معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                        مسار الثورة التونسية بين الإكبار والإرباك

                                        عادل بالرّزيق*

تمثل التحولات لحظة مفصلية في تاريخ الأمم والشعوب ، وذلك انطلاقا من طبيعة الظروف التي تولدها والأسئلة التي تثيرها . فالظروف المولدة للثورات هي وضعية إشكالية بالمعنى التام للكلمة : حيث يكون من الممتنع الاستمرار في نفس السياقات السابقة ويعيش النظام القائم حالة من انعدام القدرة على التماسك تجعله يئن تحت وطأة تناقضاته الداخلية فيتهاوى الصرح تلو الصرح ويصبح التلاشي حتمية داخلية ، هذا من جهة ،ومن جهة ثانية تتالى الضغوط الطرفية –الخارجية بإشكال يصعب تحديد طبيعتها أو مداها و يصبح التفكيك مطلبا موضوعيا تلتقي عنده كل الجهود الطامحة إلى التغيير فلا عجب حينئذ أن يكون التقاء الداخلي بالخارجي إيذانا بالنهاية لنظام لم يعد يملك القدرة (أي الإمكان الفعلي) ولا الشرعية (أي الجواز الأخلاقي) وهذا ما تشهده المنطقة العربية حاليا والذي كان لثورة الشعب التونسي شرف ريادته ابتداء وسيكون عليه وجوب تحقيق غايته انتهاء.

وإذا كان مسار الثورات هو الدفع باتجاه التحول النهائي من نمط استوفى صلاحيته وانغلقت عليه دائرة اكتماله دونما كمال نحو آفاق واسعة من الإبداع تواكب هواجس اليوم التالي وتسير وفق نسق التدافع الاجتماعي والسياسي المفجر للأسئلة الثقافية والتربوية طلبا لمثل وغايات ما كانت الثورة لتستحق اسمها إلا لأنها تنهض من أجلها وتتحرك نحو ما تعبر عنه من إرادة كلية في السمو، فان أية قراءة لمسار ثورة لا تزال تسير باتجاه تحقيق معناها وتمعين حقيقتها تتطلب:

 -اجتناب التعامل "الفوري" المحكوم بانفعال المواكبة والرغبة في اتخاذ موقف يحدد النتيجة والمآل قبل فهم الأسباب ووعي الأشكال، فمن شان هكذا أسلوب أن يجعل الحدث مسجونا ضمن مسلمات الحديث ويصبح التاريخ مجرد مصادقة على صواب النظريات وتصادر عندها إرادة التجاوز باسم إدارة الجائز.

-التخلي الكلي عن الاستباق والإسقاطات المستقبلية التي يبدو عليها الاستشراف في الظاهر ولكنها استعجال للنتائج في الباطن ، فهذا الأسلوب يكاد يسقط في التنجيم والخيمياء بمقتضى الميل إلى تحديد المستقبل قبل فهم الماضي وتأمل الحاضر ويصبح رسم ملامح المصير مقدما على مراس أحوال المسير وتصادر مطالب النظر بقوة طلب الظفر.

-بعد طرح الطريقتين الشائعتين-الشائنتين جانبا لابد من رسم معالم البديل وهو التعاطي "بعقل بارد" مع هبة النار والتراب التي ثارت ذات شتاء في أعماق الهيكل الدولتي الخاوي لنظام استلابي صدئ ما فتئ المرممون ومقاولو "الطولة والدهينة" يصدعون رؤوسنا بتمجيد حداثته الموهومة وعصريته المزيفة لتبرير استمرار سلبهم لمكامن القوة ومنابع الحرية في الجسد الحضاري العربي الإسلامي . فقد تغنى أدعياء المعرفة بامتلاك وصفة التقدم وتحلقوا حول طاغوت المال والقمع البوليسي مسبحين بحمد النظام متغزلين بقشرته الفاخرة- لأنها مستوردة طبعا- فتمسكوا بأهداب القماش الحضاري لمشروع الإلحاق النهائي لمقدرات الشعب التونسي وارتهانه لمنوال التنمية المنزل عليه من سماء المثل الغربية سواء كانت من اللون الأزرق ("ليبرالية" فجة) أو الأحمر("اشتراكية" فظة) وانتهى تحلق الذباب الحداثوي حول جيفة النظام الاستبدادي إلى تعميم العفن وانتشار رائحة الجثث النتنة حتى كادت تونس الخضراء أن تصبح صحراء بلون بنفسجي !!! (للإشارة فقط فان هذا اللون هو نتيجة مزج اللونين السابقين حسب تقنيات الصبغ).

وبالنظر إلى الوضعية الإشكالية التي يولدها سقوط الوثن وزوال الوهم والوهن عن جسد تونس العربي الإسلامي، فان         الفهم مقدم على الحكم ، ولا يتعلق الأمر هنا بفهم الجانب الحدثي بل محاولة تقصي المعنى واستجلاء الدلالات لما يستحق اسم "اللحظة التاريخية" التي يعيشها البلد في جميع المجالات وبكل الأبعاد والمقاييس.وهنا يصبح تحديد الحقيقة مقدمة لإنتاج المعنى حتى لا تستهلك المقاربات التحقيقية ذاتها  ويختفي التمعين.وعليه يمكن أن نشير إلى :

*إن الثورة التونسية هي شرخ في نسق النظام العالمي الجديد وانكسار لحلقة أساسية من حلقات التغول الرأسمالي ممثلا في العولمة المزهوة بنجاحاتها التكنولوجية الاقتصادية ، فقد أظهرت تجربة التنمية المشوهة في بلادنا أن منوال التطور ليس قائمة مشتريات أو بيانا تختزله الأرقام الجليدية والنسب والجداول ولا هو بهلوانيات يتقنها الأطفال الذهبيون (golden boys) النابتون داخل الأسواق المالية والأسطح الافتراضية ولكن المنبتون عن الفعل الإنتاجي والنشاط الاقتصادي الواقعي. فما حدث منذ سنوات واصطلح على تسميته بـ"الأزمة المالية العالمية' إنما هو تغليف دعائي لتجميل الوجه الكريه للكارثة التي يتخبط فيها راس المال وهي إفلاسه ماديا وأخلاقيا بعد تعذر محاولات إنقاذه عبر القهر الاجتماعي والتسلط السياسي والتدخل العسكري والتضليل الإعلامي.وهنا يجب أن نعي مقدار الاستياء الجماعي والنفور الكوني من استمرار التبشير بنموذجية التحضر الغربي ونربط ذلك بتنامي أشكال المقاومة الثقافية والرمزية لأشكال الطمس والإدماج القسري والتبعية .

*إن ثورة الشعب في تونس هي إعلاء لشأن الإرادة العامة من جديد وانتصار لمطالب الحق والعدل والحرية على متطلبات "الأمن" و"الاستقرار" ، فقد اظهر التدافع الجماهيري أن عصر النخب التي تصادر قرار الناس وتزعم تمثيلهم دون أن تكون قد أنابت إليهم أمرها قد ولى إلى غير رجعة وهو ما يعيد إلى البحث مشكل الديمقراطية وأشكالها بعيدا عن ديمقراطية الأحزاب و أشكال الممارسة التمثيلية (مسرحية كانت أم دبلوماسية ) .كما يتأكد بفعل الجدل المستمر حول نظام تسيير الشأن العام أن النماذج التقليدية قد تآكلت وان حركة البناء الديمقراطي ستنتج صيغة فريدة تحتفظ بجوهر الديمقراطية (سيادة الشعب-كرامة المواطن-شرعية الدولة) وتتجاوز نقائصها المرتبطة بالأشكال الخاصة والطرق الخصوصية .وهنا يجب أن نعي مبلغ الانخراط العالمي في النقاش حول كونية النموذج الليبرالي وما إذا كان مجرد خصوصية غربية وقع تعميمها ويصار إلى تنميطها وتوحيدها بل واعتبارها قدرا لا فكاك منه!.

*إن انفجار الاحتجاج وتمادي الرفض الشعبي لسياسات مملاة وفق أولويات حساب أناني للمصالح يعيد التأكيد على دلالة الغاية من الوجود البشري في نطاق المدينة ومعنى العمل في هذا السياق المشترك. فلقد تنامى الانعزال بين أعضاء المجموعة الواحدة حد التذرر الأسري والتشتت الأهلي وارتد المواطنون أفرادا لا أخلاقية لفعلهم ولا ضوابط لنزعات التغلب والتملك لديهم بما أدى إلى انعدام المعايير واستواء الطرفين وهو ما خلق اقتناعا باللامبالاة وانتفاء الشعور بأية إلزامية " لا لزوم لما يلزم" فإذا كانت العولمة هي إنتاج مجتمعات بلا هوية فان ظهيرها-العدمية- هو خلق أفراد بلا ملامح  أو كوابح .وهنا يجب أن نعي تصاعد التعبير عن الضجر والقلق والسام حد الغثيان وغلبة العبث واللامعقول المتحكمين في الأفعال والماسكين بزمام الإرادة بما فجر أسئلة محرقة عن الهدف من الحياة وغاية الوجود والمعنى من البقاء.

وبذلك يكون مغزى الثورة التونسية ثلاثية الأبعاد (اقتصادي-سياسي-اجتماعي) إعادة صهر- بالمعنى الاستراتيجي-للأسس التي تقوم عليها تجربة العيش معا في فضاء مدني ما،ويكون من أوكد موجبات النظر تطوير الحوار العقلاني حول المسائل المركزية وتنمية البحث عن صيغ منهجية أكثر قدرة على الارتقاء إلى استيعاب الحالة الثورية في حجمها الكبير والذي يستحق الإكبار فعلا لأنه كان قادرا على إرباك الصيغ التقليدية والنماذج السائدة وإعلان انتهاء صلاحيتها.وهنا يمكن الجزم بان كل حديث عن هذا الحدث سيظل أدنى من أن يطال كل مفاعيله وتداعياته،فالثورة في المسار/الطريق وهي سيل يفيض بوعود من العاصفة !!!

*مبرّز في الفلسفة - تونس

المصدر: بريد موقع الفلسفة www.alfalsafa.com

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2011

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي