



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
لم لا تنتظر حتى تتذكر كل ما نسيت؟
أبو يعرب المرزوقي
أخبرتنا في ردك الأول أنك نسيت الإيطالية. وأخبرتنا في ردك الثاني أنك نسيت ملحقك الرابع. وإن شاء الله ستنسى أنك نسيت فتصبح كلامك نسيا منسيا. وليس من شك في أن نسائية المرء لها صلة بما يشغله عما ينسى. فتكون قد أثبت أكثر مما حاولنا الاعتذار عنك به في كلامك عن خطأ ابن تيمية المنطقي. تكلمنا عن السهو الذي هو خاصية بشرية بريئة بخلاف النسيان. وأهنئك بقوة الذاكرة لأنك لم تنس ما يحول الطبع دون نسيانه: فبعد فقرتين أو ثلاث عادت حليمة إلى عادتها القديمة فتوالى الكلام عن الجهل والكذب إلخ... من الأوصاف متعللا بما جاء في النحو الأول من محاولتي.
لكنك تعلم دون شك أن كل ما قلته فيه أجبرتني بردك السابق على كتابته لفضح التلاعب بعواطف المسلمين والزعم أنك من المدافعين عن العقيدة والبيضة أنت تعلم أنه مبني على وقائع ثلاث أخذتها من موقعك ومما يجده أي قارئي أمين في متابعة أخبارك على النت:
1-فحادثة السائل الذي نهرت بجواب هو ما وصفت
2-وحادثة التصريح إلى وسيلة الإعلام العراقية وتوقعت فيه هلاك الوهابية العاجل
3-وكلامك على الوهابية ليس عندها إلا المال
كل ذلك وقائع أخذتها من كتاباتك وليس اختلاقا مني. وليس يمكن أن يكون معنى هذه الوقائع بتأويل مني: فهي شديدة الوضوح ولا تحتاج إلى تأويل حتى لو اقتصرت على ربط ذلك بما لم أفهمه من الحقد الدفين على ابن تيمية (والوحيد من المسلمين الذي يمكن أن يفهم المرء حقده هو الرافضي ومن غيرهم هو الأمريكي خاصة وكل مستعمر عامة). وأنت تعلم أني مع ذلك نزلت النحو الأول من محاولتي إلى الهامش لأنه ليس مطلوبي بالقصد الأول. فالهدف منها مضاعف: إنه الجواب عن الأسئلة التي أهملت الجواب عنها ربما لأنك نسيت والبرهان على أن الكلام هو باطنية الفلسفة وفلسفة الباطنية في الغاية. ذلك أن علم الكلام لا يخلو من أن ينتهي إلى إحدى هاتين الخليتين: فإما إلى القول بوحدة الوجود إذا فهم مدلول أصله أعني الاحتكام إلى العقل المجرد في مسائل الإيمان فيؤول إلى العقل المطلق أو الحدس الذوقي ليقول بما قال به ابن عربي والتلمساني وكلاهما نسيج خطابه الصوفي كلامي كما تعلم إذا كنت لم تنس . وإما التخلي عنه في الغاية والعودة إلى الموقف السلفي كما فعل جل الفحول من كبار متكلمينا بدءا بمؤسس الأشعرية الذي اعتزل الاعتزال ليعود إلى ما يقول به شيخ الإسلام الفطري.
أما خدمة أمريكا وإسرائيل والرافضة فأنا لم أتهمك بها بل أنت استنتجتها بفطنتك وبما بقي مما لم تنسه من المنطق. فبمجرد أن علمت من يمكن أن يقضي على المقاومين ومنظرهم ووصلت ذلك بمن جعل المقاومين (نواتهم وقلبهم النابض السلفية بعد أن تواطأت الشيعة مع مغول العصر فعادت سيرتها الأولى) ومنظرهم (ابن تيمية) هدفه الأول في حربه الكلامية استنجت دون خطأ منطقي واضح أنك كما وصفت نفسك ما ظننت أني واصفك به.
أما كلامك عني ساعيا إلى ما سعى إليه ناصر حامد أبو زيد فهو كلام قد يصدقه من لا عقل له لأن من شروط التهم الفرضية لتسمو إلى درجة القرينة فضلا عن شروط الدليل أن تكون شروط تحققها الفعلي مضمونة. فلو كنت في سنك لصدق الناس احتمال مثل هذه الفرضية لأن من اكتهل وكان نجما ومنجما يتوقع لغيره الفناء والسقوط قد يطمح إلى أداء مثل هذه الأدوار خاصة إذا كانت ثقافته الغربية وحتى العربية مجزاة كناصر حامد أبي زيد. لكني بلغت من السن عتيا ولم أفعل عندما كنت في عمر قد يكون فيه للدنيا كبير الإغراء بل كنت من المعارضين الأشداء لمن هم مثل ناصر حامد أبي زيد ومثلك لأنكما من طينة واحدة: فهو قد صار نجما بادعاء علم غربي لا يعرف حتى أبجديته وأنت صرت نجما لأن من يحيط بك من جنس ما رأيت من جل مريديك زبيب حصرم.
ويعلم الجميع أن ما تتهمني به اليوم -وهو قد بات مستحيلا بحكم السن على الأقل-كان يمكن أن يحصل بطريقة أفضل ألف مرة من طريقة حامد أبي زيد لو كان همي النجومية والسعي إلى تقديم هموم الأولى على هموم الآخرة. فأنا درست في فرنسا بعد التخرج من تونس عند كبار فلاسفتهما وعلمائهما في الفلسفة والقانون والاقتصاد واللغات بحيث كان يمكن ألا أهتم حتى بالعودة إلى الوطن أيها الشيخ لو كنت ممن يحتاجون إلى الخدمة فضلا عن خدمة غير أمتهم.
وأمريكا عملاؤها ليسوا من يريدون التحديث الحقيقي والمستقل لتصبح الأمة حقا قادرة على إرث الأرض والاستخلاف فيها بل من يسعون إلى النكوص بها حتى تبقى لا حول لها ولا قوة فتكون خاضعة إليهم وهم خاضعون إلى أمريكا مثل أسيادهم من أمراء العرب سواء كانت الإمارة بمعناها التقليدي أو بمعناها الحادث بعد أن تأمروا بالانقلابات العسكرية. فأمريكا لا تحارب الشعوب إلا إذا رأتهم يسعون إلى النهضة الحقيقية.
عندئذ تسعى أمريكا إلى إجهاض شروط النهوض بطريقتين لا ثالث لهما. فأما الأولى فهي منع العلوم الحديثة وتجهيزاتها لأنها تمكن من شروط القيام والمقاومة وتشجيع الإيديولوجيا سواء كانت حداثية استهلاكية من جنس ما يقول به علمانيو العرب وليبراليوهم أو الخرافة والعلوم الزائفة التقليدية. وغاية هذه الطريقة هي إعادة هذه الشعوب إلى ما تحاوله أنت وجماعتك ومعهم التصوف وفضائيات الهرج. وأما الثانية فهي الحرب الماحقة التي تلغي كل شروط الحياة الحديثة والعلوم التي تبني الحضارة فتحقق ما وعد الله به المؤمنين: إرث الأرض والاستخلاف فيها.
لن أناقشك في ما تحاول أن ترمي به بين الفينة والأخرى من نتف كلام في المنطق والفلسفة خلال ردك فهي جميعا غثاء لأنك لا تطيق صبرا على القول النظري بل كل ما تستطيعه هو الكلام الدعوي وخطب الجمعة في محافل رسمية: هذا ليس مجالك وأنت معذور لذلك فخل عنك وافرغ لخرافات الكلام خاصة وأنت لا تميز بين التاريخ لعلم مات وعمل العلم الحي. وكنت أقبل أن أراك تتفاقه في الدين كما يفعل الشيوخ الذين نجلهم لصدقهم لو كنت قادرا على تجاوز الرواية إلى الدراية وكنت عالما حتى باللسان العربي: ففي كلامك من العي والعجمة والتعثر الأسلوبي ما يفيد بأنك تعلمتها من الكتب المدرسية لكأنك لم تحفظ في طفولتك القرآن الكريم ولا الشعر العربي (ومع ذلك فأحد الأغبياء من طلبتك وصفني بأبي يغرب!).
لم تتعلم شيئا من آداب الأمة الراقية فضلا عن آداب الأمم التي لا تقل آدابها منزلة عن آداب أمة القرآن. ولما أقرأ ما تكتب يخالجني الشك في تمكنك من علوم الأدوات فضلا عن العلوم الغايات حتى لو اقتصرنا على الثقافة العربية التقليدية التي لي الفخر بأن أعلمك بأني تعلمتها في البيت قبل المعهد ولله الحمد لأني من أسرة زيتونية أعني من أسرة علم المؤسسة التي تنتسب إليها سابق على وجود الأزهر -الذي قد تكون تخرجت منه أو من بعض فروعه في الوطن العربي- فضلا عن نضوجه بقرنين.
أما كلامك عن احترام العلماء من السلف فهو من عجائب الدهر! السلف هم الذين رفضوا من تريد أن تلصقه بهم عندما تعتبرهم علماء: لا أحد من السلف يقبل أن يوصم بصفة الكلام. ما رأيت أحدا من كبار السلف قال خيرا في علم الكلام. سأكتفي برأي واحد من السلف الصالح حقا فاسمع ما يقول الجنيد خلال حكاية ابن خلدون رحمهما الله حول مآل الكلام بعد السلف:" أما الآن فلم يبق منها (من الأدلة) إلا كلام تنزيه الباري عن الكثير من إيهاماته وإطلاقاته (الكلام). ولقد سأل الجنيد رحمه الله عن قوم من المتكلمين يفيضون فيه فقال: ما هؤلاء؟ (لم يقل من ! ولم يقل ما يفعل هؤلاء !) فقيل: قوم ينزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص. فقال: نفي العيث حيث يستحيل العيب عيب !" (المقدمة الجزء السادس فصل الكلام).
وإذا كنت فعلا تبحث عن الحقيقة وتريد خدمة الأمة فاقرأ لطيفة ابن خلدون وستعلم امتناع الكلام جوهريا لامتناع الكلام العلمي في السببية سلبا ولمعنى الوحدانية إيجابا. وإذا كنت حقا تسعى إلى منع الفرقة ولم شمل الأمة فاعلم أن أهم ثورة عرفها العقل البشري هي النقد العربي الإسلامي للفكر اليوناني في بعديه الميتافيزيقي والمنطقي لأن ذلك كان شرط تجاوز العقبات التي حالت دون الأمرين الذين طلبهما القرآن من الإنسان:
الأول علم الآفاق والأنفس لتحقيق شروط استعمار الأرض والاستخلاف فيها.
الثاني معنى الذكر أي التحرر من المرضين الموصلين إلى الفتن والبغضاء بين البشر بتوسط الخوض في الله بغير علم: أعني مضمون الآية السابعة من آل عمران.
ولم يبق لي إلا أن أحييك بتحية الإسلام وإذا كنت قد فرغت من الكلام في هذه المسائل معك وأنت الشيخ فكيف بمن لا يزال في الفلسفة والكلام حابيا ممن كنت أظنك ستكون أول من ينهاهم عن مثل ما أتوا حتى يتركوا لك مجال الكلام المفيد مساجلة بين شخصين كلاهما له دعوى يدلل عليها اللهم إلا إذا كنت تتصور ما تخوض فيه يمكن أن يكون باليسر الذي يجعله مستباحا ممن لم يتمكن من الأدوات فضلا عن الخلق الجميل والعلم الأصيل قديمه وحديثه وبما يتجاوز التقابل المقيت بين الحضارات والسلام ممن يدعو لك بالهداية.
ملاحظة: هل تعلم طلبتك الدعاء على الخصوم كما يفعل بعض تابعيك على أعينك ؟ وهل يقبل المنطق عندك أن يحملني بعض السخفاء مواقف بورقيبة وأتاترك ؟ ولم لا يحملوني مسؤولية الحروب العالمية ؟ وهل يعقل أن يوجد من بين نجباء تابعيك من يعود إلى سخافات باشوات مصر في القرن الفائت ليحاجج بها ؟ بالله عليك قلي من أين جمعت هذه الحثالة من المتعالمين وهم ليس لهم حتى العقل السليم الذي تتحلى به العامة ؟