
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
موقف ابن خلدون من علم الكلام
تصنيف أحمد إدريس عبد الله
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أهدي هذا البحث للذين أضاءوا شموع الحق في زمن الظلمات، وأناروا دروب الهدى في عصر انتشرت فيه الجهالات، فوقفوا صخرة منيعة في وجوه أصحاب الضلالات..
إلى شيخنا ومولانا العلامة الشيخ سعيد فودة حفظه الله وأدام علينا من بركاته ونفعنا به، نصر الله به أهل الحق وجعله غصة في حلوق أرباب الهوى والزيغ والضلال، وإلى الشيخ الفاضل بلال النجار الشيخ الخلوق المتواضع الذي يحرق نفسه ليضيء للآخرين، وإلى شيخنا الفاضل عماد الزبن الذي ما يزال يغمرنا بفضله وألطافه..
وإلى الإخوة الأفاضل في منتدى الأصلين الصادحين بالحق رغم أنوف الحاقدين..
وإلى جميع الباحثين عن الحق من منابعه صافيا أصيلا لا تعكره أهواء المبتدعين، ولا زخارف المتهوكين الذين يحرفون الكلم عن مواضعه..
سائلا المولى عز وجل أن ينفع به، ويغفر لنا ما كان من زلل وتقصير..
فهرس المحتويات: TOC \o "1-3" \h \z \u
مكانة ابن خلدون، ورأي الباحثين في اشتغاله بعلم الكلام
- تعريف علم الكلام عند متكلمي الأشاعرة
رأي ابن خلدون في موضوع علم الكلام
كلام المتكلمين في موضوع علم الكلام
* مرتبة علم الكلام بين العلوم *
* الغرض من علم الكلام وفائدته *
غايته وفائدته كما يذكرها المتكلمون
* البرهان العقلي على التوحيد *
* تقرير العقائد في علم الكلام جملة *
* الكلام على الفرق الإسلامية *
الكلام على طائفة متأخرة من المتأخرين
تقرير أن الأشاعرة هم أهل السنة
* خلاصة القسم الأول من البحث *
التعريف بابن خلدونهو أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد بن جابر بن خلدون الحضرمي الإشبيلي. ولقبه ولي الدين لقبه بذلك السلطان الظاهر برقوق من سلاطين المماليك في مصر عند عهده إياه بمنصب قاضي قضاة المالكية في مصر سنة 786هـ -1386م، ذكره المقريزي في ترجمته له، ولقب أيضا بالوزير، والفقيه، والرئيس وجمال الإسلام والمسلمين.
ولد في تونس غرة رمضان سنة 732هـ سنة 1332م، وفيها شب وتعلم، حيث كان أبوه معلمه الأول. ثم اختلف علي العديد من العلماء والمشايخ الذين استقطبتهم تونس من مختلف بلاد المغرب والأندلس بعد أن ساءت أحوالهم في تلك البلاد فحفظ عليهم القرآن وجوده بالقراءات السبع- وكذلك بقراءة يعقوب ابن اسحق البصري. وتلقف عنهم علوم الشرع من تفسير وحديث وفقه وأصول وتوحيد، ودرس علوم اللسان من لغة ونحو وصرف وبلاغة وأدب وتاريخ ثم درس المنطق والفلسفة وعلوم الطبيعة والرياضة. ولقد أظهر في كل أولئك نبوغا أعجب شيوخه.
ومن الكتب التي آثر ابن خلدون أن يقف عندها في تعريفه اللامية في القراءات والرائية في رسم المصحف للشاطبي وكتاب التسهيل في النحو لابن مالك والأغاني لأبي الفرج الأصبهاني والمعلقات وكتاب الحماسة للشنتمري وديوان أبي تمام وديوان المتنبي والصحاح الست خاصة صحيح مسلم وموطأ مالك وكتاب التهذيب للبرادعي ومختصر ابن الحاجب في الفقه والأصول ومختصر سحنون فــي الفقه المالكي لابن إسحق.
ولما بلغ ابن خلدون الثامنة عشرة اجتاح تونس الطاعون فأهلك فيمن أهلك أبويه وجميع من كان يأخذ عنهم العلم.
وفي عهد الوزير أبو محمد بن تافراكـين تولى ابن خلدون سنة 751 هـ كتابة العلامة للسلطان، وكانت هذه أول وظيفة يتولاها في دولة بني حفص.
تزوج بعد هروبه إلى الجزائر عقب سقوط حكم ابن تافراكين نحو عام 754 هـ وفي فاس عاود ابن خلدون الدرس والاتصال بالشيوخ والعلماء من المغرب وممن وفد عليها من الأندلس.
ثم ارتحل إلى غرناطة في الأندلس وقصد إليها أوائل سنة 764 هـ. واتصل بأمير غرناطة محمد بن يوسف بن الأحمر ووزيره الأديب ذائع الصيت لسان الدين بن الخطيب اللذين كانت تربطهما بابن خلدون صداقة قوية حيث تولى مناصب عديدة، وكان في كل مرة عرضة للوشاية والعزل، فكان يبتعد أحيانا عن السياسة لكن ولعه بها يعيده إليها. وكان لمقتل الوزير ابن الخطيب أمامه أثره عليه حيث انصرف عن السياسة ليلقي بنفسه في أحضان كتبه فبدأ بالترحال ليكمل كتاباته ويتعرف على التاريخ.
انتقل إلى القاهرة أول ذي القعدة 784هـ، وقضى فيها قريبا من ربع قرن، ودرس في أشهر مدارسها ومنها الأزهر، وتولى مشيخة خانقاه بيبرس الذي كان من أكبر التجمعات الصوفية، وتقلد فيها منصب شيخ قضاة المالكية.
وفي سنة 789هـ سافر لتأدية فريضة الحج، وسافر إلى القدس سنة 802هـ، وكانت آخر رحلاته إلى دمشق والتقى فيها بتيمورلنك سنة 803هـ، ثم عاد بعدها إلى مصر.
توفي ابن خلدون رحمه الله في السادس والعشرين من رمضان سنة808هـ - 1406م، ليلة القدر، ودفن في مقابر الصوفية بالقاهرة، تاركا وراءه عدة مؤلفات قيّمة منها:
المقدمة،
كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، وهو المشهور بتاريخ ابن خلدون، الذي اشتهرت مقدمته المعروفة بمقدمة ابن خلدون.
لباب المحصل في أصول الدين في علم الكلام، وألفه في مقتبل عمره وهو تلخيص لكتاب المحصل للإمام الرازي.
التعريف بابن خلدون ورحلته شرقا وغربا- ترجمة ذاتية.
شفاء السائل وتهذيب المسائل - في التصوف.
مكانة ابن خلدون، ورأي الباحثين في اشتغاله بعلم الكلام
يحتل ابن خلدون في التراث العربي الإسلامي، وفي الفكر الغربي المعاصر، مكانة متميزة. فهو صاحب رؤية حضارية خاصة، لا سيما فيما يتعلق بدراسة التاريخ البشري، والمجتمع الإنساني، والعمران الحضاري. فقد تحدث عن التاريخ باعتباره حضارة تنشئها أمة من الأمم حتى تسقط وتنهار.
لذلك اهتم به الباحثون كثيرا، وعكفوا على تحليل مقدمته، إلا أن كثيرا من هذه الأبحاث لم تتسم بالحيادية، وذلك أن كثيرا من اهتمام الباحثين العرب بدراسة ابن خلدون كان بعد الاكتشاف الغربي له، فجاءت دراساتهم متأثرة به، بل لعل الباحثين الغربيين كانوا أكثر إنصافا ممن تابعهم من العرب إلا من رحم الله، وذلك أن غالب المتكلمين على ابن خلدون إنما يريدون استغلال براعة هذا العالم الفذ في نظرية العمران وعلم الاجتماع، الذي أبدع ابن خلدون الكلام عليه، لترويج أفكار اعتنقوها ومحاولة ليّ أعناق نصوص ابن خلدون ليتحقق لهم ما يريدون إيهامه، وهم مع ذلك يغفلون خلفية فكر ابن خلدون الإسلامية أو يتنكرون لها، محاولين نزعه من ثقافته وبيئته، فابن خلدون أشعري، فقيه، أصولي، محدث، لغوي، وصوفي أيضا، لكنهم يتغافلون عن هذا الأمر؛ وباتوا يربطون نبوغ ابن خلدون باليونان والغربيين. (وللتوسع في هذا الأمر ينصح بالاطلاع على كتاب الدكتور مصطفى الشكعة بعنوان "الأسس الإسلامية في فكر ابن خلدون ونظرياته").
إلا أن ما يهمنا في هذه الورقات هو ما يثار من كلام حول علاقة ابن خلدون بعلم الكلام، ومنهجه الكلامي الذي حظي أيضا بشيء من الأخذ والرد؛ "فقد تعددَّت الآراء حول أصالةِ وجدَّة الإنتاج المتعلِّق بعلم الكلام الذي أبدعه ابن خلدون؛ فقد رأى فيه بعض المعاصرين متكلمًا أصيلا، وفي مقدمتهم لويس جارديه وجورج قنواتي، وصنَّفه عددٌ كبيرٌ من الباحثين كأحد متكلمي الأشاعرة، مثل الدكتور محجوب ميلاد الذي أكَّد على ذلك بقوله: «إن ابن خلدون أشعريٌ في الأصول، وينتحل في الأشعريّة طريقة المتأخرين»، أما الدكتور أبو العلا العفيفي فقد ذهب إلى أن ابن خلدون يتوافر على نظراتٍ فاحصة في مجال علم الكلام ويشبِّهه بالإمام الغزالي، وأيّد هذه المقولة الدكتور عمر فروخ الذي قال: «إن ابن خلدون أشعريّ المذهب، ومخالفٌ للمعتزلة في آرائهم».
أما الأستاذ عبد الله عنان فقد اعتبر أن اهتمام ابن خلدون بهذا العلم كان مبكرًا، إذ أن أوّل مصنَّف قام بتأليفه كان عن أحد الكتب الكلاميّة للفخر الرازي، وهو «مُحصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين» فقام ابن خلدون بتلخيصه في «لُباب المُحصّل».
إلا أن هناك مجموعة من العلماء والمفكرين أنكروا أن يكون ابن خلدون متخصصًا في علم الكلام - على الرغم من معرفته به - ومنهم جورج لابيكا". (انظر الفكر الكلامي عند ابن خلدون، د.منى أبو زيد، المؤسسة الجامعية، ط1-1997، ص15).
بل بلغ الأمر بالكاتب «هورو» أن نسب "عدم استمرار ابن خلدون في فتوحاته التاريخية العقلانية والوضعية للعمران البشري إلى أنه ظل متأثرا بالإيديولوجيا الدينية الأشعرية التي كانت سائدة في عصره". (يراجع "ابن خلدون، إسلام الأنوار"، كلود هورو، مطبوعات كوميليكس بروكسل 2006)
وهكذا نرى هذا الخلاف الذي أثاره الغربيون في كتاباتهم عن ابن خلدون، وتابعهم فيه من كتب عنه من العرب، على الرغم من أن نصوص المقدمة وما كتبه ابن خلدون ما تزال ناطقة، بعبارات صريحة وواضحة، إلا أن داء النقل قد أصاب كثيرا من أهل هذا الزمان، حتى باتوا لا يعرفون عن ابن خلدون إلا ما كتبه الآخرون، لذا سنحاول بإذن الله الوقوف على المنهج الكلامي لابن خلدون، باستقصاء ما يمكن من نصوصه، وسنقتصر في هذا البحث على نصوص المقدمة، إذ فيها عصارة فكر ابن خلدون رحمه الله.
وسيكون منهجنا في هذا البحث أن نستقصي نصوص ابن خلدون التي تختص بعلم الكلام، ونستعرض آراء المتكلمين، وسنعتمد أساساً كتاب شرح المقاصد للإمام السعد، وشرح المواقف للشريف الجرجاني، لكونهما من أبرز الكتب في تحقيق هذا العلم، ونرى مدى تطابق رأي ابن خلدون مع آرائهم، إلى أن نخلص إلى الموقف الكلامي لابن خلدون رحمه الله.
وسنذكر في هذا البحث بإذن الله الشبه التي يوردها البعض من كلام ابن خلدون على علم الكلام، والرد عليها من نصوص ابن خلدون نفسه، ولن نتعنى بعزو هذه الشبه إلى قائليها، لأنها باتت معروفة، واللاحق منهم يردد ما قاله السابق، هكذا، مع أن قليلا من النظر في ما كتبه ابن خلدون رحمه الله يبدد هذه الأوهام التي لا مكان لها إلا في أذهانهم المنغلقة.
إننا نأمل من هذا البحث أن نضع خطوة في الطريق الصحيح للتعامل مع هؤلاء الأئمة، وتحقيق آرائهم ومذاهبهم من داخل نصوصهم، بعيدا عن إصدار أحكام مسبقة، واتباع آراء غير محققة، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
* تعريف علم الكلام *
- تعريف ابن خلدون لعلم الكلام:
"علم الكلام وهو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية، بالأدلة العقلية، والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة." (تاريخ ابن خلدون، المسمى ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ج1:مقدمة ابن خلدون، اعتناء الأستاذ خليل شحادة، دار الفكر، 2001م، الباب السادس/الفصل العاشر - ص 580).
وقال أيضا: "ثم إن التكاليف: منها بدني، ومنها قلبي، وهو المختص بالإيمان وما يجب أن يعتقد مما لا يعتقد. وهذه هي العقائد الإيمانية في الذات والصفات وأمور الحشر والنعيم والعذاب والقدر. والحجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو علم الكلام". (تاريخ ابن خلدون/ج1:المقدمة، ص550)
- تعريف علم الكلام عند متكلمي الأشاعرة:
عرف الإمام عضد الدين الإيجي (ت756هـ) علم الكلام: "الكلام علم يقتدر معه إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه، والمراد بالعقائد ما يقصد فيه نفس الاعتقاد دون العمل، والدينية المنسوبة إلى دين محمد عليه السلام" (شرح المواقف للجرجاني (ت816هـ)، مطبعة السعادة، ط1- 1907م، ج1/ص34 وما بعدها.)
وقال السعد: "ومعنى إثبات العقائد تحصيلها واكتسابها بحيث يحصل الترقي من التقليد إلى التحقيق أو إثباتها على الغير بحيث يتمكن من إلزام المعاندين أو إتقانها وإحكامها بحيث لا تزلزلها شبه المبطلين" (شرح المقاصد، الإمام مسعود بن عمر الشهير بسعد الدين التفتازاني (ت793هـ)، تحقيق الدكتور عبد الرحمن عميرة، عالم الكتب-بيروت، ط2 (1419هـ-1998م) ج1/ص166)
وقال:"الكلام هو العلم بالعقائد الدينية عن الأدلة اليقينية"(شرح المقاصد، ج1/ص163) ..."ظهر أنه العلم بالقواعد الشرعية الاعتقادية المكتسب من أدلتها اليقينية وهذا هو معنى العقائد الدينية أي المنسوبة إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم سواء توقف على الشرع أم لا وسواء كان من الدين في الواقع ككلام أهل الحق أم لا ككلام المخالفين" (شرح المقاصد، ج1/ص165)
نقاش:
قدم ابن خلدون رحمه الله تعريفا موجزا يعبر عن الغرض من علم الكلام، حتى صار تعريفه لوضوحه واختصاره معتمدا عند كثيرين لتعريف هذا العلم الجليل، وابن خلدون يقرر من البداية أن هذا العلم معتمده الأدلة العقلية، وأن الحجاج عن العقائد والرد على المبتدعة والمنحرفين يكون بهذه الأدلة العقلية، وفي هذا رد على من ادعى أن ابن خلدون يرى عدم جدوى الأدلة العقلية في إثبات العقائد، وسيأتي ذلك تفصيلا عند كلامه على الاستدلال على العقائد، ليتبين لك أن ابن خلدون سائر على طريقة المتكلمين الأشاعرة من البداية إلى النهاية.
وقد يقال إن ابن خلدون إنما أراد تعريف علم الكلام السني أو الأشعري، إذا اعتبرنا الجملة الثانية من ضمن التعريف، وليس في هذا إنكار لنشأة علم الكلام على أيدي المعتزلة كما زعم البعض، لأنه ذكر هذه النشأة فيما بعد، ولكن يبدو لي أنه عرف هذا العلم بحسب ما استقر عليه أمر علم الكلام عنده، كعلم للدفاع عن عقائد الإسلام الصحيحة المتمثلة بأهل السنة، ومما يؤيد ذلك وصفه فيما بعد الإمام الأشعري بأنه إمام المتكلمين.
* موضوع علم الكلام ومسائله *
رأي ابن خلدون في موضوع علم الكلام:
قال ابن خلدون: "وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فروضها صحيحة من الشرع، من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية، فترفع البدع وتزال الشكوك والشبه عن تلك العقائد. وإذا تأملت حال الفن في حدوثه، وكيف تدرج كلام الناس فيه صدراً بعد صدر، وكلهم يفرض العقائد صحيحة ويستنهض الحجج والأدلة، علمت حينئذ ما قررناه لك في موضوع الفن، وأنه لا يعدوه". (المقدمة، ب6/ف10،ص590)
وقال في موضع آخر، في فصل علم الإلهيات: "لأن مسائل علم الكلام إنما هي عقائد متلقاة من الشريعة، كما نقلها السلف من غير رجوع فيها إلى العقل ولا تعويل عليه، بمعنى أنها لا تثبت إلا به. فإن العقل معزول عن الشرع وأنظاره. وما تحدث فيه المتكلمون من إقامة الحجج، فليس بحثاً عن الحق فيها ليعلم بالدليل بعد أن لم يكن معلوماً كما هو شأن الفلسفة، بل إنما هو التماس حجة عقلية تعضد عقائد الإيمان ومذاهب السلف فيها، وتدفع شبه أهل البدع عنها، الذين زعموا أن مداركهم فيها عقلية. وذلك بعد أن تفرض صحيحة بالأدلة النقلية كما تلقاها السلف واعتقدوها، وكثير ما بين المقامين. وذلك أن مدارك صاحب الشريعة أوسع لاتساع نطاقها عن مدارك الأنظار العقلية، فهي فوقها ومحيطة بها لاستمدادها من الأنوار الإلهية، فلا تدخل تحت قانون النظر الضعيف والمدارك المحاط بها. فإذا هدانا الشارع إلى مدرك، فينبغي أن نقدمه على مداركنا ونثق به دونها، ولا ننظر في تصحيحه بمدارك العقل ولو عارضه، بل نعتقد ما أمرنا به اعتقاداً وعلماً، ونسكت عما لم نفهم من ذلك ونفوضه إلى الشارع ونعزل العقل عنه". (المقدمة، ب6/ف27، ص653-654)
وهذا النص من ابن خلدون في غاية الأهمية في بيان أن علم الكلام للاستدلال على نفس العقائد الثابتة بالشرع وليس لاختراع العقائد ولا الخوض في الصفات الإلهية كشفاً عن حقائقها لأن ذلك فوق قدرة العقل ومدركاته.
ثم قال: "وأما النظر في مسائل الطبيعيات والإلهيات بالتصحيح والبطلان، فليس من موضوع علم الكلام، ولا من جنس أنظار المتكلمين. فاعلم ذلك لتميز به بين الفنين فإنهما مختلطان عند المتأخرين في الوضع والتآليف. والحق، مغايرة كل منهما لصاحبه بالموضوع والمسائل. وإنما جاء الالتباس من اتحاد المطالب عند الاستدلال، وصار احتجاج أهل الكلام كأنه إنشاء لطلب الاعتقاد بالدليل، وليس كذلك. بل إنما هو رد على الملحدين، والمطلوب مفروض الصدق معلومه". (المقدمة، ص654)
وهذا النص مهم في بيان أن الاشتغال بالطبيعيات ليس بالذات في علم الكلام لأنه علم مغاير له، وإنما هو بالعرض للتوسل بما ثبت فيه لإثبات العقائد الدينية. وفرق كبير كما قال ابن خلدون بين الأمرين.
وقال: "وذلك أن قوماً من عقلاء النوع الإنساني زعموا أن الوجود كله، الحسي منه وما وراء الحسي، تدرك ذواته وأحواله بأسبابها وعللها بالأنظار الفكرية والأقيسة العقلية، وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع، فإنها بعض من مدارك العقل. وهؤلاء يسمون فلاسفة،" (المقدمة، ب6/ف31، ص707)
هذا النص لبيان الفرق بين صنعة الفلسفة وصنعة الكلام تأكيداً على ما بينه آنفاً من الاختلاف بين المسلكين.
كلام المتكلمين في موضوع علم الكلام:
قال في شرح المقاصد: "موضوع علم الكلام هو المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية لما أنه يبحث عن أحوال الصانع من القدم والوحدة والقدرة والإرادة وغيرها وأحوال الجسم والعرض من الحدوث والافتقار والتركب من الأجزاء وقبول الفناء ونحو ذلك مما هو عقيدة إسلامية أو وسيلة إليها وكل هذا بحث عن أحوال المعلوم وهو كالموجود بين الهلية والشمول لموضوعات سائر العلوم الإسلامية فيكون الكلام فوق الكل إلا أنه أوثر على الموجود ليصح على رأي من لا يقول بالموجود الذهني" (شرح المقاصد، ج1/ص 173)
وقال: "ومسائله القضايا النظرية الشرعية الاعتقادية" (شرح المقاصد، ج1/ص174)
وقال السيد الجرجاني في تعليقه على تعريف الإمام العضد: "واختار إثبات العقائد على تحصيلها إشعارا بأن ثمرة الكلام إثباتها على الغير، وأن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتد بها، وإن كانت مما يستقل العقل فيه" (شرح المواقف، ج1/ص36)
ونقل أيضا رأي طائفة من المتكلمين في موضوعه فقال: "وقيل هو أي موضوع الكلام الموجود بما هو موجود أي من حيث هو هو غير مقيد بشيء والقائل به طائفة منهم حجة الإسلام، ويمتاز الكلام عن الإلهي المشارك له في أن موضوعه أيضا هو الموجود مطلقا باعتبار وهو أن البحث ههنا أي في الكلام على قانون الإسلام بخلاف البحث في الإلهي فإنه على قانون عقولهم وافق الإسلام أو خالفه" (شرح المواقف ج1/ 47)
والمقصود بالإلهي هنا هو قسم الإلهيات في الفلسفة. وهذا الكلام موافق كما ترى لكلام ابن خلدون.
وقال: "وهي أي شهادة العقل لها بصحتها مع تأيدها بالنقل هي الغاية في الوثاقة إذ لا يبقى شبهة في صحة الدليل الذي تطابق فيه العقل والنقل قطعا بخلاف دلائل العلم الإلهي فإن مخالفة النقل إياها شهادة عليها بأن أحكام عقولهم بها مأخوذة من أوهامهم لا من صرائحها فلا وثوق بها أصلا" (شرح المواقف، ج1/52)
وقال في موضع آخر " وتجويز أن تكون مبادىء أعلى علوم الشرع مبينة في علم غير شرعي وتحتاج بذلك إليه مما لا يجترىء عليه إلا فلسفي أو متفلسف يلحس من فضلات الفلاسفة" (شرح المواقف، ج1/59)
وقال الإمام السعد في التفريق بين موضوع علم الكلام والفلسفة "ولما كان موضوع العلم الإلهي من الفلسفة هو الموجود بما هو موجود وكان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات قيد الموجود ههنا بحيثية كونه متعلقا للمباحث الجارية على قانون الإسلام فتميز الكلام عن الإلهي بأن البحث فيه إنما يكون على قانون الإسلام أي الطريقة المعهودة المسماة بالدين والملة والقواعد المعلومة قطعا من الكتاب والسنة والإجماع مثل كون الواحد موجدا للكثير وكون الملك نازلا من السماء وكون العالم مسبوقا بالعدم وفانيا بعد الوجود إلى غير ذلك من القواعد التي يقطع بها في الإسلام دون الفلسفة وإلى هذا أشار من قال الأصل في هذا العلم التمسك بالكتاب والسنة أي التعلق بهما وكون مباحثه منتسبة إليهما جارية على قواعدهما على ما هو معنى انتساب العقائد إلى الدين" (شرح المقاصد، ج1/177)
* سيأتي الكلام على مبحث الإمامة وصلته بعلم الكلام في بابه.
نقاش:
- يؤكد ابن خلدون أن موضوع علم الكلام " العقائد الإيمانية بعد فروضها صحيحة من الشرع"، "لأن مسائل علم الكلام إنما هي عقائد متلقاة من الشريعة"، وهذا مطابق لما قاله المتكلمون "البحث ههنا أي في الكلام على قانون الإسلام"، و"المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينية"، ويتفق الطرفان في أن مادة هذا العلم تؤخذ من الشرع حيث قال السعد "ومسائله القضايا النظرية الشرعية الاعتقادية" وقال الشريف "إن العقائد يجب أن تؤخذ من الشرع ليعتد بها".
- يؤكد ابن خلدون كما أهل الكلام على التفريق بين ما يبحث فيه علم الكلام وما تبحث فيه الفلسفة، وأن البون بينهما شاسع، وابن خلدون يتخذ موقفا صلبا تجاه الفلسفة، لذا يركز كثيرا على التفريق بين علم الكلام الذي هو علم شرعي مطلوب لذاته، وبين الفلسفة الضارة بالدين، وتراه ينبه دائما على هذا الفرق، بين هذا العلم المستمد من الشريعة أو كما عبر عنه السعد "على قانون الإسلام" وبين الفلسفة التي تبحث في الوجود المطلق ولا تبني على هذه المقدمات التي يقطع بها في الإسلام، وهو في كلامه هذا يطابق آراء المتكلمين ويحذو حذوهم كما تبين من النقول السابقة.
- يتمسك بعضهم بقول ابن خلدون "من غير رجوع فيها إلى العقل ولا تعويل عليه" للاستدلال على أن العقل لا مدخلية له في العقائد البتة، وفي هذا افتراء على ابن خلدون لأنه وضح مراده بذلك في العبارة التالية لها مباشرة بقوله "بمعنى أنها لا تثبت إلا به" وهذا الكلام موافق لمذهب المتكلمين كما وضحنا سابقا من أن هذا العلم مادته مأخوذة من الشرع، ومراد ابن خلدون إنما هو التشنيع على الفلاسفة ومن تابعهم كما يتضح من عباراته اللاحقة، " فليس بحثاً عن الحق فيها ليعلم بالدليل بعد أن لم يكن معلوماً كما هو شأن الفلسفة"، "وأن تصحيح العقائد الإيمانية من قبل النظر لا من جهة السمع، فإنها بعض من مدارك العقل. وهؤلاء يسمون فلاسفة"، فاتضح المراد، وفيما نقلناه من كلام المتكلمين في توضيح هذا الرأي كفاية، وبالله التوفيق.
