shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

 

ما بعد التخلف وما بعد الحداثة

د. محمد عزالدين الصندوق

 

M. I. Sanduk

Faculty of Engineering and Physical Sciences, CORA

University of Surrey, Guildford Surrey GU2 XH, UK

m.sanduk@surrey.ac.uk

 

قد لا تكون الأجهزة و المعدات فقط هي التي يتم استيرادها من قبل المجتمعات التي لا تستطيع تصنيعها بل الأفكار و الفلسفة بصورة عامة. و من ما تم استيراده من أفكار فلسفية من قبل المجتمعات العربية المعاصرة مفهوما الحداثة (Modernity) و ما بعد الحداثة (Post modernity). إن الفلسفة المعاصرة حالها حال كل شيء مستورد في حياة باقي المجتمعات غير الغربية و غير الصناعية. لقد تبنى الكثير من فلاسفة الشرق معطيات الغرب المستوردة و منها مفهومي الحداثة و ما بعد الحداثة. و لكن هذان المفهومان يختلفان عن باقي المفاهيم الفلسفية القديمة و الحديثة وذلك لسببين أساسيين هما :

1- أن الحداثة ظاهرة غربية على الأغلب و الغرب المتطور هو الذي عاش الحداثة  كما عاش  تطورات الفكر الإنساني المعاصر.

2- تناول الفلاسفة الغربيون ظاهرة عاشتها مجتمعاتهم. و ترعرعت فيها الانجازات العلمية و التكنولوجية و ما رافقها من تأثيرات اجتماعية. وقد يكون هايدجر أول من تناول ذلك.

لاشك بان الانجاز العلمي و التكنولوجي (1) ليس بمعزل عن حركة المجتمع و مساحة حريته لذا كان للحداثة مفهومها الغربي الذي يحوي التشكيلة العلمية و الإنسانية معا.

و بذلك يكون هذان المفهومان الفلسفيان محدودين جغرافيا أي مرتبطان بوضع جغرافي خاص. و بذلك لابد للفيلسوف الحداثي أن يعيش الغرب في فلسفته. إن الحداثة الفلسفية المقصودة ليست ظاهرة عالمية قدر كونها طرحا غربيا لواقعه الاجتماعي و الفكري. وبذلك يكون الفيلسوف الحداثي دارسا لظاهرة البناء الحداثي الغربي.

ماذا عن الأنماط الفكرية الأخرى ؟ في أماكن جغرافية أخرى أما أن تكون مجتمعاتها بكرا لم تعرف و لم تساهم في الحضارة الإنسانية و منها من عرفت الحضارة و شاركت بثقل متميز و لكنها تخلت عن دورها هذا. التخلي عن الدور الحضاري ظاهرة اجتماعية خطرة.

في دراسات سابقة (3,2) كنت قد طرحت مفهومي التخلف (Backwardness) وما بعد التخلف (Post backwardness). التخلف يعني التراجع للخلف وهو مؤشر للحضارة ذات الماضي و تراجعها عن هذا الدور وهي بذلك تختلف عن المجتمعات البدائية. أما ما بعد التخلف فهو مؤشر لمرحلة حرجة تعيشها بعض المجتمعات التي عانت تراجعا حضاريا و هي الآن في مرحلة أشبه ما تكون بمرحلة الاستفاقة.

 أن ما بعد التخلف هو الاخر مفهوم ذو حدود جغرافية و هو المقابل المضاد لمفهوم ما بعد الحداثة. و لكن ليس للتخلف تلك الجاذبية الفكرية لتجذب الدارس كما للحداثة. إن هذه المرحلة هي أشبه ما تكون بمرحلة الخروج من كهف مظلم بعد فترة تأقلم طويلة داخله. الفيلسوف الغربي قد لا يدرك هذا المفهوم الغريب لأنه لم يعشه.  

أن أشهر نموذج للتراجع الحضاري هو التراجع العربي الإسلامي. لقد بلغت هذه الحضارة قمة إبداعها في حدود القرن العاشر الميلادي و أخذت بالتراجع في القرن الحادي عشر تقريبا. استمرت فترة النمو و الازدهار حوالي الثلاثة قرون.

و إذا كان الانحطاط العلمي في الحضارة العربية الإسلامية قد بدأ في القرن الحادي عشر تقريبا فأنه قد استمر حوالي القرون التسعة الأخيرة وهذا هو العمق الزمني للكهف الحضاري (4). لقد كان التخلف الحضاري قاسيا جدا تخلى فيها أصحاب الحضارة عن حضارتهم. قد يكون ذلك منطق التاريخ و لكن سرعة الهبوط ما هي إلا مؤشر على بداية تولد حالة من القصور الذاتي الذي اخذ يفعل فعلته.

خلال القرن التاسع عشر ظهرت بعض ملامح مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد التخلف. و هذه المرحلة الآن في قمة شدتها. بعض المفكرين من تلك الفترة أطلقوا عليها "مرحلة النهضة" و لكن هذه تسمية مبالغ بها لان مطلقيها لم يكونوا على دراية بعمق التخلف الحضاري و تأثيراته الاجتماعية. لقد ظن البعض من النخب المتعلمة أنهم الآن في طريق النهوض و استخدموا النهضة شعارا فكريا و سياسيا و اجتماعيا.  إن هذه المجتمعات هي الآن ابعد ما تكون عن هذه النهضة. المرحلة الحالية هي ابعد ما تكون عن مرحلة اليقظة الاجتماعية  إنها مرحلة ما بعد التخلف. و ملامح هذه الفترة واضحة جدا. و ما المشاكل الاجتماعية و السياسية و الدينية .... إلا دليل على التخبط العصري الذي تعيشه المجتمعات العربية الإسلامية.

ما يزال المفكر و النخبة بعيدان عن المؤسسة الاجتماعية العربية الإسلامية و ما يزال كلاهما في صراع في البحث عن هوية. إن الجذب التاريخي للماضي التليد يشكل عائقا حضاريا خطرا. حيث لا يمكن تقبل التحديث الغربي و في ذات الوقت ليست هناك إمكانية لإيجاد البديل. على العكس من ذلك أخذت البعض من الشعوب البدائية مسيرتها نحو التحديث بخطى أكثر واقعية و عقلانية و ذلك من خلال التبني الجاهز لما هو موجود.

و إذ كان للحداثة أبعادها و مميزاتها و كذلك الحال لمن يرى في ما بعد الحداثة مرحلة متميزة جديدة فان مرحلة ما بعد التخلف تتميز بمجموعة متصارعة من المميزات المتناقضة منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- التناقض الظرفي

2- عدم الوضوح و التخبط في اتخاذ القرار

3- التطرف باتجاهين متناقضين

4- سطحية البناء و النزعة المظهرية.

5- عدم القدرة على التمييز مابين الظرف الحاضر و الماضي.

6- صعوبة الاستجابة السريعة و التكيف

7- عدم القدرة على التجريب الاجتماعي

8- الخوف من الاخر و الشك به

9- الفرق الشاسع مابين النخب الفكرية و المجتمع

10-عدم وضوح الهوية او انعدامها او عدم الاتفاق عليها

لاشك في ان المجتمعات العربية الإسلامية تعاني بشدة و بأكثر مما عرضناه من مشاكل . انه الاغتراب الزمني. ان خراب كهف الزمن يصعب إصلاحه.

لقد تناول الكثير من الباحثين العرب مشكلة التخلف العربي كل من منظاره الخاص. و لكن التخلف و مرحلة ما بعد التخلف تحتاج الكثير من الدراسات و التشخيص الدقيق للعلل لكي تكون هناك مرحلة نهوض.

الحداثة ليست باستيراد أو التعامل مع أجهزة صنعها مجتمع لحاجته و يتم استيرادها. للحداثة جذور و ليس غطاء سطحيا يمكن التلحف به. أو قشره يمكن التدرع بها.

ما يزال الطريق طويلا للوصول الى مرحلة النهوض و التحديث. حيث لم تغادر هذه المجتمعات بعد مرحلة ما بعد التخلف. قد يجد البعض وصف التخلف و ما بعد التخلف وصمة معيبة كما قد يجد البعض وصمة المرض على إنها معيبة و هذا ما هو مألوف في تلك المجتمعات. إن التخلف حالة واقعة لا تختلف في شيء عن المرض و المريض الذي لا يدرك حالته المرضية لا يبحث عن الشفاء.

و كما تتجلى ظاهرة ما بعد الحداثة في جوانب إبداعية و فنية مختلفة مثل الموسيقى والأدب و العمارة كذلك تتجلى في مرحلة ما بعد التخلف ظواهر إبداعية متناقضة. وما قد يمثل شاهدا إلا المسير في أي عاصمة عربية حتى تجد التصارع المعماري في البناء و في قاعات عرض الفنون التشكيلية أو أو . التصارع بين التبني الغربي المعاصر و الموروث القديم المستهلك. في مرحلة ما بعد التخلف لا يوجد إبداع عربي إسلامي معاصر إلا ما ندر.

هناك ألان محاولات للانسلاخ من الماضي المظلم على مختلف المستويات الفكرية و الفنية والسياسية. و لحد ألان لم يحسم الصراع. إنها ولا شك  مرحلة ولادة عسيرة و خطرة. هل ستستطيع هذه المجتمعات إن تجد طريقها المتميز دون إمكانيات أو قدرات تكنولوجية ذاتيه في مواجهة إمكانيات هائلة غربية؟ أم ستنكفي لتعود أدراجها وتبقى في حالة ضعف مستمر؟ أم ستقبل الواقع و تتأقلم مع القوة الغربية و تقبل العصر الغربي؟ هذه اسئله مرحلة ما بعد التخلف وبعد الإجابة ستبدأ مرحلة النهوض.

 

المصادر

1-M. I. Sanduk , Philosophy of Technology, Philosophica, No. 1 Vol. V (2003) Bayt-Al Hikma

http://www.3almani.org/spip.php?article3415

 

2-محمد عزالدين الصندوق "البعد الرابع و تصادم الحضارات" جريدة الزمان 2004 و يمكن الاطلاع عليه في:

http://www.3almani.org/spip.php?article3308

 

3- محمد عزالدين الصندوق "التناقض الظرفي و التخلف و ما بعد التخلف" يمكن الاطلاع عليه في:

http://www.3almani.org/spip.php?article4640

 

4- محمد عزالدين الصندوق " مشكلة التاريخ في الحاضر العربي" يمكن الاطلاع عليه في:

http://www.3almani.org/spip.php?article3289