبدائل الزائفة منها. وما الجدل في هذه الحالة إلا من أدوات الدجل طلبا للدفاع عن خيارات إيديولوجية تحكمية ليس لها علاقة بالدين الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء أخلاق وعمل يعبران بصدق المطابقة بين القول والفعل عن الاستسلام للإرادة الإلهية. فإذا كان هذا وجودية فمحمد صلى الله عليه وسلم وجودي.  ولذلك كان الكلام الذي هو نقيض ذلك أكره الممارسات بين علماء الملة وبين الفلاسفة على حد سواء للاتحاد بين الدين الكلي (الإسلام) والفلسفة الكلية (كل طلب للحقيقة بالنور الطبيعي) في طلب الحقيقة والعمل بها.

ياأستاذ فراس. فراستي لم تصب. فهنيئا لك. ولن تسمع مني بعد الآن: ابق حيث أنت. من يدري فقد تنتبه ذات يوم فتكتشف ما غاب عنك الآن. ولست ألومك فأنت معذور في ما تفعل: تنقصك أدوات المعرفة ومناهجها ولن أتهم قصدك ولا خلقك فقد تكون ما زلت مغترا بمعسول الكلام على الكلام. لكني أعلم أن ما أحدثك عنه هو من الأمور  التي لا يمكن أن تتعلمها من كتيب تدعيم المنطق ولا من بعض المتون النحوية والملخصات الكلامية أو من تلخيص العقائد وشرحها سواء كانت العقائد طحوية أو سنوسية أو حتى تيمية (سلبا). فكلها تخريفات بهلوانية لا يصدقها إلا بوسعدية.

يكفي أن تسمع أحد زملائك كيف يطبب الداء الذي أشارت إليه الأخت شفاء. فعنده أن المتكلمين يحققون ما تطلب لأنهم يعرضون الحقائق على الواقع فيكون ذلك كافيا لحل مشكلها. ولعلك تشهد أنك رأيت زميلك  إذ صعد فوق ما بناه هامان لفرعون فوصل إلى الملأ الأعلى فاطلع على واقع الغيب فطابق بين أقوال المتكلمين والحقائق هناك فعاد لنا بالخبر اليقين فحل مشكل الأخت شفاء! هذا هو العلم اللدني تتهم  الأستاذ المرزوقي بالإجرام لأنه شكك في جدواه ومعناه وهؤلاء هم العلماء الذين تتصور الأستاذ المرزوقي قد حارب الإسلام كمسيحي وجودي غنوصي لأنه شكك في ما تنسبه إليهم من دور إيجابي. ثم ها نحن نرى بعض الأشخاص الذين توظفهم الباطنية المتنكرة في تحريف الأشعرية يمضغون بعض الطلاسم ويزعمون الفهم في الفلسفة لمناقشة الأستاذ المرزوقي فيها بكلامهم على كبار فلاسفة الغرب بأوصاف خرقاء في حين أن جل هؤلاء الفلاسفة اقرب إلى فهم القرآن الكريم من كل المتكلمين أولهم على آخرهم !.

أما هل للمرزوقي خلفة من الفلاسفة والعلماء فهذا أمر لا يحق لك أن تسأل عنه لأنك لست ممن يقرأون حتى بالعربية فضلا عن اللغات الأخرى التي يكتب بها الأستاذ المرزوقي. وأنت دون شك لست ممن يعلمون معنى الخلفة ما هي فضلا عن كونك بلا ريب تجهل فن الزراعة. ففن الزراعة لو اطعلت على بعض مبادئه لعلمت أن زرع باسق الرجال ليس كفلح التبن الذي تغتذي به البغال. لعلك تعلمت من شيخك أن زرع التبن يثمر في الحال الكثير منها. لكننا تعلمنا من أبي  يعرب أن زرع الفهم والسؤال يولد القليل القليل من ذوي النهى  كما هي السنة في جميع الأجيال.

أما أن تحاول  إسقاط أكبر عاهة يعاني منها المتكلمون على الأستاذ المرزوقي الذي لم تجلس إليه ولو مرة في حياتك ولم تقرأ له إلا ما صادف أن ورد في الجدل حول الكلام فهذا من أكبر الأدلة على أن كلامي معك على الإنصاف كان زلة لسان. فالإنصاف لا يعرفه من يجعل النسخ الرديئة من الرازي شيخا له فإذا كان الرازي يمثل جماع الخيلاء المرضي الذي يجعل المتكلمين كما وصفهم الغزالي أكثر خلق الله جدلا وأقلهم طلبا للحق فضلا عن داء انتفاخ الذات لكثرة ما لهموه من تبن فكيف بمن هم أبهت نسخه ؟