



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
مبادئ العقل وقيمه
(أو دلالات التجاوز النقدي للسنتين العبرانية واليونانية)
أبو يعرب المرزوقي
وليكن تحديد مبادئ العقل والنظر ومبادئ الشرع والعمل في صيغتهما التامة بعد حصول التكامل بين الفلسفتين اليونانية والعربية خاتمة هذه المحاولة نلخصها بصورة موجزة تساعد على إدراك ما طرأ في الفكر الإنساني بفضل النقدين الديني والفلسفي اللذين حدثا في فكر الحنيفية المحدثة.
تمهيـد:
كيف نفهم الدور الذي أداه فكر المسلمين ببعديه الكلامي والفلسفي في تحقيق الشروط التي جعلت تجاوز الفكر القديم ببعديه الديني (بحسب التقليد العبراني) والفلسفي (بحسب التقليد اليوناني) أمرا ممكنا؟ يقتضي طلب الجواب أمرين: الأمر الأول هو صياغة الإشكالية الفلسفية والإشكالية الدينية الأساسيتين اللتين كانتا مناط الخلاف بين السنتين المتقدمتين وهذا الفكر. والأمر الثاني هو اختيار منهجية البحث والاستدلال التي تمكن من فهم الصلة بين دور الفكر النقدي وما طرأ على الإشكاليتين من تغير بمقتضى ما حصل فيهما في الحقب اللاحقة.
الأمر الأول: الإشكاليتان الأساسيتان
يقبل هذا المطلب الصياغة الفلسفية في المسألة التالية: إذا كان جوهر إشكاليات الفلسفة القديمة، أعني بعدي ميتافيزيقاها الوجودي والمعرفي، راجعا إلى مبادئ العقل، فهل يمكن الاقتصار على مبادئه الثلاثة المعهودة (الهوية المطبوعة للوجود وعدم التناقض والثالث المرفوع للمعرفة) لفهم ما طرأ في تاريخ النظريات الفلسفية الوسيطة والحديثة ثم في ما نراه يحصل في الفلسفة المعاصرة دون ربط هذه المبادئ بما يماثلها في جوهر إشكاليات الشرع عامة منزلا كان أو وضعيا (الخلقة أو الهوية الموضوعة والترجيح والتحقيق) وما طرأ في نظرية القيم وتاريخ المعتقدات الدينية الوسيطة ثم الحديثة والمعاصرة؟
الأمر الثاني: منهجية البحث والاستدلال:
نسلم سلبا بامتناع ذلك، ونبرهن عليه بصورة غير مباشرة من خلال إثبات الفرض الإيجابي الذي نعتمد عليه. فالتفاعل أو التلاحم الحي بين الفكرين الديني والفلسفي منذ امتزاجهما في المرحلة الهلنستية وكما بدا واضحا في المدرستين العربية واللاتينية يمكن أن يكون السبيل المثلى لفهم هذه الإشكالية فهما يطابق التاريخ الفعلي لاكتشاف مبادئ العقل وقيمه في صلتهما بمبادئ الشرع وقيمه. لذلك فسنطرد هذه الفرضية على ما تأخر عن المدرستين، لكون هذه الخاصية تأكدت في الفلسفة الحديثة (عند ديكارت ولايبنتس خاصة) والمعاصرة (منذ المثالية الألمانية إلى الآن). وسنرى أن هذا الطرد يساعد كثيرا على فهم تاريخ الفكر الفلسفي وخاصة الثابت من إشكالاته في حقبه الأربع (القديمة بمرحلتيها "اليونانية والهلنستية" والوسيطة بمرحلتيها "العربية واللاتينية" والحديثة بمرحلتيها "العصر الكلاسيكي وعصر الأنوار" والمعاصرة بمرحلتيها "من كنط إلى نيتشه ثم من نيتشه إلى الآن")، إذ هو يخلصنا من المقابلة الظاهرية بين الفكر الفلسفي والفكر الديني من حيث الجوهر، رغم عدم نفي تمايزهما بل وتنافيهما في تعينهما الوجودي.
تعليل الخيار المنهجي تاريخيا ومفهوميا:
فلا يمكن أن نفصل بين تاريخ هذين الفكرين فصلا ينافي دلالات وقائعهما العميقة، خاصة وقد أصبحت هذه المقابلة أمرا لا يصدقه أحد ممن يعلم أسس الفكر الحديث والمعاصر في الفلسفة وفي تاريخ الفكر الديني سواء اقتصرنا على الأديان الطبيعية أو ضممنا إليها الأديان المنزلة منذ سيطرة المثالية الألمانية. فسعي الفكر الفلسفي إلى التعالي على الممارسات النظرية والعملية والجمالية في مستواها الأول (ومعها التقويم الجهوي والشهودي) بحثا وراءها في وحدة مبادئها الأخيرة يحول دونه والطابع الفلسفي الخالص المنافي لما يمكن أن نعتبره ذا مصدر ديني، لكونه لا يمكن أن يبقى منتسبا إلى الفكر العلمي الذريعي مهما أضفى أصحابه على إطلاقه الميتافيزيقي من شكل القول العلمي الخارجي. إنه ينقلب في الحقيقة إلى فكر ديني طبيعي متردد بين الجحود والشهود: وذلك هو جوهر الميتافيزيقا بمعنييها الأفلاطوني والأرسطي ومنذ محاولاتهما إلى الآن.
نحاول، انطلاقا من هذه الفرضية التي أثبتنا بعض أسسها في غير هذا الموضع والتي تؤكدها هنا النتائج التي سنصل إليها، فهم إشكالات الفكر الفلسفي الأساسية التي ترجعها إلى مسألة الفلسفة الجامعة أعني مسألة مبادئ العقل النظري وقيمه من خلال صلتها بإشكالات الفكر الديني الجوهرية وإشكالاته التي نرجعها إلى مسألة الشرع الجامعة أعني مسألة مبادئ العقل العملي وقيمه اعتمادا على تجربة علم الكلام العربية مع الفلسفة اليونانية عامة والأرسطية خاصة وما بقي من هذه التجربة في الفلسفة الحديثة والمعاصرة بتوسط المدرسية اللاتينية وبقاياها في فكر النهضة وفكر العصر الكلاسيكي. وقصدنا من هذه المحاولة تحديد دور الانقلاب الروحي الذي أحدثه الفكر العربي ببعديه الكلامي والفلسفي أو ما سنصطلح على تسمية وحدته التي اكتملت عند ابن سينا والغزالي بفلسفة الحنيفية المحدثة بوصفها تجاوزا فريدا للتقابل بين كلام أسمى الأديان الطبيعية (الميتافيزيقا اليونانية في الأفلاطونية المحدثة) وأسمى كلام الأديان المنزلة (الكلام المسيحي الشرقي في التوراتية المحدثة: العهد الجديد)، إذ اكتملا فتخلصا مما وصفه منها هذا الكلام بالتحريف الجحودي.
تعليل خطة البحث المتبعة:
لما كانت أم المسائل الفلسفية هي مسألة مبادئ العقل والنظر (عدم التناقض والثالث المرفوع والهوية بما هي طبيعة) وأم المسائل الدينية هي مسألة مبادئ الشرع والعمل (الترجيح والتحقيق والهوية بما هي شريعة) وكانت كلتا المسألتين الأم تلتقيان في بؤرة خلافهما الظاهري أعني في نظرية القيم، فإن إثبات التفاعل الحي بين الفكرين الفلسفي والديني والتمازج الفاعل بين التاريخين الفلسفي والكلامي، التفاعل والتمازج اللذين نتسلمهما فرضا في بداية المحاولة سيكونان ثمرتها في الغاية، إذ هما يؤديان إلى فهم المسألتين في ضوء ما حققه فكر الحنيفية المحدثة من تجاوز لإطلاق المقابلة بين أساس مبادئ العقل والنظر، أعني نظرية الطبائع والتحليل، أساسها المستند إلى سببية الضرورة الطبيعية فيها (الفلسفة بما هي دين طبيعي جاحد) وأساس مبادئ الشرع والعمل، أعني نظرية الشرائع والتأويل، أساسها المستند إلى سببية الحرية الخلقية فيها (الدين بما هو دين منزل جاحد)؟
والمعلوم أن مضمون فكر الحنيفية المحدثة الإيجابي يكاد يقتصر دورانه على علاج الإشكاليات التي يطرحها هذا الموقفان الإطلاقيان، موقف الطبائع الضرورية النافية للشرائع وموقف الشرائع الاختيارية النافية للطبائع، في سعيه إلى إدراك الوحدة الجوهرية المتعالية على المقابلات الجحودية بمحاولة التخلص من الرد الاختزالي بين الطبيعي والشريعي. بل إن مدارسه تقبل التصنيف بحسب الانتساب إلى هذا الموقف أو ذاك وبحسب نفي هذا الموقف أو ذاك. لذلك فهذا الفكر قد تميز بصفتين تمثلان علامتين على مطابقة شكل الفكر الديني كما فهمه من الرسالة المحمدية لمضمونها في صياغة خصائصها الجوهرية عند مدارس هذا الكلام والفلسفة بعد استكمال تأصيلها. وهما صفتان لا يمكن أن ينكرهما أحد لكونهما أتتا صريحتين في أهم نصوص الرسالة المحمدية:
الأولى هي الاعتقاد الصريح في التوحيد بين الدين الطبيعي الأسمى (الذي لا يستثني الشرائع) والدين المنزل الأتم (الذي لا يستثني الطبائع) لكونه دين الفطرة كما تحدده آية الميثاق بين الله وأبناء آدم وهم في ظهور آبائهم.
الثانية –وتنتج عن الأولى- هي الاعتقاد الصريح في ختم الوحي أو نهاية التنزيل لكون المجرى الطبيعي للخلق يتحد فيه التاريخي والطبيعي اللذان لا يتقابلان إلا من المنطلقين الجحوديين اللذين تستند إلى أولهما الطبيعة النافية للشريعة وإلى آخرهما الشريعة النافية للطبيعة.
وبذلك فإن علاج هذه الإشكالات في ضوء ما قدمناه من فرضيات عمل ومعطيات مبدئية يقتضي فحص المسألتين التاليتين في مقالتين أولاهما تعالج منطق مبادئ العقل والنظر ومنطق مبادئ الشرع والعمل ومراحل اكتشافهما، والثانية تفحص المنبع الوجودي الذي تصدر عنه المشكلات والتوازي الحاصل بين المبادئ بنوعيها والقيم التي يستند إليها القول الفلسفي والديني. ويكتمل إدراك وحدة المسألتين بفصولهما الأربعة في فصل أخير يبين دلالة التداخل بين الإبداع التاريخي السياسي وما يتضمنه من علم نظري وعملي أساسيين للحضارة المادية والإبداع الرمزي الجمالي وما يتضمنه من ذوق روحي وجمالي أساسيين للحضارة الرمزية وصلتهما بظاهرة جديرة بالتنويه تمثلت في اعتماد الإعجاز الفني آية للدين الفطري الخاتم كما تصوره الفكر الحنيفي المحدث. فتكون مسائل المحاولة بذلك قابلة للتصنيف على النحو التالي:
المقالة الأولى: منطق مبادئ العقل والنظر في الفلسفة ومبادئ الشرع والعمل في الكلام وتاريخ اكتشافهما
الفصل الأول:منطق المبادئ
الفصل الثاني: مراحل الاكتشاف
المقالة الثانية: منبع الإشكالين العقلي النظري الغالب على القول الفلسفي والشرعي العملي الغالب على القول الكلامي وتوازي المبادئ والقيم من المنطلقين.
الفصل الثالث: منبع الإشكاليتين
الفصل الرابع: التوازي بين المبادئ والقيم
الفصل الأخير: دلالة التداخل بين الإبداعين وصلته باعتماد الدين الفطري الإعجاز الفني آية ودليلا.المقالة الأولى: منطق مبادئ العقل والنظر في الفلسفة ومبادئ الشرع والعمل في الكلام وتاريخ اكتشافهما
الفصل الأول: منطق إشكاليتي المبادئ
اكتشفت الفلسفة اليونانية في ذروة ميتافيزيقاها مبدأي: عدم التناقض والثالث المرفوع بوصفهما مبدأي عقل ونظر، دون الإشارة الصريحة إلى وظيفتهما الشرعية (بالمعنى العام للشرائع كما هو الشأن في كتاب الشرائع لأفلاطون وليس بمعناها المحدد في الأديان المنزلة فحسب)، رغم استعمالهما في الفلسفة العملية. فهي قد اكتشفتهما من منطلق نظرية الطبائع أعني من اعتبار الذوات ذوات طبائع مقومة حاصلة وثابتة تنبع منها كل قابلياتها الفعلية والانفعالية، دون اعتبار لدورهما في نظرية الشرائع والعمل. وذلك هو مبدأ الهوية في صياغته الأولى بمعنى الطبيعة غير الحادثة وغير الفاسدة لكونها باقية هي هي ومختلفة بالطبع عن المواضعة الشرعية.
وقد ظلت هذه المبادئ محافظة على هذا المعنى إلى أن زعزعتها محاولات الكلام والفلسفة في المرحلة العربية الإسلامية بعد اندماجها فيه عند بلوغهما الذروة في فلسفة ابن سينا وردود الغزالي عليها. وكان أساس هذه المراجعة ما يمكن أن نسميه بنظرية الشرائع والخلقات قبالة نظرية الطبائع والهويات. فالكلام والفلسفة سعيا في اللحظة العربية الإسلامية إلى تحرير العقل من التقابل بين الفلسفة المستندة إلى النظرية الأولى والدين المستند إلى النظرية الثانية تخليصا للأمرين من الإطلاق الذي يجعلهما جحوديين: فناظر القول بالتحريف الديني الذي بنى عليه الإصلاح المحمدي نقد التجربتين اليهودية والمسيحية ما يمكن أن نصطلح على تسميته بالقول بالتحريف الفلسفي الذي بنى عليه الفكر العربي نقد التجربتين الأفلاطونية والأرسطية. ورغم أن هذا الفكر لم يكن، في هذه المحاولات، صريح القصد في انتهاج موقف نظير للموقف النقدي من التجربة الدينية، فإنه قد تمكن من نقد التجربة الفلسفية المتقدمة واكتشف مبدأين يتممان مبدأي عدم التناقض والثالث المرفوع ويعدلان مبدأ الهوية الطبيعي بمبدأ الخلقة الشريعي، هما مبدأ الترجيح والتحقيق من منطلق نظرية الشرائع.
ذلك أن كون الشيء هو ما هو ليس بالضرورة طبيعة، بل يمكن أن يعتبر حكما أو اختيارا أمريا من جنس التكييف الحقوقي المحدد للأمور شرطا في تطبيقها على النوازل الفقهية أو القضائية عند تكييفها بمقتضى الحدود الفقهية أو القانونية، مثل تحديد الجنح أو الجرائم في النص المشرع ووصف الأفعال في القضاء. ولا يستوجب ذلك نفي الطبائع –التي قد يسلم بوجودها وينفي علمها أو الحاجة إليها- لكون الأحكام رغم طابعها الوضعي ليست تحكما، بل يمكن أن نتصور المشرع كاتبا على نفسه احترام المبادئ التي يشرع في ضوئها. فللتشريع درجتان: تشريع للتشريع (كالدستور مثلا) ثم التشريع للأمور الأخرى (كباقي القوانين مثلا). فيكون الترجيح والتحقيق ثابتين ما ثبت تشريع التشريع لكونهما سنة يمكن أن تكون ثابتة فلا نجد لها تبديلا أو تحويلا، كما هو الشأن عندما يكون المشرع كاملا. وبذلك أمكن للفكر العربي التخلص من التنافي بين الشرائع والطبائع بوضعه مفهوما جديدا هو مفهوم الخلقة الأمرية التي تجعل الموجود ضربا جديدا من الهوية يمكن اعتبارها"مؤسسة أو بنية وجودية أصلية" (Ontologische Urstiftug) ذات تاريخ له بداية وغاية وتطور دائم. وينتج عن ذلك نفي كل إطلاق لعلمنا بها، لكون هذا العلم يبقى دائم الانفتاح بقاءها هي دائمة الصيرورة. لا وجود لعلم تام ومطابق إلا عند الباري. وذلك هو أساس الحاجة إلى مؤسسة رئيسية في نظرية المعرفة الناتجة عن هذا التصور أيا كان مجال انطباقها، الطبيعة أو الشريعة، مؤسسة متحررة من العلم العقلي المطلق ومن العلم اللدني المعصوم، مؤسسة بديل من السلطان الروحي سواء استند إلى الميتافيزيقا (الفيلسوف الملك أو الرئيس) أو إلى المعرفة اللدنية (الإمام أو القطب): مؤسسة الاجتهاد الإجماعي.
ذلك هو مبدأ الهوية في مفهومه الجديد: ليس للأشياء من ذاتها طبائع بل لها خلقات أو أحكام. وهذه الأحكام ليست تحكما، بل هي خلقات ذات حياة وتاريخ قصديين حتى وإن كان القصد من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. وبين أن مبدأ الهوية لم يصبح مبدأ حيا وحركيا بحق إلا بفضل تخليص التصور الديني منه لئلا يستمد الهوية من الطبائع المظنونة ضرورية وبفضل تخليص التصور الديني منه لئلا يستمدها من الشرائع المظنونة تحكمية. فتتخلص النظرة الفلسفية من الضرورة (من هنا نفي السبيبة في الطبيعة). وتتخلص النظرة الدينية من التحكم (من هنا نفي القدرية في الأخلاق). وإذن فبوسعنا أن نقول إن: مبدأ الهوية التام اكتشاف مشترك بين اليونان والمسلمين. فاليونان سعوا إلى التعالي على التحكم الوضعي الشرقي الأول، أعني "المصري-البابلي"، الذي رفع السياسة إلى مقام الدين الطبيعي (إطلاق التحكم الدنيوي ليصير حقيقة دينية تطلق الواقع السياسي فتضفي عليه شرعية مقدسة). وقد استند هذا السعي إلى التعالي عند اليونان إلى نظرية الطبائع وعلمها النظري الذي يخلص الإنسان من تحكم السلطان الزماني. والمسلمون سعوا إلى التعالي على التحكم الشرقي الثاني، أعني "اليهودي-المسيحي"، الذي حط الدين المنزل إلى السياسة الطبيعية (سيادة الدين الذي يطلق التحكم الأخروي ليصير سياسة دنيوية مطلقة أو ليقطع معها لاتصافها بهذه الخاصية، والأمر سيان كما سنرى). وقد استند هذا السعي إلى التعالي عند المسلمين إلى نظرية الخلقات أو الأحكام غير التحكمية وإلى علمها الاجتهادي الذي يتعالى على تحكم السلطان الروحاني، مع تعديل الإصلاح الأول في ضوء الإصلاح الثاني. من هنا كانت وحدة السياسي والديني المتقدمة على التقابل بينها تقابلا يلجأ إلى الرد المتبادل أو إلى التنافي المطلق. وكلاهما من جنس واحد.
ومبدأ الهوية لا يكون تاما إلا إذا نظرنا إليه من مدخليه فاعتبرنا معنييه الطبيعي والشريعي المعدلين هذا التعديل، أعني معنييه المتخلصين من الاستثناء المتبادل. فالهوية ليس طبيعة حاصلة ولا ضرورية خلافا لما يتصورها عليه اليونان لاقتصارهم على ما يخيل إليهم من ثبات في الطبيعة ينفونه بمجرد تصور علمهم إياها مطابقا لها إلا إذا بات هذا العلم ثابتا هو أيضا لا يتطور ولا ينمو، بل هي "مؤسسة" قابلة للتحصيل كما يتبين ذلك من صيرورة الشريعة وصيرورة علمها. لكن التحصيل ليس تحكميا كما يتصوره محرفو الدين المنزل. وإذن فمبدأ الهوية قد كان بحاجة إلى اكتشاف جديد لم يحصل إلا بفضل نقد الفلسفة العربية بطوريها الكلامي الخالص ثم الكلامي الفلسفي للفلسفة اليونانية.
وقد حدث هذا الاكتشاف الجديد على مرحلتين: إحداهما نفت عن الهوية القيام الذاتي دون التحديد الماهوي (القيام بالذات فحسب لإثبات الشيئية حين عدمها) والثانية نفتهما معا (الشيئية والوجود). وما كان ذلك ليتحقق للحضارة العربية الإسلامية من دون وضع مبدأ الترجيح بدرجتيه: ترجيح هيئة الموجود من بين الهيئات الممكنة اللامتناهية وتلك هي الهوية المتقدمة على الوجود ثم ترجيح الوجود على العدم لتساوي الأمرين عند البارئ. فالقدرة وحدها لا تكفي للأمرين خاصة عندما تكون مطلقة، لكونها تتساوى عندها الأمور. وإذن فلا بد من الإرادة لترجيح أحد المتماثلين بالإضافة إليها، إذ بالنسبة إلى الرب هيئات الموجودات متماثلة ووجودها وعدمها متماثلان في بداية الخلق الممكن. وإذن فترجيح بعض الهيئات التي يكون الموجود عليها دون سواها وإيجادها يحتاجان إلى علة مرجحة تصطفي كيفها الماهوي وتختارها للخلق في أحد العوالم لتوجدها فيه. وقد صاغ لايبنتس هذا المبدأ فيما بعد تحت اسم العلة المرجحة أو العلة الكافية Raison suffisante واعتبره مبدأ واحدا، جمعا بين الوجهين دون تمييز في التسمية رغم تمييزه البعدين في العلاج وتقديمه حسن خيار الإيجاد على حسم خيار الماهية.
والمعلوم أن ازدواج مبدأ الترجيح هو الذي يعلل الفصل بين الماهية والوجود. لذلك فلا بد من أن نضيف مبدأ خامسا بمجرد تحليل صياغته التي وضعها الكلام الإسلامي انطلاقا من الجدل المثمر بين الكلام الاعتزالي والكلام الأشعري. ذلك أن هذا المبدأ قد كان ذا صيغتين مختلفتين توجبان تحليله إلى عنصريه وربطه بتصور جديد للهوية. فالترجيح الذي اعتبر مبدأ واحدا هو العلة الكافية لم يختزل هذا الاختزال إلا لأنه اعتبر علة إيجاد تام يجمع بين الماهية والوجود. لكنه قد يكون ترجيحا تاما للماهية أو للكيف الماهوي Die Wascheit غير مصحوب بالإيجاد أو بالإنية Die Dassheit، أعني ترجيحا لتحديد معين للماهية دون إيجاده فلا يتحقق الأمر الذي تم ترجيحه. فهو قد يقتصر على تصور هيئة معنوية ما تكون هوية تصورية ذات موضوعية مادية في القصدية المدركة بالمعنى الديكارتي في ثالثة تأملاته، Objectivité matérielle لا غير. وتلك هي الموضوعية القصدية أو المعنى الذي يتوجه إليه الذهن فيحدد الهوية أو مقومات الذات القائمة بالقصدية قبل مدها بالموضوعية الصورية أو الوجودية Objectivité formelle إذا جاز لنا استعمال المصطلح المدرسي اللاتيني كما عممه ديكارت مرة أخرى أو القيام بالذات الناتج عن حصول الإيجاد الذي يضيف إلى الموضوعية القصدية الموضوعية الذاتية أعني القيام بالذات: وتلك هي المقابلة بين الماهية وجودا بالعناية في معناها السينوي والآنية وجودا بالطبيعة بنفس المعنى. ويمكن أن نصطلح على ترجيح تحديد الماهية باسم القدر. أما ترجيح تحقيق الآنية فهو ما يمكن أن نصطلح عليه باسم القضاء. وليس ضروريا أن يكون الأمران متميزين في الحصول الفعلي، بل المهم أنه يقبلا التمييز المنطقي، كما نوه إلى ذلك ابن سينا عديد المرات. وهذا كاف لتحديد المبادئ.
لذلك فإن إضافة مبدأ خامس تعد أمرا ضروريا: إنه مبدأ التحقيق، أعني المبدأ الذي ينقل الأشياء من القيام المقصور على موضوعية القيام بالقصد Objectivité intentionnelle إلى موضوعية القيام بالذات Objectivité essentielle ou réelle. فتصبح المبادئ بذلك خمسة: 1) الهوية بمعناها المؤسسي أو الحكمي لا الطبيعي، 2) عدم التناقض، 3) الثالث المرفوع، 4) الترجيح أو التحديد القصدي، 5) التحقيق أو التحديد القيامي. والمعلوم أن ازدواج تصور الهوية الجحودي (الطبيعة) والشهودي (المؤسسة) لا يجعلانها مبدأين، إذ أن كل المفهومات تصبح مزدوجة إذا قبلنا بالتنافي بين مبدأي الترجيح والتحقيق من جهة ومبدأي الثالث المرفوع وعدم التناقض من جهة ثانية، لكون المبادئ عندئذ تصبح جميعا قابلة للقراءة إما من أصل اكتشافها الأول أعني من الطبائع فيرد مبدأ الترجيح والتحقيق لمبدأ الثالث المرفوع وعدم التناقض لتكون الهوية طبيعة، أو من أصل اكتشافها الثاني أعني من الشرائع فيرد مبدأ التناقض والثالث المرفوع إلى مبدأي الترجيح والتحقيق لتكون الهوية شريعة.
فالثالث المرفوع وسط ضروري يقبل بإطلاق عند القراءة من الطبائع بداية إلى الشرائع غاية فيقع الوقوف عنده. ويقبل بإضافة عند القراءة من الشرائع بداية إلى الطبائع غاية فلا يقع الوقوف عنده. ذلك أن المرء، عند التصور أو الفعل، يكون ما يتعلق به تصوره أو فعله أمرا يتوجه إليه انتباهه أو عنايته وكل ما عداه أمور لا يتوجه إليها قصده. فإذا وجد أمر ثالث –وهي وضعية ممكنة في حالة التحرر من الجحود بالشهود والانتقال من التردد بين الوجوب والامتناع إلى الإمكان –امتنع على الفاعل أن يعزم على الفعل أو على التصور حقا (بشرط اعتبار أمر الاختيار بين الإرادة والكراهة محسوسا وهو ما يغني عن المبدأين الأخيرين) فيكون عندئذ في وضعية لم يصل فيها بعد إلى بداية العزم على تصور محدد أو على فعل محدد.
وعندئذ يكون الأمر خاضعا لمنطق آخر، هو منطق الاختيار لتحقيق العزم. وتلك هي علة المبدأ الخامس (التحقيق) الذي يحدد معنى المبدأ الرابع (الترجيح) فيصبح شرطا في الاثنين الأولين ولا تكون الهوية هوية-طبيعة إلا إذا استوجبتها حالة خاصة هي حالة الفعل مع اعتبار إشكالية الاختيار أمرا محسوما دون اختيار. وإذن فالعزم على الفعل أو التصور يتقدم عليه شرطان يجعلان الهوية الترجيحية هوية-شريعة: عدم التناقض ليكون العزم متصلا ثم تحديد الهوية ليتعلق العزم بأمر محدد. وينبغي أن يتلوه شرطا وجوده الأول الذي يتكرر إلى ما لا نهاية وضعا ونسخا، لكون الفعل مشروطا دائما بما يشبه التشريع وضعا ونسخا بالتوالي إلى ما لا نهاية. ففي مجال وضع المبادئ نفسها أو العمل بها لا بد من الترجيح. وشرطه تجاوز كل الحدود إلى المطلق ليبقى باب العزم على التصور والفعل مفتوحا بإطلاق، فلا يتحول ما حصل منه إلى نهاية ليس بعدها من تطور: وعندئذ يصبح الكلام متصلا بمستوى تشريع التشريع الذي مثلنا له بوضع الدساتير. فلو تصورنا الدساتير غير قابلة للتغيير لأصبحت الشرائع طبائع.
الفصل الثاني: مراحل الاكتشاف
إن لاكتشاف المبدأين الأخيرين في الحقبة العربية الإسلامية من تاريخ العقل الإنساني المبدأين اللذين غيرا معنى المبادئ الأخرى بتحديد شروط وجودها نفسها مجرى طويلا يساعد على فهم منبع إشكالية ضربي المبادئ "العقلية-النظرية" و"الشرعية-العملية" ووحدتهما الجوهرية في فلسفة تتجاوز التقابل بين الطبيعة والشريعة استنادا إلى تصور روحي لا يفصل بين الشكل الأرقى من الدين الطبيعي والشكل الأسمى من الدين المنزل توحيدا لهما في مفهوم الدين الفطري الخاتم:
1 – الاكتشاف الاعتزالي الفاصل بين الذات والوجود وهو فصل تبنته الفلسفة العربية في صيغتها الأتم، أعني في الصيغة السينوية: ترجيح نقل الذات من الإمكان المحض إلى الوجود أو إبقائها على العدم. فالذات تكون بمقتضى نظرية شيئية المعدوم أو الكيف الماهوي المحدد والمتقدم على الوجود ثابتة في حالة العدم ثبوتها في حالة الوجود. فيقتصر الترجيح عندئذ على ترجيح الوجود أو الإنية على العدم بما هو عزم أو إرادة الانتقال من عدم إيجاد الذوات الثابتة في العدم إلى إيجادها. ولا يتقدم عليه تحديد الماهية بتعيين هيئتها قبل نقلها من الثبوت العدمي إلى الثبوت الوجودي، لكون الماهيات اعتبرت ثابتة في العدم، ما دام الكيف الماهوي غير مخلوق. وإذن فالمعتزلة قد أغفلت وجها أولا من الترجيح يتعلق بتغير يحصل في ذات الفاعل الذي يوجد تصور الموجود أو "يمهيه" في ذاته قبل تحقيقه خارج ذاته في قيام مستقل عنه. الوجه الذي أغفلته المعتزلة يتعلق بأمر استثنته عندما تصورت الذوات قائمة في العدم واقتصرت على التغير الذي ينقلها إلى الوجود متناسية التغير الذي يضفي التعين الماهوي على ما يريد الفاعل إيجاده، أعني حاجة الأمور إلى التمهية سواء ساوق ذلك الإيجاد أو ولاه. وهي مضطرة لذلك بحكم نفيها التمايز بين الذات والصفات: فلو تصورت غير ذلك لكان من الواجب أن تضفي على صفة العلم كثافة وجودية تفصلها عن الذات.
والنقلتان متشارطتان. التمهية شارطة للإيجاد اللاحق (في الوجود الطبيعي) ومشروطة بالإيجاد السابق (في الوجود العنائي). ولا بد إذن للقدرة الخالقة من أمرين: ترجيح الماهية ثم ترجيح الوجود. والعزم الترجيحي التام يضيف إلى الترجيح التصوري في ذات الفاعل الترجيح الفعلي في قيام المفعول قياما مستقلا. وإذن فالأمر يتعلق بالعلم القادر ليس فقط على التحديد التصوري بل وكذلك على التحقيق الفعلي الذي يجعل الشيء ذا قيام ذاتي غير قيامه في القصدية المتصورة. ومن دون ذلك لا يكون العالم إلا قياما تصوريا في العقل الإلهي ويصبح العالم مجرد أفكار إلهية.
2 – الاكتشاف الأشعري الواصل بين الماهية والوجود: لما كانت الأشعرية ترفض شطر الذات إلى ماهية ووجود بات من الواجب أن يكون فعل تحديد هيئة الموجود أو حقيقته هو عينه فعل إيجاده. لكن الثنائية عندئذ تنتقل لتصبح ترجيحا للحقيقة ملازما لترجيح الإيجاد لكونه شارطا إياه (إذ يمكن للشيء أن يكون على هيئات لا حصر لها ولا يحيط بها إلا العلم المحيط الذي يصطفي من اللامتناهي الممكن المتناهي الذي سيحصل في أحد العوالم الممكنة في حين أن الإيجاد متردد بين خليتين لا ثالثة لهما هما الفعل والترك). ترجيح الإيجاد أو التحقيق الفعلي في العالم المناسب ملازم لترجيح الهيئة المعينة التي يتم ترجيح إيجادها. وطبعا فالتلازم الذي نتحدث عنه لا يقتضي نسبة زمانية بين الأمرين. ما يهمنا هو تمييز العناصر المجردة التي يقتضيها ترتيب المعاني المنطقي. ولما كانت الهيئات المختلفة اللامتناهية التي تنتخب منها الهيئات المرجحة معلومة لصاحب الترجيح (لئلا يكون ترجيحه صدفة واتفاقا) بات الترجيح ذا وجهين:
الوجه الأول هو وجه القدرة المطلقة الموجدة للإمكانات اللامتناهية وخلق عوالم لا حصر لها ولا حد من الهيئات الممكنة للتمكن من الترجيح بينها واختيار بعضها دون البعض الآخر لأحد العوالم دون غيره. وذلك هو التقدير المستند إلى علم الله وقدرته اللامحدودين لكونهما مصدر الإبداع المطلق لكل ممكن قد يتقدم على القواعد العامة الضابطة للعوالم بحسب القصد منها. علم الله هو كل معلوماته الممكنة ولما كان علم الله لا متناهيا ومطلقا كانت المعلومات لا متناهية ومطلقة. ومن جنسها عمله.
الوجه الثاني هو وجه التحقيق الفعلي لعوالم منحازة بتناهيها ومتمايزة بتناسباتها لكون كل واحد منها ميسر لأمر قصد به (هو مستواه التشريعي الثاني أعني تشريع الأمر شرطا للتعايش بعد تشريع الخلق شرطا للإيجاد بلغة الحراني) في الخلق اللامتناهي الذي حصل في الأولى، خلق الهيئات المصطفاة لتكون ملائمة لهذا العالم أو ذاك، مثل عالم الإنسان أو عالم الحيوان أو عالم الأفلاك الخ... بعد خلق العناصر اللامتناهية المطلقة. والمعلوم أن العوامل الحاصلة فعلا هي بدورها لا متناهية العدد، إذ خلق الله لا يعلمه إلا هو. وليس العالم الذي نعيش فيه ونعلم منه بعض أبعاده إلا ذرة من هذه العوالم الممكنة والحاصلة التي لا حد لها ولا حصر. في التصور الاعتزالي لا يكون العالم المخلوق إلا واحدا لكون الأشياء المعدومة أو العالم المثالي أو الهويات القائمة في العدم إن صح التعبير واحدة. أما في التصور الأشعري فإن الحصول لا يستنفد الإمكان.
ولو صح لنا أن نقيس ذلك، للتقريب، باللغة الإنسانية مع فارق اللاتناهي في لغة الوجود بالمقابل مع تناهي لغتنا التي نعبر بها عن تجربتنا عنه، لقلنا إن الوجه الأول يماثل خلق منظومة حروف لا متناهية. والثاني يماثل خلق نصوص لا متناهية: كلمات الله. وكل عالم ليس إلا كلمة إلهية أو نصا من بين هذه النصوص اللامتناهية الممكنة. لذلك فإن المفهوم الوحيد الجامع بين الأمرين بما هما رموز هو مفهوم الآية: الآيات البسائط والآيات المؤلفة كلها لا متناهية. والبشر حباهم الله بالقدرة على شهود بعض ذلك دون القدرة على الإحاطة لكون الإنسان لا يدركها إلا بما هي إمكان مطلق بالقياس إلى إمكانه المحدود حتى بالقياس لما هو حاصل في علمه من الإمكان الأول. فالحصول الوجودي والإمكان أمر واحد بالنسبة إلى إرادة حرة لا نستطيع تصورها إلا عالمة بإطلاق وقادرة بإطلاق، دون أن نحكم في علمها وقدرتها ما نطلقه من قيم خلقية وقوانين عقلية إنسانية نسبية. لذلك كان الإمكان العقلي الإنساني دائما دون أدنى الموجودات، لكون كل واحد منها يفترض كل الإمكان الإلهي لكي يكون ما هو، إذ أن كونه ما هو ليس بالصدفة بل بالاختيار القصدي الذي بمقتضاه جعل في العالم المناسب له والذي نفترضه موجودا دون أن يكون لنا معلوما: وذلك هو القصد من نفي الغائية في الكلام الأشعري الذي هو ليس نفي الحكمة الإلهية بل نفي حصرها في ما يعتبره الإنسان حكمة. ومن دون هذه المسلمة لا يكون للإنسان القدرة الفكرية حتى ليجحده، إذ جحده يعني ملاحظة عدم الحصول الفعلي بالقياس إلى الإمكان العقلي: وذلك هو معنى التفاضل بين المثال والواقع.
فما من شيء تصورناه ممكنا إلا وكان ممكنا لكون العالم التصوري الإنساني كله متضمنا في الوجود الإنساني وهو دائما دون ما يقبل التصور بالنسبة إلى العقل الإنساني، فضلا عما هو حاصل فيه بما هو وجود متعين حدده الله بمقتضى علمه بالكل وجعله مناسبا للعالم الذي استخلف فيه الإنسان، مما يجعل الممكن الخيالي مهما جمح دون الممكن الوجودي الذي لا نحيط به علما بأسمى ما لنا من مدارك: وذلك هو القصد بطور ما وراء العقل عند الغزالي. وليست المبادئ بضربيها والقيم التي أشرنا إليها إلا ما يمكننا من ضبط متلاطم المحيط الإمكاني ضبطا يجعل حياتنا ميسورة فيحررنا من إدراك الإمكان إدراكا جحوديا ينقلب الإنسان بمقتضاه إلى صنم يؤله نفسه في الحلولية. لذلك فإن إطلاق المبدأين الثاني والثالث ومبدأ الهوية الناتج عنهما (المبادئ الثلاثة الأولى التي انحصرت فيها الفلسفة قبل الثورة التي حصلت بفضل الاستخلاف) الذي هو أساس الحلولية يميت الحياة ولا ييسرها. فهو يحول دون الأفق المنفتح فيبقي الإنسان في الحلولية المنغلقة التي تحصر الوجود المطلق في الإدراك الإنساني، في حين أن الإدراك الإنساني مهما سما فإنه يبقى دون الوجود الإنساني فضلا عن الوجود المطلق. ذلك أن الإنسان مهما علم لن يعلم إلا القليل من نفسه فضلا عن علم الوجود كله. لذلك فالمبادئ الثلاثة الأولى وحدها لا يمكن أن تكون إلا جحودية لكونها تستند إلى إطلاق الطبائع. وهي لا تصبح شهودية إلا بفضل المبدأين الأخيرين اللذين يغيران معاني الهوية فيجعلان جميع المبادئ ذرائع غير قابلة للإطلاق، فتخلصان الوجود من إطلاق الطبائع وإطلاق الشرائع في أصل عودة إلى أصل متقدم عليهما هو الخلقات الحكمية غير التحكمية. لذلك هذا الأصل غنيا عن التنافي الملجئ إلى التوفيق بالرد المتنادل.
المقالة الثانية: منبع الإشكالين العقلي النظري الغالب على القول الفلسفي والشرعي العملي الغالب على القول الكلامي وتوازي المبادئ والقيم من المنطلقين
الفصل الثالث: منبع الإشكاليتين
حددنا مبادئ العقل والنظر ومبادئ الشرع والعمل ومنطق اكتشافهما وتاريخه بصورة جملية. فلنحاول الآن استقراء ذلك لإثبات التطابق بينهما بوصفهما شروط الأفعال الإنسانية الفردية والجماعية ومعاييرها. وسيكون هذا الإثبات سبيلنا لبيان وحدة تاريخ الفكرين الفلسفي والديني واكتمال هذه الوحدة في فكر الحنيفية المحدثة الذي فحصنا علاجه لإشكالية الهوية الطبيعية والهوية الشريعية. فالمعلوم أن مبادئ العقل والنظر ومبادئ الشرع والعمل هي، في الحقيقة، شرط كل تقويم، أيا كان مداه سواء نسبنا إليه الإطلاق الجحودي فاعبترناه ذاتيا للأشياء كما يقول بذلك مثبتو التحسين والتقبيح العقليين من المعتزلة تحكميا لمبادئ العقل الإنساني ولمبدأ الغائية في الفعل الإلهي، أو نفينا عنه ذلك فاقتصرنا على التنسيب الشهودي واعتبرناه شرعيا كما يقول بذلك نفاة التحسين والتقبيح من الأشاعرة، رفضا لهذا التحكيم. ولا يعني ذلك نفي العقل بل نفي إطلاقه وجعله معيارا للوجود. ذلك أن التقويم يمكن أن ينتسب إلى موقف يطلق العلم والعمل الإنسانيين في الميتافيزيقا فيصح وصفه بالموقف الجحودي. ويمكن أن ينتسب إلى موقف لا يطلقهما فيها فيصح وصفه بالموقف الشهودي. وهذا الموقف بخلاف ذاك شارط للتعالي الذي يجعل المبادئ بضربيها العقلي والشرعي مواضعات ضرورية للاجتهاد الإجماعي الذي يحرر البشر من الإطلاق والصراع حول موضوعات القيم ومن ثنائية التحكم السلطاني فينتهي إلى ما اصطلح عليه ابن خلدون باسم عدم التأثيم في النظر والعمل: للتخلص من التحكم الروحي المستند إلى الحيلة والخديعة والتحكم الزماني المستند إلى العنف والفساد.
ومن اليسير أن نثبت أن مبادئ العقل بوصفها شروط النظر بالقصد الأول وشروط العمل بالقصد الثاني ومبادئ الشرع بوصفها شروط العمل بالقصد الأول وشروط النظر بالقصد الثاني ليست إلا قواعد الفعل والتعايش الإنسانيين. فهي أدوات تحقق الأفعال أيا كان مجالها وهي شرط تحقيق العيش السوي المستند إلى الاجتهاد الإجماعي أعني المؤسسة الفريدة التي ينبني عليها الشرع في غياب القول بالوحي المتصل أو بالسلطان الروحي المعصوم البديل منه في مجال علم الشريعة العملي وفي مجال علم الطبيعة النظري في غياب القول بالعلم العقلي المطلق. ذلك أن العلم النظري لا يمكن أن يكون أكثر من كونه تشريعا وضعيا في علم الطبيعة لا يقتصر استناده إلى مبادئ العقل الثلاثة المعهودة وحدها. بل هو يحتاج إلى مبدأين آخرين يجعلان المبادئ من جنس أحكام الفعل، إذ النظر لا يختلف في شيء عن كونه اجتهادا إجماعيا يتواضع عليه علماء الطبيعة مثله مثل التشريعات الأخرى. فعلم الشريعة -وهو أسمى من علم الطبيعة عند المتكلمين- لا يتجاوز هذه المنزلة، ومن باب أولى أن يكون الأمر كذلك في علم الطبيعة.
فيكون النظر والعمل بهذه "المبادئ-الأحكام" تشريعا مستندا إلى سلم قيم أرحب وأكثر طواعية ويكون ذا شرعية من نوع فريد. فهو يستند إلى ختم الإطلاق الميتافيزيقي (=عدم اعتبار مبادئ العقل والنظر مبادئ الطبيعة في ذاتها) ظرفا عاما لمبادئ العقل والنظر وإلى ختم الإطلاق الميتا تاريخي (=عدم اعتبار مبادئ الشرع والعمل مبادئ الشريعة في ذاتها) ظرفا عاما لمبادئ الشرع والعمل. وذلك هو التأويل الممكن لفهم ختم الوحي المصحوب بنفي السلطان الروحي المعصوم وفهم ما لازمه من تجاوز للتنافي بين الأديان الطبيعية التي تستنتج الشرائع من الطبائع (مثلما هو الشأن في الجمهورية والنواميس وآراء أهل المدينة الفاضلة) والأديان المنزلة التي تستنتج الطبائع من الشرائع توحيدا لمعايير النزر (مبادئ العقل) ومعايير العمل (مبادئ الشرع) بما هما تشريع من طبيعة واحدة يبقى علم الإنسان فيهما نسبيا دائما. فالتشريع المطلق لا يكون إلا جاحدا في النظر والطبيعة وفي العمل والشريعة. ومن ثم فهو وهمي الإطلاق مما يجعله مقصورا على المبادئ الثلاثة المعهودة (الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع). أما التشريع النسبي فيكون فيهما شاهدا ويعتمد على الأحكام الخمسة كما نرى لاحقا (الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع التي يعدلها ثلاثتها مبدأ الترجيح والتحقيق).
إن الخلاف الأساسي حول القيم وصلتها بالوجود في حدود ما يهمنا منه لفهم دور فكر الحنيفية المحدثة علته رد مبادئ العقل والنظر ومبادئ الشرع والعمل إلى فهمين متنافيين حصلا مرتين وبصورتين متماثلتين في المعرفة المستندة إلى الإطلاق الوهمي لثمرات التجربة "العلمية-الفلسفية" في التقليد العقلي اليوناني قبل محاولات التحرر منه في الفلسفة الأفلوطينية وفي المعرفة المستندة إلى الإطلاق الوهمي لثمرات التجربة "الصوفية-الدينية" في التقليد الشرعي العبري قبل محاولات التحرر منها في الكلام المسيحي، هما:
1 – الفهم الفلسفي الجحودي: وهو الفهم الذي ينطلق من بداية مجردة يطلقها هي الطبائع ليرد إليها غاية مجردة يطلقها كذلك هي الشرائع فتصبحان متنافيتين وأن بدرجتين مختلفتين أقصاها عند أفلاطون (المثل المفارقة) لجعله الطبائع المثالية المجردة أساسا تلغى بمقتضاه الطبائع الحاصلة في الطبيعة والتاريخ لكونها تعتبر "شرائع" من تحكم الوهم والخيال يستعاض عنها بشرائع من علم العقل بتلك المثل، وأدناها عند أرسطو (الصور المحايثة) لحده من إطلاق المقابلة والإلغاء الناتج عنه. وقد بقي هذا الموقف جحوديا لكونه وقف دون ما سعى إليه سقراط، رغم محاولات أفلوطين التوفيقية للتخلص من الثنائية الأفلاطونية الأرسطية التي لم يكن بالوسع فهم سرها من دون تجاوز الثنائية الموالية.
2 – الفهم الديني الجحودي: وهذا الفهم يناظر ذاك الفهم بالسلب. إنه الموقف الذي ينطلق من بداية مجردة يطلقها هي الشرائع ليرد إليها غاية مجردة يطلقها كذلك هي الطبائع فتصبحان متنافيتين وإن بدرجتين مختلفتين أقصاها عند موسى وأدناها عند عيسى. ورغم أن ترتيب الحديث الأقصى والأدنى في الجحود الديني مماثل لما هو عليه في الجحود الفلسفي، فإن التقابل بين الحاصل والمثال من الوجود أصبح مطلقا عند عيسى وكذلك النفي الناتج عنه مثلما هو الشأن عند أفلاطون، رغم أن المنفي العيسوي هو ظاهر الشرائع والمنفي الأفلاطوني هو ظاهر الطبائع: وتلك هي علة التطابق الظاهري لاحقا بين الفكرين الأفلاطوني والإنجيلي وبين الفكرين الأرسطي والتوراتي. فأدى هذا التماثل في نفي الظاهرين إلى ما يشبه تعاكس الترتيب بين مرحلتي الجحود الفلسفي الأساسيتين ومرحلتي الجحود الديني الأساسيتين. وحصل الجحود الثاني بعد الأول.