|
دروس
في فلسفة الدين
دراسات
تساؤلات
القراء حوارات
مطبوعات
كتابات
ذات صلة
مسخرة
النكوص المضاد للثورة
مقامة هزلية
الجارح
الراجحي
أقصد بمصطلح
"المسخرة"
مفهوم
"القموذيا"
اليونانية حتى لا أغضب فقهاء الحداثة من علماء آخر الزمان كما فعل البهيم ابن رشد
على حد ما قرأت في تعليق
"خذوه على حد عقله"
لأستاذي أبي يعرب. لن أسميها هجاء مثله أو حتى مثل أرسطو
الذي اعتبره لغبائه أصلا لها. فأين أرسطو
من علم مفكر الإسلاموديماغوجيا.
وأقصد بالنكوص المضاد للثورة العودة المتدرجة للصلح بين المافيتين الداخليتين
(الأسرتان وتوابعهما)
والخارجيتين
(أصحاب المصالح الفرنسية والأمريكية في تونس)
اللتين كانتا متنافستين على إرث عهد ابن
علي ووحدت الثورة بين الداخليتين ولم تحقق الصلح بعد بين
الخارجيتين. لكن الصلح بين الداخليتين تحقق لأن الثورة بدأت تصبح مخيفة بل
هي بدأت تؤتي أكلها بدليل الحلف الذي أنجح القصبة الثانية ما أوجب الإسراع في
استدعاء التارزي الروماني برمز الأستاذ أبي يعرب إذ حلل خطاب المباشرة الذي ألقاه
الوزير الأول المفروض عنوة على الشعب.
فهذه المسخرة مسرحية تجري بين خمسة منافقين أعتقد أن الشباب سيسميهم بعد قراءة هذه
المهزلة بالأسماء التي تصح فيهم. والمعلوم أن وصف الممثل في المسرحيات بالمنافق
ليس وصفا تحقيريا لشخوصها بل هو المصطلح
الذي اختاره مترجم كتاب الشعر لتسمية الممثلين. وهي ترجمة شبه حرفية لـ"لماسك" أو
القناع كناية على من يؤدي دور ليس هو مبدعه إذ ليس كل ممثل موليار: الممثل منافق
لأنه يظهر بجوارحه وسيمائه ما ليس من
بنات فكره تسليما بأن له فكرا يعي به وعقلا يفهم به
ووجدانا يذوق به.
ولنسم هؤلاء المنافقين أو الممثلين حتى نكون "موداغن" فلا نتبع المترجم
العربي القديم بأسماء غريبة ليست معتادة عند العرب. لكنها من المعهود عند
أبناء عمومتهم في غابر الأيام من يهود خيبر والشام أسماء ما ينافقون بأدائه من
الأدوار. وهم جميعا عجائز يتحايلون على براءة شباب الثورة فعيشونه على الكمون
ويعاملون مطالبه المباشرة بـ"استني يا دجاجة حتى يجيء القمح من باجة".
فأما رئيس جوق المنافقين فكأنه محامي المافية الداخلية ونائبها في إدارة دفة
الحكومة. إنه فقيه الخياطة السياسية واسمه
يسبسين
.
وأما نائب الرئيس فكأنه محامي المافية الخارجية ونائبها في إدارة دفة الهيئة
السافلة. إنه فقيه الخياطة القانونية واسمه
روشاعين.
وأما رئيس الرئيسين فكأنه مجرد صورة ذات وهرة شنابية تنوب محركي الدفتين. إنه شاهد
الزور الأبدي ولنسمه
عزبمين
وأما من يبدو عميل المافية الداخلية فكأنه الحالم بوراثة ابن علي وسيدته ليلى فاسمه
يباشين.
إنه المدافع الأمين على الحراميين.
وأما من يبدو عميل المافية الخارجية الوارثة لدور تزيين المافية الداخلية بطلاء
الحداثة الجندرية فاسمه ميهاربإين. إنه المرشح المكين للشخيات "الواطينيين".
المشهد الأول
اجتمع المنافقون أعني الممثلين الخمسة في مسرح
"جاطرق"
من دون متفرجين. ومن دون حراس. ما عدا بعض القناصة لكونهم حراسا شخصيين من جنس "لوم
أنفيزيبل" لم يظهروا في "البلاصة" لكونهم من وهم شباب الثورة. وهل أصدق من شهادة
بائن العورة إذ التحق بأم الكبائر وهاتكة أعراض الرجال والحرائر ؟
بوق النفير لصد ما بدأ يتصاعد من هدير
يقتضي التدريب استعدادا لامتحان قريب. فشباب الثورة لم يعد يطيق ريق الخوازيق من
عجائز المخاريق في عهود الرقيق المتوالية من ابن علي الأول إلى ابن علي الثالث
مرورا بابن على الأوسط: أكثر من قرنين من الاستبداد والفساد صحرت البلاد وأنهكت
العباد. كفاية. كفاية. كفاية. يزي. يزي. يزي. "أونا مار" من هذا الخراب والدمار.
كان المشهد الأول للتدريب على الأكاذيب. لا غير. وقد أمدني به أحد القناصة تذكر ربه
السماوي بعد أن تخلى عنه ربه الأرضي ولم يقبله من العجائز من يتصور أنه الفائز بصرف
النظر عن عدد الجنائز: أي الساعي إلى 7 نوفمبر جديدة. وهذا ما دار فيه حول العوائق
التي قد تحول دون ما سيؤدونه من أدوار خلال ما بقي من المرحلة الانتقالية التي لم
يعد يكفيهم تمديدها بل لا بد من جعلها انتقالية بحق انتقال إدبار لا انتقال تقدم.
لا بد من عودة الحال إلى سالف الحال
بتحقيق الصلح بين المافيتين المتصارعتين في الداخل قبل هروب ابن علي وليلاه لخدمة
المافيتين المتصارعتين في الخارج. لا بد من إفشال الثورة وإبقاء دار لقمان على
حالها.
رفع الستار فتكلم
يباشين
الذي لكأنه العميل الأول متوجها إلى
الرؤساء الثلاثة والعميل الثاني لكونهما توافقا على الحلف مع ابن علي قبل ذهابه
بيوم وواصلا الحلف مع أذنابه الذين ما يزال بيدهم الحل والربط لكأن الثورة لم تحدث
أصلا:
يباشين:
ألم تعدوني بأن أكون الوارث للحزب الذي كان حاكما. فلم تآمرتم عليى "فمسحتم فمي من
كل شيء". ها أنتم أخرتم الانتخابات وأعدتم الحزب بل قويتموه بحيث لم يبق لي إلا
الأطفال اشتريهم بكسرة خبز وملعقة هريسة وغرام من التن لحضور اجتماعات والتفرج على
راقصاتي...
يسبسين:
قال مقاطعا بعد أن صار لا ينطق إلا بلسان عربي لا لكنة فيه ولا عجمة حتى إن أخطائه
لفرط قوة ذاكرته وفصاحته إلا بعض المرات في الآيتين اللتين حفظهما لما كان صغيرا
يتعلم كيف يقود السبسي لسيده الباي قاطعة قائلا: سم الأشياء بأسمائها حتى نفهمك يا
أخي في النضال. أليس مجموع ما وصفت يسمى كامخ ومكموخ بينهما جلد دجاج المسلوخ
ومطبوخ ومن حوله بعض الجبن المنفوخ ؟
روشعين:
قال ضاحكا ضحكة بلدي ابن بلدي ابن بلدي إلى غاية شجرة البلادة ضحك من كلام بلدي ابن
بلدي ابن بلدي دونه بلادة لأن لا يصل إلى أصل البلادة. فليس من قادة الجوامع بل من
قادة السباسي: مالك يا أخي؟ هل أنت من أصحاب التعريب تتأثر بسخافات المجامع العربية
؟ قالك كامخ ومكموخ. يزينا من الكلوخ. سمي الأشياء بأسمائها الحديثة: قل "كاسكغوت"
وقل "فغوماج". أو على الأقل تكلم بالتونسية الفصحى: قل كسكروت وقل فروماج.
عزبمين:
نطق الرئيس الثالث داعيا إلى الصلح بين الجماعة وتجاوز المسائل الاصطلاحية: شوف يا
يباشين:
لا تغضب. لا تعجل علينا. فالحل سهل. ادخل أحد فروع التجمع المائة وكفي المنافقين شر
القعود عن القتال. بل اقترح عليك حلا أسهل وحفظا لماء وجهك. غير اسم حزبك بدلا من
بلادة دائما بلدية
(ب.د.ب.)
اجعله
بلادة دائما تجمعية
(ب.د.ت) أو أقلك حل أفضل اجعله "د.د.ت."
أي "دورك ديمة لتالي" وهذا اسم افصح يفهمه أي تونسي خير اسم حروفه لا يستطيع
التونسي الأصيل النطق بها.
عندها سيكون ما يمدك به الحرايمية كافيا للكسكغوتات و أيضا لتوزيع بعض النعاج
والبغال على تجنيد أشباه النساء والرجال
في ما تنظمونه من كرنفال.
واسمح لي في هذه المناسبة أن أغير مناخ النقاش وليكن حديثنا في الشعر. ذلك أني أفهم
في الشعر إلى حد تصحيح أكبر شعرائنا ناهيك عمن صار منهم من الشخصيات "الواطي النية"
الذي يعد يحرق البلاد وإيقاع السماء على رؤوس العباد بحرق سيجارة يفوق أثرها أثر
ابن بلده إذ حرق نفسه. فشاعرنا العملاق
الذي "قرّد" مجلس شهود الزور
بعبارة "ماع" ليضيف "إج" فيحصل على "إجماع" التي هي من سنن هذا المجلس
الحميدة. لكني آخذ عليه رغم إعجابي الكبير
بشاعريته التي بز بها الشابي شاعر الثوار. فهذا الشويعر الشابي يظن أن الشعب يمكن
أن يغير الأقدار. أما هذا الشاعر وزميله الشخصية الواطي النية فإنه يعلم أهمية
مافية الخنار والعار لأنها تمده بكل ما يختار حتى لو بإخلاء
الديار وخدمة الاستعمار.لكني مع ذلك آخذ
عليه أنه يخلط بين صوت الخروف من الأغنام وصوت الجدي من الماعز: كان عليه أن يقول
"باع" بدلا من "ماع" فيكون المكمل لصورته "إت" وليس "إج" محافظة على نفس "الغيم"
(الراء تنطق غينا عند المستبلدين) "اتباع" وليس إجماع.
ميهاربإين:
عندئذ ثارت ثائرة من يبدو ثاني العملاء: أراكم تعالجون مشكل
يباشين
وتنسون مشكلي الذي هو أهم. فالديمقراطيات من الهجالات أفقدنني ما بقي من عقلي وعطلا
علمي ألا تعلموا أني بحث اللساني في آخر الزمان قد توقفت فأضعت دوري في خدمة
الإنسان: إنهن قد افتككن من الحزب ريادة الإبداع وقوادة الإصداع وحتى عرض الدلاع.
1-ففي الإبداع لم يكفهن أنهن دحضن حجة الحزب الأساسية حول الفصل بين السياسية
والدين أعني حجة خصوصية الديني وقدسيته وعمومية السياسي ومجنسيته فإذا بهن يقلبن
المشامية فيجعلن الديني عاما ومجنسا يٌناقش في الأفريكا والسياسي خاصا ومقدسا لا
يدور إلا في كنائسنا بين الأعضاء في كهنوت الحداثة حيث لا يحضر إلا كعيبات
"الحركيين" الذين حضرهم الاستعمار فلم يعود يخفيهم ما يجلب العار.
2-وفي قوادة الإصداع كان حزبنا التابع لحزب مارشي ولأحزاب وارثيه بعد أن قضى عليه
ميتران وارثيه من يسار
أمنا العكري فصرن هن المخبرات ليس لأمنا
فرنسا فحسب بل وكذلك لجدتنا روما بعد أن بُعثت حية كما بُعث المسيح لأن روما
الجديدة يهودية مسيحية كما يقول البابا الذي تربى في الشبيبة النازية.
3-وأخيرا ففي طريقة العرض لبيع الدلاع أغنت التي لا سيد لها ولا رب والتي سمت
إبداعها "إن شاء الله قلة الأدب" أغنت الناس عن سوق الجملة فصارت رؤوس أغلبهن دلاع
يباع على الطريق وفقاع يباع حتى في الضياع.
سكت الجميع. لم يعبر أحد من الجماعة. لم يحتج أحد. ولم يحقر أحد أحدا. فحتى المحتج
غلبه الشخير في جلسة كان الداعي إليها نفخ النفير. ويحق لكم أن تعجبوا. فهذا غير
طبيعي. أليسوا جميعا في عز الشباب؟ أين هم من نوح عليه السلام؟ أغبلهم دون عُشر
سنه. لذلك فهم يفيقون في اليوم بعض ساعة
يخصصونها للنفاق وتزويد الأبواق في نسمة وحنبعل والبنفسجية أعني مجمع الكذابين من
تلاميذ عهد القلم المأجور في ما هو أقرب إلى ثرثرة الماخور منه إلى الإعلام
المأثور.
انتهى المشهد الأول. وإلى لقاء قريب في المشهد الموالي.
|