shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


                     ما بعد الـ"ـكش مات"

                             (3 من 3)

                     القسم الأخير من البحث

تمهيد:

هذا ما وعدت به غايةً لمحاولتي بأقسامها الثلاثة. رأينا قسميها الأولين. فكان الأول لتحقيق الكش مات. وكان الثاني لبيان دلالته. إنها طبيعة الهوة الفاصلة بين علم الكلام وكلام العلم. وهذا القسم الأخير أنجزه هذا الأسبوع إن شاء الله. والهدف هو بيان المقصود بفلسفة الدين التي لا يرقى إليها إلا ذو عقل رصين. ألا بعدا لعجلة المتكلمين. وبعد هذا القسم لن تجد للجماعة ذكرا بيننا. فالصفحة تكون قد طويت. والموميات قد دفنت. ولتنم في قبورها إلى يوم الدين. بذلك يستكمل سعي الصادقين من حماة الإسلام والمسلمين. وليس من شك في أن الجراثيم عصية على كل علاج لأنها تقفز من ميدان إلى ميدان دون نظام.

فها نحن نرى الشائخ يحاول التراجع المنظم بعد الكش مات. لكن ذلك لن يجديه  نفعا بل  محاولته زادت الطين بلة. فقد وفرت الفرصة لأخوين  فاضلين من  الجيل الذي يعول عليه في بناء النهضة أعني السيدين  على الرضا وهلال بن عبد الله بن عمر للإدلاء بما يبشر بالخير. فهما يبدوان على اطلاع وفهم للعلم الحديث رغم تواصل إعجابهما بعلم الكلام. وقد حاولا أن ينبها الجماعة إلى ما نبههم إليه أستاذي المحمودي وإن بمنظار آخر أن ينبهاهم إلى سذاجة البحث عن سوابق هذا العلم في ثرثرات الكلام وأملنا ألا يصبحا من المغضوب عليهم أو من المطرودين. والمعلوم أن أول الغيث قطر ولا ينبغي أن ننسى ما قاله أستاذنا المرزوقي: سيكون معيار الوعي بحاجيات الأمة عند المغرر بهم هو ترتيب تخلصهم من ثرثرة المتكلمين وانفضاضهم من حول دجالي المتشايخين [1]  . لكننا لا نجهل أن

 جرثومة الكلام من جنس النجم مهما اقتلعته من الجذور يعود فينبت من جديد ولعل ذلك هو الشر القليل في الخير الكثير الذي لا يخلو منه عالم الكون والفساد بين العباد.

وعدت بعرض حجج الأستاذ واستدلاله البنائي لفلسفة الدين استكمالا لثورتي ابن تيمية وابن خلدون غايتين لتطور الفكر العربي الإسلامي الذي تحرر من المدرسية الوسيطة بوجهيها الكلامي والفلسفي وخاصة بعد أن اتحدا في مزيج فاقد للمزاج السوي. وها أنا أعرضها في المسألتين المعلنتين منذ اليوم الأول. إنهما:

المسألة الأولى: عرض ما فهمته من كلام الأستاذ أبي يعرب في المستوى الأول من أجوبته يوم 14 من نوفمبر دون أن أدعي أن فهمي مطابق لما قصده مطلق المطابقة.

المسألة الثانية: بيان ما فهمته من مقاصد الأستاذ في المستوى الثاني من أجوبته يوم 27 من نوفمبر استتكمالا للجواب الأول بنفس الحرز. وهي مقاصد مرتبطة بما جاء في أعماله الأخرى ولا تقتصر على الأجوبة الموجزة  في موقع الفلسفة.

لكني مضطر إلى إضافة مسألة تمهيدية يوجبها توضيح مراحل طي الصفحة مع المخربين عرضا من أعراض صفحة أخرى لا تكاد تختفي حتى يتكشف وجهها القبيح من جديد: زيغ القلوب وابتغاء الفتن الطائفية. فقد صارت هذه المسألة التمهيدية ضرورية بسبب ما آل إليه البحث من تعقيد قد يفقد القراء الخيط الهادي خاصة وقد أعملني الزميل المشرف على الموقع أنه تلقى بعض المناشدات من القراء يطلبون فيها شرح بعض ما جاء في كلام الأستاذ أبي يعرب من تعقيد نظري يدق على أذهان المبتدئين. لكن هذه المسألة كما نبين لن تغير الخطة المعلنة من بداية البحث بل هي ستزيدها وضوحا. فقد حددت موقف الأستاذ أبي يعرب بالاستناد إلى مستويي المقابلة بين العقلي والنقلي في القسم الثاني من البحث:

 1-مستوى الاصطلاح التقليدي (الوحي الذي هو النقلي واللاوحي الذي هو العقلي). وهي مقابلة بدائية وزائفة بمنظور نظرية المعرفة لعدم خلو النقلي من العقل والعقلي من النقل كما يتبين من المقابلة الثانية التي هي مركز هذا القسم.

 2-ومستوى اصطلاح نظرية المعرفة (مضمون المعرفة هو سهم النقل وشكلها هو سهم العقل في نظرية المعرفة). وهي المقابلة التي كان أول من أدركها ابن تيمية  [2] وأول من صاغها فلسفيا ابن خلدون[3].

 

وكان ذلك بعد أن فرغت في القسم الأول من أمر المتقحم الذي جعله الجهل المحيط به يصبح مفكرا وهو بعد حصرم بكل معاني الكلمة: فلست أدري كيف يمكن لأمة القرآن أن يصبح فيها العلم بأقدس مقدساتها لعبة بين يدي أدعياء العصامية[4]. إن شويخ هذه الجماعة سيظل في "كش مات" إلى الأبد. ومعه كل أزلامه. ولن تقوم لهم قائمة إلا إذا قبل الشباب أن يبقوا تابعين لزعيم أمي لا يأتم به إلا من قبل أن ينتسب إلى عصبة تخرب نهضة الأمة وفق أجندة باتت مكشوفة للجميع. ولما كنت أعلم أن التمييز بين مستويي المقابلة بين العقلي والنقلي ليس مما يمكن أن يفهمه إلا أولو النهى وذوو الألباب فإني أرى من الواجب أن أحرر المسألة دقيق التحرير في هذا القسم الأخير معتمدا طريقتين أقدم عليهما مسألة تمهيدية أشرح علة الحاجة إليها في بدايتها:

فأما الطريقة الأولى فأحاول فيها أن أصوغ الإشكالية لتحديد إطارها التاريخي والتصوري أعني كيف تطورت المسألة الكلامية لتتضاعف فتكون داخلية لعلوم الملة الدينية ثم خارجية بينها وبين العلوم الفلسفية كما فهمتها من بحوث الأستاذ أبي يعرب وكما تتبين معالهما من تاريخ فكرنا والفكر الإنساني عامة.

وأما الطريقة الثانية فاعتمد فيها على منهجية تشبه شرح بعض ما جاء من أجوبة الأستاذ أبي يعرب لأوضح للقراء العجلين طبيعة العلاج الذي يقدمه أبو يعرب فيجعل فلسفة الدين بديلا موجبا من علم الكلام الذي لا يتجاوز الدور السلبي في أفضل حالاته عندما يكون دفاعا عن العقيدة ضد أعدائها وليس مشروع فتنة داخلية. 

                       المسألة التمهيدية

وفيها أعالج قضيتين سريعتين هما كما أسلفت: مراحل القطيعة مع عرض المرض ممثلا بحثالة المتلكمين ثم تحديد إحداثيات العلاج ومرجعيات الإشكالية.

مراحل القطيعة مع عرض المرض الحالي:

سبق فقدمت في القسم الأول من هذه الدراسة ما يسر لي الحسم الذي وعدت به مع مخربي الأصلين من منطلقاتهم لئلا يظنوا أني غيرت موطن الإشكال. فقد حصل الكش مات بحمد الله وشكره. مهما عاندوا. والأكيد أنهم لن يجدوا من يسمع لهم بعد أن اتضحت عورات قلعتهم. فمجرد لوم الشائخ أحد المحتجين من النجباء على فتح ثغرة في قلعته التي يراها محاصرة شهادة كافية. لكن ذلك لم يكن هدفي إلا بالقصد الثاني وبصورة عرضية تقتضيها الاستجابة لشرط الموضوعية وطبيعة عقد الحجاج.

 فاعتمادي منطلقاتهم التي بسببها تصوروا المقابلة بين العقل والنقل بالبساطة الناتجة عن عدم فهمهم طبيعة علم الكلام (الحجاج العقلي دفاعا عن العقائد الإيمانية) وشروط مقدماته (أن تكون إيجابا من العقائد الإيمانية حقائقها وشروطها ولوازمها وسلبا مما يلزم عنه مناقضة الخصم لمسلماته) كان أمرا واجبا حتى لا يتصوروا أني ألزمهم بغير ما التزموا به. وقد افترضت أنهم يقبلون بلوازم ما يعلنون عنه أعني شرط التعامل مع علم الكلام بوصفه موافقا لحده الذي هو "الدليل العقلي على العقائد الإيمانية"[5] سواء قبل ظهوره على حقيقته

 أو بعد أن أصبح صراحة من ثمرات التنكر الباطني بفضل قانون التأويل الذي يرد المنقول إلى المعقول عند التعارض المزعوم: وهو مبدأ مؤسسه هو حجة الإسلام بشروط تحد من قلب الكلام فلسفة ومطلقه الرازي فكان ذلك غاية الخلط بين الفنين.

ثم بينت في القسم الثاني العلة التي تجعلنا لا نعتبر مخربي الأصلين ممن يمكن أن يعنى بهم المرء لذات ما يظنونه فكرا لهم لأننا لا نسلم بأن ما يقدموه يقبل هذا الوصف فيخصص لهم كل هذا الجهد لو لم يكونوا عينة انتخبها الأستاذ لوصف مرض عضال من بقايا منبع التحريف ذاته الذي يهمنا علاجه. فطبيعة الكلام تتبين بجلاء في مآله الأخير ودوره في تعطيل الفكر والعقل وتشتيت صف الأمة كما تبين من شهادات كثير من أبرز مفكري الأمة من الصفين الديني والفلسفي. ولنشر إلى أهم هذه الشهادات:

1- شهادة قاضي القضاة ابن رشد قديما (من منظور العلاقة بين الدين والفلسفة)

2-شهادة القاضي الشوكاني حديثا (من منظور العلاقة بين الإيمان والعلم)

3-ونجد بين الشهادتين شهادة شيخ الإسلام ابن تيمية مؤسس فلسفة النظر والعمل التاريخيين(من منظور فلسفة الوجود والقيمة)

4- ونجد بينهما كذلك شهادة علامة المسلمين ابن خلدون مؤسس علوم الأنفس والآفاق التاريخية (من منظور فلسفة التربية والسياسة).

5-وقبل هؤلاء جميعا شهادة حجة الإسلام (من منظور أخلاق العلم والدين): فلا أحد مثله وصف أخلاق المجادلة وضحالة علمهم وأمراضهم النفسية كما يتبين من كلامه في الإحياء.

فهل بعد هذه الشهادات يبقى لهم كلام لو لم يكن تخريفهم من ثمرات ما ران على عقول هؤلاء المتشايخين من دامس الظلام ؟ إن تعقيد العلاج وما توصلنا إليه من نتائج في القسمين الأولين يستوجبان إضافة المسألة التمهيدية التي ذكرت الحاجة إليها قبل المسألتين اللتين وعدنا بهما منذ القسم الأول: وفيها نلخص مراحل العلاج ونحدد طبيعة الإشكال من منظور فلسفة الدين. لكن القسم الثالث من بحثي يبقى كما أعلنت عنه من البداية مؤلفا جوهريا من مستويي العلاج المشار إليهما لأن المسألة التمهيدية تشبه "ما بعد القول" العائد على ما قيل لإبراز ما تحقق فيه أعني أنني فيه أحدد إحداثيات البحث (نظرية المعرفة)[6] ومرجعية الإشكالية المضاعفة (المقابلة التقليدية والمقابلة الحديثة) [7]:

المستوى الأول: ألخص فيه مقومات الإشكالية بالاعتماد على ما فهمته من دروس الأستاذ أبي يعرب أصوغه صوغا نسقيا يبين محددات المشكل الكلامي في الفكر الإسلامي في شكله التقليدي ومحددات العلاقة بين المعرفتين الدينية والطبيعية في شكلها الفلسفي الحديث.

المستوى الثاني: أكتفي بالتعليق على بعض النصوص انتخبها من أجوبة الأستاذ تعليقا يحلل العلل التي جعلت الأستاذ يعتبر ما توصل إليه ابن تيمية ثورة فلسفية. وليس التحليل إلا لمساعدة القراء غير المختصين لأن المعاني التي عالجها الأستاذ يستغني فيها المختصون عن شروحي.

وقد انتخبت خمس قضايا جوهرية تساعد على فهم شروط تجاوز العائق الكلامي في استئناف الحضارة العربية الإسلامية دورها الكوني أعني النقلة من المرجعية المدرسية إلى المرجعية الفلسفية. وبذلك تكون مساهمتي في القسم الأخير من البحث مقصورة على تقديم ما بدا لي قد بقي خافيا من ثورة ابن تيمية بالاعتماد على ما اهتم به الأستاذ أبو يعرب الذي لا يعنيه من فكره الظرفيات التي حفت بصراعه النظري والعملي: 1-مع المتكلمين والفلاسفة في مسائل النظر والوجود والعقد 2-ومع الفقهاء والمتصوفة في مسائل العمل والقيمة والشرع.

الإحداثيات والمرجعيات:

والآن فلنجمل معطيات الإشكالية في ذاتها وما قبلناه جدليا للكلام على المقابلة بين العقلي والنقلي وكأنها على الصورة التي يرونها بها رغم إيماننا بقصور فهمهم لئلا يزعموا أننا غيرنا منطلقاتهم هروبا مما يعتبرونه أدلة مفحمة وهي في الحقيقة خزعبلات مضحكة. فقد ميزنا بين مستويين في المسألة:

المستوى الذي يقول به من لم يتجاوز الفهم العامي للمقابلة بين العقل والنقل أعني المأزق الذي آل بالفكر إلى الرد المتبادل بين المعرفتين الدينية والفلسفية بلا غاية.

المستوى الذي ينفي هذه المقابلة ودلالتها العامية أعني التمييز الخاطئ بين المعرفتين الدينية والعلمية فيطلب المقابلة الحقيقية بينهما بمقتضى نظرية المعرفة المحررة من هذا الرد المتبادل.

والمقابلة الحقيقية بين المعرفتين (طبيعة موضوع العلاج وليس طبيعة العلاج) هي التي حوم حولها ابن تيمية ولم يتمكن من صوغها الصوغ البين لما كانت عليه نظرية المعرفة من طابع جنيني لا يمكن من النظر العلمي في العلم من حيث هو ظاهرة ذات سنن قابلة للعلم. لم يكن ذلك لعجز شيخ الإسلام بل لأن ظروف الصوغ المعرفي البين لم تكتمل بعد كما هي الحال في تطور الفكر الإنساني حتى وإن كان قد أدرك جل مبادئ هذا الصوغ سلبا وإيجابا:

فسلبا يعلم الجميع أنه قد ركز على نقد الأسس الميتافيزيقية لشكل المنطق المستعمل في الكلام وتحديد خصائص النظرية التأسيسية لفلسفة الوجود والحقيقة والقيمة البديل من التي تؤسس هذا المنطق العقيم دون الوصول إلى وضعها موضع التطبيق إلا في الجدل السلبي: أعني أنه أدرك ما غاب عن العزالي الذي نقد نتائج الميتافيزيقا في المضمون المتناقض مع الدين ولم يدرك علة التناقض فتصور أخذ المنطق بالصورة التي كان عليها أمرا محايدا ميتافيزيقيا حتى ذهب إلى استخراجه أشكاله من القرآن الكريم.

وإيجابا يعلم الجميع أن أهم مشكل سعى إلى علاجه كان مشكل تحرير العقل والإرادة مما آل إليه الكلام والتصوف من السقوط في الجبرية المحض فأخرجا الأمة من الفاعلية التاريخية التي أسسها الإسلام على الاجتهاد المحكوم بالتواصي بالحق والجهاد المحكوم بالتواصي بالصبر: لم يعد الإنسان خليفة مكلف باستعمار الأرض وجعل الدنيا مطية الآخرة بعلمه وعمله اللذين سيحاسب عليهما لكونهما هما عين الأمانة التي كلف بها والتي بمقتضاها يتمايز الناس:  فتكون رهبانية المسلمين هي العلم والعمل الدنيويين وتحقيق الخلافة بشروطها القرآنية.

ولعل تحويم ابن خلدون حولها قد قربه من الحل أكثر من ابن تيمية بفضل تاريخه للذهنيات وبفضل ما أثبته من حصول الاختلاط التام بين الفنين الكلامي والميتافيزيقي لذلك العصر سلبا وبفضل تحديد شروط تحقيق العمران الذي هو عين استعمار الأرض والاستخلاف فيها من وجهين:

فهو قد نقد الاستبدادين التربوي والسياسي وما يؤديان إليه من انحطاط في الفعاليتين المنتجتين أعني الإنتاج المادي أو الاقتصاد والإنتاج الرمزي أو الثقافة.

وهو قد حدد شروط العقدين المنظمين للحياة الإنسانية أعني ما يسميه بالسياسة العقلية والسياسة الشرعية والأولى بين الحاكم والمحكوم مباشرة بمقتضى حساب المصالح والمنافع الدنيوية والثانية بتوسط الضمانة الإلهية جمعا بين المصالح الدنيوية والمصالح الأخروية.

فكان بذلك أقرب من ابن تيمية إلى المعنى الذي يحاول أبو يعرب تحديده بالاعتماد على استقرائه تاريخ فكر الأمة  بمنطق التطور في نظرية المعرفة والعلم وبمنطق التطور في فهم الرسالة الإسلامية من حيث هي ملخص التجربة الإنسانية عقلا وجوهر الرسالات وخاتمتها نقلا فضلا عن كونها قد وقفت من التجارب الدينية السابقة الموقف النقدي الذي يخضع لمعيارين سماهما القرآن الكريم بالتصديق (غربلة السابق للحفاظ على الصادق والتحرر من الكاذب) والهيمنة (من منظور أعلى هو المنظور القرآني الذي لا يأتيه الباطل). والهدف من هذا القسم الأخير هو شرح جواب الأستاذ أبي يعرب عن سؤالين كلاهما مضاعف[8]:

فأما السؤال المضاعف الأول فهو داخلي أعني أنه يتعلق بموقف الفرق الكلامية بعضها من البعض في الأمة ككل أو في السنة منها على وجه الخصوص. والوجه الأول متقدم بالزمان على الوجه الثاني. وهذا المستوى يهمل الأمر المعرفي فلا يهتم إلا بتحديد المنازل العقدية وتبادل تهم التكفير بين الفرق ويعد مصدر كل الحروب الأهلية في الإسلام إما علة لها أو تعبيرا عنها بداية ينتهي إلى العلة غاية.

فأما السؤال المضاعف الثاني فهو خارجي أعني أنه يتعلق بتعريف الحدود الفاصلة بين الكلام والفلسفة من منطلقيهما. ويتمثل السؤال في معرفة المعايير التي تميز بين الكلام والفلسفة من منظور الكلام ومن منظور الفلسفة. ورغم أنه يبدو خارجيا أو بين الفنين فإنه في الحقيقة ذاتي لكلا الفنين: فالكلام ينتهي في الغاية إلى التفلسف بسبب ما يدعيه من استدلال عقلي والفلسفة تتحول إلى كلام بسبب ما تدعيه من بحث إلهي. وهذا السؤال هو الأهم في نظرنا وهو الذي سيدور عليه كلامنا بعد أن فرغنا من الكلام كما يتعين في حرب المتكلمين الأهلية:

1-السؤال الأول: ما المعايير التي يمكن أن تساعد على التمييز بين الخطاب الكلامي والخطاب الفلسفي كما يراها المتكلمون ؟ (المتكلمون لم يكونوا واعين بأنهم كانوا مستندين إلى فلسفة أخرى وليسوا متحررين من الفلسفة عامة كما يزعمون): وهذا هو مصدر الأصلانية التي مدارها كلام اللاهوت.

2-السؤال الثاني: ما المعايير التي يمكن أن تساعد على التمييز بين الخطاب الفلسفي والخطاب الكلامي كما يراها الفلاسفة (الفلاسفة لم يكونوا واعين بأنهم كانوا مستندين إلى إلهيات أخرى وليسوا متحررين من الكلام عامة كما يزعمون ): وهذا هو مصدر الأصلانية التي مدارها كلام الناسوت.

وكلا السؤالين قابل للعلاج التاريخي والتصوري. فتاريخيا يمكن أن نبين مراحل تشكلهما والنتائج التي آلت إليها محاولات الجواب من قبل المدرستين في صراعهما على سلطة الفكر والثقافة في الحضارة العربية الإسلامية. وتصوريا يمكن أن نبين نفس الأمر من خلال نظرية المعرفة وتاريخ تكون الفكر العلمي أو بصورة أدق تاريخ تخلصه من ما قبل تاريخه أعني المحاولات التي كانت تسعى إلى تأسيس الفكر العلمي في المسائل الطبيعية والإنسانية عامة. وليس هذا محل القيام بهذين البحثين. ومن أراد فهم أبعاد المسألة في أدق دقائقها فعليه بالنظر في كتاب الأستاذ أبي يعرب: وحدة الفكرين الديني والفلسفي.

وسنتبع الخطة التالية في شرح بعض الحلول التي نستوحيها من أعمال الأستاذ أبي يعرب: 1-نبدأ بعلاج السؤالين الداخليين 2-ونختم بعلاج السؤالين الخارجيين. ذلك أن منطق علاجنا هو منطق التخلص من الكلام على علم الكلام للوصول إلى كلام العلم تأسيا بما بدأه ابن تيمية وابن خلدون أولهما في نظرية المعرفة والوجود ومن ثم في علوم الطبيعة وأثرها على الإنسان علما وعملا والثاني في نظرية العمل والقيمة ومن ثم في علوم التاريخ وأثرها على الإنسان علما وعملا. ذلك أن الغاية من هذا القسم الثالث بعد أن فرغنا من الجدل مع أداني المتكلمين ورثة عصر الانحطاط وعلة علله الفكرية والخلقية هي بيان الخطوط الكبرى لعمل الأستاذ أبي يعرب في سعيه لتحديد مراحل النهوض وشروطه مساعدة لمن يريد أن يصارع المصاعب النظرية فلا يكتفي بمضغ القشور ويقبل على التدرج في معرفة لب العلاج الفلسفي لنشوئية الفكر الفلسفي العربي الإسلامي الأصيل من بداية نزول القرآن إلى اليوم.

                           المسألة الأولى

              الإشكالية في صلب ما يسمى بعلم الكلام

     الرهان ليس المقابلة بين النقلي والعقلي بل بين السلفية والتقليدية

لا ننفي أن العائق الحائل دون فهم الإشكال الجوهري هو الإشكال الأول أي الداخلي. ويتمثل هذا الإشكال في الصراع الداخلي بين مدارس الكلام نفسها. فالحرب الأهلية بين المتكلمين سواء كانوا من القدامى أو من باعثي مومياتهم باسم كلام اللاهوت (الأصلانية الدينية) أو من المحدثين أي من باعثي مومياتهم باسم كلام الناسوت (الأصلانية العلمانية) وممثلو كلتا الطائفتين تدور حول ما يدعيه كل حزب منهم أن معرفته الدينية أو الدنيوية هي الحقيقة المطلقة وأن كل ما عدا ما توصلوا إليه باطل يستوجب التكفير الديني أو العلمي. لذلك فلا عجب إذا كان ممثلو الصفين كليهما يناصبون أبا يعرب العداء بسبب ما بينه من تعويقهم النهضة بفكرهم أولا وبما انجر عنه من حرب أهلية مضاعفة ثانيا: ضمن كلتا الطائفتين ثم بينهما. ويمكن أن نحصر فرعي هذا السؤال الداخلي المضاعف بالصورة التالية:

1-المقابلة داخل الكلام عامة أي بين الكلام السني والكلام غير السني: لما كان الكلام نفسه متعدد الفرق وينقسم أساسا إلى من يصفون أنفسهم بالسنة وإلى من يصفهم هؤلاء بغير السنة حتى نكتفي بالوصف السلبي فإنه لا بد من الجواب عن السؤال التالي:  كيف نفهم التمييز الذي حصل عملا بما يصرح به الفحول من متكلمي الأشعرية أنفسهم بين ما يسمى بالكلام السني والكلام غير السني بصورة عامة أعني كلام الفرق التي تعتبرها السنة مخالفة لمبادئ الإسلام الأساسية؟

2-المقابلة داخل الكلام السني أي بين السني السوي والسني غير السوي: لما كانت السنة نفسها منقسمة إلى فرقتين على الأقل أعني السلفية والأشعرية فإنه لا بد من الجواب عن السؤال التالي: كيف يمكن أن نميز في الكلام السني نفسه بين الكلام السني السوي أعني ما كان بنحو ما معبرا عن السعي للإبقاء على الاستقلال المفهومي والنظري بالإضافة إلى الفلسفة سواء كانت مشائية أو غير مشائية والكلام السني غير السوي أعني الكلام الذي لم يعد أصحابه يميزون بين الكلام والفلسفة التي صارت بالجوهر مشائية كما يتبين من مفهوم معنيي مفهوم الجوهر ومن العلاقة بين الدليل والمدلول؟

والمشكل الذي يحول دون العجلين وفهم فكر شيخ الإسلام هو جمعه بين الرهانين أي إنه تمكن من تجاوز المشكل الداخلي إلى المشكل الخارجي فرده إليه وجعل العلاج كله دائرا حول إصلاح الفكرين الديني والفلسفي بالعودة إلى أصلهما الواحد ومن ثم باكتشاف اللبنات الأولى من نظرية المعرفة المؤسسة لفلسفة بديل من الميتافيزيقا وبالتالي لفلسفة الدين والعلم في آن:

الأول هو بين النهج السلفي والنهج التقليدي (مسألة تغلب عليها الصبغة العقدية).

الثاني بين النهج النقلي والنهج العقلي (مسألة تغلب عليها الصبغة الإبستمولوجية).

فالنهج السلفي[9] هو النهج العقلي الحقيقي عندما نتحرر من العقل النقلي

 أعني مجرد التطبيق الأعمى لفضلات الفكر الفلسفي المنحط فنستعمل العقل النقدي. والنهج التقليدي الذي يبدو مستعملا للعقل لكنه لم يكن إلا صاحب تقليد لعقل غير مفهوم: ويشبه ذلك موقف العلمانيين العرب الحاليين بل هم غالبا ما يحاولون بيان علاقة النسب بينهم وبينهم. فهم أكثر الناس كلاما على العقل وأقلهم فهما لمعناه: فالمتكلم على العقل بتقليد ما يزعمه عقلا ليس عاقلا بل هو مقلد ومن ثم فهو ناقل. العلماني الغربي عقلاني لأنه يطلب ما تحتاجه لحظته فيكون فكره في تغير دائم مثله مثل ظرفه. والعلماني العربي يكتفي بمحاكاته في ثمرات فعله دون فعله وشروطه فيجمد على ما تجاوزه مثاله وتتوالى موضاته الميتة التي يستوردها كما يستورد خردته من البضائع. لذلك فالعلماني العربي نقلي إلى النخاع ولا يدري.

وفهم مثل هذا الموقف لا يحتاج إلى شهادات طويلة. وتيسيرا للانتقال إلى جوهر المشكل نقنع بالنظر في وجيز التاريخ الخلدوني للكلام عرضا والاستناد إلى الحجتين التاليتين جوهرا إذا كان المناقش يفهم فيم يتكلم. فكل من يميز بين الكلام والفلسفة يعلم أن الكلام لا يكون كلاما إلا بشرطين موجب وسالب:

فإيجابا: لا بد للكلام بمقتضى وجه حده الجامع أن يكون الدفاع عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية بحيث يكون الأصل هو النقل وليس العقل الذي يؤدي دور أداة الدفاع لا غير.

وسلبا: لا بد الكلام بمقتضى وجه حده المانع أن لا تكون مقدماته عقلية لئلا يصبح فلسفة تتجمل بالنقل ولا تراه إلا مثالات لخطاب العامة يكفي التأويل لمعرفة الحقيقة العقلية وراءه.

وحتى نفهم هذه المقابلة فلا بد من النظر إليها من مدخلين:

 أحدهما تقليدي ومعلوم وهو مما لا يجادل فيه أحد ممن لهم علم بتاريخ الفكر الإسلامي وما بين مدارسه الفكرية وفروقها النوعية المعلومة حتى للمبتدئين خاصة إذا كانوا ممن حصلوا التكوين بمقتضى سنن الفنون المؤسسية وليس من الصحائف الفوضوية فيريدون أن يصبحوا مفكرين بالشهادة الابتدائية.

والثاني لكونه غير تقليدي فهو غير معلوم لأنه هو ما كان يسعى إلى بيانه شيخ الإسلام ولم يفهم حق الفهم وقد بين معالمه الأستاذ المرزوقي في جوابه الثاني على الأستاذ طوقان بصورة بلغت حدا جلي البيان ومع ذلك فهو مما لا يفهمه من يفاخر بعدم الروية فيكتب دحوضا على ابن تيمية في نصف ساعة[10].

ويكفي لتحرير المسألة الأولى إيراد نص لابن تيمية لجهل الكثير به والإشارة إلى نص لابن خلدون لا نحتاج إلى إيراده لكثرة تردده على ألسنة من يحتج به دون فهم. ولا نحتاج إلى الكثير من التحليل إلا إذا كان القارئ مطلق الأمية مثل متكلمي آخر الزمان فيكون أولى به قرص أذانه أكثر من طلب إفهامه. فأما النص الأول فهو التالي وهو من الرد على المنطقيين. يقول شيخ الإسلام وأعجوبة الأنام: "1-فالعلوم الأولية البديهية العقلية المحضة ليست إلا في المقدرات الذهنية كالعدد والمقدار لا في الأمور الخارجية الموجودة.

2-فإذا كانت مواد القياس البرهاني لا يدرك بعامتها إلا أمور معينة ليست كلية وهي الحس الباطن والظاهر والتواتر والتجربة والحدس. 

3-و(إذا كان) الذي يدرك الكليات البديهية الأولية إنما يدرك أمورا مقدرة ذهنية لم يكن في مبادئ البرهان ومقدماته المذكورة ما يعلم به قضية كلية عامة للأمور الموجودة في الخارج

4-و(إذا كان) القياس لا يفيد العلم إلا بواسطة قضية كلية فامتنع حينئذ أن يكون فيما ذكروه من صورة القياس ومادته حصول علم يقيني.

5-وهذا بين لمن تأمله. وبتحريره وجودة تصوره تنفتح علوم عظيمة ومعارف.

6-وسنبين إن شاء الله من أي وجه وقع عليهم اللبس.

7-فتدبر هذا فإنه من أسرار عظائم العلوم التي يظهر لك به ما يجل عن الوصف من الفرق بين الطريقة الفطرية العقلية السمعية الشرعية الإيمانية وبين الطريقة القياسية المنطقية الكلامية" كتاب المنطق ص. 72-73 مجموع الفتاوي الجزء التاسع مكتبة المعارف الرباط المغرب (غ.م).

أكتفي بتوجيه انتباه القارئ إلى النقاط الأولى والخامسة والأخيرة لأن البقية هي من أدلته الثورية ضد إطلاق المعرفة في أي مجال من مجالات المعرفة التي يكون موضوعها ذا وجود فعلي في الأعيان. ومن كان ذا نباهة سيدرك طبيعة الثورة التي يأتي تحليلها أبعادها في المسألة الثانية.

وأما النص الثاني فهو نص ابن خلدون حول غاية ما وصل إليه تطور علم الكلام أعني ما يبرز طبيعته الفاسدة من البداية. وهذا النص لكثرة تردد المجادلين عليه دون فهم سنكتفي بإشارة توجز أهم مقومات البنية المنطقية التي استخرجها منه أبو يعرب. فابن خلدون استعمل في محاولة تحديد التكوينية المعرفية لعلم الكلام معيارين مضاعفين هما العلاقة بين الكلام والفلسفة من حيث الشكل والمضمون والعلاقة بين السنة وغير السنة من حيث الشكل والمضمون. فكانت الحصيلة أن اكتشف البنية التالية التي لم يصغها نسقيا فاستخرج أبو يعرب  نسقها:

معيار فهم العلاقة بين الكلام السني والكلام غير السني:

1-فبداية الكلام السني قطيعة أولى ينسبها ابن خلدون إلى الأشعري وهي قطيعة مع الكلام الذي كان بحثا عاما في اللاهوت يطبق على القرآن والسنة من خارجهما إلى ما يمكن أن يعتبر العكس أعني بناء لاهوت ينطلق من القرآن والسنة ليدافع عن المنظور السني  من فهمهما بآليات الكلام. وهي إذن قطيعة تتعلق بشكل علم اللاهوت ولا تتعلق بمضمونه: هل هو معرفة عقلية تؤول النص أم معرفة نصية تعقلن أساليب الدفاع عن فهمه السني. ويمكن أن نعتبر ذلك ممثلا للكلام السني عند الأوائل.

2-وغاية الكلام السني قطيعة ثانية مع بدايته وهي قطيعة مضمونية ويتركها ابن خلدون دون تعيين من ينسبها إليه مكتفيا بالقول إنها تمت مباشرة بعد الرازي حيث اختلطت مسائل الفنين الكلامي والفلسفي. وفرضية أبي يعرب هي أن هذا الاكتمال علته هي اكتمال معيار التأويل الذي جعل كل ما يمتاز به النقل عن العقل يرد إليه به. وهو ما ينقلنا مباشرة إلى المسألة الثانية منها أعني علاقة الكلام بالفلسفة.

معيار فهم العلاقة بين الكلام والفلسفة:

1-فالقطيعة ضمن كلام السنة الأشعرية أي بين كلام القدامى منهم والمحدثين كان معيار بدايتها طبيعة العلاقة بين الدليل والمدلول (الباقلاني نموذجا) ومن ثم فهي متعلقة بشكل المعرفة خلطا بين المنطقي والوجودي قبل الغزالي ثم فصلا بينهما بعد الغزالي الذي نقل كلام السنة من التعاكس بين الدليل والمدلول وبين الاسم والمسمى إلى الفصل بين عنصري الزوجين كليهما.

2-والقطيعة بين الكلام والفلسفة في نفس الكلام الأشعري كان معيار  نهايتها اختلاط المسائل الكلامية والفلسفية. فالفنان اختلطا مضمونيا بعد الرازي بسبب اكتمال معيار التأويل الذي جعل كل مسائل الكلام تعير بالعقل الذي يرد إليه النقل بالتأويل.

والخاتمة التي يجدر إيرادها لهذه المسألة الأولى ننتخبها من جواب الأستاذ أبي يعرب جوابه الأخير على أسئلة الأستاذ طوقان وفيها يبين كيف تحددت شروط الثورة الفلسفية في الفكر العربي الإسلامي تحددا موضوعيا لا يرد إلى الآراء الذاتية لزيد أو عمرو بل هي عين بنية ما حصل في أحداث الفكر نفسه: "ولذلك فهو (ابن خلدون) عندي (أبي يعرب) مرجع في حدود انضواء فكره في ما تطلبه المنهجية التي أتوخاها. فهو لم يكتف بسؤال المتكلمين والفلاسفة رأيهم في فنيهم بل هو بين كيف أن الكلام والفلسفة اندغم أحدهما في الآخر في غاية تطور بدأ بالحرب بينهما وانتهي بالوحدة مسائل ومناهج. ولهذا الاندغام فائدة رئيسية مضاعفة وهي التي تهمنا من البحث الخلدوني حتى وإن كان ابن خلدون لم يستخرجها وهو ما علل الحاجة إلى التكامل بين الأجيال:

فاختلاط الكلام بالفلسفة المشائية (وهو ما بينه ابن خلدون) كان فرصة لتحرر الدين منه كما أفترض في تفسيري لموقف ابن تيمية الثوري..

واختلاط الفلسفة بالكلام (وهو ما بينه ابن خلدون) كان فرصة لتحرر العلم من الفلسفة التي كانت مجرد كلام كما أفترض لتفسير النهضة الغربية.

فكان ذلك مولد الفكر العلمي والفكر الديني الحقيقيين: دين يبحث في مسائله بمناهجه التاريخية والتجربة الحدسية وهذا هو أصل كل علم ديني حقيقي وما عداه تعاقل لا يقدم ولا يؤخر بل هو عاجز حتى عن إخراج صاحبه من حيرته الوجودية. وعلم يبحث في مسائله بمناهجه الرياضية والتجربة الحسية وما عداه تعاقل لا يقدم ولا يؤخر بل هو عاجز حتى عن تفسير فعل العلم نفسه مهما خرف المستبطنون في استبطانهم".

 

 

 

 

 

 

 

 

                              المسألة الثانية

                      الإشكالية بين الكلام والفلسفة

                    الرهان ليس المقابلة بين السلفية والتقليدية بل بين النقل والعقل بالمنظور المعرفي

بيان مرحلتي الإشكالية: بين الكلام والفلسفة وبين الكلام وفلسفة الدين

وأصل الآن إلى عرض ما فهمته من كلام الأستاذ في أجوبته يومي 14 و27 من نوفمبر دون أن أدعي حصر قصده في فهمي لأنه أولا أدرى بأبعاد فكره وثانيا لأن الكلام عليها مرتبط بما جاء في أعماله الأخرى ولا يقتصر على الأجوبة الموجزة  في موقع الفلسفة. وكما أسلفت فينبغي أن نفهم أن المقابلة بين عقلي ونقلي هنا ليست دالة على خلو النقل من العقل ولا على خلو العقل من النقل بل هي كما أشرنا ذات مستويين. لذلك فإن دلالة الوصفين تحتاج إلى توضيح.

 فالقصد بعبارة "العلم العقلي" هنا هو أن الفلسفة لا تتسلم نتيجة إلهياتها بل تثبتها. والمقصود بعبارة "العلم النقلي" أنه يتسلمها ثم يدحض حجج نفاتها. فتكون الفلسفة بحثا ينتهي إلى إلهيات هي غايته ولا يتسلم معتقدات حول وجود الله وذاته وصفاته. والكلام لا بد فيه من إلهيات مستمدة من النص وهي تكون بداية بحثه ويتسلمها بوصفها معتقدات حول وجود الله وذاته وصفاته ثم يرد ما لنفاتها من حجج ضدها. وذلك  هو معنى المقابلة بين العقلي والنقلي في مستواها الاصطلاحي في فكر الملة. وهي مقابلة مستنتجة من حد الفنين من منطلق الكلام أولا:

 فإلهيات الفلسفية تبحث في الوجود من حيث هو وجود بالعقل دون مسلمات مستمدة من الوحي متعلقة بما ينبغي لها أن تنتهي إليه من نتائج في بحثها لأنها لا تنطلق من معطى إيماني مسبق كعلم الكلام.

وإلهيات الكلام تبحث في الوجود ليس من حيث هو مجرد وجود بل من حيث هو وجود دال على وجود الله وأفعاله أعني من منطلق عقائد ليست محل بحث للإثبات بل للدعم ضد مشكك أو متشكك.

وهذا هو المستوى الأول التقليدي في تحديد دلالة المقابلة بين النقلي والعقلي. وهو المستوى الذي عملت به الفلسفة والكلام الوسيطين قبل النقد التيمي الذي حاول التخلص منه دون أن يوفق في تحديد الصيغة الفلسفية التي ينبغي أن تعبر عن المستوى الثاني والذي سآخذ نصا من الأستاذ المرزوقي في جوابه الأخير على الأستاذ طوقان لأحدده بوضوح وجلاء. ولننظر الآن في معنى المقابلة من منطلق الفلسفة ثم من منطلق الكلام بوصفهما متخارجين كل منهما يحدد ما يفصله عن الثاني في خلال تحديد ذاته. وللمسألة عندئذ وجهان:

الوجه الأول من المسألة الثانية: التمييز من منطلق الكلام.

 نبدأ بالمنطلق الكلامي في تحديد صلاته الواصلة والفاصلة مع الفلسفة. ولن نطيل الكلام. يكفي أن نعلم أن هذا المنطلق هو بدوره ينقسم إلى قسمين كلاهما مضاعف:

فأما القسم المضاعف الأول فمعيار تفرعه إلى فرعين خلقي: وبه ينقسم الكلام إلى نوعين صادق وكاذب. فالصادق في تعريف ذاته برفض الحلول الفلسفية هو الكلام المقبول به قبولا مشروطا لكونه يسمح به على جهة المحظورات التي تبيحها الضرورات كالحال عند ابن خلدون والغزالي: إنه الكلام الدفاعي عن الفهم السني للإسلام. والكاذب هو الذي يتظاهر بالتمييز بين الكلام والفلسفة قبل الاختلاط وانتهى إلى الاختلاط الصريح وكلاهما لا يعترف بباطنيته التي هي حقيقة الكلام الفعلية.

وأما القسم المضاعف الثاني فمعيار تفرعه إلى فرعين منطقي: وبه ينقسم إلى نوعين حقيقي ووهمي. فأما الحقيقي فهو الذي يبين أن أقصى ما يمكن إثباته بالعقل هو الإمكان لا الوجوب وهو في الحقيقة ردود رافضي الكلام على الكلام مثل بعض ردود ابن تيمية. و أما الوهمي فهو عكسه ويدعي أصحابه أنهم يثبتون الوجوب ولا يكتفون برد الامتناع لأنهم لا يميزون في اللاممتنع بين الواجب وغير الواجب منه.

والعقل لو أتبعناه لكانت أدلته النافية لوجود الله أكثر من أدلته الدالة عليه لغلبة مظاهر ما يدعو إلى الكفر في الوجود عامة وفي الوجود التاريخي خاصة: لذلك كانت محاولات التدليل على العدل الإلهي بالعقل أمرا شبه مستحيل فكان علة الانفصال الأساسية بين الاعتزال والأشعرية عامة وبين الجبائي الأب والأشعري خاصة. بحيث يكون الملحد أقدر على إثبات النفي من المؤمن على إثبات الإثبات لو احتكمنا إلى العقل فضلا عن كون تحكيم العقل في هذه الحالة يقتضي التسليم بالتحسين والتقبيح. وهذه من اللطائف التي لا يغفل عنها العجلون. فلولا الفطرة التي تجعل التصديق الإيماني أقوى من التكذيب العقلي لامتنع على أي عاقل أن يؤمن: ما في العالم من الشرور أحرى به أن يدل على خلو العالم من العناية منه على العناية فضلا عن كون وجود الإنسان نفسه يبدو للعقل عبثيا لولا الإيمان.

فالمسألة في دلالة العقل على الحقائق الميتافيزيقية للفصل بين الحقيقة واليقين تشبه عكس العلاقة بين علم الفيزياء والدوار في الوضعيات المولدة له: فالمرء يعلم أن الوجود في محل شاهق لا يعني السقوط منه عند توفر شروط التوازن المعلومة بالعقل. لكن مجرد توهم السقوط يولد الدوار مهما كانت قوة الأدلة العقلية ضد ذلك. وقد أبدع حجة الإسلام في بيان ذلك في المستصفى. فعقلا يعلم من يوجد في مكان شاهق أن دواره ليس إلا لوهمه المؤثر فيه. لكن علمه مهما كان اليقين فيه متينا لا يمنع الدوار من الحصول. وكذلك الملحد وإن بعكس العلاقة. فالعقل لو حكمه صاحبه يؤديه إلى الإلحاد لأن دور عالم الشهادة والمعتاد فيه أي ما وجد عليه آباءه يعميانه عن الغيب وعما "لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر". فيكون العقل بمقتضى أحكامه الاستبعادية والاستقرابية شبيها بالخيال كما بين ذلك جلي البيان حجة الإسلام. فهو هنا ينتج الثقة الزائفة كما ينتج الخيال هناك عدم الثقة الزائف.

والحقيقة هي ما يقابل هذا الخيال المزعوم عقلا لأنه ثقة زائفة بأحكام العقل المعتادة إذ تسحب على ما يتجاوز ما لا يستطيع العقل الحكم فيه. إنه الخيال الناتج عن إطلاق العقل والنافي لحدود العقل فالمولد من ثم للثقة الزائفة التي توثن المدارك المحدودة فتجعلها حكما في ما يتعالى على كل الحدود. ذلك أن القضية في المسائل الغيبية هي بالضبط عكس ما عليه الأمر في مسائل الشهادة: التصديق العقلي بمعيار المعتاد هو الوهم المولد للهروب من الدوار الميتافيزيقي في غير المعتاد والذي هو عين الحقيقة والتصديق الإيماني هو العقل الحقيقي لأنه يتغلب على الدوار الميتافيزيقي فيقبل بحدود عقله ويدرك ما يتجاوز العقل بالإيمان. لكن أصحاب التعاقل الكلامي لا يفهمون هذه الحقائق التي تحير العقول.

الوجه الثاني من المسألة الثانية أي التمييز من منطلق الفلسفة:

والغاية هي شرح مقاصد أبي يعرب  في المستوى الثاني من أجوبته يوم 27 من نوفمبر استتكمالا للجواب الأول وهي مقاصد مرتبطة بما جاء في أعماله الأخرى ولا يقتصر على الأجوبة الموجزة  في موقع الفلسفة. وسأكون في  علاج هذه المسألة مجرد ناقل لخمسة نصوص من أجوبة الأستاذ وشارحا لبعض صلاتها بمسألتنا دون أن تكون قد كتبت بمناسبة الكلام مع المتعاقلين ودون أن أذهب إلى أعماله العلمية الأكاديمية لئلا أرهق القارئ دون حاجة لكون هذه النصوص تكفي لأداء المهمة:

 ولنبدأ بهذا النص الأول: طبيعة الثورة الخلدونية:

وهو يدور حول طبيعة الثورة التي ينسبها الأستاذ إلى شيخ الإسلام الذي يحاول مناطحته الأقزام. وهي الثورة التي تمثل بداية التجاوز القاطع مع الماضي بوجهيه الكلامي والفلسفي: فتفلسف الكلام حرر الدين. وتكلم الفلسفة حرر العلم. انتخب هذا النص من جواب الأستاذ أبي يعرب على سؤال المنهج من أسئلة الأستاذ طوقان فأجعله منطلقي مع ملاحظة أن ما يوجد بين الأقواس المضاعفة هو من إضافاتي للتوضيح وليس من كلام الأستاذ. وطبعا فإن ذلك لا يعني أني أعتبر قول الأستاذ بحاجة لي ليكون واضحا بل لأن اقتطاف الشواهد يفقدها أحيانا ما تستمده من سياقها من ضمائر ضرورية للفهم. يقول أبو يعرب حفظه الله ورعاه:

" أما ابن تيمية ((بعد شرحه موقف الغزالي وابن خلدون)) فكل المسألة  ما كانت لتوجد لولاه((الوجه الثوري من الخصومة)). فهو قد وضع المبدأ الثوري التالي بوضع السؤالين اللذين غفل عنهما كل الفلاسفة والمتكلمين: أولهما معرفي والثاني وجودي. ومن لم يكن ذلك كافيا لإفهامه أنهم ثلاثتهم ((أي الغزالي وابن خلدون وابن تيمية)) قد يئسوا من الكلام فلا فائدة من مواصلة الحجاج معه.

والتوفيق برد العقلي للنقلي أو النقلي للعقلي أعني المنهجين اللذين كانا سائدين قبل ابن تيمية وظلا بعده مسيطرين على فكر من يريدون أن يعيدوا الفلسفة والكلام الوسيطين دليل على عدم الفهم حتما. ذلك أن النقلي والعقلي لو كانا قابلين الرد أحدهما إلى الآخر أيا كان المردود والمردود إليه لكان ذلك يعني أن الاختلاف بينهما وهمي: وهو في الحقيقة ما يعتقده الفلاسفة بنظرية المثالات وما يعتقده المتكلمون بقانون التأويل.

فالمسألة الأولى المتقدمة على الفصل بين صنفي العلوم والمغنية عن منهجي الرد المتبادل هي: بأي علم نميز بين العقلي والنقلي (مسألة معرفية: هل هذا العلم المميز بينهما علم نقلي أم علم عقلي) ؟

والمسألة الثانية المتقدمة عليهما إذا كان النقلي والعقلي مختلفين فلا بد أن يكون لكل منهما طبيعة تخصه تجعله غير الآخر (مسألة وجودية: ما المشترك بين النوعين ليكونا جنسهما العلم وما الفرق النوعي بينهما ليكونا صنفين منه). 

فيكون السؤال الغائب في الفكر الفلسفي والكلامي (القديم والوسيط) هو سؤال ذا بعدين:

 1-أولهما معرفي حول العلم المميز بينهما.

 2-والثاني وجودي حول طبيعية المميز بينهما.

وبين أن الفلاسفة والمتكلمين لم يخطر ببالهم أي من هاتين المسألتين. ولذلك فقد بقي همهم التوفيق بالرد والصدام اللامتناهي إلى أن بلغ الأمر إلى الغاية في نظرية رد النقلي للعقلي عند التعارض بقانون التأويل أعني في الحقيقة صيرورة الكلام فلسفة أو قولا بما يقول به الفلاسفة من أن القرآن مثالات من الحقيقة العقلية وأن النبي يتميز على الفيلسوف بالقدرة على مخاطبة العامة كأنه مجرد داعية دجال من جنس نجوم التلفزات الحاليين.

وطبعا فليس هنا محل عرض الحل التيمي للمسألتين. ((..............)) لكني يمكن أن أقدم لك زبدة الحل دون بنيته العامة. فالمعرفة المتقدمة ليست نقلية ولا عقلية بل هي ملكة الوجدان (التلقي والانفعال) والفرقان ((التحليل والفعل)) المتقدمة على المضمون سواء كان دينيا أو فلسفيا. إنها بلغة ابن تيمية الغريزة والفطرة العقلية التي هي قوة الفهم والتنظير أيا كانت المادة ولا تأتي المقابلة بين علوم العقل وعلوم النقل إلا عند النظر إلى ما يحصل بعد العلاج بها بمقتضى طبيعة المادة المعالجة ((أي إن ما يميز النقلي عن العقلي من العلوم هو طبيعة المادة التي هي نقلية دائما بالمعنى التيمي وما يوحد بينهما فيجعلهما علميين هو العقل بالمعنى التيمي)). وهذه الملكة مشروطة في كل معرفة نقلية كانت أو عقلية بالمعنى الاصطلاحي: فيكون الفرق بين المضمونين مصدره المادة ومنهج العمل عليها لتصير علما نقليا أو علما عقليا.

1-فالمضمون الفلسفي (=أي ما كان يسمى بالعلوم العقلية) بخلاف وهم المتكلمين والفلاسفة لا يمكن أن يكون عقليا. فهو المعطيات التجريبية المباشرة بتوسط المدارك الحسية وغير المباشرة بتوسط فعل التجريد من المعرفة المباشرة وما يتوصل إليه من أحكام عامة أو ما يسمى بالمعقولات الثواني في الوعي العلمي((= أي المدركات الحسية أو ذات المحسوسية الممكنة بلغة الحراني)).

2-والمضمون الديني من باب أولى ليس عقليا بخلاف ما يتوهم المتكلمون الذين يتصورون العقل مادا إياهم بمقدمات تمكن من البناء عليها في المجال الديني. فهو المعطيات المباشرة بتوسط المدارك الحدسية سواء كانت من تجربة الأنبياء المقصوصة علينا أو التي عايشها أوائلنا أو من تجاربنا الشخصية في استعادة هذه التجارب أو غير المباشر ة أعني ما يتراكم من سنن تاريخية حول المعرفة المباشرة من أحكام عامة أو ما يسمى بالمعاني الثواني في الوعي الديني.

لكن هذه المعطيات بصنفيها المضاعفين والتي هي في الحالتين نقلية أيا كان العلم هي المادة التي تعالج في الحالتين بالآليات التي تتوفر للإنسان وهي حتما ما نسميه بالمناهج العلمية والتي تتصف بعقلانية عصرها دائما:

 1-فلا عالم الطبيعية يستطيع أن يزعم أن عقله هو مصدر معطيات التجربة العلمية التي هي مدارك حسية مباشرة ومدارك نظرية غير مباشرة.

2-ولا عالم الدين يستطيع أن يدعي أن يزعم أن عقله هو مصدر معطيات التجربة الدينية التي هي مدارك حدسية مباشرة ومدارك نظرية غير مباشرة.

 فيكون صنفا العلوم كلاهما نقلي بمادته وعقلي بمضمونه بخلاف أوهام الفلاسفة والمتكلمين ومن ثم تفقد المقابلة معانيها التقليدية لتصبح في الصوغ التيمي موافقة للفهم الحديث لمعنى العلم والدين على حد سواء: لذلك عددته من أكبر فلاسفتنا بالمعنى (المقصود) في فلسفة العلم وفلسفة الدين. فالمناهج والآلات التي يستعملها الفكر لعلاج المادة هي دائما واحدة رغم قابليتها للقسمة إلى صنفين أحدهما غالب على أحد صنفي العلوم والثاني على الصنف الثاني:

 1-فالعلوم الدينية (والإنسانية) يغلب عليها أدوات مستمدة من علوم اللسان والتأويل والتاريخ الحضاري دون أن تستثني استعمال ما تستعلمه العلوم الطبيعية.

2-والعلوم الطبيعية يغلب عليها استعمال الأدوات المستمدة من الرياضيات والتحليل والتاريخ الطبيعي دون أن تستثني استعمال ما تستعمله العلوم الدينية.

وكلها تتوحد في المنطق الذي هو ما بعد كل الأدوات المنهجية في مفهومه الحديث الذي بدأ ابن تيمية يؤسس له: أعني نظرية اللغة العلمية أو نظرية السيميوتيكس (الوسميات)". انتهى.

وأكتفي بهذا التعليق البسيط: إن كل ما ينسبه الأستاذ أبو يعرب إلى ابن تيمية لم يسقطه عليه إسقاطا حتى وإن كان لم يدع قط أن ذلك كان بهذا الوضوح عند صاحبه. فهو ما يمكن للمرء أن يستنتجه عندما يجمع أفكاره فيطلب نسقها ومبدأ تعليلها كونها ما كانت. ولعل المرحوم النشار قد حدس أمرا قريبا من هذا عندما اعتبره "فليسوفا نادرا" أو حتى "فيلسوفا (مجسما) نادرا" لئلا يغضب الشيخ بلال لظنه تهمة التجسيم حقيقة وليست مجرد تهمة علتها التأويل غير المبرر لكلام شيخ الإسلام ممن لم يفهم عمق فكره. وأستاذي المحمودي لم يحذف الوصف "مجسم" لعدم الأمانة بل لأن المطلوب ليس معرفة رأي النشار في عقيدة ابن تيمية بل هو علاج فكر ابن تيمية الفلسفي وليس عقيدته التي لا تعني أحدا سواه في صلته بربه.

النص الثاني: في طبيعة الدليل الكلامي.

إذا انطلقنا من هذا الفهم لطبيعة المعرفة الدينية والوضعية ألا يمكن أن نعيد النظر في طبيعة الدليل الكلامي ؟ فلنأخذ بهذا المعيار الدليل الكلامي ولنحلله إلى مقوماته حتى نعلم طبيعة المادة التي يمكن أن تجعله كلاما وليس فلسفة. ومرة أخرى سأستعمل مقالة الأستاذ لتكون مادة شرح يساعد على فهم الثورة الفلسفية التي يتكلم عليها مع الأمانة في جعلها ثمرة لتطور كانت بدايته مع حجة الإسلام وغايته مع ابن خلدون لكن ذروته يمثلها ابن تيمية: ولا يهم الأستاذ المرزوقي أن يكون بين العلماء اثنان من كبار الأعلام في الأشعرية لأنه ليس منتسبا إلى أي فرقة ولا معاديا لأي فرقة بل هو يطلب فهم تكوينية الفكر العربي الإسلامي بصرف النظر عن العقائد التي هي صلة بين المفكر وربه. قال الأستاذ مميزا ومحددا مقومي الدليل الكلامي بالمقارنة مع الخطابة:

" (....) حسنا. فبماذا يمكن أن يكون الدليل الكلامي علميا ؟ هل الصورة وحدها يمكن أن تضمن الدلالة العلمية ؟ الخطابة أيضا لا تخلو من الصورة. بل هي من دونها لا يمكن أن تؤثر إلا في العامي الذي لا يفهم الاستدلال. ومعنى ذلك أنه على المتكلم أن يستمد علمية كلامه بالإضافة إلى الصورة من خصائص مادة قوله.

ومادة القول الكلامي سواء كانت من الجليل أو من الدقيق ينبغي لها أن تكون خاضعة لما حدده كتاب البرهان في الحد والقياس (بترتيب معكوس). فما الذي يضمن للمتكلم مطابقة حدوده لمحدوداته وهي إما من الغيب بإطلاق (ذات الله وصفاته) أو ذات صلة بالغيب (صورة العالم وقوانينه)؟  فالحدس الذي يؤسس إدراك الماهيات ومن ثم يساعد على تحديدها يعرفه أرسطو في غاية المقالة الثانية من البرهان. هل الغيبيات ينطبق عليها هذا الإدراك المشروط حتما بما يشترطه الحدس المدرك للماهيات في الميتافيزيقا القديمة أو في أي ميتافيزيقا أخرى؟

إذا اعتبرنا الحد تعريفا يمكن أن نسلم بصحته في المدركات الموجودة في الأعيان ومن ثم القابلة للإدراك الحسي والحدس هنا مشروط به فكيف نسحبه على ما ليس بمدرك لنا (انظر دليل ابن خلدون ضد إلهيات الفلاسفة وهو من باب أولى ينطبق على إلهيات الكلام إلا إذا سلم المتكلم فقال إن حدوده قرآنية وليست عقلية). لكن من أدرانا أنه يصح على ما وراء الحس تسليما بأنه صحيح فعلا في الحسيات (وهو ما لا نسلمه إلا جدليا لأن التعريف فيها يبقى دائما استقرائيا إذا لم يكن فرضيا ((=أي كما في علم المقدرات الذهنية بمصطلح الحراني))). كيف نفعل مع الغيبيات ؟ وإذا افترضنا الموجود مقصورا على المدرك منه فهل يبقى للدين من معنى وهل يكون الإنسان عندئذ بحاجة إلى الرسالة ؟ هذه هي حجة ابن خلدون ضد الفلاسفة. وهي صالحة ضد الكلام إذا ادعى أن حدوده عقلية.

ولنأت الآن إلى الأوليات التي ينبني عليها الدليل. فلنسلم بالنوع الأول منها أعني ما يسمى بمبادئ العقل (تسليما جدليا كذلك لأن مبادئ العقل قد لا تصح في طور متعال أو متجاوز). لكن فلنقبل بذلك. ولنأت إلى النوع الثاني الذي((=منها أعني ما هو)) من جنس المساوي للمساوي مساو والمشروط في كل تعدية فكرية (( من جنس الضرب الأول من الشكل الأول)) أعني شرط كل قياس عقلي. فإذا لم تكن هذه من الضروريات التي من نوع معطيات الحس كانت من الضروريات التي تسمى أوليات العقل أعني الأكسيومات التي تمكن من الوصل بين الحدود (لأن المسلمات ليست إلا مسلمات وليس ليست ضرورية).

حسنا فلنسلم أنها قابلة للانطباق على المجربات وعلى المشاهدات رغم علمنا أنها تسقط مثلا عند الكلام على اللامتناهي في الرياضيات العالية. فمن أدرانا أنها قابلة للتطبيق على الغيبيات ؟ فلا أفلاطون ولا أرسطو قالوا بذلك بل هما كلاهما يعتبر الميتافيزيقا من غالب الظن أو إن شئت مما يبدو أنه من الأفضل تصوره كذلك حتى نعلل علومنا التجريبية: وذلك ما يسميه أفلاطون بما يمكن من إنقاذ الظواهر. فهل في العقائد يمكن أن نقبل بما يسمى إنقاذ الظواهر ؟" انتهى.

لست بحاجة إلى مزيد تعليق. فالدليل الكلامي أدنى حتى من الدليل الخطابي سواء اعتمدنا معيار الصورة أو معيار المادة. لذلك فهو لا يمكن أن يؤدي إلى معرفة علمية لا في المجال الديني ولا في المجال الدنيوي. ومن ثم فهو كما وصف القرآن مبدأه أعني التأويل مجرد تعبير عن زيغ القلوب وابتغاء الفتن.

 

النص الثالث: في فقدان الدليل الكلامي للحجية العلمية أعني البرهان:

إن وهاء الأدلة الكلامية المزعومة عقلية هو علة مأزق الحلين الاعتزالي والأشعري. ولنأت إلى المأزق الذي يتبين من تحليل حليهما. ومرة أخرى أقدم كلام الأستاذ قبل التعليق. فقد قال مخاطبا الأستاذ طوقان: "وما دمت تطالب بالأمثلة فلنضرب بعضها: هل يمكن أن يكون دليل النظام أو دليل العناية ((=يعني عندما يكونان عقليين خالصين)) مقبولين عند غير المتفائل إذا كان عدم النظام وعدم العناية أكثر تأثيرا على وعي المتشائم؟ لذلك حارت العقول في مسألة العدل الإلهي: فليتكلم أي كان عن العدل الإلهي مع المشلول أو الجائع أو المظلوم وسيفهم أن المسألة تصبح مجرد مواقف متفائلة قبالة مواقف متشائمة. فهل نبني العقائد على النفسانيات؟  ولذلك كان تحكيم العقل مؤديا حتما إلى الموقف الاعتزالي المناقض للواقع: ادعاء التحسين والتقبيح العقليين وزعم خضوع الله لأحكام العقل الإنساني.

وكل توسط من جنس الحلول الأشعرية لا يستقيم إلا إذا قبل مقدما حصر الكلام في النهج الدعوي للإقناع أو لدلالة الحائرين ((=أعني الوظيفتين اللتين لأجلهما أباح الغزالي الكلام ومثله يفعل ابن خلدون وهو ما يمكن أن يسمى بالكلام المحمود مشرعيه تشريع الضرورات تبيح المحظورات)). لكن ذلك ليس أدلة علمية بل هو من جنس الخطابة لا غير بل هو دونها لعدم تسلميه ((المتكلم)) بذلك. ومثال الدليل الأقوى الذي عليه تعويل الأشاعرة هو ما أفضل تسميته بدليل الترجيح الجهوي. فهذا من اليسير أن نبين أن البناء عليه من أكبر الأوهام فضلا عن كون ابن رشد قد كفانا المهمة. فلما كانت الإحاطة بما في العالم من الموجودات مستحيلة بات ادعاء أنها كلها حادثة أو حتى ممكنة بمعنى الإمكان الوسيط بين الواجب والممتنع مستحيلة. هذا مع العلم أن القرآن الكريم لا يتكلم أبدا عن خلق عن عدم بل كل خلق مسبوق بمادة ! وهذه أيضا قد وفاها الفارابي حقها.

ومن ثم فالدليل يسقط من البداية إلا إذا رضينا بالتحكم فادعينا أن الاستقراء يثبث أنه كله مادي وأنه كله متغير وأن ملازم المتغير متغير وأن كل متغير حادث إلخ... من التحكمات التي ليس لها أساس. كل ذلك  تحكم لا معنى له ما دامت الإحاطة بالموجودات العالمية فضلا عن العالم ككل أمرا ممتنعا على عقل الإنسان. وإذا زعمنا أن العالم كله مادي فإننا بالإضافة إلى نفي ما ليس بمادي بدون دليل فإننا نقع في ورطة كبرى: إذا كان كل ما في العالم مادي فإن شرط علمه يصبح التجريب أعني أننا نقصر المعرفة على العلم فتكون عدم الإحاطة أكثر ثبوتا. ولا حاجة للتقدم إلى ما بعد ذلك. وهذا أمر لم يفت حتى بعض الشباب الذين بدأوا يتحررون من التخريف الكلامي في موقع الشيخ نفسه" انتهى.

وطبعا فلست بحاجة للتذكير بتلخيص ابن رشد للأدلة القرآنية. فهو بعمق ليس عليه من مزيد ردها جميعا إلى دليلين لا ثالث لهما: دليل العناية ودليل الاختراع. وهو ما صار يسمى في الفكر الحديث بأساس نوعي الثيولوجيا: أي الثيولوجيا الطبيعية Physikotheologie  والثيولوجيا الخلقية Ethikotheologie والمعلوم أن كل أدلة المتكلمين هي دون هذين الضربين من الأدلة القرآنية خاصة إذا فهمت بالصورة التي لا تفصل منها الصورة عن التجارب الحدية التي تتعين فيها العناية والاختراع الإلهيين من حيث هما ما يدركه الإنسان في تجربة وجودية حية فعلية.

 

النص الرابع: في الدليل القرآني ما طبيعته وكيف يؤثر.

يبقى الآن أن نضرب مثالا من الدلالة العقلية بمعناها الأتم والتي هي عين الدلالة القرآنية بنص الأستاذ مقدمين كلمة وجيزة حول نسبة الأستاذ إلى الوضعية. فالكلام على الوضعية مما لا يستحق الرد عليه لأن الوضعية تنفي حتى مجرد الكلام في المسائل الدينية وتعتبرها مرحلة بدائية في الفكر الإنساني. ومن ثم فلو كان الأستاذ وضعيا لما وجدت الخصومة من الأصل ولكان ذلك خارج مجال الكلام في مسألة الكلام بمقتضى المبدأ.

فما الدليل العقلي الديني الأقوى ما هو؟ إنه جوهر حقيقة الإنسان وعلة كون المعجزة المحمدية هي عين مفهوم الإنسان أي البيان الحي الذي تتعين فيه الآية: الإنسان نفسه. وهو الدليل العقلي الديني الجامع بين العناية والاختراع في آن: " وفي الحقيقة فإن كل الأدلة العقلية (بمعنى العقل المصدر لا الاسم في القرآن الكريم) على وجود الله كما تتعين في الفهم الفلسفي للقرآن إن صح أن ذلك قابل للترجمة العقلية الصناعية تعود إلى دليل واحد هو أصل كل القصص القرآني. فكل الموجود بمجرد أن يحصره إدراك-أي وعي إنساني متعين الآن وهنا- يبدو لصاحب الوعي غير واجب أو إن شئنا يبدو له أنه يمكن أن يكون على غير ما هو عليه بما في ذلك ذات المدرك نفسها. فيكون الدليل هو من أين للإنسان بهذا التجاوز للحاصل من الوجود إلى الممكن منه بلا حد حتى إنه يتصور نفسه على غير ما هو عليه في نوع من الإمكان المرسل ؟ ((=أي إن الدليل ليس عملية منطقية بل كون الإنسان لا يمكن إلا أن يمر بها في تجربة المقابلة بين الفاني والباقي في كل لحظة من لحظات حياته دون حاجة للعملية الاستدلالية المنطقية التي لا يمكن أن تطابقها ما لم تحصل فعلا كتجربة وجوديه)).

والجواب هو الفطرة التي هي عين الإسلام الأصلي في القرآن الكريم: فوراء الموجود مما يبدو للوعي من خلال توالي أحواله الواعية بما تقدم وبما يتلو الحاضر من لحظاته أنه يوجد وسيط بين الوجود الممتنع (ما لا يستطيع له صنعا) والوجود الواجب (ما لا يستطيع له دفعا) وجود ممكن لا يتصف بالامتناع ولا بالوجوب (ما غاب فيه الوصفان) فيكون جامعا للنفيين وهو الوجود الحادث أو العرضي وأهمه وجود الإنسان ذاته الواعي بهذه الوضعية الوجودية التي يدور حولها القصص في الحالات الحدية التي تشعر الإنسان بمحدوديته ((=الشعور بالفناء الذاتي شرطه الشعور بالبقاء حتى لو لم يكن المرء مؤمنا برب: وذلك هو في الحقيقة جوهر الدليل الوجودي من حيث هو عين بنية الكيان الإنساني الميتافيزيقية)). ولهذا الوعي بالوسيط شرطان:

 ذاتي وهو أن الذات تتعالى دائمة على مضمون وعيها لكأن كل لحظة موالية وعيا بالوعي إلى غير غاية فيكون الوعي في الغاية وكأنه من وراء ذاته دائما مهما اتسع مضمونه.

وموضوعي وهو أن الموجود كله يصبح عنده منقسما إلى ثلاث جهات بدل اثنتين: ما لا يمكن تصوره معدوما وما لا يمكن تصوره موجودا وما يتصوره مترددا بينهما.

فبين الممتنع الذي لا يستطيع له صنعا (الذي لا يتصور وجوده) والواجب أو غير الممتنع الذي لا يستطيع له دفعا (الذي لا يتصور عدمه) اللذين يبدوان ضروريين عقلا بمبدأ الثالث المرفوع منطبقا على الوجود يضع التعالي الإنساني وسطا بينهما يناقض هذا المبدأ ويسميه ما ليس بممتنع ولا بغير ممتنع وهو العرضي الذي يمكن أن يوجد وألا يوجد لأنه ليس بواجب وليس بممتنع: فيكون الدليل العقلي على التحرر من النقيضين مستندا إلى التعالي عليهما بمبدأ يناقض أهم مبادئ العقل أعني الثالث المرفوع المنافي للمبدأين الآخرين أي الهوية وعدم التناقض ((=ومن ثم فهي تجربة جوهرها التحرر من مبادئ العقل الأربعة الثلاثة المعهودة ومعها مبدأ العلة المرجحة بالمعنى السببي)). وذلك هو طور ما وراء العقل أو طور الإيمان العقلي كما يصفه القرآن الكريم في قصصه وفي وصفه للحالات الوجودية الحدية التي يدعو بها للإسلام لله رب العالمين.

 وهذا الوسط المنافي لمبادئ العقل الثلاثة يصبح وسيطا بين الوجود والعدم أي الوجود الذاتي أولا ثم وجود كل ما عدا الواجب والممتنع أي العالم الذي ليس ممتنعا بذاته وليس واجبا بذاته بل هو بين بين لكونه الإمكان الجامع بين الامتناع والوجوب بالغير لأنه إمكان يتصف بالقوة على الوجود والعدم في آن ومن ثم فهو يفترض علة مرجحة لأحد وجهي قوته ((=ترجيحا مطلق الحرية وليس الترجيح السببي الذي يمكن أن يؤسس الدليل العقلي الصوري)). وهذا الدليل الذي تعود إليه كل الأدلة هو إذن عين التعالي العقلي أعني الشعور بالوساطة بين الوجود والعدم من حيث هما متعينين في الحياة والموت كما نجربهما في وجودنا الشخصي الذي نطلقه فنجعله قانون الوجود: وهذا الدليل مقبول وجدانيا وفرقانيا((=ومن ثم فالدلالة لا تتأتى من القياس الصوري بل من التجربة المعيشة ذاته ما يعني أنك تستطيع أن تبني ألف دليل صوري وتحصل على إنتاج منطقي غير مؤثر لأن المؤثر ليس الإنتاج المنطقي بل التجربة المعيشة التي يحصل فيها الشعور بالنسبة بين الفناء والبقاء خارج كل منطق أي بالذات بعد التحرر من المبادئ الأربعة التي لا يمكن تصور المنطق من دونها)). لكن لاشيء يثبت أنه عقلي بالمعنى الصناعي بالمعنى الكلامي أو الفلسفي. ذلك أن دلالته ليست من صورته المنطقية بل من كونه تجربة معيشة هي عين الحياة الواعية بطابعها المتناهي الفقير إلى ما يقيمه: والدليل أن من لم يعش هذه التجارب التي يصفها القرآن قل أن يسمع للحجج التي من هذا الجنس" انتهى.

النص الخامس: في قصور الحل الكنطي وكيف تتجاوزه نتائج الفكر التيمي:

وأختم بنص أجعله مسك الختام لأن اتهام الأستاذ بالوضعية قرن بتهمة التأثر بالكنطية. فيكفي أن نذكر بالجملة التي وردت في جوابه الأول على الأستاذ باييز أعني ما لأجله كتب الأستاذ كتابا كاملا أسسه على دحض الكنطية من الأصل أعني كتاب شروط نهضة العرب والمسلمين. فقد جاء في جوابه على الأستاذ باييز:" ذلك أننا بالنقد نعلم حدود العقل ((النقد الكنطي)). لكننا لا نستطيع إطلاق حكمنا ((كما فعل كنط)). فكان ينبغي ألا نطلق هذا العلم لئلا نتناقض ((كما حصل لكنط الذي حد العقل وغفل عن كون العقل الحاد محدود هو بدروه)). فالحد من العلم حصل بعلم محدود. ويكون من واجب العلم بحدود العقل هو بدوره علما محدودا. فينبغي للعلم المحدود إذن عند تطبيقه على ذاته أن ينفي الإطلاق على حكمه بالمحدودية. فيكون من الواجب ترك الباب مفتوحا للإمكان ((هذا ما يمكن الأستاذ من نقد النقد وتجاوزه ليشرح العلاقة القرآنية بين العلمين المحيط للرب وحده والمحاط للإنسان)). وهو ما يقول به الحل النقلي الذي يفتح الباب لإمكان المعرفة الإيمانية التي تفهمنا أن العقل يتجاوز الحد عندما يعلم الحد فيكون ذلك معراجه إلى الإيمان الحقيقي أو ما عبر عنه الصديق بالعجز عن الإدراك إدراك: للإنسان قدرة تتجاوز ما حدده العقل لذاته من حدود وبها يصبح العقل نهى وبفضله يصف القرآن المؤمنين بذوي الألباب أو النهى أو الراسخين في العلم. وذلك هو مجال الإيمان ((الذي ليس هو  مجرد مسلمة بالمعنى الكنطي ولهذا سنقدم معنى الدليل العقلي الديني عند الأستاذ ماهو)).

من يقرأ هذا الكلام ثم يواصل الحديث عن التأثر بالكنطية يبرهن للجميع عن جهله بفكر كنط فضلا عن فهم ما يمكن لمن يسعى لتأسيس شروط الفهم الابستمولوجي للفكر العربي الإسلامي أن يستمده من إبداع مفكرينا الكبار الذين يستغبيهم أغبى خلق الله ويكفرهم قاصرا همه على ما كان مطلوب محاكم التفتيش لعدم القدرة على الارتفاع إلى مستوى الفكر الفلسفي المتعالي على مثل هذه الأوهام. وأنى للمبتدئين المغرورين أن يتعلموا شيئا وهم يفاخرون بكتابة التعليقات على ابن تيمية في أقل من نصف ساعة ؟

 

                                   الخاتمة

سأختم بنص ورد في الفصل الثاني من بحث أستاذي المحمودي الأخير حول علم العلم وتاريخه ما هو ليبشر المتشايخ بلال بجائزة نوبل التي سيتقاسمها مع المتكلمين الذي اكتشفوا المغناطيس عندما يكون سابحا خارج مجرة التبانة بالحوامة الكونية التي اكتشفها وهو يتأمل متون الكلام ويعصر الفجل بالموليناكس. قال الأستاذ المحمودي:"(....) لذلك فإنه يمكن القول إن جالينوس كان عالما رغم خطئه في هذه الحالة ((الحالة التي ناقشها الغزالي أعني حالة فناء الشمس بالذبول)) وإن الغزالي كان مجرد مجادل رغم إصابته في هذه الحالة. فالأول كان يضع فرضيات بهدف المعرفة العلمية ويتثبت منها ليؤسس نظريات والثاني كان يقتصر على تخمين الممكن المخالف دون أن يحوله إلى فرضية للاختبار ومن ثم لتحويلها إلى نظرية علمية. ولا يهم حصول الخطأ من الأول والصواب من الثاني في هذه الحالة العينية: فالنظريات العلمية هي بالطبع حلول مؤقتة لقضيا محددة وأجوبة معينة لأسئلة دقيقة. ومن ثم فهي حتما سيتبين أنها خاطئة بنحو ما ولا بد من تجاوزها إلى ما هو أفضل وبذلك يتأسس النسق العلمي التراكمي وهو ما لا يمكن أن يكون من جنس تخمينات علم الكلام التي لا يتراكم فيها إلا التضخم الكلامي تماما كما يحصل في التضخم المالي حيث تفقد العملات قيمتها التبادلية ويفقد الكلام في الكلام قيمته المعرفية. ومن لم يفهم الفرق فهو لا يدرك معنى العلم ما هو. ويكفي أن يقرأ (....) ((الواحد)) كتاب جالينوس في نظرية العلم من خلال تحليل العلاقة بين المنهج الاستناجي والمنهج الاستقرائي في العلوم حتى يفهم الفرق بين العقلانيتين.

إن جالينوس يعتبر عالما حتى عندما يخطئ لأنه يحاول أن يختبر فرضياته ليعلم لم هو لم يصب. بل إني أضيف ما قد يستغرب له (.....) ((الشيخ بلال)) أكبر الاستغراب رغم كونه يكرر (...)في دروسه المنطقية أن القضية لكي تكون قضية ينبغي أن تكون خبرية فتقبل التصديق والتكذيب دون أن يستنتج منها ما ينبغي استنتاجه: سلبا بنفي كل إمكانية لتطبيق هذا المعيار في الكلام -لأن الغيب لا يمكن أن نخبر عنه إلا تسليما إيمانيا بنقل ما جاء في القرآن لا إيقانا علميا-وإيجابا للفصل بين العلمي واللاعلمي. وإذن فجالينوس كان عالما لأن فرضياته كانت قابلة للتكذيب والتصديق وهو قد وقع في الخطأ لما تكلم على ما لم يكن حينها قابلا للتجريب وهو سيصبح قابلا له بخلاف قضايا الكلام فهي لن تصبح أبدا: لأنها من الغيب المحجوب حتى على الأنبياء.

 تخمينات الكلام لا تقبل التصديق ولا التكذيب لأنها ليست خبرية إلا شكلا ما دامت لا تقبل المحاكمة بمعايير موضوعية يجعل التصديق والتكذيب ذوي معنى وقابلين للتحقق فضلا عن كونها بمقتضى كونها عقدية لا تقبل إلا التصديق الإيماني الذي يلغي الوجه الثاني أعني التكذيب العلمي المشروط في المعرفة العلمية. لذلك فالغزالي فيبقى مجادلا رغم إصابته في هذه الحالة لأنه لم يكن ينوي حتى مجرد النية أن يعلم هل هو مصيب أم مخطئ إذ المهم عنده كان أن يثبت بالممكن المرسل التشكيك في الحاصل الفعلي القابل للمحاكمة الموضوعية" انتهى.

وعندي أن هذا النص غني عن كل تفسير. فمن يرفض أن يفهم الفرق بين كلام العلم وعلم الكلام لا يمكن إلا أن يصح عليه القول: إنه ينتسب إلى الأغمار من حمالة الأسفار. والله ورسوله أعلم والحمد لله والشكر لتوفيقه إياي فأفي بالوعد.

 


 

[1]

 ورغم أنه يفرحنا أن يؤوب أي متشائخ إلى رشده فيتدارك أمره ويفهم أن المسألة ليست حربا بيننا وبينه بل اجتهادات من أجل أفضل طرق النهوض فإننا نفهم الفرق بين الأوبة الصادقة والتهرب من الحقيقة الدامغة عند مخرب الأصلين. وكم كنا نتمنى لو أن ما يزعمه الزاعمون في الثورة العلمية والقطيعة المعرفية نسبة إيهاهما للمتكلمين من ماضينا حقيقة فعلية. لوصح ذلك لكنا كلنا فخورين به. لكننا قوم نرفض أن نغرر بأمتنا فنجعلها تنام على أكاذيب من هذا النوع. فتوجيه الاهتمام إلى نوع من الكتابات الصحفية التي يتصورونها الشائخ علمية حول علوم المتكلمين الفيزيائية رغم ما فيها من تكذيب صريح لما ادعاه الشويخ الثاني في ردوده المهزلة على أستاذي المحمودي-وهو لا يدري حتى من هو ولا ما اختصاصه- تبقى مع ذلك من جنس خرافات أمك سيسي سواء في الكتاب أو في أماني المعلق عليه فضلا عن مهارب المحيل عليه. ذلك أن بعض المعاني المستمدة من الفلسفة ب بدل الفلسفة أ لا تغير من الأمر شيئا. وهي على كل حال لا تعني أن المتكلمين هم أصحابها فضلا عن كون الأفكار البتراء لا يمكن أن تعد علما إذ هي تأتي للماحكة الجدلية وليس لوضع نسق من النظريات العلمية. وما تقوله السيدة الخولي لا يختلف عن تعزيات النفس التي شبع المسلمون من تكرارها فلم يقدمهم ذلك قيد أنملة. الماضي لا يعزي أحدا حتى لو كان ما ينسب إليه صحيحا إذ لم يفد اليونان الحالية مجد اليونان القديمة ولا المصريين الحاليين تغنيهم بمجد الفراعنه فضلا عنه إذ يكون غير صحيح. ولا بد من الاعتراف بأن المؤسسة التربوية العربية والإسلامية فشلت في تحقيق النهضة العلمية وأن صراعات ديكة الكلام والفقه منعت كل وجود مستقر للمعرفة العلمية فتركت بواكير النهضة لغير المسلمين. وعلينا ألا نواصل الهروب من هذه الحقيقة المرة: لا بد من الإصلاح الجذري والتحرر من الكذب على النفس وتغذيتها بالأوهام: فليس من الضروري أن يكون قد كان لنا علم فيزياء في الماضي حتى نصبح قادرين عليه في المستقبل. فلا اليابان كان لها هذا العلم ولا أوروبا قبل نهضتها. لكن الملاء بالخلاء يبقي على انتفاخ البطون بالتبن فلا ينتج إلا بغال الكلام وحمير الأوهام.

[2]

  انظر في ذلك بحث أبي يعرب حول فكر ابن تيمية الإصلاحي في أعمال ندوة المعهد العالمي للفكر الإسلامي المنعقدة في الأردن والمنشور بالتعاون مع أحدى جامعات الأردن الشقيق وقد صدرت الأعمال مؤخرا.

[3]

 أنظر في ذلك شروط ثورة ابن خلدون الباب الثاني من كتاب أبي يعرب فلسفة التاريخ الخلدونية دور علم العمران في عمل التاريخ وعلمه الصفحة 65 وما يليها. الدار المتوسطية للنشر تونس 2007.

[4]

  ولا بد من تنبيه القراء إلى ظاهرة عجيبة كانت صحية فصارت مرضية إلى أبعد الحدود. فالقدامى من علماء الأمة كانوا فعلا يعيشون بكد يمينهم فكان بعضهم خياطا وبعضهم محاسبا وبعضم وراقا وبعضهم غزالا إلخ... لكنهم كانوا يطلبون العلم لذاته. لم يكن العلم الديني في عصرهم تجارة بل كان علماء الدين أفقر خلق الله فكان الفراغ له حبا فيه وزهدا في الدنيا كما بين ذلك ابن خلدون. أما الآن فأنت تجد بعض الحاصلين على أدنى الشهادات الفنية في الكهرباء أو في التجارة أو في أي حرفة يدوية دنيا يتحولون بين عشية وضحاها إلى نائحات على الإسلام بعد أن كانوا السبب في زوال عز داره. لا تخلو منهم فضائية أو موقع فيصبحون من أثرياء القوم كشعراء الكدية وبنفس النذالة الخلقية. فكانت هذه الظاهرة المرضية ممر المتقحمين إلى العلوم الدينية بوصفهم من جنس لاعبي الكرة: يتسابقون لدى الأمراء الذين أفسدوا أخلاق الأمة ثم يحاولون التكفير بالفضائيات الدينية بمنطق العذر الأقبح من الذنب لأنها التنويم الدائم المصاحب للتهريج الدائم وإذا بالدين الذي جاء لجعل المسلمين سادة العالم بعلوم الآفاق والأنفس يتحول إلى مخدر للشعب التخدير الدائم بالخرافات التي هي دون الإسرائليات فضلا عما يؤدي إليه علم الكلام المزعوم من فتن وحروب.

[5]

 مع ما في ذلك من المغالطة لأن الدليل على العقائد الإيمانية يمكن أن يكون لإثباتها أو لتحييد حجج نفاتها. فالمعنى الأول هو ما ننازع فيه لأنه مستحيل كما بين الأستاذ أبو يعرب في غير موضع. والمعنى الثاني يقبل من باب الضرورات تبيح المحظورات أي إن الحاجة إلى الدفاع تقتضي أن ترد حجج الخصوم بما يناظرها لبيان إمكان ما ظنوه ممتنعا. وهذا ليس إثباتا بل هو نفي الامتناع ومن ثم فهو بيان الإمكان دون الوجوب. وذلك هو أقصى الممكن في الحجاج الكلامي الدفاعي. لكن إذا قيست هذه المصلحة بالضرر الحاصل كان القبول بالكلام خطأ جنيسا لما حصل عندما اضطر المسلمون إلى تجنيد المرتزقة: فالمتكلمون في دور الدفاع عن الدين تحولوا إلى الحرب الداخلية بالانقلاب على شرعية العلم الديني الحقيقي تماما كما تحول المرتزقة إلى اغتصاب الحكم بالانقلاب على الشرعية السياسية الحقيقية. لذلك كان دور المتكلمين ودور المرتزقة في انحطاط الأمة متوازيين: المتكلمون وطدوا الانحطاط الفكري والخلقي بأسلحة الدجل الفكري والمرتزقة أضافوا إليهم أسلحة الهمجية المادية. وتلك هي حال الأمة منذ أن عم سرطان لكلام والانقلابات العسكرية والتاريخ شاهد بأن الأمرين بدآ معا: فدجالو كلام المأمون وحامية المعتصم بهما بدأت النكبة التي استمرت إلى هذا اليوم.

[6]

 من شروط البحث المعرفي أو الإبستمولوجي أن يكون النظر في الإشكالية التاريخية من منطلق غايتها أي ما توصلت إليه المعرفة في المجال مع عدم إهمال ما كان عليه الأمر في اللحظة المؤرخ لها لئلا يكون البحث مشوبا بعاهة الإسقاط اللازماني. فعندما أنظر في الفلك مثلا فإني لا يمكن أن أنظر إليه من منطلق بطليموس حتى وأنا أنظر في فلك بطليموس بل أنظر إليه من فلكنا الحالي دون أن أهمل ما كان عليه الأمر في الفلك البطليموسي. وعند النظر من منطلق الحال العلمية الراهنة أكون باحثا في المعرفة من حيث هي معرفة بموضوعها وعندما أعود إلى ما كان عليه الأمر في عصر بطليموس أكون مؤرخا لما كانت عليه المعرفة لكن ذلك ليس علم فلك بل تاريخ النظريات الفلكية. وقس على ذلك مسألة الكلام: أنظر إلى مسائله حاليا من حال العلم الراهنة فأكون أمارس المعرفة لما كان موضوع كلام وأنظر في ما كان عليه الأمر في القرون الوسطى فأكون مؤرخا لأفكار المتكلمين لا باحثا في موضوعات ما كانوا يتصورونه علما.

[7]

 والمرجعية مضاعفة لأني أنظر في المسألة من حيث المقابلة بين العقلي والنقلي في معناها التقليدي حيث يكون العقلي هو العلوم التي تنسب إلى الفلسفة والنقلي هو العلوم التي تنسب إلى الدين. لكن هذه المقابلة سطحية وهي لا تعني شيئا. لأن العلوم الدينية لا تخلو من استعمال العقل والعلوم الفلسفية لا تخلو من معطيات ينقلها العقل من المعطيات الحسية. فيكون البحث عن مقابلة أعمق هو مطلوب البحث في المرجعية الثانية.

[8]

 وكلاهما حدث تاريخيا في مرحلتين مناظرتين لوجهيه. فالكلام تحددت منزلته في علوم الملة نفسها بمقابلتين بين السنة وغير السنة ثم في السنة نفسها وتحددت منزلته بين علوم الملة والفلسفة بمقابلتين بين الفلسفة والكلام ثم بين فلسفتين متكلمتين.

 

[9]

 انظر أبو يعرب المرزوقي الثورة القرآنية وأزمة التعليم الديني الدار المتوسطية للنشر بيروت تونس 2008 ص. 15: تعريف مفهوم السلفية : "الموقف السني المطابق لحقيقة ما تحدد به دور الجيل المؤسس للحضارة الإسلامية هو عين الموقف السلفي قبل أن ينحرف معناه فينتقل من العمل مثل الجيل المؤسس والمبدع تأسيسا وإبداعا إلى نقيضه تماما فيصبح مجرد تكرار لما أبدعه هذا الجيل قتلا للتجربة الحية وتناقضا مطلقا مع ما لأجله كان هذا الجيل نموذجا يحتذى: فجيل الصدر نموذج بالسن والجمع المبدعين وليس بما سنه أو أبدعه. وإذن فلن نكون سلفيين حقا إلا إذا كنا مثلهم مبدعين سنا وجمعا لكي تبقى الحضارة الإسلامية دائمة الحياة المتجدد وممثلة للريادة في فتح آفاق القيم والحياة الفضلى. ولست أدري ما الذي حدث فصار معنى السلف عكس معناه اللغوي والقيمي. ففي اللغة السلف هو الطليعة المتقدمة دائما وليس الأجيال السالفة بمعنى ما تقدم في الزمان. وهو في مدلوله الاقتصادي تقديم المال في التجارة قبل البضاعة فيكون رهانا على المستقبل لكونه شرط الفعل ومحركه فيكون رمزا للرمز من حيث هو القيم المحركة وهو في مدلوله القيمي كل من لا يقبل أن يكون مسبوقا بغيره في مجاله (الناقة التي تشرب قبل غيرها مثلا) وهو أخيرا بالتعيين الجماعة التي أسست دولة الإسلام وحققت النموذج الأول من الاجتهاد والجهاد. فكيف أصبح هذا المفهوم تقليد الماضي في ما فعل وليس في كونه يفعل بإقدام دون تقليد ؟ المفروض أن يكون السلفي من يفعل اجتهادا وجهادا ليكون الطليعة المتجهة نحو المستقبل وليس من يقلد بالاتجاه نحو الماضي. والسلف مفردة معناها مطابق تمام المطابقة لمعنى مفردة التقدم فمن يفهمه بمعنى ما سبق ملتفا إلى الماضي لا يراه إلا بالنظرة المدبرة للزمان. أما المعنى الحقيقي للتقدم فهو السبق في المنزلة والشرف ومن ثم فهو الإبداع الذي يسن سنا يجمع وليس التقليد للسنن السابقة القاتلة للإبداع. إنه النظرة المقبلة لأن التقدم يعني السبق سواء التفت المرء إلى الوراء أو إلى الأمام وهو دائما ما يوجد على رأس المسيرة: فيكون المعنى المقصود بالسلفي في الحالتين المؤسس للسنن وليس المتبع للسنن. لذلك استبدلتُ في كتاباتي عبارة أهل السنة والجماعة بعبارة أهل السن والجمع: فمؤسسو دولة الإسلام مثلوا قطيعة مع التاريخ الماضي بتأسيس سنن جديدة أهم سنة فيه عدم التقليد لأنه أكثر شيئا ذما في القرآن أعني  سنة "هذا ما وجدنا عليه آباءنا". السلفية ليست تقليد سنن فاتت لقوم خلوا لهم ما كسبوا وعلهم ما اكتسبوا بل هي أن تكون سلف العصور المقبلة بما تسنه لها ومن ثم فالقصد هو الريادة في السن. فيكون لنا ما نكون به كاسبين مثلهم لا أن نكسب ما كسبوا. نتعلم منهم مناهج الكسب وشجاعة السن لأن ما يراد تحقيقه ليس السنن المكتسبة التي هي مجرد مدارج نحو الغاية والغاية هي قيم القرآن. كيف نحقق ما نستطيع تحقيقه منها بسنن دائمة التجدد. والكسب هو طريق لامتناهية لتحقيق قيم القرآن التي لا يمكن أن يدعي جيل أنه قد حققها بحيث صار واقعه مثالا بديلا منها بما في ذلك جيل الرسول نفسه. قيم القرآن قد لا يكفي تحقيق الممكن منها كل المستقبل إلى يوم الدين فكيف ندعي أنها تحققت ويكفي أن نقلد السنن السابقة في السعي إليها ؟ سنن الرسول نماذج في السعي من حيث هي سعي وهي ليس كذلك بما حصل منها مضمونيا: خلق السن وأساليبه وطرقه ذلك هو ما ينبغي أن نتعلمه من عصر الرسول وليس الحلول التي حققوا بها ما تيسر لهم تحقيقه من قيم القرآن" .

 

[10]

هذه ثاني مرة يلفت انتباهي فيها أمر عجب في كلام زعيم المخربين لمفسدي الأصلين كلامه للتعبير عن إعجابه بعبقريته وهو لا يدري أنه يثبت غباوته. فهل سمعتم بأحد يفاخر بكونه يكتب دراساته في نصف ساعة (انظر ما جاء في أحد ردوده يوم الخامس عشر من ديسمبر 2008 حول كتاب النبوات لابن تيمية) ؟ وكتبه في بعض يوم  (سبق أن قال ذلك في أحد ردوده حول من علق على "بصاقه"  في كتاب يفاخر به وهو لا يساوي فلسا في الرد على ابن تيمية) ؟  وفيم هذه المصنفات؟ بل وضد من ؟ في أكثر الفنون اختلاطا وضد أكثر علماء الإسلام وفلاسفته عمقا وتعقيدا أعني ابن تيمية وابن رشد مثلا. والغريب أنه يظن ذلك دالا على الفطنة والذكاء وليس على السذاجة وخفة العقل. وليس من شك أن أي ثرثار يمكن أن يكتب المجلدات كالحال في دجالي الصحافة العربية وتراجم النجوم العربية من النخب الزائفة الذين يتصورون العالم لا محور له إلا ذواتهم الحقيرة. والأدهى أنه يجد من يجعله إماما في الفكر؟ ما بال شباب الأمة وحتى شيوخها تدنت حالهم إلى هذا الحد ؟ أبعد هذا يعجب الناس من كون خمسة ملايين من شذاذ الآفاق يغلبون ربع الإنسانية في كل مجالات الفعل الإنساني ؟ إنها والله لظاهرة الكتاب الأخضر حيث يصبح أي ظويبط فيلسوفا وأي فويقه إماما. ذلك هو الأمر الذي لم أستطع فهما لوجهيه: 1-أن يفاخر به صاحبه وأن يأتم به أحد بعد سماعه مثل هذا الكلام منه. فكل الناس مهما قلت ثقافتهم العقلية والنقلية يعلمون أن الفكر هو بالجوهر روية أعني تماما عكس العجلة والتسرع. فما بالكم بمن يزعم دحض مقالات ابن تيمية في النبوات في نصف ساعة؟ ويزعم كتابة "بصقته" التي صدع بها خادم طلبة الجهل رؤوس زوار الموقع بالإحالة الدائمة عليه والذي يزعم صاحبه أنه كتبه في عشية؟ ولعله بذلك يريد أن يقيس نفسه بما يقوله ابن تيمية في كتاب الرد على المنطقيين وينسى أن ابن تيمية لا يتحدث عن الكتاب بل عن خطته لأنه كان يكتب كابن سينا يكمل الخطة قبل الشروع في الكتابة.أما أن ينشر العمل على الناس ويزعم صاحبه أنه كتبه في نصف ساعة فهذا عين الهبل والسخف. 2- أن يجد من يسمون أنفسهم طلبة علم ويتصورون  في القرن الحادي والعشرين حفظ المتون التي لم يكن لها ولم يعد لها حتى إن كان أدنى فائدة علمية لأن مضمونها مقصور على تحريف القرآن والسنة وسب العلماء الصادقين ومحاربة الفرق الأخرى لا غير مع كل الصفات المتدنية التي ذكرها حجة الإسلام في الباب الرابع من كتاب العلم من الأحياء يتصورونها علما يعتد به.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام