shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                 ما لكم لا تفقهون حديثا ولا تفهمون قيلا ؟

                                              د.عبد الكريم المحمودي

كلما تلكم الشيوخ الذين بلغوا بالأشعرية غاية التحريف ازداد يقين قرائهم بافتضاح أمريهم اللذين أشار إليهما الأستاذ المرزوقي عرضا في خلال بحثه عما فسر به ابن خلدون ما طرأ على الثورة الإسلامية من علل آلت بها إلى الانحطاط. فلنحاول هنا إبراز علامات هذين الأمرين لبيان ما يجري في موقع (تحريف) الأصلين:

فأما افتضاح الأمر الأول فهو علمهم الزائف في المجالات التي يدعون إحياءها وهم لا يحيون منها إلا وجهها المنحط أعني ما اعتبره كبار العلماء أصل الداء أعني النزاع المغذي للفتنة وزيغ القلوب في ما نهى القرآن عن الخوض فيه: التأويل الذي يحول التنزيه إلى تعطيل.

وأما افتضاح الأمر الثاني فهو دعواهم الزائفة بالانتساب إلى السنة وهم في الحقيقة فرقة مندسة تهدمها من الداخل بضربين من الفنيات التطفلية تستعملها الفيروسات المهاجمة عادة: التنكر أو التقية والتشكيك الخالع أو  الحرب بالقضم المتدرج.

ومما يسر افتضاح أمريهم هو الهزال الغالب على بضاعة الجماعة التي وظفت لهذه الخطة ووهاء حجج الناطقين باسمها سواء كان كلامهم  مع علماء النقل أو مع علماء العقل فضلا عن تقنية اسكات الخصوم بمجرد المنع بعد حملة التشنيع والسباب التي تحول حول التجهيل والتفسيق.

 

                        الافتضاح الأول

سأضرب ثلاثة أمثلة من نهج شيوخ هذا الفرقة التي تتكلم باسم الأشعرية والأشعري منها براء: شيخ الموقع ونائبه ونائب نائبه أعني الشيخ فودة والشيخ بلال والشيخ فراس.

فالشيخ الأول (سعيد فودة) يهاجم الأستاذ المرزوقي مدعيا أنه جاهل بكل ما يتكلم فيه. ولم يجد دليلا يستند إليه إلا حجج طالبيه النجيبين في مسألة الغزالي وكتاب ابن تيمية. وطبعا لو كان ذا عقل راجح لما لجأ لمثل هذا الكلام. ولكن ما بيده حيلة وهو لم يجد غير ذلك ؟ كالعادة يريدون أن يثبتوا شيئا فيغالوا فيثبتو العكس: أي إن قصده هو أن يثبت أن طالبيه يكفيان للرد على المرزوقي. ولكن لما كان الناس العارفين يعلمون أنه هو ذاته لا يقبل به الأستاذ المرزوقي تلميذا فإن القراء سيفهمون عكس ما قصد.

وطبعا الأستاذ المرزوقي ليس مستعدا للكلام معه في هذه التفاهات خاصة وهو لم يهتم به لذاته بل بوصفه عينة من مرض التعليم الديني مرضه الذي حمله ابن خلدون مسؤولية الانحطاط الخلقي والحضاري خلال سعيه لعلاجه العلمي. فمن يعتبر التخريف على تاريخ المنطق منطقا يتركه الأستاذ المرزوقي لتخريفه. فلتواصل يا منطقي عصرك. فقد تصبح نشارا جديدا رحم الله الرجل وحاشا أن يضاهيه الدجالون: فالنشار على علمه لم ينازع في علم ابن تيمية ولا في عقيدته بل كان أقرب إلى الأشعرية غير المحرفة التي يمثلها هذا الدعي.

كل من حصل على تكوين جدي في الفلسفة يعتبر مجرد التشبث بدليل الترجيح الجهوي في الكلام على أدلة وجود الله كافيا للعلم بما يعاني منه هذا الشيخ من أمية فلسفية ومنطقية. فحصر الممكن في الحادث دليل على الجهل. ذلك أن اعتبار الحدوث مشروطا بترجيح وجود الممكن على عدمه لو صح لاقتضى أن يكون القديم المرجِّح قد طرأ عليه تغيير نقله من عدم مرجح لوجود الممكن إلى مرج فيكون هو بدوره ذا صفات حادثة فيتسلسل الأمر لأن  القديم يصبح هو بدوره محلا للحوادث فلا يكون تام القدم. وما دام يتصور تلميذه قد كفاه المؤونة فمعنى ذلك أنه لم يفهم. وأنى له أن يفهم وهو لا يريد أن يتعلم. تلاخيص النشار تكفيه ! والغريب أنه يزعم التعليق على ما جاء في المقال الأول من كتاب شروط نهضة العرب والمسلمين حول دليل ديكارت الوجودي !

والشيخ الثاني (بلال النجار) يهاجم حلقة الأستاذ المرزوقي في ما لا علاقة له بالأمور العلمية-بعد أن أراد أن ينصح الأستاذ المرزوقي حتى لا يفوته قطار السلطة على العامة-بل في ما يدعي أنها قد تجنت عليهم بأن اتهمت بما ليس فيها. وقبل  أن أسأله سؤالين  آملا أن يتدبرهما دون أن أنتظر منه جوابا أريد أن أوضح أمرا: فأنا لا أهاجم الاشعرية ولا أتهمها هكذا دون تعيين. لذلك فلا تتصور أني سلمت لك بأنك أشعري حقيقي بل أنت أشعري محرف. فقد تعلمنا من أستاذنا التمييز بين الأشعرية الأصلية التي كانت قطيعة مع الاعتزال والباطنية وعودة إلى السنة أعني التي أراك قد استعملتها اليوم.

 فلما أفحمك واحد ممن تظنهم جاهلين من التيميين أفحمك بالحجج العقلية والنقلية معا رددت عليه بالموقف الأشعري المتقدم على التحريف وسلمت بأن كل ما يقال على المخلوقات مشترك اسمي عند تطبيقه على الخالق (وهذا هو موقف الأشعرية التي نعتبرها من السنة): أي إنك لم تعد تميز بين الصفات المحتاجة إلى التأويل والصفات الغنية عنه بل كلها إما أن تؤول فتنتهي إلى الموقف الباطني أو تقول فيها بما تقول به السنة الحقيقية: أي نأخذها كما جاءت في القرآن الكريم مع شرط ليس كمثله شيء.

لكن ما كنتم تدافعون عنه وما بنى عليه شيخك زعمه بيان خطأ ابن تيمية في المنطق هو الزعم بالدلالة التواطؤية للوجود ومن ثم للصفات سواء طبقت على الخالق أو على المخلوق. ثم جعلتم ذلك معيار التمييز بين الصفات المقبولة والصفات المرفوضة أي القول بأن العلم والحياة إلخ....مقبولة واليد والسمع والبصر والكلام إلخ..غير مقبولة إلا بتأويلكم لأنها حسب زعمكم تقتضي التجسد لكأنكم رأيت علما وحياة وإرادة قدرة غير متجسدة. ولنورد السؤالين:

السؤال الأول: ما الذي يفسر طول صبركم على الذي يمضي بأشعري صميم؟ ولم تلاطفونه إلى هذا الحد؟ كيف تفسر حدتكم التي تنتهي بالطرد مع أي شخص مهما كان مؤمنا حقا بما تزعمون الدفاع عنه وبقاء هذا الباطني صائلا جائلا في الموقع بل وواجدا تأييدا كما أبين عند الكلام على الشيخ الثالث ؟ كيف لم تر من مقالي إلا ما تصورته تهمة ونسيت بيت القصيد. فهو قد شكك في: 1-لغة القرآن (العربية) 2-ونص القرآن (المصحف العثماني) 3-ومضمون القرآن (علم الله) ؟

 أما كان على الأقل من واجبك أن تحيي دفاعي عن القرآن حتى لو سلمنا لك بأني أتهمتكم ظلما ؟ أم إن هذه المسائل التي تمس جوهر الإسلام السني هي آخر ما يعنيك ؟ ألم يكن ردنا على تشكيك هذا الذي تتبرأ منه الآن في حين أنه مستوطن في الموقع بل ومدلل فيه تشكيكه في ثلاثة أمور جوهرية لو كنت حقا مؤمنا بالموقف السني داعيا لجعلك تجد في عملي السند الحقيقي ولاعتبرتني صديقا لا عدوا حتى لو صح زعمك بأني أتجنى عليكم؟ أم إنك مثل جحا لا يهمك إلا رأسك ؟

السؤال الثاني: كيف يمكن أن تكون سنيا حقا ثم تقف موقفا يفترض صراحة أن كلام الله ليس كافيا شكلا ومضمونا لتبليغ الرسالة بحيث يحتاج إلى تأويل لشكله وتدليل على مضمونه بغير لسانه ومنطقه ؟ ولآخذ ما تكثرون التغني به. ألستم تزعمون أن الجسم هو الطويل العريض العميق أعني المتنوع ذا الأبعاد حتى لو افترضناها  أكثر من ثلاثة كما في الهندسات غير الأقليدية (لئلا نقف عند الفهم المتقدم على الميلاد بأربعة قرون) وتقصرون معناه على ذلك ثم تريدون نفي كل ما تفترضونه من لوازمه في كلامكم على صفات الله. كيف يكون ذلك مقبولا منكم ثم تتصورون الله يخلق مخلوفاته ويفعل فيها؟

هبني سلمت لك أن الله لو تحرك لأفاد ذلك بمقتضى هذيانكم أنه متحيز في المكان. لكن عندما ينفخ من روحه فلا بد أن فعل النفخ ينتقل من النافخ إلى المنفوخ فيه إذ إن المورد مادي حتى لو كان المصدر مجهول الطبيعة. وعندما يعلم الله شيئا فلا بد أن يكون لعلمه تعلقا بمعلومه. فإذا لم يندغم كل شيء في كل شيء فلا بد أن تكون لهذه الأمور أحيازا مختلفة اللهم إلا إذا كانت تقول بالحلول.  فلم تتصورها من دون الأحياز وتتفرض أن حركة الله نزولا وصعودا واقترابا وابتعادا متقضية للأحياز  فتسنتج أن القائلين بالنزول مجسمون لزوم الجسمية للحركة ؟

وفي الجملة فإن ما يحيرني هو أنكم لا تفهمون أنكم بهذا الموقف أكثر ابتعادا عن القرآن حتى من الفلاسفة. فهؤلاء يعتبرون القرآن مثالات من الحقيقة التي يدركها النبي كما يدركها الفيلسوف بالعقل المستفاد من العقل الفعال (المفيد) ويتصورون الأنبياء متميزين بالخيال المبدع الذي يمكنهم من جعلها قابلة للفهم الجمهوري بحيث إنها تتضمن الحقيقة دون حاجة إلى التأويل. لذلك تراهم يعتبرون الحقيقة في صوغها الخاصي فلسفية وفي صوغها العامي ملية للحاجة إلى التعليم. وهم مبدئيا يرفضون تأويلها لامتناع ذلك إلا على خاصة الخاصة (ابن رشد مناهج الأدلة) فضلا عن كون ذلك يفسد التعليم والعلم على حد سواء. لكنكم أنتم ليس لكم علم الفلاسفة الغائي ولا الأداتي ومع ذلك  تريدون أن تؤولوا القرآن تحكميا كما يعن لكم: ومعنى ذلك أن النبي لم يقم بواجبه ولم يبلغ أمرا بينا وينبغي أن تأتوا أنتم لتحديد البينات من المبهمات في الرسالة الخاتمة !

الفلاسفة لا يزعمون أن الأنبياء غالطوا المخاطبين فعبروا لهم عما تعتبرونه عين الكفر والتجسيم بل هم يعتبرون النص للتعليم أو للتقريب الجمهوري إن شئت. ولذلك فهم أقرب إلى الإيمان منكم بل أكثر من ذلك فشيخ الإسلام ليست خصومته مع المتكلمين الكبار الذين يذكرهم أحيانا بكل خير بل مع أنصاف المتكلمين وأنصاف اللغويين وأنصاف الفقهاء وأنصاف الأطباء أي كل من اجتمع في موقعكم.

والسؤال الآن هو أين يقف تأويلكم: لماذا لا تؤولون الوجود والحياة والقدرة الإرادة كما تؤولون بقية الصفات؟ فنحن لا نعلم أيا منها إلا بالقياس إلى ما نعلم من أنفسنا أم إن لكم علما بها غير ما يعلمه الناس ؟ فهل يوجد وجود تعلمونه غير متعين في الزمان والمكان ؟ وهل توجد حياة تعلمونها غير مائتة ؟ وهل توجد قدرة تعلمونها غير متناهية ؟ وهل توجد إرادة تعلمونها غير ذات هوى ؟ كيف تنسبونها إلى الله من دون تأويل ؟ وما هو التأويل الذي تنتهون إليه بعد ليس كمثله شيء ؟ قل لنا كيف تتصور وجود الله وحياته وعلمه وقدرته وإرادته بتأويل ترضاه لما يقول فيها القرآن الكريم ! نحن نرى أنها ينطبق عليها ما ينطبق على كل الصفات التي تؤثمون بها ابن تيمية لعدم فهمكم حجته الدامغة هذه.

أما الشيخ الثالث (فراس حسن يوسف) فعجيب أمره. فأول ما بدأ ذلك الباطني يشكك في لغة القرآن كان هو مبادرا إلى تأييده مدعيا أن شيخه فوده قدم تفسيرا للمعضلة التي يدعيها هذا الأشعري الصميم في دروس حضرها. تساءل الأشعري الصميم: هل ترجم الله كلام إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى العربية لينزله على محمد صلى الله عليه وسلم أم كيف فعل ؟ ولست بحاجة إلى التذكير بقول الشيخ فراس فهو معكم فاسألوه وكلامه عندكم في الموقع فانظروا فيه حتى لا تتصوروا أني أقوله ما لم يقل. وطبعا ليس هنا محل الرد على الأشعري الصميم الذي يتبرأ منه الشيخ بلال الآن بعد أن تركه على الأقل منذ سنة يمضي بهذا الاسم وبعد تدليله وملاطفته إلى حد تصوري إياه ذا اليد الطولى في الموقع. ولا زلت على ظني وإلا لطرد من زمان ليس للعلل التافهة التي يطرد بسببها غيره بل لأنه يحارب القرآن !

لا شك أن جعبة الشيخ فراس للكلام في الوجودية قد خوت كما خلت جعبة شيخ الموقع حول بور رويال إلى حد اللجوء إلى شهادة تلميذيه النجيبين اللذين تسكرهما زبيبة كما يقول المثل التونسي: تعلما بعض الأبجدية فصارا يفحمان الأستاذ أبا يعرب! فأحدهما يفهم في المنطق والكلام لأنه اكتفى باعتبار الشيخ يتلكم على الممكن بمعناه الخاص بالمتكلمين فيصبح قابلا للتعاكس مع الحادث ! والثاني يفهم في الببليوغرافية لأنه علم بصدور كتاب فظنه علما بوجوده خلا منه بال الأستاذ الذي لا أظن شيخه فضلا عنه هو يفهم رسالته في صاحب الكتاب ! يا سبحان الله كيف صار العلم عبثا عند ساذج من الشيوخ الذي يحاضر في الفلسفة بخرافات "أمك سيسي" الكلامية (أعني بما يقص على الأطفال قبل أن أصبح الأطفال لا يصدقون الخرافات)  !

                        الافتضاح الثاني

ما الذي أزعج الشيخ بلال إلى حد الهذيان الذي يشبه دعاء بعض الوعاظ بعد أن جُعلت الصلاة بدلا من كونها صلة بالرب حربا على عباده فجعل هو العلم لعنا لهم أو يكاد ؟ ما أزعجه هو أننا اكتشفنا في هذا الذي يمضي باسم الأشعري الصميم وسلوكهم العجيب معه رغم كونه يشن حربا بلا هوادة على أركان القرآن الثلاثة: لغته ونصه ومضمونه اكتشفنا فيه علامة إضافية على طابع هذه الجماعة المدسوس على السنة فوسمناها بالباطنية.

ذكر الأستاذ المرزوقي حادثة حصلت في الموقع وتكررت مرة أخرى بعد كلامه عليها: حادثة نهر أحد المتدخلين الذين نبهوا إلى الحرب الخفية على السنة في تشييع أهلها بفنيات التبشير. والناهر لم يكن أي كان بل كان شيخ الموقع بنفسه. ما يعني أن الموقف الرسمي للموقع من المسألة أمره خطير وصاحبه رئاسته قد تطير إذا لم يسارع فيرد الشر المستطير أعني فضح ما فضحه القرضاوي حفظه الله ورعاه ! وطبعا فذلك كله كان قبل أن يحصل ما صار الجميع على علم به: ما حصل للشيخ القرضاوي الذي يعتبره من علمته أمه اللطف جاهلا وهو أعلم منه وأكثر تمثيلا للفكر السني الأشعري !

 ثم لا حظت ما يجري في المواقع الموجهة إلى الأقليات في الغرب وخاصة ما نطق منها بغير العربية. فلا تجد فيه تقريبا إلا التخريف عن معجزات الأيمة مع تشويه سمعة الإمام علي كرم الله وجهه بأكاذيب من جنس ما ينسب إليه من خطب وحكم ومعجزات إلخ... وينسون أنه سيف الإسلام ورابع الخلفاء الراشدين وزوج الزهراء القريبة إلى قلب كل مسلم سني صادق لا يوظفها في تفتيت صف المسلمين لخدمة الصفوية !

بذلك اجتمعت العلامات الخارجية للدوافع الحقيقية من وراء فتح المعركة مع السنة أعني التيمية وجماهير المسلمين الذي حررهم الله من الاعتناء بخرافات المتكلمين. أما الأشعرية المتأخرة-حاشا الأشعرية الأولى- فليس شيوخها من السنة بل هم عادوا عودة صريحة إلى الاعتزال والجهمية. ويمكن لمن يريد أن يفهم ذلك أن يقرأ ما كتبه أستاذي أبو يعرب حول ما ظنه الرازي إفحاما للغزالي في دحضه لحجة الحسن الصباح حول الحاجة إلى التعليم المعصوم (عاشرة المناظرات). فإذا كان ما يزعمه الرازي بديلا من حجاج الغزالي فينبغي أن ينتهي المتكلم حتما إلى الموقف الباطني (موقف الحسن) أو الموقف الفلسفي (الذي يزعمه الرازي ردا على حجاج الحسن: التردد بين الحاجة إلى التعليم وكفاية العقل بلا شرط) علما وأن الثاني مؤد حتما إلى الأول كما بين حجة الإسلام في فضائح الباطنية.

لكن ذلك كله ليس إلا العلامات الخارجية رغم كون الحجتين الأوليين تمثلان أفصح الححج على الطابع الباطني للموقع والجماعة أو على الأقل لشيخوهما. أما الحجة الجوهرية فهي التعطيل باسم التنزيه أعني ما ينتج ضرورة عن عدم العمل بالآية السابعة من آل عمران كما بين الأستاذ المرزوقي. ولهذه العلامة مستويان:

المستوى الأول: مجرد وجودها دليل على ما وصفته الآية السابعة من آل عمران. فعدم العمل بالنهي عن التأويل عصيان للأمر وهو دليل على زيغ القلوب وطلب الفتنة. لكنهما في هذه الحالة لا يمثلان مجرد مرض يمكن علاجه بل هما إستراتيجية قصدية لضرب الإسلام من الداخل ومن ثم فلا علاج لهما. ذلك أن القرآن والسنة أصبحا في منظوركم مبنيين على المغالطة إذا صح ما يقوله من يشترط التأويل في العقائد: فإما أن ما في القرآن من كلام الله على نفسه ليس تشبيها  أو أنه كلام مخادع إذا كان تشبيها يدعو إلى عدم التشبيه بصورة أخرى غير ليس كمثله شيء أي بالتأويل الكلامي.

المستوى الثاني: هبنا سلمنا بأن المستوى الأول فيه نظر. وهو تسليم جدلي لأنه لا يعقل أن يقول القرآن إنه بيان للناس ثم يكون بحاجة إلى علمكم ليفهمه المؤمنون به. فقد يحتاج غير العربي للترجمة والعربي للتفسير. أما التأويل فالجميع في غنى عنه. لكن هبنا نسلم لكم المستوى الأول. فماذا سينتج من التأويل إذا قبلنا بأن القرآن والسنة لا يؤديان دورهما كرسالة-من المفروض أن تكون مبينة وهي تدعي كذلك-إلا بالتأويل؟  فلا يمكن بخلاف ما يزعم متأخر الأشاعرة تأويل البعض دون البعض: فكل كلام الله على نفسه يصبح بحاجة إلى التأويل. لن يكون التأويل مقصورا على ما تظنونه ذا صلة بالجوارح من الصفات والأفعال. فكل الصفات والأفعال التي ينسبها الله إلى نفسه ليس لنا عنها فكرة إلا ما كان مدلوله مستمدا من تجربتنا الإنسانية سواء كان موضوعها الإنسان أو غيره من المخلوقات.

ونهج العقل البشري في تنزيه الله من كل صفات النقص ومن كل نقص في صفات الكمال التي يتصف بها الإنسان نهج كوني وكلي لا يخلو منه دين ولا فلسفة. فلا وجود لطريقة أخرى للكلام عن الخالق سواء كان المتكلم فيلسوفا أو متكلما أو حتى إنسانا عاديا غير هذا النهج. وهذا ما يفعله القرآن. لكن بمجرد أن نبدأ بالوصف السلبي فإننا نستعيض عن الصفات الموجبة بالسلوب: وقد أشار الشيخ بلال إلى شرطين في الصفات يؤديان حتما إلى واحد العدم الباطني.

فإذا كنا لا نتكلم في وصف الله بأي شيء يتصف به الإنسان ولا نصف الإنسان بأي شيء يتصف به الله ولا نفهم وصف الله نفسه بذلك فإنه لن يبقى إلا القول بأن لله يتصف بنفي كل الصفات بما فيها الوجود: لأن الوجود الوحيد المعلوم لنا هو الوجود المدرك إما بالحس الفعلي أو بالحس القوي إذ حتى المعقولات فهي تدرك في حيز الذهن. وهو حس باطن يسقط به الذهن مداركه المثالية في فضاء خيالي ليدرك ما فيه بالقياس إلى الإدراك الحسي الفعلي وذلك بتوجيه النظر واهتمام الفكر إليه في ما يسمى بالقصدية التي تعطي للموضوعات المعنوية الوجود العقلي المثالي: وشيخكم المتفلسف لعله يفهم ذلك لأن بعض المترجمين الذين يمدحهم قد  أطلعوه على علم الظاهريات حتما. ومن ثم فجميع المدارك مشروطة بالوعي بالذات أو بالوجود الشخصي المتعين هنا والآن ومن ثم فهي محسوسة من حاس معين بالفعل أو بالقوة حسا فعليا أو حدسا ماهويا مشروطا بالأول أعيانا من الثاني من دونها يكون مستحيل التصور.

وعليكم أن تختاروا بين القول بما يقول به القرآن كما يدعوكم إلى ذلك شيخ الإسلام الذي اعتبرتموه مجسما لأنه يأخذ كلام الله على نفسه كما هو بشرط ليس كمثله شيء أو أن تصبحوا قائلين بالواحد الباطني الذي ينفى عنه كل الصفات بما فيها الوجود وليس مجرد صفات الجوارج. وكل ما تجاوز هذا الخلاف معكم هو من أوهامكم فليس لنا معكم خلاف آخر ولا نريد بكم شرا. ثم إننا لسنا جماعة بل ما نحن إلا بعض الباحثين نستأنس أحيانا بأفكار أستاذنا لكنه ليس شيخا لنا ولا علينا. وما كنا للنشغل بكم أو بتخريفهم لو لم نر ما بدأتم تحدثونه من ضرر على شباب كان من المفروض أن يفرغوا لما دعاهم إليهم القرآن الكريم إلى لما نهاهم عنه: دعاهم إلى النظر في الأنفس ووالآفاق ونهاهم عن النظر في المتشابهات وأنتم تدعونهم للعكس. فوجب كف شركم ببيان فراغ وطابكم.