* مرتبة علم الكلام بين العلوم *
رأي ابن خلدون:
"وأصل هذه العلوم النقلية كلها هي الشرعيات، من الكتاب والسنة التي هي مشروعة لنا من الله ورسوله، وما يتعلق بذلك من العلوم التي تهيأوها للإفادة. ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي، الذي هو لسان الملة وبه نزل القرآن. وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة، لأن المكلف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه، وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص أو بالإجماع أو بالإلحاق، فلا بد من النظر في الكتاب: ببيان ألفاظه أولاً، وهذا هو علم التفسير، ثم بإسناد نقله وروايته إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء به من عند الله، واختلاف روايات القراء في قراءته، وهذا هو علم القراءات، ثم بإسناد السنة إلى صاحبها، والكلام في الرواة الناقلين لها، ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق بأخبارهم، ويعمل ما يجب العمل بمقتضاه من ذلك. وهذه هي علوم الحديث. ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني، يفيدنا العلم بكيفية هذا الاستنباط، وهذا هو أصول الفقه. وبعد هذا تحصل الثمرة بمعرفة أحكام الله تعالى المكلفين، وهذا هو الفقه. ثم إن التكاليف: منها بدني، ومنها قلبي، وهو المختص بالإيمان وما يجب أن يعتقد مما لا يعتقد. وهذه هي العقائد الإيمانية في الذات والصفات وأمور الحشر والنعيم والعذاب والقدر. والحجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو علم الكلام".(المقدمة، ب6/ف4- ص550)
"اعلم أن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين: علوم مقصودة بالذات، كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام، وكالطبيعيات والإلهيات من الفلسفة، وعلوم هي آلة ووسيلة لهذه العلوم، كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات، وكالمنطق للفلسفة. وربما كان آلة لعلم الكلام وأصول الفقه على طريقة المتأخرين. فأما العلوم التي هي مقاصد، فلا حرج في توسعة الكلام فيها، وتفريع المسائل واستكشاف الأدلة والأنظار، فإن ذلك يزيد طالبها تمكناً في ملكته وإيضاحاً لمعانيها المقصودة. وأما العلوم التي هي آلة لغيرها مثل العربية والمنطق وأمثالهما، فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط. ولا يوسع فيها الكلام ولا تفرع المسائل، لأن ذلك يخرج بها عن المقصود، إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير". (المقدمة، ب6/ف38- ص738)
رأي المتكلمين:
قال في شرح المواقف: " قد علمت أن موضوعه أي موضوع الكلام وهو المعلوم أعم الأمور وأعلاها فيتناول أشرف المعلومات التي هي مباحث ذاته تعالى وصفاته وأفعاله ولا شك أنه إذا كان المعلوم أشرف كان العلم به أشرف مع أن موضوعه مقيد بحيثية تنبىء عن شرفه أيضا وغايته أعني تلك السعادة المترتبة على الأمور الخمسة أشرف الغايات وأجداها نفعا ودلائله يقينية يحكم بها أي بصحة مقدماتها وحقية الصور العارضة لها صريح العقل بلا شائبة من الوهم وقد تأيدت تلك الدلائل بالنقل." (شرح المواقف، ج1/52)
وقال الإمام السعد "قال فهو أشرف العلوم أقول لما تبين أن موضوعه أعلى الموضوعات ومعلومه أجل المعلومات وغايته أشرف الغايات مع الإشارة إلى شدة الاحتياج إليه وابتناء سائر العلوم الدينية عليه والإشعار بوثاقة براهينه لكونها يقينيات يتطابق عليها العقل والشرع تبين أنه أشرف العلوم لأن هذه جهات شرف العلم وما نقل عن السلف من الطعن فيه فمحمول على ما إذا قصد التعصب في الدين وإفساد عقايد المبتدين والتوريط في أودية الضلال بتزيين ما للفلسفة من المقال" (شرح المواقف، ج1/175)
نقاش:
- يصنف ابن خلدون علم الكلام من ضمن العلوم الشرعية، التي "أصلها "من الكتاب والسنة التي هي مشروعة لنا من الله ورسوله"، بل إن هذه العلوم "علوم مقصودة بالذات، كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام"، وهذه العلوم "التي هي مقاصد، فلا حرج في توسعة الكلام فيها، وتفريع المسائل واستكشاف الأدلة والأنظار".
- يصرح ابن خلدون تصريحا لا مجال للريبة فيه أن هذا العلم علم شرعي مقصود، وفائدته في الحجاج عن العقائد مطلوبة، ثم العجب ممن زعم أنه أهمل قيمة هذا العلم، فتعامى عن كل هذه التصريحات، وتمسك بما توهمه من بعض النصوص دون تدقيق ولا تحقيق.
* الغرض من علم الكلام وفائدته *
رأي ابن خلدون:
"وذلك أن المتكلمين لما وضعوا علم الكلام، لنصر العقائد الإيمانية بالحجج العقلية". (المقدمة، ب6/ف23- ص647)
"وعلى الجملة، فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم، إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا، والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا، والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا. وأما الآن، فلم يبق منها إلا كلام تنزه البارىء عن الكثير من إيهاماته وإطلاقاته. ولقد سئل الجنيد رحمه الله، عن قوم مر بهم من المتكلمين يفيضون فيه، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: قوم ينزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص؟ فقال: "نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب". لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة، إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها". (المقدمة، ب6/ف10 – ص591)
"والمتكلمون إنما دعاهم إلى ذلك كلام أهل الإلحاد في معارضات العقائد السلفية بالبدع النظرية، فاحتاجوا إلى الرد عليهم من جنس معارضتهم، واستدعى ذلك الحجج النظرية، ومحاذاة العقائد السلفية بها". (المقدمة، ب6/ف27- ص654)
غايته وفائدته كما يذكرها المتكلمون
ذكر الإمام الجرجاني عدة فوائد لهذا العلم:"وهي أي فائدة علم الكلام أمور: الأول بالنظر إلى الشخص في قوته النظرية وهو الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة الإيقان "يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات" خص العلماء الموقنين بالذكر مع اندراجهم في المؤمنين رفعا لمنزلتهم كأنه قال وخصوصا هؤلاء الأعلام منكم. الثاني بالنظر إلى تكميل الغير وهو إرشاد المسترشدين بإيضاح المحجة لهم إلى عقائد الدين وإلزام المعاندين بإقامة الحجة عليهم فإن هذا الإلزام المشتمل على تفضيح المعاند ربما جره إلى الإذعان والاسترشاد فيكون نافعا له ومكملا إياه. الثالث بالنسبة إلى أصول الإسلام وهو حفظ قواعد الدين وهي عقائده عن أن تزلزلها شبه المبطلين..." (شرح المواقف، ج1/ 51)
وأوضح الإمام السعد غايته بقوله "وغاية الكلام أن يصير الإيمان والتصديق بالأحكام الشرعية متيقنا محكما لا تزلزله شبه المبطلين" (شرح المواقف، ج1/175)
وقد عقد الإمام الغزالي في كتابه الاقتصاد بابا: "في بيان الخوض في هذا العلم وإن كان مهماً فهو في حق بعض الخلق ليس بمهم بل المهم لهم تركه:
اعلم أن الأدلة التي نحررها في هذا العلم تجري مجرى الأدوية التي يعالج بها مرض القلوب. والطبيب المستعمل لها إن لم يكن حاذقاً ثاقب العقل رصين الرأي كان ما يفسده بدوائه أكثر مما يصلحه" (انظر الاقتصاد في الاعتقاد، أبو حامد الغزالي، تحقيق إنصاف رمضان، دار قتيبة، دمشق-بيروت، ط1 1423هـ -2003م، ص19)
وقال في الباب التالي: "التمهيد الثالث في بيان أن الاشتغال بهذا العلم من فروض الكفايات
اعلم أن التبحر في هذا العلم والاشتغال بمجامعه ليس من فروض الأعيان وهو من فروض الكفايات. فأما أنه ليس من فروض الأعيان فقد اتضح لك برهانه في التمهيد الثاني. إذ تبين أنه ليس يجب على كافة الخلق إلا التصديق الجزم وتطهير القلب عن الريب والشك في الإيمان. وإنما تصير إزالة الشك فرض عين في حق من اعتراه الشك.
فإن قلت فلم صار من فروض الكفايات وقد ذكرت أن أكثر الفرق يضرهم ذلك ولا ينفعهم؟ فاعلم أنه قد سبق أن إزالة الشكوك في أصول العقائد واجبة، واعتوار الشك غير مستحيل وإن كان لا يقع إلا في الأقل، ثم الدعوة إلى الحق بالبرهان مهمة في الدين. ثم لا يبعد أن يثور مبتدع ويتصدى لإغواء أهل الحق بإفاضة الشبهة فيهم فلا بد ممن يقاوم شبهته بالكشف ويعارض إغواءه بالتقبيح، ولا يمكن ذلك إلا بهذا العلم. ولا تنفك البلاد عن أمثال هذه الوقائع، فوجب أن يكون في كل قطر من الأقطار وصقع من الأصقاع قائم بالحق مشتغل بهذا العلم يقاوم دعاة المبتدعة ويستميل المائلين عن الحق ويصفي قلوب أهل السنة عن عوارض الشبهة. فلو خلا عنه القطر خرج به أهل القطر كافة، كما لو خلا عن الطبيب والفقيه". (انظر الاقتصاد، ص21)
نقاش:
- يرى ابن خلدون أن الغرض من هذا العلم هو نصر العقائد والدفاع عنها في وجه أهل الإلحاد، ومع قليل تأمل في النص المنقول من شرح السيد الجرجاني حيث فصل هذا الأمر، تجد أن ابن خلدون إنما وافق في هذا الكلام أرباب هذا العلم ولم يخرج عما سطروه قيد أنملة.
- النص الثاني عن ابن خلدون كان مثار شبهات المغرضين وأهل الأهواء في الكذب على ابن خلدون وتأويل هذا المقطع من كلامه رحمه الله بما يوافق أهوائهم ضاربين بعرض الحائط كل النصوص عن ابن خلدون في هذا العلم بل حتى مجتزئين هذا النص كما سيتبين بإذن الله، فلنقف قليلا عند هذا النص محاولين تفكيكه لنرى هل يصح لأولئك المغرضين من شبهة في هذا الموضع:
يقول رحمه الله: "فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم، إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا،..." وهذا الكلام يتبع ما ذكرناه آنفا عن موضوع علم الكلام، فلما كان موضوع علم الكلام هو الرد على أولئك المبتدعة والمشككين لنصر العقائد الإيمانية فإن عدم وجود المشككين واستقرار العقائد تجعل هذا العلم "غير ضروري على طالب العلم" أي يكون هذا العلم ليس فرضا في حق طالب العلم، لتحقق المقصود منه، لاسيما أن "الأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا" فإن هذا العلم مرتبط بغرضه، فمتى دعت الحاجة إليه من ظهور المبتدعة والمشككين أصبح الاشتغال بهذا العلم للرد على أولئك ضروريا، ومع ذلك حتى إن استقر أمر العقائد فهو إن أصبح ليس بالضروري "لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة، إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها" وهذا الاستدراك من عبارة ابن خلدون رحمه الله في آخر الفقرة مهم للغاية يدعونا للعجب كل العجب من أولئك الناعقين كيف طمسوه وعميت أبصارهم عنه، فابن خلدون يقرر أن أهل السنة وإن كان أئمتهم من المتكلمين قد ردوا على كل ما أثاره الخصوم من شبه ودونوا هذه الردود إلا أنه لا يحسن بآحاد الناس من المتأهلين والأذكياء المتشرعين وبطلبة العلم الجهل بهذا العلم لأن حامل السنة ينبغي عليه المعرفة بالحجج النظرية عليها التي محلها علم الكلام. وابن خلدون في هذا يوافق المتكلمين فانظر ما قرره الإمام الغزالي رحمه الله في كتابه الاقتصاد من أن هذا العلم حكمه فرض كفاية، و"أن إزالة الشكوك في أصول العقائد واجبة، واعتوار الشك غير مستحيل وإن كان لا يقع إلا في الأقل، ثم الدعوة إلى الحق بالبرهان مهمة في الدين". وأكد الإمام الغزالي رحمه الله أنه لا تخلو البلاد عن مثيري الشبه والمشككين في العقائد، قال: "ثم لا يبعد أن يثور مبتدع ويتصدى لإغواء أهل الحق بإفاضة الشبهة فيهم فلا بد ممن يقاوم شبهته بالكشف ويعارض إغواءه بالتقبيح، ولا يمكن ذلك إلا بهذا العلم. ولا تنفك البلاد عن أمثال هذه الوقائع" ولعل ابن خلدون كان في بلاد أشغلتها الأزمات السياسية والصراعات عن الأمور الفكرية وهو ما أكد عليه في المقدمة حيث قال: "ثم إن المغرب والأندلس، لما ركدت ريح العمران بهما، وتناقصت العلوم بتناقصه، اضمحل ذلك منهما، إلا قليلاً من رسومه تجدها في تفاريق من الناس، وتحت رقبة من علماء السنة. ويبلغنا عن أهل المشرق أن بضائع هذه العلوم لم تزل عندهم موفورة، وخصوصاً في عراق العجم وما بعده فيما وراء النهر، وأنهم على ثبج من العلوم العقلية والنقلية، لتوفر عمرانهم واستحكام الحضارة فيهم" بل إنه مدح إمام المتكلمين وناصر أهل السنة في زمانه، قال:"ولقد وقفت بمصر على تآليف في المعقول متعددة لرجل من عظماء هراة، من بلاد خراسان، يشتهر بسعد الدين التفتازاني، منها في علم الكلام وأصول الفقه والبيان، تشهد بأن له ملكة راسخة في هذه العلوم. وفي أثنائها ما يدل له على أن له اطلاعاً على العلوم الحكمية وتضلعاً بها وقدماً عالية في سائر الفنون العقلية. والله يؤيد بنصره من يشاء"(المقدمة، ج1/ص633).
إذاً فكلام ابن خلدون مقيد ليس على إطلاقه كما يحلو للبعض أن يعتبره، وقد وضحنا كلامه من كلامه بما لا يدع مجالاً للمغرضين بتحريفه عن مواضعه.
- بقي الإشارة إلى قول الإمام الجنيد رحمه الله: "عن قوم مر بهم من المتكلمين يفيضون فيه، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: قوم ينزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص؟ فقال: "نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب"". وهذا القول أيضا مما أساء البعض فهمه وتأويله، فالإمام الجنيد ربط التنزيه عن العيب عند الحاجة لنفي ذلك العيب، أما عندما يكون استحالة هذا العيب بينا فإن تكلف نفي العيب لا حاجة له ويصبح عيبا، كما قال الإمام الغزالي "إذ تبين أنه ليس يجب على كافة الخلق إلا التصديق والجزم وتطهير القلب عن الريب والشك في الإيمان. وإنما تصير إزالة الشك فرض عين في حق من اعتراه الشك." وهذا الفهم هو عين ما فهمه ابن خلدون من هذه العبارة حين استدل بها في معرض آخر، قال رحمه الله في المقدمة بعد الرد على القادحين في نسب إدريس: "وإنما أطنبت في هذا الرد سدا لأبواب الريب ودفعا في صدر الحاسد، لما سمعته أذناي من قائله المعتدي عليهم، القادح في نسبهم بفريته، وينقله بزعمه عن بعض مؤرخي المغرب ممن انحرف عن أهل البيت، وارتاب في الإيمان بسلفهم. وإلا فالمحل منزه عن ذلك معصوم منه، ونفي العيب حيث يستحيل العيب عيب. لكني جادلت عنهم في الحياة الدنيا، وأرجو أن يجادلوا عني يوم القيامة" فهذا فيه دليل قاطع على عمق فهم ابن خلدون رحمه الله لهذه العبارة واستدلاله بها في الموضع المراد، فإن ابن خلدون يرى أن الرد إنما يكون سدا لأبواب الريب ودفعا في صدر الحاسد، مع كون المحل منزهاً عن العيب، فمن علم هذا التنزيه فنفي العيب حيث يستحيل العيب عيب، فهذه العبارة هي فهم لعين عبارة الإمام الجنيد، وبالله التوفيق.
* تحقيق معنى الإيمان *
كلام ابن خلدون على الإيمان:
"ثم إن المعتبر في هذا التوحيد ليس هو الإيمان فقط، الذي هو تصديق حكمي، فإن ذلك من حديث النفس. وإنما الكمال فيه حصول صفة منه، تتكيف بها النفس. كما أن المطلوب من الأعمال والعبادات أيضاً حصول ملكة الطاعة والانقياد، وتفريغ القلب عن شواغل ما سوى المعبود، حتى ينقلب المريد السالك ربانياً. والفرق بين الحال والعلم في العقائد فرق ما بين القول والاتصاف. وشرحه أن كثيراً من الناس يعلم أن رحمة اليتيم والمسكين، قربة إلى الله تعالى ..... وكذا علمك بالتوحيد مع اتصافك به، والعلم الحاصل عن الاتصاف ضرورة، هو أوثق مبنى من العلم الحاصل قبل الاتصاف. وليس الاتصاف بحاصل عن مجرد العلم حتى يقع العمل ويتكرر مراراً غير منحصرة، فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف والتحقيق، ويجيء العلم الثاني النافع في الآخرة. فإن العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع، وهذا علم أكثر النظار، والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشىء عن العادة.
واعلم أن الكمال عند الشارع في كل ما كلف به إنما هو في هذا: فما طلب اعتقاده فالكمال فيه في العلم الثاني الحاصل عن الاتصاف، وما طلب عمله من العبادات، فالكمال فيها في حصول الاتصاف والتحقيق بها. ثم إن الإقبال على العبادات والمواظبة عليها هو المحصل لهذه الثمرة الشريفة...
فقد تبين لك من جميع ما قررناه، أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس، ينشأ عنها علم اضطراري للنفس، هو التوحيد، وهو العقيدة الإيمانية، وهو الذي تحصل به السعادة، وأن ذلك سواء في التكاليف القلبية والبدنية. ويتفهم منه أن الإيمان الذي هو أصل التكاليف كلها وينبوعها، هو بهذه المثابة وأنه ذو مراتب: أولها التصديق القلبي الموافق للسان، وأعلاها حصول كيفية، من ذلك الاعتقاد القلبي، وما يتبعه من العمل، مستولية على القلب، فيستتبع الجوارح. وتندرج في طاعتها جميع التصرفات، حتى تنخرط الأفعال كلها في طاعة ذلك التصديق الإيماني. وهذا أرفع مراتب الإيمان، وهو الإيمان الكامل الذي لا يقارف المؤمن معه صغيرة ولا كبيرة. إذ حصول الملكة ورسوخها مانع من الانحراف عن مناهجه طرفة عين.
وفي تراجم البخاري رضي الله عنه، في باب الإيمان، كثير منه، مثل: "أن الإيمان قول وعمل وأنه يزيد وينقص، وأن الصلاة والصيام من الإيمان، وأن تطوع رمضان من الإيمان، والحياء من الإيمان". والمراد بهذا كله الإيمان الكامل، الذي أشرنا إليه وإلى ملكته، وهو فعلي. وأما التصديق الذي هو أول مراتبه فلا تفاوت فيه. فمن اعتبر أوائل الأسماء، وحمله على التصديق منع من التفاوت، كما قال أئمة المتكلمين، ومن اعتبر أواخر الأسماء، وحمله على هذه الملكة التي هي الإيمان الكامل ظهر له التفاوت. وليس ذلك بقادح في اتحاد حقيقته الأولى التي هي التصديق، إذ التصديق موجود في جميع رتبه، لأنه أول ما يطلق عليه اسم الإيمان، وهو المخلص من عهدة الكفر، والفيصل بين الكافر والمؤمن، فلا يجزي أقل منه. وهو في نفسه حقيقة واحدة لا تتفاوت، وإنما التفاوت في الحال الحاصلة عن الأعمال كما قلناه، فافهم.
واعلم أن الشارع وصف لنا هذا الإيمان، الذي في المرتبة الأولى، الذي هو تصديق، وعين أموراً مخصوصة، كلفنا التصديق بها بقلوبنا، واعتقادها في أنفسنا مع الإقرار بها بألسنتنا، وهي العقائد التي تقررت في الدين. قال صلى الله عليه وسلم، حين سئل عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر، وتؤمن بالقدر: خيره وشره". (المقدمة، ب/6، ف10- ص582-585 مع اختصار يسير لطول الكلام)
رأي المتكلمين في الإيمان
وسنقتصر هنا في هذا الباب على نقل ما سطره يراع الإمام السعد، تجنبا للإطالة، فإنه أجمل الكلام في الخلاف في هذه المسألة بأحسن صورة، قال الإمام: "الإيمان في اللغة التصديق إفعال من الأمن للصيرورة أو التعدية...وأما في الشرع فاختلف الآراء في تحقيق الإيمان وفي كونه اسما لفعل القلب فقط أو فعل اللسان فقط أو لفعلهما جميعا وحدهما أو مع سائر الجوارح وهذه طرق أربعة.
فعلى الأول قد يجعل اسما للتصديق أعني تصديق النبي فيما علم مجيئه به بالضرورة أي فيما اشتهر كونه من الدين بحيث يعلمه العامة من غير افتقار إلى نظر واستدلال كوحدة الصانع ووجوب الصلاة وحرمة الخمر ونحو ذلك ويكفي الإجمال فيما يلاحظ إجمالا ويشترط التفصيل فيما يلاحظ تفصيلا حتى لو لم يصدق بوجوب الصلاة عند السؤال عنه وبحرمة الخمر عند السؤال عنه كان كافرا وهذا هو المشهور وعليه الجمهور.
وقد يجعل اسما للمعرفة أعني معرفة ما ذكرنا ويتناول معرفة الله تعالى بوحدانيته وسائر ما يليق به وتنزهه عما لا يليق به وهو مذهب الشيعة وجهم بن صفوان وأبي الحسين الصالحي من القدرية وقد يميل إليه الأشعري وستعرف فرقا بين المعرفة والتصديق.
ومن الناس من يكاد يقول بأنه اسم لمعنى آخر غير المعرفة والتصديق هو التسليم إلا أنه يعود بالآخرة إلى التصديق على ما يراه أهل التحقيق.
وعلى الثاني وهو أن يجعل اسما لفعل اللسان أعني الإقرار بحقية ما جاء به النبي عليه السلام
وقد يشترط معه معرفة القلب حتى لا يكون الإقرار بدونها إيمانا وإليه ذهب الرقاشي زاعما أن المعرفة ضرورية يوجد لا محالة فلا يجعل من الإيمان لكونه اسما لفعل مكتسب لا ضروري
وقد يشترط التصديق وإليه ذهب القطان وصرح بأن الإقرار الخالي عن المعرفة والتصديق لا يكون إيمانا وعند اقترانه بهما يكون الإيمان هو الإقرار فقط.
وقد لا يشترط شيء منهما وإليه ذهب الكرامية حتى أن من أضمر الكفر وأظهر الإيمان يكون مؤمنا إلا أنه يستحق الخلود في النار ومن أضمر الإيمان وأظهر الكفر لا يكون مؤمنا ومن أضمر الإيمان ولم يتفق منه الإظهار والإقرار لم يستحق الجنة.
وإذا تحققت فليس لهؤلاء الفرق الثلاث كثير خلاف في المعنى وفيما يرجع إلى الأحكام
وعلى الثالث وهو أن يكون اسما لفعل القلب واللسان فهو اسم للتصديق المذكور مع الإقرار وعليه كثير من المحققين وهو المحكي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى.
وكثيرا ما يقع في عبارات النحارير من العلماء مكان التصديق تارة المعرفة وتارة العلم وتارة الاعتقاد فعلى هذا من صدق بقلبه ولم يتفق له الإقرار باللسان في عمره مرة لا يكون مؤمنا عند الله تعالى ولا يستحق دخول الجنة ولا النجاة من الخلود في النار بخلاف ما إذا جعل اسما للتصديق فقط فإن الإقرار حينئذ شرط لإجراء الأحكام عليه في الدنيا من الصلاة عليه وخلفه والدفن في مقابر المسلمين والمطالبة بالعشور والزكوات ونحو ذلك.
...وأما على الرابع وهو أن يكون الإيمان اسما لفعل القلب واللسان والجوارح على ما يقال إنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان.
فقد يجعل تارك العمل خارجا عن الإيمان داخلا في الكفر وإليه ذهب الخوارج.
أو غير داخل فيه وهو القول بالمنزلة بين المنزلتين وإليه ذهب المعتزلة إلا أنهم اختلفوا في الأعمال فعند أبي علي وأبي هاشم فعل الواجبات وترك المحظورات وعند أبي الهذيل وعبد الجبار فعل الطاعات واجبة كانت أو مندوبة إلا أن الخروج عن الإيمان وحرمان دخول الجنة بترك المندوب مما لا ينبغي أن يكون مذهبا لعاقل.
وقد لا يجعل تارك العمل خارجا عن الإيمان بل يقطع بدخوله الجنة وعدم خلوده في النار وهو مذهب أكثر السلف وجميع أئمة الحديث وكثير من المتكلمين والمحكي عن مالك والشافعي والأوزاعي وعليه إشكال ظاهر وهو أنه كيف لا ينتفي الشيء أعني الإيمان مع انتفاء ركنه أعني الأعمال وكيف يدخل الجنة من لم يتصف بما جعل اسما للإيمان وجوابه أن الإيمان يطلق على ما هو الأصل والأساس في دخول الجنة وهو التصديق وحده أو مع الإقرار وعلى ما هو الكامل المنجي بلا خلاف وهو التصديق مع الإقرار والعمل على ما أشير إليه بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)) [سورة الأنفال]
وموضع الخلاف أن مطلق الاسم للأول أم الثاني؟ وذكر الإمام في وجه الضبط أن الإيمان إما أن يكون اسما لعمل القلب فقط وهو المعرفة عند الإمامية وجهم والتصديق عندنا وإما لعمل الجوارح، فإن كان هو القول، فمذهب الكرامية. أو سائر الأعمال فمذهب المعتزلة، وإما مجموع عمل القلب والجوارح وهو مذهب السلف.
وفيه اختلال من جهة ترك عمل القلب في مذهب الاعتزال، وعدم التعرض لمذهب التصديق والإقرار.
قال لنا مقامات: الأول أن الإيمان فعل القلب دون مجرد فعل اللسان، الثاني أنه التصديق دون المعرفة والاعتقاد والثالث أن الأعمال ليست داخلة فيه بحيث ينتفي هو بانتفائها....
ثم قال:
المقام الثالث الأعمال غير داخلة في حقيقة الإيمان لوجوه:
الأول: ما مر أنه اسم للتصديق ولا دليل على النقل
الثاني: النص والإجماع على أنه لا ينفع عند معاينة العذاب ويسمى إيمان اليأس ولا خفاء في أن ذلك إنما هو التصديق والإقرار إذ لا مجال للأعمال
الثالث: النصوص الدالة على الأوامر والنواهي بعد إثبات الإيمان كقوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام)
الرابع: النصوص الدالة على أن الإيمان والأعمال أمران متفارقان كقوله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا) (ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات) (ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن) وسئل النبي عن أفضل الأعمال فقال: "إيمان لا شك فيه وجهاد لا غلول فيه وحج مبرور" (شرح المقاصد، ج5/ ص177-206، باختصار)
نقاش:
- من المعلوم أن مسألة الإيمان حصل فيها اختلاف كبير بين الفرق الإسلامية، إلا أن ابن خلدون استطاع ببراعة التوفيق بين ما قاله أهل السنة من السلف ومن تبعهم من المتكلمين، فقد قرر رحمه الله أن الإيمان في مرتبته الأولى هو التصديق بالقلب وهذا مما لا تفاوت فيه، وهو مراد المتكلمين إلا أن المطلوب من هذا التصديق العمل وبه يكمل الإيمان حتى يصل إلى أعلى مراتبه، وبهذا النوع الثاني يكون التفاضل، وبالجملة فإن كلام ابن خلدون على الإيمان لا يخرج عما أشار إليه الإمام السعد من أنه المشهور بين المتكلمين وجمهور السلف "وقد لا يجعل تارك العمل خارجا عن الإيمان بل يقطع بدخوله الجنة وعدم خلوده في النار وهو مذهب أكثر السلف وجميع أئمة الحديث وكثير من المتكلمين" والمحكي عن مالك والشافعي والأوزاعي وعليه إشكال ظاهر وهو أنه كيف لا ينتفي الشيء أعني الإيمان مع انتفاء ركنه أعني الأعمال وكيف يدخل الجنة من لم يتصف بما جعل اسما للإيمان وجوابه أن الإيمان يطلق على ما هو الأصل والأساس في دخول الجنة وهو التصديق وحده أو مع الإقرار وعلى ما هو الكامل المنجي بلا خلاف وهو التصديق مع الإقرار والعمل" والمتأمل في النقول السابقة يعلم هذا بوضوح، والله يهدي من يشاء.
* البرهان العقلي على التوحيد *
"فلنقدم هنا لطيفة في برهان عقلي يكشف لنا عن التوحيد على أقرب الطرق والمآخذ، ثم نرجع إلى تحقيق علم الكلام وفيما ينظر ونشير إلى حدوثه في الملة، وما دعا إلى وضعه فنقول: اعلم أن الحوادث في عالم الكائنات سواء كانت من الذوات أو من الأفعال البشرية أو الحيوانية فلا بد لها من أسباب متقدمة عليها بها تقع في مستقر العادة، وعنها يتم كونه. وكل واحد من تلك الأسباب حادث أيضاً، فلا بد له من أسباب أخرى. ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها، لا إله إلا هو سبحانه.
"وتلك الأسباب في ارتقائها تتفسح وتتضاعف طولاً وعرضاً، ويحار العقل في إدراكها وتعديدها. فإذا لا يحصرها إلا العلم المحيط، سيما الأفعال البشرية والحيوانية، فإن من جملة أسبابها في الشاهد القصود والإرادات، إذ لا يتم كون الفعل إلا بإرادته والقصد إليه. والقصودات والإرادات أمور نفسانية ناشئة في الغالب عن تصورات سابقة، يتلو بعضها بعضاً. وتلك التصورات هي أسباب قصد الفعل. وقد تكون أسباب تلك التصورات تصورات أخرى، وكل ما يقع في النفس من التصورات فمجهول سببه، إذ لا يطلع أحد على مبادئ الأمور النفسانية، ولا على ترتيبها. إنما هي أشياء يلقيها الله في الفكر، يتبع بعضها بعضاً، والإنسان عاجز عن معرفة مبادئها وغاياتها. وإنما يحيط علماً في الغالب بالأسباب التي هي طبيعة ظاهرة، وتقع في مداركها على نظام وترتيب، لأن الطبيعة محصورة للنفس وتحت طورها. وأما التصورات فنطاقها أوسع من النفس، لأنها للعقل الذي هو فوق طور النفس، فلا تكاد النفس تدرك الكثير منها فضلاً عن الإحاطة. وتأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الأسباب والوقوف معها، فإنه واد يهيم فيه الفكر ولا يحلو[1] منه بطائل، ولا يظفر بحقيقة. (قل الله، ثم ذرهم في خوضهم يلعبون). وربما انقطع في وقوفه عن الارتقاء إلى ما فوقه فزلت قدمه، وأصبح من الضالين الهالكين. نعوذ بالله من الحرمان والخسران المبين.
ولا تحسبن أن هذا الوقوف أو الرجوع عنه في قدرتك أو اختيارك، بل هو لون يحصل للنفس وصبغة تستحكم من الخوض في الأسباب على نسبة لا نعلمها. إذ لو علمناها لتحرزنا منها، فلنتحرز من ذلك بقطع النظر عنها جملة. وأيضاً فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبباتها مجهول، لأنها إنما يوقف عليها بالعادة، وقضية الاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر. وحقيقة التأثير وكيفيته مجهولة، "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً "، فلذلك أمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة، والتوجه إلى مسبب الأسباب كلها وفاعلها وموجدها، لترسخ صبغة التوحيد في النفس، على ما علمنا الشارع الذي هو أعرف بمصالح ديننا، وطرق سعادتنا، لاطلاعه على ما وراء الحس.
قال صلى الله عليه وسلم: "من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة". فإن وقف عند تلك الأسباب، فقد انقطع وحقت عليه كلمة الكفر، وإن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحداً بعد واحد، فأنا الضامن له أن لا يعود إلا بالخيبة فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب وأمرنا بالتوحيد المطلق. "قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد". ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كله، وسفه رأيه في ذلك. واعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه أنه منحصر في مداركه لا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه. ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع والمعقولات، ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات. وكذلك الأعمى أيضاً يسقط من الوجود عنده صنف المرئيات، ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء والمشيخة من أهل عصرهم والكافة، لما أقروا به. لكنهم يتبعون الكافة في إثبات هذه الأصناف، لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم، ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق، لوجدناه منكراً للمعقولات وساقطة لديه بالكلية. فإذا علمت هذا فلعل هناك ضرباً من الإدراك غير مدركاتنا، لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة، وخلق الله أكبر من خلق الناس. والحصر مجهول والوجود أوسع نطاقاً من ذلك، والله من ورائهم محيط. فاتهم إدراكك ومدركاتك في الحصر، واتبع ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك". (المقدمة، ب6/ف10، ص580)
الاستدلال العقلي على البعث
"والطور الرابع، طور الموت الذي تفارق أشخاص البشر فيه حياتهم الظاهرة إلى وجود قبل القيامة، شاهده ما تنزل على الأنبياء من وحي الله تعالى في المعاد وأحوال البرزخ والقيامة، مع أن العقل يقتضي به، كما نبهنا الله عليه، في كثير من آيات البعثة. ومن أوضح الدلالة على صحتها أن أشخاص الإنسان لو لم يكن لهم وجود آخر بعد الموت غير هذه المشاهد يتلقى فيه أحوالاً تليق به. لكان إيجاده الأول عبثاً. إذ الموت إذا كان عدماً كان مآل الشخص إلى العدم، فلا يكون لوجود الأول حكمة. والعبث على الحكيم محال". (المقدمة، ب6/ف16، ص607)
نقاش:
استدل هنا ابن خلدون بما يعرف بدليل التسلسل (إبطال التسلسل) وهو من أشهر الأدلة عند أهل السنة الأشاعرة.
قال الإمام السعد: (بطلان التسلسل، وهو أنه لو ترتبت سلسلة الممكنات لا إلى نهايةٍ لاحتاجت إلى علة، وهي لا يجوز أن تكون نفسها ولا بعضها، لاستحالة كون الشيء علة لنفسه ولعلله، بل خارجاً عنها، فتكون واجباً فتنقطع السلسلة).(شرح العقائد النسفية).
ثم ما ذكره رحمه الله من الكلام على الأسباب والإدراكات ليدلك بحق أن هذا الإمام كان له باعا في هذا العلم، ولم يكتف بجعله من العلوم الشرعية والحث على تعلمه لطالب السنة، بل إنه مارس هذا العلم في كثير من مواضع المقدمة، فضلا عن تصنيفه في هذا العلم منذ نشأته، وتلخيصه لكتاب إمام كبير من أئمة الإسلام، ومن له الباع في علم الكلام، الإمام الرازي رحمه الله، أعني كتابه تلخيص المحصل، المسمى لباب المحصل في أصول الدين" وأن ابن خلدون نشأ أشعريا على مذهب أهل السنة وبقي يدافع عن هذا المذهب ويبدد كل ما أثارته بقية الفرق من البدع في الدين.
أحكام العقل:
قال: "وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها. غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال.
ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك. على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده ولا يتعدى طوره، حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه. وتفطن من هذا الغلط ومن يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا، وقصور فهمه واضمحلال رأيه، فقد تبين لك الحق من ذلك. وإذا تبين ذلك، فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا، خرجت عن أن تكون مدركة، فيضل العقل في بيداء الأوهام، ويحار وينقطع. فإذا: التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيراتها، وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها، إذ لا فاعل غيره. وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته، وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه لا غير.
وهذا هو معنى ما نقل عن بعض الصديقين: "العجز عن الإدراك إدراك"". (المقدمة، ب6/ف10، ص582)
وسننقل هنا كلاما للإمام السعد في المواقف مع شيء من الاختصار والاقتصار على موضع الشاهد، فبعد أن ذكر عبارة المتن: "وغايته أشرف الغايات مع الإشارة إلى شدة الاحتياج إليه وابتناء سائر العلوم الدينية عليه والإشعار بوثاقة براهينه لكونها يقينيات يتطابق عليها العقل والشرع" قال: " على ما قال الإمام حجة الإسلام أن المتكلم ينظر في أعم الأشياء وهو الموجود فيقسمه إلى قديم ومحدث والمحدث إلى جوهر وعرض والعرض إلى ما يشترط فيه الحياة كالعلم والقدرة" ...."وأن هذا واقع وحينئذ ينتهي تصرف العقل ويأخذ في التلقي من النبي عليه السلام الثابت عند صدقه وقبول ما يقوله في الله تعالى وفي أمر المبدأ والمعاد" ..." وإلى هذا أشار من قال الأصل في هذا العلم التمسك بالكتاب والسنة أي التعلق بهما وكون مباحثه منتسبة إليهما جارية على قواعدهما على ما هو معنى انتساب العقائد إلى الدين وقيل المراد بقانون الإسلام أصوله من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول الذي لا يخالفها وبالجملة فحاصله أن يحافظ في جميع المباحث على القواعد الشرعية ولا يخالف القطعيات منها جريا على مقتضى نظر العقول القاصرة على ما هو قانون الفلسفة"(شرح المقاصد، ج1/ ص176-177، باختصار)
- وقال الإمام الجويني: "من اطمأن إلى موجود انتهى إليه فكره فهو مشبه، ومن سكن إلى النفي المحض فهو معطل، ومن قطع بموجود واعترف بالعجز عن إدراكه فهو موحد"
وهكذا فإن ابن خلدون يؤكد ما سبق من أن "العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها" وذلك إذا استعمل في إثبات العقائد، إلا أنه يشنع على الفلاسفة في وزنهم الإلهيات بميزان العقل، وادعائهم الوصول إلى الحقائق بمحض الاعتماد عليه، وقد خلط البعض تخليطا شديدا عندما ظن أو ادعى أن الكلام هنا على علم الكلام، وهذا من عقم فكره واستحكام هواه، وإلا يكون هذا تناقضا في كلام ابن خلدون وحاشاه، وإنما أراد ابن خلدون بهذا عين ما أراده المتكلمون، ونصوصهم مصرحة بهذا، ويكفيك أن ما قاله مطابق للنقل عن أئمة كبار من أئمة الكلام كالإمام السعد والإمام أبي المعالي الجويني رحمهما الله، كما هو ظاهر من نصوصهما.
* تقرير العقائد في علم الكلام جملة *
"وهذه هي العقائد الإيمانية المقررة في علم الكلام. ولنشر إليها مجملة لتتبين لك حقيقة هذا الفن وكيفية حدوثه، فنقول: اعلم أن الشارع لما أمرنا بالإيمان بهذا الخالق، الذي رد الأفعال كلها إليه، وأفرده بها كما قدمناه، وعرفنا أن في هذا الإيمان نجاتنا عند الموت إذا حضرنا، لم يعرفنا بكنه حقيقة هذا الخالق المعبود، إذ ذلك متعذر على إدراكنا ومن فوق طورنا. فكلفنا: أولاً، اعتقاد تنزيهه في ذاته عن مشابهة المخلوقين، وإلا لما صح أنه خالق لهم، لعدم الفارق على هذا التقدير، ثم تنزيهه عن صفات النقص، وإلا لشابه المخلوقين، ثم توحيده بالاتحاد، وإلا لم يتم الخلق للتمانع، ثم اعتقاد أنه عالم قادر، فبذلك تتم الأفعال شاهد قضيته لكمال الإيجاد والخلق، ومريد وإلا لم يخصص شيء من المخلوقات، ومقدر لكل كائن، وإلا فالإرادة حادثة. وأنه يعيدنا بعد الموت تكميلاً لعنايته بالإيجاد، ولو كان للفناء الصرف كان عبثاً، فهو للبقاء السرمدي بعد الموت. ثم اعتقاد بعثة الرسل للنجاة من شقاء هذا المعاد، لاختلاف أحواله بالشقاء والسعادة، وعدم معرفتنا بذلك، وتمام لطفه بنا في الإنباء بذلك، وبيان الطريقين. وأن الجنة للنعيم وجهنم للعذاب".
ثم قال: "هذه أمهات العقائد الإيمانية، معللة بأدلتها العقلية، وأدلتها من الكتاب والسنة كثيرة. وعن تلك الأدلة أخذها السلف وأرشد إليها العلماء وحققها الأئمة، إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد، أكثر مثارها من الآي المتشابهة، فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل. فحدث بذلك علم الكلام". (المقدمة، ب6/ف10، ص585)
إن أي قارئ مطلع على الكلام جملة يدرك أن ابن خلدون رحمه الله متعمق في هذا العلم، وسائر على طريق المتكلمين، ولا غرابة في ذلك فهو قد ألف مختصره في هذا العلم منذ نعومة أظفاره، وههنا يستدل ابن خلدون على العقائد بعبارات موجزة رائقة لا يتمكن منها إلا من بصره الله بهذا العالم، فاستدل رحمه الله على تنزيه الخالق وإثبات صفات الكمال التي أثبتها أهل السنة بطريقة رائعة وببرهان رائع، فقرر التنزيه بداية ثم التوحيد المستدل عليه ببرهان التمانع، ثم أثبت صفات الكمال من العلم والقدرة والإرادة، ومن ثم الاستدلال على البعث بنفي العبث، ومهمة الرسل، كل ذلك جاء في فقرة واحدة تدلك على براعة وعمق نظر، وقد أشار رحمه الله كما في الفقرة الثانية من النقل مذهب أهل السنة في الاستدلال بالعقل والنقل على الشرائع، وهي الطريقة التي سار عليها السلف.
فهذا رأيه واضح في أن العقائد يستدل عليها بالأدلة العقلية، وهذه استدلالاته عليها مجملة مأخوذة من نفس أدلة المتكلمين ولم يأت فيها بجديد، فغلط عليه من قال إنه لا يعترف ببرهان عقلي على العقائد ولا يصحح مثل هذا الاستدلال عليها. وما ذلك إلا لسوء فهمه كلام هذا العالم الجليل.
* الكلام على الفرق الإسلامية *
في هذا المبحث، سنعرض لك كيف استطاع هذا العالم الفذ، استعراض الفرق المنتسبة للإسلام، وبيان الزائف من الصحيح منها، والكلام بدقة في وصف مذاهب وآراء هذه الفرق، ونقدها نقد الناظر البصير، ليتضح لك أن ابن خلدون رحمه الله كان سنيا حتى النخاع، ماش في الطريقة الكلامية على رأي أهل السنة الأشاعرة، مقررا لطريقتهم، مشنعا على كل من خالفهم من أهل البدع من المجسمة والمعتزلة وغيرهم، وسنكتفي بوضوح عبارته رحمه الله عن كثير تعليق ونقاش.
بيان عقيدة السلف:
قال ابن خلدون: "ولنبين لك تفصيل هذا المجمل. وذلك أن القرآن ورد فيه وصف المعبود، بالتنزيه المطلق، الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة، وهي سلوب كلها وصريحة في بابها، فوجب الإيمان بها. ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام الصحابة والتابعين تفسيرها على ظاهرها. ثم وردت في القرآن آي أخرى قليلة توهم التشبيه، مرة في الذات وأخرى في الصفات. فأما السلف فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضوح دلالتها، وعلموا استحالة التشبيه. وقضوا بأن الآيات من كلام الله، فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها، ببحث ولا تأويل. وهذا معنى قول الكثير منهم: اقرأوها كما جاءت، أي آمنوا بأنها من عند الله. ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها، لجواز أن يكون ابتلاء، فيجب الوقف والإذعان له". (المقدمة، ب6/ف10، ص586)
مذهب السلف في الصفات:
قال ابن خلدون: "فأما السلف من الصحابة والتابعين فأثبتوا له صفات الألوهية والكمال وفوضوا إليه ما يوهم النقص ساكتين عن مدلوله. ثم اختلف الناس من بعدهم". (المقدمة، ب6/ف16، ص603)
* مذهب السلف كما وضحه ابن خلدون رحمه الله هو التنزيه المطلق مع التفويض، فالسلف أبعد ما يكونون عن التشبيه، وهذا مما لا يتنازع فيه عاقلان، فهم نزهوا الله عن كل نقص وأثبتوا لله كل كمال، وما أوهم من ظواهر النصوص خلاف ذلك صرفوه عن ظاهره بمقتضى التنزيه مفوضين حقيقته إلى الباري عز وجل، وفي هذا قمع لقوم نسبوا السلف إلى التشبيه بل بلغت بهم الحماقة أن ادعوا أن الإلحاد خير من التفويض، فانظر إلى هذا الإمام البصير الخبير بمذهب السلف فخذ عنه واضرب بما يقوله أولئك الحمقى عرض الحائط، ومذهب الأشاعرة موافق لمذهب السلف، قال الإمام ابن السبكي في الطبقات: " للأشاعرة قولان مشهوران في إثبات الصفات هل تمر على ظاهرها مع اعتقاد التنزيه أو تؤول والقول بالإمرار مع اعتقاد التنزيه هو المعزو إلى السلف وهو اختيار الإمام –أي الأشعري- في الرسالة النظامية وفي مواضع من كلامه" (طبقات الشافعية الكبرى، الإمام العلامة تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي، دار إحياء الكتب العربية، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي ود.عبد الفتاح محمد الحلو، ج5/ص191-192).
الكلام على المجسمة:
قال ابن خلدون: "وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات، وتوغلوا في التشبيه:
ففريق شبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه، عملاً بظواهر وردت بذلك، فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق، لأن معقولية الجسم تقتضي النقص والافتقار. وتغليب آيات السلوب في التنزيه المطلق، التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة، أولى من التعلق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية، وجمع بين الدليلين بتأويلها. ثم يفرون من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالأجسام. وليس ذلك بدافع عنهم، لأنه قول متناقض، وجمع بين نفي وإثبات: إن كانا لمعقولية واحدة من الجسم، وإن خالفوا بينهما ونفوا المعقولية المتعارفة، فقد وافقونا في التنزيه، ولم يبق إلا جعلهم لفظ الجسم اسماً من أسمائه. ويتوقف مثله على الإذن." (المقدمة، ب6/ف10، ص587)
مذهب المجسمة في الصفات:
قال ابن خلدون: "وأما المجسمة ففعلوا مثل ذلك في إثبات الجسمية، وأنها لا كالأجسام. ولفظ الجسم لم([2]) يثبت في منقول الشرعيات. وإنما جرأهم عليه إثبات هذه الظواهر، فلم يقتصروا عليه، بل توغلوا وأثبتوا الجسمية، يزعمون فيها مثل ذلك وينزهونه بقول متناقض سفساف، وهو قولهم: جسم لا كالأجسام. والجسم في لغة العرب هو العميق المحدود وغير هذا التفسير من أنه القائم بالذات أو المركب من الجواهر وغير ذلك، فاصطلاحات للمتكلمين يريدون بها غير المدلول اللغوي. فلهذا كان المجسمة أوغل في البدعة بل والكفر. حيث أثبتوا لله وصفاً موهماً يوهم النقص لم يرد في كلامه، ولا كلام نبيه." (المقدمة، ب6/ف16، ص606)
* يشن ابن خلدون حملة شديدة على المجسمة، ويشنع على مقالتهم البغيضة جسم لا كالأجسام أشد تشنيع ويثبت بطلان عقائدهم، بل إنه صرح بأن المجسمة من أشد المبتدعة توغلا في البدعة حتى نسبهم إلى الكفر، وحق له ذلك، إذ علله بأنهم تجرأوا على الله سبحانه بأن أثبتوا له وصفا موهما للنقص لم يرد بالنقل، وابن خلدون في هذا موافق لموقف الأشاعرة من المجسمة، قال الإمام ابن السبكي: "إنما المصيبة الكبرى والداهية الدهياء الإمرار على الظاهر والاعتقاد أنه المراد وأنه لا يستحيل على الباري فذلك قول المجسمة عباد الوثن الذين في قلوبهم زيغ يحملهم الزيغ على اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة عليهم لعائن الله تترى واحدة بعد أخرى ما أجرأهم على الكذب وأقل فهمهم للحقائق"(طبقات الشافعية الكبرى، ج5/ص191-192). ولم يقبل ابن خلدون ادعاء أن المراد قائم بالذات وهذا جريا على ما قرره أهل الكلام، قال في شرح المواقف: "وذهب بعض الجهال إلى أنه جسم ثم اختلفوا فالكرامية أي بعضهم قالوا هو جسم، أي موجود، وقوم آخرون منهم قالوا هو جسم، أي قائم بنفسه، فلا نزاع معهم على التفسيرين إلا في التسمية أي إطلاق لفظ الجسم عليه ومأخذها التوقيف،ولا توقيف ههنا، والمجسمة قالوا هو جسم حقيقة".
الكلام على المشبهة:
قال ابن خلدون: "وفريق منهم ذهبوا إلى التشبيه في الصفات، كإثبات الجهة والاستواء والنزول والصوت والحرف وأمثال ذلك. وآل قولهم إلى التجسيم، فنزعوا مثل الأولين إلى قولهم صوت لا كالأصوات، جهة لا كالجهات، نزول لا كالنزول، يعنون من الأجسام. واندفع ذلك بما اندفع به الأول.
ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي، لئلا يكر النفي على معانيها بنفيها، مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن. ولهذا تنظر ما تراه في عقيدة الرسالة لابن أبي زيد وكتاب المختصر له، وفي كتاب الحافظ بن عبد البر وغيرهم، فإنهم يحومون على هذا المعنى. ولا تغمض عينك عن القرائن الدالة على ذلك في غضون كلامهم" (المقدمة، ب6/ف10، ص587)
مذهب المشبهة في الصفات:
قال ابن خلدون: "جماعة من أتباع السلف وهم المحدثون والمتأخرون من الحنابلة ارتبكوا في محمل هذه الصفات فحملوها على صفات ثابتة لله تعالى، مجهولة الكيفية. فيقولون في: "استوى على العرش" نثبت له استواء، بحيث مدلول اللفظة، فراراً من تعطيله. ولا نقول بكيفيته فراراً من القول بالتشبيه الذي تنفيه آيات السلوب، من قوله: "ليس كمثله شيء"، "سبحان الله عما يصفون"، تعالى الله عما يقول الظالمون، " لم يلد ولم يولد"، ولا يعلمون مع ذلك أنهم ولجوا من باب التشبيه في قولهم بإثبات استواء، والاستواء عند أهل اللغة إنما موضوعه الاستقرار والتمكن، وهو جسماني. وأما التعديل الذي يشنعون بإلزامه، وهو تعطيل اللفظ، فلا محذور فيه. وإنما المحذور في تعطيل الاله. وكذلك يشنعون بإلزام التكليف بما لا يطاق، وهو تمويه. لأن التشابه لم يقع في التكاليف. ثم يدعون أن هذا مذهب السلف، وحاشا لله من ذلك. وإنما مذهب السلف ما قررناه أولاً من تفويض المراد بها إلى الله، والسكوت عن فهمها. وقد يحتجون لإثبات الاستواء لله بقول مالك: "إن الاستواء معلوم الثبوت لله" وحاشاه من ذلك، لأنه يعلم مدلول الاستواء. وإنما أراد أن الاستواء معلوم من اللغة، وهو الجسماني، وكيفيته أي حقيقته. لأن حقائق الصفات كلها كيفيات، وهي مجهولة الثبوت لله. وكذلك يحتجون على إثبات المكان بحديث السوداء، وأنها لما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: " أين الله؟ وقالت: في السماء، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت لها الإيمان بإثباتها المكان لله، بل لأنها آمنت بما جاء به من ظواهر، أن الله في السماء، فدخلت في جملة الراسخين الذين يؤمنون بالمتشابه من غير كشف عن معناه. والقطع بنفي المكان حاصل من دليل العقل النافي للافتقار. ومن أدلة السلوب المؤذنة بالتنزيه مثل "ليس كمثله شيء" وأشباهه. ومن قوله: "وهو الله في السموات وفي الأرض"، إذ الموجود لا يكون في مكانين، فليست في هذا للمكان قطعاً، والمراد غيره. ثم طردوا ذلك المحمل الذي ابتدعوه في ظواهر الوجه والعينين واليدين، والنزول والكلام بالحرف والصوت يجعلون لها مدلولات أعم من الجسمانية وينزهونه عن مدلول الجسماني منها. وهذا شيء لا يعرف في اللغة. وقد درج على ذلك الأول والآخر منهم. ونافرهم أهل السنة من المتكلمين الأشعرية والحنفية. ورفضوا عقائدهم في ذلك" (المقدمة، ب6/ف16، ص604)
* الكلام على المشبهة صنو الكلام على المجسمة، فابن خلدون صوب سهامه إلى هذين الفريقين فمزقهم أي تمزيق، فهو ينعى على هؤلاء المشبهة من الحنابلة الذين يدعون أنهم على مذهب السلف والسلف منهم براء كما نعى عليهم من قبل سلطان العلماء، فقال : "والحشوية المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه ضربان أحدهما لا يتحاشى من إظهار الحشو (ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون) والآخر يتستر بمذهب السلف لسحت يأكله أو حطام يأخذه (يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم) ومذهب السلف إنما هو التوحيد والتنزيه دون التجسيم والتشبيه ولذلك جميع المبتدعة يزعمون أنهم على مذهب السلف" ويدعون أنهم على مذهب الإمام أحمد ومالك وابن خلدون ينفي أشد النفي نسبة هؤلاء المشبهة إلى هؤلاء الأئمة الكبار، كما قال الإمام العز: "وأحمد بن حنبل وفضلاء أصحابه وسائر علماء السلف برآء إلى الله مما نسبوه إليهم واختلقوه عليهم وكيف يظن بأحمد بن حنبل وغيره من العلماء أن يعتقدوا أن وصف الله القديم القائم بذاته هو غير لفظ اللافظين ومداد الكاتبين مع أن وصف الله قديم وهذه الأشكال والألفاظ حادثة بضرورة العقل وصريح النقل" (طبقات الشافعية الكبرى، ج8/ص222)
ثم يتابع ابن خلدون رحمه الله النعي عليهم في ارتباكهم في صفات الباري سبحانه وتعالى، وكيف أنهم أصابوا عين التشبيه، ثم يقرر رحمه الله مذهب السلف في التعامل مع آيات الصفات والأحاديث موافقا لذلك ما قرره علماء الكلام من أهل السنة الأشاعرة، كما قال في شرح المقاصد في هذه الآيات "فيقطع بأنها ليست على ظواهرها ويفوض العلم بمعانيها إلى الله تعالى مع اعتقاد حقيقتها جريا على الطريق الأسلم الموافق للوقف على إلا الله في قوله تعالى: (وما يعلم تأويله إلا الله) أو تأول تأويلات مناسبة موافقة لما عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفاسير وشروح الأحاديث سلوكا للطريق الأحكم الموافق للعطف (في إلا الله والراسخون في العلم)" (شرح المقاصد، ج4/ ص50).
قال الإمام العز بن عبد السلام: "وما زال المنزهون والموحدون يفتون بذلك على رؤوس الأشهاد في المحافل والمشاهد ويجهرون به في المدارس والمساجد وبدعة الحشوية كامنة خفية لا يتمكنون من المجاهرة بها بل يدسونها إلى جهلة العوام وقد جهروا بها في هذا الأوان فنسأل الله تعالى أن يعجل بإخمالها كعادته ويقضي بإذلالها على ما سبق من سنته وعلى طريقة المنزهين والموحدين درج الخلف والسلف رضى الله عنهم أجمعين" (طبقات الشافعية الكبرى، ج8/ص228)
ويبقى قول ابن خلدون رحمه الله بعد أن فند مذهبهم : "ونافرهم أهل السنة من المتكلمين الأشعرية والحنفية. ورفضوا عقائدهم في ذلك" وهو كلام صريح مهم من هذا الإمام سنتكلم عليه لاحقا عند تقريره أن أهل السنة هم الأشاعرة.
الكلام على منشأ الاعتزال:
"ثم لما كثرت العلوم والصنائع وولع الناس بالتدوين والبحث في سائر الأنحاء، وألف المتكلمون في التنزيه، حدثت بدعة المعتزلة، في تعميم هذا التنزيه في آي السلوب، فقضوا بنفي صفات المعاني من العلم والقدرة والإرادة والحياة، زائدة على أحكامها، لما يلزم ذلك من تعدد القديم بزعمهم، وهو مردود بأن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها، وقضوا بنفي صفة الإرادة فلزمهم نفي القدر لأن معناه سبق الإرادة للكائنات وقضوا بنفي السمع والبصر لكونهما من عوارض الأجسام. وهو مردود لعدم اشتراط البنية في مدلول هذا اللفظ، وإنما هو إدراك للمسموع أو المبصر. وقضوا بنفي الكلام لشبه ما في السمع والبصر، ولم يعقلوا صفة الكلام التي تقوم بالنفس، فقضوا بأن القرآن مخلوق، وذلك بدعة صرح السلف بخلافها وعظم ضرر هذه البدعة، ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم، فحمل الناس عليها. وخالفهم أئمة السلف، فاستحل لخلافهم أيسار كثير منهم ودماؤهم". (المقدمة، ب6/ف10، ص587)
مذهب المعتزلة في الصفات:
قال ابن خلدون: "وجاء المعتزلة فأثبتوا هذه الصفات أحكاماً ذهنية مجردة، ولم يثبتوا صفة تقوم بذاته، وسموا ذلك توحيداً، وجعلوا الإنسان خالقاً لأفعاله، ولا تتعلق بها قدرة الله تعالى، سيما الشرور والمعاصي منها، إذ يمتنع على الحكيم فعلها. وجعلوا مراعاة الأصلح للعباد واجبة عليه. وسموا ذلك عدلاً، بعد أن كانوا أولاً يقولون بنفي القدر، وأن الأمر كله مستأنف بعلم حادث وقدرة وإرادة كذلك،كما ورد في الصحيح. وأن عبد الله بن عمر تبرأ من معبد الجهني وأصحابه القائلين بذلك. وانتهى نفي القدر إلى واصل بن عطاء الغزالي، منهم، تلميذ الحسن البصري، لعهد عبد الملك بن مروان. ثم آخراً إلى معمر السلمي، ورجعوا عن القول به. وكان منهم أبو الهذيل العلاف، وهو شيخ المعتزلة. أخذ الطريقة عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل. وكان من نفاة القدر، واتبع رأي الفلاسفة في نفي الصفات الوجودية لظهور مذاهبهم يومئذ.
ثم جاء إبراهيم النظام، وقال بالقدر، واتبعوه. وطالع كتب الفلاسفة وشدد في نفي الصفات وقرر قواعد الاعتزال. ثم جاء الجاحظ والكعبي والجبائي، وكانت طريقتهم تسمى علم الكلام: إما لما فيها من الحجاج والجدال، وهو الذي يسمى كلاماً، وإما أن أصل طريقتهم نفي صفة الكلام. فلهذا كان الشافعي يقول: حقهم أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم. وقرر هؤلاء طريقتهم وأثبتوا منها وردوا، إلى أن ظهر الشيخ أبو الحسن الأشعري وناظر بعض مشيختهم في مسائل الصلاح والأصلح، فرفض طريقتهم، وكان على رأي عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي من أتباع السلف وعلى طريقة السنة". (المقدمة، ب6/ف16، ص603)
* يتكلم ابن خلدون على نشأة بدعة الاعتزال كلام الإمام الخبير المطلع، ومما يلفت الانتباه في كلامه رحمه الله كيف يرد على شبههم في أثناء نقل مذهبهم بعبارات مختصرة تدل على براعته في الكلام على طريقة الأشاعرة ومذهب أهل السنة، فانظر كيف رد على شبهتهم في الإرادة والقدر، قال: "وهو مردود لعدم اشتراط البنية في مدلول هذا اللفظ، وإنما هو إدراك للمسموع أو المبصر"، وفي الكلام، قال: "ولم يعقلوا صفة الكلام التي تقوم بالنفس" ثم انظر كيف وجه قول الإمام الشافعي، الذي يحاول بعض المرجفين الاحتجاج به على ذم كلام أهل السنة، وجهه بما هو الحق الذي عليه أهل البصيرة، في أنه على المعتزلة وأهل البدع، ثم يقرر على عادته رحمه الله أن مذهب الأشاعرة هو مذهب السلف وهو مذهب أهل السنة الذي قمع أهل البدع من المعتزلة ومن معهم.
الكلام على نشأة مذهب الأشاعرة:
"وكان ذلك سبباً لانتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد، دفعاً في صدور هذه البدع. وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري إمام المتكلمين، فتوسط بين الطرق ونفى التشبيه. وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف. وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه، فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق العقل والنقل. ورد على المبتدعة في ذلك كله، وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح، وكمل العقائد في البعثة وأحوال المعاد والجنة والنار والثواب والعقاب. وألحق بذلك الكلام في الإمامة، لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية، في قولهم إنها من عقائد الإيمان. وإنها يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة فيها لمن هي له، وكذلك على الأمة". (المقدمة، ب6/ف10، ص588)
* يؤكد ابن خلدون رحمه الله أن نشأة مذهب الأشاعرة إنما كان نهوضا للدفاع عن عقائد أهل السنة، دفعا لأهل البدع، وأن الشيخ أبا الحسن رحمه الله إمام المتكلمين، وهذا معرض مدح له متضمن مدحا لطريقة أهل السنة في الكلام، وأن أبا الحسن أثبت التوحيد كما عليه السلف رضوان الله عليهم، فهل بعد هذا البيان من بيان!.
الكلام على طريقة المتقدمين:
"وكثر أتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري، واقتفى طريقته من بعده تلميذه، كابن مجاهد وغيره. وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني فتصدر للإمامة في طريقتهم، وهذبها ووضع المقدمات العقلية، التي تتوقف عليها الأدلة، والأنظار، وذلك مثل: إثبات الجوهر الفرد والخلاء، وأن العرض لا يقوم بالعرض، وأنه لا يبقى زمانين. وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم. وجعل هذه القواعد تبعاً للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها، لتوقف تلك الأدلة عليها، وأن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول. فكملت هذه الطريقة وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية. إلا أن صور الأدلة فيها بعض الأحيان، على غير الوجه الصناعي لسذاجة القوم، ولأن صناعة المنطق التي تسير بها الأدلة وتعتبر بها الأقيسة، لم تكن حينئذ ظاهرة في الملة، ولو ظهر منها بعض الشيء، فلم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة، فكانت مهجورة عندهم لذلك.
ثم جاء بعد القاضي أبي بكر الباقلاني من أئمة الأشعرية إمام الحرمين أبو المعالي، فأملى في الطريقة كتاب الشامل وأوسع القول فيه. ثم لخصه في كتاب الإرشاد واتخذه الناس إماماً لعقائدهم." (المقدمة، ب6/ف10، ص589)
"ثم ذهب الشيخ أبو الحسن والقاضي أبو بكر والأستاذ أبو إسحق إلى أن أدلة العقائد منعكسة بمعنى أنها إذا بطلت بطل مدلولها ولهذا رأى القاضي أبو بكر أنها بمثابة العقائد، والقدح فيها قدح في العقائد لابتنائها عليها. وإذا تأملت المنطق وجدته كله يدور على التركيب العقلي وإثبات الكلي الطبيعي في الخارج لينطبق عليه الكلي الذهني المنقسم إلى الكليات الخمس، التي هي الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض والعام وهذا باطل عند المتكلمين. والكلي والذاتي عندهم إنما هو اعتبار ذهني ليس في الخارج ما يطابقه، أو حال عند من يقول بها فتبطل الكليات الخمس والتعريف المبني عليها والمقولات العشر، ويبطل العرض الذاتي، فتبطل ببطلانه القضايا الضرورية الذاتية المشروطة في البرهان وتبطل المواضع التي هي لباب كتاب الجدل. وهي التي يؤخذ منها الوسط الجامع بين الطرفين في القياس، ولا يبقى إلا القياس الصوري. ومن التعريفات المساوي في الصادقية على أفراد المحمول، لا يكون أعم منها، فيدخل غيرها، ولا أخص فيخرج بعضها، وهو الذي يعبر عنه النحاة بالجمع والمنع، والمتكلمون بالطرد والعكس، وتنهدم أركان المنطق جملة. وإن أثبتنا هذه كما في علم المنطق أبطلنا كثيرا من مقدمات المتكلمين فيؤدي إلى إبطال أدلتهم على العقائد كما مر، فلهذا بالغ المتقدمون من المتكلمين في النكير على انتحال المنطق، وعدوه بدعة أو كفرا على نسبة الدليل الذي يبطل". (المقدمة، ب6/ف23، ص648)
الكلام على طريقة المتأخرين:
"ثم انتشر من بعد ذلك علم المنطق في الملة. وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية، بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط، يسبر به الأدلة منها كما يسبر من سواها. ثم نظروا في تلك القواعد والمقدمات في فن الكلام للأقدمين، فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدتهم إلى ذلك. وربما أن كثيراً منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات. فلما سبروها بمعيار المنطق ردهم إلى ذلك فيها، ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله، كما صار إليه القاضي، فصارت هذه الطريقة في مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى، وتسمى طريقة المتأخرين. وربما أدخلوا فيها الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه من العقائد الإيمانية، وجعلوهم من خصوم العقائد، لتناسب الكثير من مذاهب المبتدعة ومذاهبهم. وأول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي رحمه الله، وتبعه الإمام ابن الخطيب وجماعة قفوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم. ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة، والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحداً، من اشتباه المسائل فيهما.
والمتأخرون من لدن الغزالي لما أنكروا انعكاس الأدلة، ولم يلزم عندهم من بطلان الدليل بطلان مدلوله، وصح عندهم رأي أهل المنطق في التركيب العقلي ووجود الماهيات الطبيعية وكلياتها في الخارج، قضوا بأن المنطق غير مناف للعقائد الإيمانية، وإن كان منافيا لبعض أدلتها، بل قد يستدلون على إبطال كثير من تلك المقدمات الكلامية، كنفي الجوهر الفرد والخلاء وبقاء الأعراض وغيرها، ويستبدلون من أدلة المتكلمين على العقائد بأدلة أخرى يصححونها بالنظر والقياس العقلي. ولم يقدح ذلك عندهم في العقائد السنية بوجه، وهذا رأي الإمام والغزالي وتابعهما لهذا العهد، فتأمل ذلك واعرف مدارك العلماء ومآخذهم فيما يذهبون إليه". (المقدمة، ب6/ف23، ص648)
الكلام على طائفة متأخرة من المتأخرين:
"ولقد اختلطت الطريقتان عند هؤلاء المتأخرين، والتبست مسائل الكلام، بمسائل الفلسفة، بحيث لا يتميز أحد الفنين عن الآخر. ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم كما فعله البيضاوي في الطوالع، ومن جاء بعده من علماء العجم في جميع تأليفهم. إلا أن هذه الطريقة، قد يعنى بها بعض طلبة العلم، للاطلاع على المذاهب والإغراق في معرفة الحجاج، لوفور ذلك فيها. وأما محاذاة طريقة السلف بعقائد علم الكلام، فإنما هو في الطريقة القديمة للمتكلمين، وأصلها كتاب الإرشاد، وما حذا حذوه.
ومن أراد إدخال الرد على الفلاسفة في عقائده، فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب، فإنها وإن وقع فيها مخالفة للاصطلاح القديم، فليس فيها من الاختلاط في المسائل والالتباس في الموضوع، ما في طريقة هؤلاء المتأخرين من بعدهم". (المقدمة، ب6/ف10، ص591)
* ابن خلدون عندما يتكلم على الأشاعرة، فهو كما تبين لك، إنما يتكلم عن نفسه، لذا فهو يفصل فيه تفصيل من كان به خبيرا، ويوجه تطور هذا المذهب توجيها دقيقا، ويتضح ذلك جليا في تفسيره لعلاقة الفريقين بعلم المنطق، وأثره على الفريقين، فتأمل كيف اعتذر لموقف المتقدمين من هذا العلم "لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة" "فلهذا بالغ المتقدمون من المتكلمين في النكير على انتحال المنطق"، ثم فسر لك اشتغال المتأخرين به وقبولهم له "وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية، بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط" فأدى ذلك بهم أن "قضوا بأن المنطق غير مناف للعقائد الإيمانية" وهذا ما أكده ابن خلدون رحمه الله بقوله "ولم يقدح ذلك عندهم في العقائد السنية بوجه".
ولم يتوقف ابن خلدون رحمه الله عند هذا بل فصل لطالب العلم ونصح في كيفية القراءة في هذا العلم، مما يدلك أنه سالك في طريقة القوم ناصح بها، فأما "طريقة السلف بعقائد علم الكلام، فإنما هو في الطريقة القديمة للمتكلمين، وأصلها كتاب الإرشاد، وما حذا حذوه" وفي هذا تقرير لا يخفى على ذي لب أن علم الكلام علم سلفي لا مبتدع، "ومن أراد إدخال الرد على الفلاسفة في عقائده، فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب"، وهؤلاء هم من هم! ومع أنه أبدى شيئا من عدم الرضى على طريقة بعض المتأخرين الذين "التبست مسائل الكلام، بمسائل الفلسفة" إلا أنه ومع ذلك يرى "أن هذه الطريقة، قد يعنى بها بعض طلبة العلم، للاطلاع على المذاهب والإغراق في معرفة الحجاج، لوفور ذلك فيها" فتبين لك بذلك أنه يرغبك في جميع كتب القوم لكن بمستوى يناسب تحصيلك، كيف لا وهم أهل السنة وناصروا الحق.
مذهب الأشاعرة في الصفات:
قال ابن خلدون رحمه الله: "إلى أن ظهر الشيخ أبو الحسن الأشعري وناظر بعض مشيختهم في مسائل الصلاح والأصلح، فرفض طريقتهم، وكان على رأي عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي من أتباع السلف وعلى طريقة السنة. فأيد مقالاتهم بالحجج الكلامية وأثبت الصفات القائمة بذات الله تعالى، من العلم والقدرة والإرادة التي يتم بها دليل التمانع وتصح المعجزات للأنبياء. وكان من مذهبهم إثبات الكلام والسمع والبصر لأنها وإن أوهم ظاهراً النقص بالصوت والحرف الجسمانيين، فقد وجد للكلام عند العرب مدلول آخر غير الحروف والصوت، وهو ما يدور في الخلد. والكلام حقيقة فيه دون الأول، فأثبتوها لله تعالى وانتفى إيهام النقص. وأثبتوا هذه الصفة قديمة عامة التعلق بشأن الصفات الأخرى. وصار القرآن اسماً مشتركاً بين القديم بذات الله تعالى، وهو الكلام النفسي والمحدث الذي هو الحروف المؤلفة المقروءة بالأصوات. فإذا قيل قديم فالمراد الأول، وإذا قيل مقروء، مسموع، فلدلالة القراءة والكتابة عليه. وتورع الإمام أحمد بن حنبل من إطلاق لفظ الحدوث عليه، لأنه لم يسمع من السلف قبله: لا إنه يقول إن المصاحف المكتوبة قديمة، ولا أن القراءة الجارية على السنة قديمة، وهو شاهدها محدثة. وإنما منعه من ذلك الورع الذي كان عليه. وأما غير ذلك فإنكار للضروريات، وحاشاه منه. وأما السمع والبصر، وإن كان يوهم إدراك الجارحة، فهو يدل أيضاً لغة على إدراك المسموع والمبصر، وينتفي إيهام النقص حينئذ لأنه حقيقة لغوية فيهما. وأما لفظ الاستواء والمجيء والنزول والوجه واليدين والعينين وأمثال ذلك، فعدلوا عن حقائقها اللغوية لما فيها من إيهام النقص بالتشبيه إلى مجازاتها، على طريقة العرب، حيث تتعذر حقائق الألفاظ، فيرجعون إلى المجاز. كما في قوله تعالى: "يريد أن ينقض" وأمثاله، طريقة معروفة لهم غير منكرة ولا مبتدعة". (المقدمة، ب6/ف16، ص603)
* بعد تفنيد مذاهب أهل الباطل والبدع في الصفات من الذين نحوا إلى التشبيه والتجسيم أو المعتزلة الذين نفوا الصفات، كان تقرير مذهب أهل السنة الأشاعرة، وإمامهم الأشعري في هذا المبحث، على أتم وجه وبكلام بليغ وجيز، وابن خلدون ليس في ذلك ناقلا عنهم فحسب، وإنما هو كما مر معك وتبين لك، يحدث عن معتقد يدينه ومذهب يرتضيه، لذلك يوضح ما كان خافيا ويحل ما كان مشكلا، فمن البداية يبين لك أن هذا مذهب "أتباع السلف وعلى طريقة السنة" ثم يوضح لك مفردات هذا المذهب وتراه يبين لك أن هذا المذهب موافق لما عليه الإمام أحمد ويبين لك دقيق مراده، وبعد كل هذه التقارير يؤكد لك بما لا مدخل للريب فيه ، وإن جحد الجاحدون، أن هذه الطريقة طريقة أهل السنة " "طريقة معروفة لهم غير منكرة ولا مبتدعة" فيا حسرة على العباد، كيف يجترأون القول على هؤلاء الأمة ويفترون الكذب على أهل السنة، "فإنا لله وإنا إليه راجعون لقد ابتلى المسلمون من هؤلاء الجهلة بمصيبة لا عزاء بها"[3]
نصرة مذهب الأشاعرة:
"فقد تبين لك الفرق بين مذاهب السلف والمتكلمين السنية والمحدثين والمبتدعة من المعتزلة والمجسمة بما أطلعناك عليه. وفي المحدثين غلاة يسمون المشبهه لتصريحهم بالتشبيه، حتى إنه يحكى عن بعضهم أنه قال: اعفوني من اللحية والفرج وسلوا عما بدا لكم من سواهما. وإن لم يتأول ذلك لهم، بأنهم يريدون حصر ما ورد من هذه الظواهر الموهمة، وحملها على ذلك المحمل الذي لأئمتهم، وإلا فهو كفر صريح والعياذ بالله. وكتب أهل السنة مشحونة بالحجاج على هذه البدع، وبسط الرد عليهم بالأدلة الصحيحة. وإنما أومأنا إلى ذلك إيماء يتميز به فصول المقالات وجملها. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. (المقدمة، ب6/ف16، ص606)
تقرير أن الأشاعرة هم أهل السنة:
وقال ابن خلدون: "وأما الظواهر الخفية الأدلة والدلالة، كالوحي والملائكة والروح والجن والبرزخ وأحوال القيامة والدجال والفتن والشروط، وسائر ما هو متعذر على الفهم أو مخالف للعادات، فإن حملناه على ما يذهب إليه الأشعرية في تفاصيله، وهم أهل السنة، فلا تشابه". (المقدمة، ب6/ف16، ص607)
وقال ابن خلدون: "إلى أن ظهر الشيخ أبو الحسن الأشعري وناظر بعض مشيختهم في مسائل الصلاح والأصلح، فرفض طريقتهم، وكان على رأي عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي من أتباع السلف وعلى طريقة السنة". (المقدمة، ب6/ف16، ص603)
* هذا التقرير الذي لم ينفك عنه الإمام ابن خلدون طرفة عين، رغم أنوف الحاقدين، من تقرير أن أهل السنة هم الأشاعرة ومن وافقهم، وامتداح طريقتهم الكلامية في الدفاع عن عقائد أهل السنة والجماعة، وقد نثرناه لك مفصلا فيما سبق من النصوص وها هي مجملة مرة أخرى، لتكون عودا على بدء، ولكي لا يبقى لمغرض حديث، وهذا ما قرره الأئمة الكبار وابن خلدون سائر على منوالهم، وإليك بعض النقول عن هؤلاء الأكابر:
قال الإمام التاج السبكي في (معيد النعم ومبيد النقم): "وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة -ولله الحمد- في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله".
وقال رحمه الله في طبقات الشافعية: " وحكينا لك مقالة الشيخ ابن عبد السلام ومن سبقه إلى مثلها وتلاه على قولها حيث ذكروا أن الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة أشعريون هذه عبارة ابن عبد السلام شيخ الشافعية وابن الحاجب شيخ المالكية والحصيرى شيخ الحنفية ومن كلام ابن عساكر حافظ هذه الأمة الثقة الثبت هل من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق الأشعري" (الطبقات، ج3/ 373).
وقال العلامة الزبيدي في شرحه على الإحياء(1/7): "إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية".
قال الخيالي في حاشيته على شرح العقائد: "الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، هذا هو المشهور في ديار خراسان والعراق والشام وأكثر الأقطار. وفي ديار ما وراء النهر يطلق ذلك على الماتريدية أصحاب الإمام أبي منصور الماتريدي".
"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد"
وإلى هنا ينتهي القسم الأول من هذا البحث
وسنتابع بإذن الله في القسم الثاني موقفه رحمه الله من التفريق بين المتكلمين والفلاسفة ومن علم المنطق، وسنذكر بإذن الله ما نستطيع الوقوف عليه من أقوال الباحثين أو من تشبه بهم من أهل الأهواء في هذا الإمام وموقفه من علم الكلام مع تفنيدها ومناقشتها على ضوء هذه النقولات، إضافة إلى مباحث أخرى متعلقة بهذا البحث إن شاء الله تعالى.
* خلاصة القسم الأول من البحث *
- ابن خلدون اشتغل بعلم الكلام منذ بدايته في طلب العلم، ومازال متأثرا بهذا العلم وسائرا في ركابه، وليس هناك كبير فرق في آرائه بين ما كتبه في اللباب وبين المقدمة إلا أن الأول مختص بهذا العلم والمقدمة أوسع.
- يرى ابن خلدون أن علم الكلام من العلوم الشرعية المقصودة بذاتها، وأنه لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها، وذلك علم الكلام.
- احتوت مقدمة ابن خلدون على كثير من المواضيع الكلامية، أي من التطبيقات، فضلا عن عقده بابا خاصا لعلم الكلام، وآخر في الصفات والمتشابهات التي هي من موضوعه.
- ابن خلدون أشعري محض.
- ابن خلدون لا يخرج عن متكلمي أهل السنة من الأشاعرة في شيء من علم الكلام، وكل ما ذكره في هذا العلم مؤصل في كتبهم.
- ما يثيره الواهمون حول علاقة ابن خلدون بعلم الكلام، هم عين من ذمهم ابن خلدون في مقدمته، ولعلهم بهذا إنما يحاولون صرف الناظر في كتب هذا الإمام عن النظر في عوارهم وإيهامه غير المراد من كلامه رحمه الله، وهؤلاء هم الفلاسفة بالذات والمبتدعة بجميع أصنافهم، وإنما يدعوهم لهذا هو علمهم أن قليل اشتغال بهذا العلم كاف لكشف عوارهم وبيان تدجيلهم.
- ابن خلدون يعتبر المنطق ويعده علماً آلياً مهماً وصحيحاً.
- يرى ابن خلدون صحة الاستدلال على العقائد بالعقل ويستدل بالأدلة العقلية.
- ابن خلدون شديد التشنيع على الفرق المخالفة في العقيدة والمبتدعة وأهل الضلالات، من المشبهة والمجسمة والمعتزلة والفلاسفة والشيعة، وهو يرى التمسك بمذهب أهل السنة هو الطريق الموصل إلى الحق، الذي ما عداه هو الباطل، وأهل السنة إنما يعني بهم ابن خلدون السلف والمتكلمين من أهل السنة أي الأشاعرة ومن وافقهم، "مذاهب السلف والمتكلمين السنية"، "على ما يذهب إليه الأشعرية في تفاصيله، وهم أهل السنة" ولا حاجة للاستدلال على ذلك فهو بين من محصل آرائه رحمه الله.
- يتكلم رحمه الله في جميع الفرق المخالفة للأشاعرة من المجسمة والمشبهة والفلاسفة والشيعة والمعتزلة ويشنع عليهم وينقض أقوالهم ويبين أوهامهم بحيث تعلم يقيناً حين تقرأ كلامه أنه مطابق تماماً لمذهب أهل السنة الأشاعرة، وأن مقرراته في مسائل الخلاف واستدلالته في هذا الباب هي عين ما يقوله الأشعرية قديمهم ومعاصرهم وهي ما نقوله نحن ونقرره في منتدانا.
- أن الآراء التي ينسبها له بعض الجهلة اعتماداً على كلمات مبتورة من كلامه إنما هي أوهام لا تصمد أمام قراءة كلام ابن خلدون بطوله ولا نقول قراءة متأنية ودراسة تحقيقية لكلامه، مما يدل على قصور نظر وتعلق بأوهام كبيرة بنوها في خيالهم لا وجود لها في الواقع، بل هذه الطريقة التي تعتمد على التعلق بأي كلمة تتخذ إثباتاً لما في وهم الشخص يسقط فيها الواحد أوهامه على كلام الغير ليجعله قائلاً بما تهواه نفسه، لهي من أقبح الطرق، وأحقها بالذم والنبذ والطرح والاحتقار. لبعدها عن كل منهج صحيح من مناهج البحث ولمخالفتها لأصول النظر والأمانة العلمية. ويكفي المنصف أن يطالع ما كتبناه في هذا البحث ليعلم مقدار رزانة ورصانة علم ابن خلدون وموافقته لفهمنا ومذهبنا ومقدار تهافت متفلسفي هذا العصر وجهلته في فهم كلامه والاحتجاج به على مراداته. والله تعالى الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وكتبه أحمد إدريس عبد الله
10/10/2008