معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                            من المسؤول عن تردي دور مصر في قيادة الأمة؟

                                              أبو يعرب المرزوقي

قرأت الكثير من التعليقات على ما آل إليه دور مصر في قيادة النهوض العربي منذ انقشاع الغبار الذي كانت تثيره توظيفات كل شيء في خدمة إيديولوجيا التحديث والثورة المزعومين والمخفيين لعدمهما تعويضا للأفعال بالأقوال تعويضا يمكن أن يكون كافيا لتلميع صور الأفكار والزعماء حتى على حساب حقائق الفكر والواقع. ودون أن أبدي رأيا في ما قيل لتعليل هذا التردي الذي لم يعد موضوع  جدل لفرط ما تم عليه من إجماع فإني سأبدي ما أراه تفسيرا لهذه الحال المؤسفة عند النظر إليها من منطق ما تتصف به الوضعية من سلوب دون أن أنفي أن انحسار دور مصر لا يخلو من إيجابيات لكونه ببعض وجوهه دالا على بداية إسهام غيرها في النهضة التي لم تعد حكرا على بلد واحد من الأمة العربية ذات الأقطاب الحضارية المتعددة.

سبق لي أن كتبت في الموضوع لكني حينئذ نظرت إلى الأمر من مدخل ما ساد من تقديم للدور السياسي على الأدوار الأخرى جميعا. أما الآن فقصدي هو بيان ما حصل من تهديم نسقي لشروط القوة الرمزية  التي تستمد منها الشعوب قوتها الحقيقية بدليل أن الحروب أيا كانت لا يمكن أن يصبح نصر العدو فيها ناجزا حقا إلا عندما يكسب الحرب الرمزية التي تبدأ حربا نفسية وتنتهي حربا قيمية ووجودية.

سأبدأ بالإيجابية الوحيدة لانحسار دور مصر. فهذا الانحسار ينسب بعض التنسيب هذا التردي  إذ إن مصر تبدو قد فقدت قدرا كبير من الريادة في الثقافة  العربية خاصة وفي الوضع العربي ككل عامة بسبب بروز غيرها من شعوب الأمة وقيامها بدورها بعد استقلال بلاد المغرب العربي الخمسة (تونس والجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا) وبعد بداية شيىء من الترشيد في استعمال الثروات عند بعض عرب الخليج. لم تبق مصر وحدها المنارة المشعة في صحراء عربية بل أصبحت جل أقطار الوطن العربي تتنافس على إبراز ذاتيتها وتمثيل قسم من دور النهوض في التاريخ العربي الحديث. وقد انحرف هذا التوجه أحيانا فآل إلى المحاولة السخيفة لبعث بعض التاريخ الماضي ممثلا لهوية ليس القصد منها إثراء الذاكرة بل هدفها الانفصال عن الوحدة الحضارية والثقافية باسهم خصوصيات يراد بعثها دون وعي بكون بعثها بعثا لأهم عوامل فقدان المناعة لما ينتج عنه من تشرذم في عصر الوحدات السياسية والاقتصادية العظمى المستندة إلى التوحيد الثقافي ولو بابتداعه عند انعدامه (كما في أوروبا أو الهند أو الصين) في حين أننا نعدمه عند وجوده.

لكن هذا التنسيب على أهميته لا يقلل من واقع الأمر المتمثل في تردي دور مصر فعليا ليس في السياسة الدولية –إذ من سخف القيادات المهوسة بحق الزعامة الكاذبة والصبيانية بل من العبث الظن أن بلدا فقيرا وصغيرا بالمقياس الدولي الحديث حتى قبل العولمة يمكن أن يكون ذا دور اللهم إلا إذا ظننا التوظيف في الصراع الدولي بين القطبين يمثل دورا يمكن الاعتداد به. وبهذا المعنى فإن من يظن إيران الآن ذات دور مهم- اغترارا بانتفاضات نظام يحتضر فستبدو وإيران وكأنها ند يناطح القوى الغربية في حين أنها مجرد بيدق في الاستراتيجية الدولية المتعلقة بالاستحواذ على العالم الإسلامي بعد أن صار أشبه بتركة أيتام فضلوا الصراع فيما بينهم على فضلات ما بقي منه بدلا من الاتحاد لحمايته من اللئام الذين يسعون إلى تقاسمه: المتربصان به في الشرق الأقصى (الصين والهند) والساعيان إلى استباق المتربصين (أوروبا والولايات المتحدة).

كيف نفهم هذا التردي إذن؟ أرى أن تردي دور مصر علته الرئيسية لم تبدأ مع الثورة الناصرية حتى وإن اكتملت بسببها. فهذا الدور من بداية النهضة لم يبن على أسس سليمة إذ بخلاف كل النخب السوية التي حققت ثورات- سواء في أروبا قرون الحداثة أو في من نجح فعمل على منوالها من أمم الشرق الأقصى-عكست النخب العربية التي كانت شبه مقصورة على النخب التقليدية المنبهرة بالغرب دون فهم عميق لأسرار قوته وازدهاره عكست شروط النهوض فاعتبرت المعلولات عللا: فهم قد تصوروا التحديث رهن ثمرات الحداثة التي هي معلولة لأسرار النهوض وليس رهن علله التي هي عين أسراره أعني الثورات الخمس التي عرفها الغرب: 1-الثورة العلمية 2-والثورة التقنية 3-والثورة الاقتصادية 4-والثورة السياسية 5-وحصيلتها جميعا أعني الثورة الاجتماعية ببعديها المتعين في مقومات الوجود الاجتماعي نفسه وفي نظريات الوجود ورؤى العالم المعبرة عنها.

ظنت النخب أن النهوض مجرد تغيير سطحي  لأنماط العيش ومحاكاة حياة الخواجات: لم يفهموا أنه بالأساس متعلق بالشروط التي تجعل هذه الحياة تصبح ممكنة:

 1-فالثورة  العلمية تحولت عندنا إلى كلام عن التنوير في حين أن التنوير في الغرب كانت ثمرتها: ولهذا صارت الجامعات مطاحن كلام بدلا من أن تكون خلايا إبداع علمي وتقني.

2-وصارت الثورة التقنية عندنا استيراد التصنيع في حين أن التصنيع كان في الغرب ثمرتها: لذلك صارت الصناعات عندنا ركام خردة متوالية الأجيال المستوردة ليست كائنا منتجا لذاته.

3-والثورة الاقتصادية تحولت عندنا إلى استيراد مظاهر التصنيع دون قواعده المبدعة له والجاعلة منه كيانا ذاتي النمو والتطور: ولهذا صارت معاملنا مستوردة حتى لأدوات أنتاجها بدلا من أن تسهم في إنتاج ادوات كل إنتاج.

4-وصارت الثورة السياسية استيرادا فوقيا للتشريعات في حين أنها في الغرب كانت تنزيلا تحتيا لسلطة التشريع التي أصبحت شعبية أو على الأقل بيد نخب تستمد شرعيتها من الشعب: لذلك صارت التشريعات متوالية من المستوردات القانونية والدستورية التي لا نظير لها في وجدان الشعوب ومن ثم فهي عديمة التأثير والمفعول.

5-وصارت الثورة الاجتماعية عندنا توظيفا للدولة لخلق نخب طفيلية تستحوذ على ثروات الأمة بعكس ما حصل في الغرب حيث كانت النخب المنتجة أرباب عمل وعمالا قد تمكنت من الدولة لكونها منتجة وليس لكونها مستغلة للدولة: وبذلك صارت الدولة جهازا يحمي اللصوص الرسميين في كل أقطار الوطن. أما ما يعبر عن هذه الثورات جميعا تعينا رمزيا فما تجد في الكيان الاجتماعي أعني الثورة الروحية والرمزية أو ثورة رؤى العالم التي كانت في الغرب بالأساس ثمرة الإصلاح الديني فإنها صارت عندنا حربا على الإصلاح الديني المتقدم على هذا الإصلاح والذي لم يكن في جوهره إلا محاكاة تحريفية: فبدلا من جعل التاريخ الإنساني تاريخ تحقيق القيم كما هو جوهر الإسلام بات الفهم السيء للأفق الروحي الغربي عند مفكرينا المزعومين مقصورا على الحرب الأهلية بين تصورين كلاهم تحريف محض للدين الإسلامي أعني الفهم اليعقوبي الفرنسي أو ما يسمى باللائكية وضديده أو الكنسية المتخفية (عند السنة) أو الصريحة (عند الشيعة) وذلك كله مناقض  للدين  السوي أعني تحقيق استخلاف آدم وأبنائه من تحقيق القيم الإنسانية والروحية وتحرير الإنسان من سلطان السلط الروحية البديلة بأصوليتيها العلمانية والدينية: فجوهر الثورة التي أسسها القرآن الكريم تحرير البشرية من استبدال عبادة الله بعبادة الناطقين باسم البديل منه أو حتى باسمه المزعومين.

لكن الأهم من ذلك كله هو ما يخص مصر لأن كل ما وصفنا يكاد يصح على جميع البلاد العربية. ما يخص مصر هو  العلة والداء الدوي. فنظرا إلى أهمية دور مصر في الماضي الحديث من النهضة العربية (بل ومنذ سقوط الخلافة في منتصف القرن السابع-الثالث عشر) كان تخلي النخب المصرية عن عاملي القوة الرمزية مصدر كل البلاء. وهو تخل مصدره ظن النخب أن الدور أيا كان يمكن أن يكون موجودا بمعزل عن شروطه وأدواته. وسأكتفي بالكلام على أقل هذين العاملين مدعاة للجدل أعني اللغة العربية- التي هي شرط وأداة في كل دور يمكن لمن يريد أن يقود الأمة أن ينميه لذاته ولما له من ثمرات - أكتفي به لئلا أدخل في جدل حول الدين الإسلامي الذي هو أيضا شرط وأداة لكل دور في قيادة الأمة.

ذلك أن النخب التي تعتبر الدين عامة -مع تركيزها المرضي على الدين الإسلامي خاصة مقتصرة في كلامها على الأديان الأخرى على مجرد الدور الذي يؤديه ذلك في التقية- عائق نهوض لن تخالف في أن اللغة شرط نهوض وأداة. لذلك سأكتفي بالكلام في هذا الشرط والأداة  لأبين كيف أن ما حصل له في مصر بسبب غباء النخب الثقافية والتربوية فضلا عن النخب السياسية والاقتصادية (النخب الدينية هي الوحيدة التي يمكن استثناؤها بسبب ما يمنعها من النسج على منوال النخب الأخرى أعني علاقة اللغة العربية بالقرآن) من العلل الرئيسية في تردي دور مصر.

ليس من شك في أن اللغة العربية قد تردى وضعها في كل البلاد العربية بلا استثناء. لكن تردي وضعها في البلاد التي لم يكن لها دور القيادة ليس مؤثرا بالقدر الذي يمكن أن يحدد مصير الأمة. تردي وضعها في مصر –وهو على حد ما عاينته من تعامل النخب الجامعية والثقافية معها- يكاد يكون الأسوأ منه في كل البلاد العربية: بسبب وهم منزلة اللهجة المصرية في شبه الإبداع المقدم لتبليد الذوق (لأنك لن تجد في هذا الابداع عدا الايديولوجيا المزعومة تحديثية مع عرض فساد النخب الحضرية والطنز إزاء البادية فضلا عن السرقات المفضوحة من السينما العالمية مع التشويه الفاقد لكل سلامة ذوق).

فالعامية المصرية بوهم ريادة مصر صارت داء قاتلا لهذه الريادة لو كانت هذه النخب تدرك شروط الدور الريادي ما ينبغي أن تكون. فالشيء الثابت هو أن من توقع أن العامية المصرية ستعم واهم: فما عم هو محاكاة مصر في تعميم عاميتها وليس الأخذ بالعامية المصرية. فصار لكل دويلة عربية حتى لو كان عدد سكانها أقل من حي من أحياء القاهرة دعوى توطيد خصوصياتها ومنها لهجتها. إذا كانت النزعة الفرعونية  هي التي تقود فكر مصر فإن كل الأقطار الأخرى حتى بمقتضى الحفاظ على الاستقلال الثقافي ستحاكي مصر فتوجد نزعات قرطاجنية وفينيقية وبربرية وبابلية وسودانية وخليجية إلخ... من اللغات واللهجات وتكون مصر بذلك قد قضت على العربية دون أن تنجح في تعميم عاميتها إلا بين بعض الفاشلين من الفنانين.

إذا كانت نخب عدوك الذي هو جارك والذي استحوذ على مجال فعلك الحيوي قد حققت معجزة إحياء لغة ميتة منذ أكثر من ألفي سنة وكانت نخبك قد حققت المعجزة النقيض فقتلت لغة علم عالمية دامت سيادتها عشرة قرون متواصلة (ما يضاهي اليونانية قديما واللاتينية وسيطا وأكثر من الإنجليزية حديثا) فلا شك أن نخبك قد بلغت قمة الغباء والبلاهة: فجلهم يجعل أن مفهومات الفلسفة الكونية صنعتها لغتان خاصة هما اليونانية والعربية ثم واصلتها لغتان أخريان هما اللاتينية والألمانية. ولا يحق لك عندئذ أن تعجب من تردي دورك. فمن تراه سيحتاج لك لتطوير الإنجليزية أو الفرنسية أو لإثراء مكتبتهما برطانة بعض النخب المستلبة التي لا تباهي بهذه الرطانة إلا أمام العامة لأنها لا يعتد بها بين العلماء ؟

وأعجب ما في الأمر أنه لا يتعدى عقدة الخواجة: فمن محاكاته في آداب المائدة واللباس وانماط العيش يعد الكلام بلغته جزءا لا يتجزأ خاصة إذا أصبح ذلك من الموضة التي يثبتها ما يسمى بالإبداع الفني عامة والمتلفز منه على وجه الخصوص في الجلسات الماجنة التي حولها بعض سخفاء الفن الساخر إلى مسخرة العصر. ولعل أول غزو لغوي تعلق بهذه التوافه من أسرار قوة الأمم حتى وإن لم تكن من التوافه عندما يتعلق الأمر بأنماط العيش ومعانيه بالنسبة إلى من بيدهم سيادة مصيرهم. لكن هذا الغزو صار داء مستفحلا في الجامعات المصرية التي أصبحت تدرس بالعامية وطبعا فهذا يعني أن الحال في الثانويات فضلا عن الابتدائيات أدهى وأمر.

وطبعا فالحجج المستعملة من قبل أدعياء التحديث تعود كلها إلى السخرية من الفصحى والفصاحة والزعم بأن المسافة الفاصلة بين الفصحى والعامية بلغت الحد الذي تعد معه الفصحى لغة ميتة. وكان من المفروض أن يتكلموا على وأد اللغة في النظام التعليمي والثقافي لا على موتها: فاللغات ليس لها حياة تخصها إلا بقدر ما للناطقين بها من حياة وحيوية وعنفوان واعتداد بالذات دون عنصرية خاصة إذا كانت إزاء الذات كالحال عند هذه النخب. فالمسافة تضيق أو تتسع بحسب ما توطده السياسات التعليمية والإعلامية. ولو علم هؤلاء الأدعياء أن هذه المسافة ليست دون ما عليه في علاقة الفصحى العربية بالعاميات في الكثير من اللغات الحية التي لأصحابها فكر مبدع وإرادة سياسية بعيدة النظر: فلا الألمانية ولا الفرنسية الفصحيان بالقريبتين من العاميات المتعددة في مناطق أصحابهما المختلفة. لكن السياسة اللغوية  في النظام التربوي والإعلامي والثقافي هي التي تقرب المسافة وتحد من الفصام الذي يصيب كل اللغات عندما ينحط مستوى التعليم والثقافة .

العقم الإبداعي لا يمكن أن يعوضه الاستيراد اللغوي. فمن يذهب هذا المذهب يشبه من يسجل أهدافا في مسابقات الكرة بلاعبين أجانب. وليت ذلك يكون مقصورا على مرحلة تعلم بل هو قد صار سياسة ثابتة بلغت في بعض البلاد إلى قتل الجامعات الوطنية والاستعاضة عنها باستيراد فضلات الجامعات والجامعيين الأجانب الذين لم يأتوا لتوطيد النهضة بل لترسيخ العقد بالحط من الذات بدءا باللغة وختما بالقيم وأنماط الحياة. الكثير من نخب مصر المغترة بإيديولوجيا التحديث الطلائي وبثرثرات الثورة والتحرر لم تقض على دور مصر فحسب بل هي قضت على معين قوتها الناعمة أعني دورها في النهضة الثقافية العربية والروحية الإسلامية والله أعلم,

                               تونس في أول سبتمبر 2010

 

 

 

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي