


محمد سراج
الأمم العربية المتحدة: هل سمعنا بهذه العبارة من قبل؟ لا ... لا أعتقد ذلك، ها أنا أطرحها، وبكل وضوح، أطرحها كمفهوم ذو وحدة عضوية، قوامها اللغة الرسمية لأقوامها الرئيسية الثلاث، العرب والكرد والبربر، وديانتيها الرئيسيتين الإسلام والمسيحية، إنها اللغة العربية، بوصفها لغة تواصل جامعة، واللغة ثقافة والثقافة دين، والدين الرئيس الإسلام. فلماذا أمم وليس أمة؟ إنها أمم بالمدلول القُطري الذي يشير إلى خصوصيات المنطقة العربية الثرية ثقافيا وبتروليا، وأمم في مقابل الأمة الإسلامية الأشمل تكون قلبها النابض.
من يتزعمها؟ مجلس مكون من حكماء كل قطر عربي(*)، يكون مشروعا للبرلمان العربي الموحد، من يعينه؟ الكفاءة. والشعب، فكيف تلتقي الكفاءة مع الشعب؟ التصويت الديمقراطي على مرشحين استوفوا الكفاءة، فاستيفاء الكفاءة أهم الشروط التي تتخلى عنها جميع الدساتير، شروط بجميع جوانبها: الأخلاقية: نظافة اليد والعلمية: الأهلية المعرفية والإدارية: الخبرة الميدانية؛ وذلك في إطار عملية الإصلاح الشامل التي تسير إليها الأنظمة العربية راغبة ومكرهة، تنشأ عن الشعب، حلاّ وحيدا أمام استعصاء الأنظمة القديمة على التزحزح. إذ يكون متجاوزا لها، ضمن إطار الشرعية التي تستمد أساسا من الشعب.
برلمان أو "مجلس شورى" عربي وليد (**)، يتبنى إطارا محايدا لموقع الأنظمة الحالية، حامية مصالحها ومصالح الغرب وإسرائيل، له توابعه الثقافية والإعلامية والاجتماعية؛ يسعى لتصريف أمور الناس العالقة، واحدة واحدة خلال مرحلة أولى، وفي فترة زمنية من عقد أو عقدين اثنين، استعدادا لمرحلة تالية الثابت الوحيد فيها التداول على السلطة وخلق الكفاءات وتحسينها الدائم. كل ذلك في إطار عقد اجتماعي سياسي عربي جديد.
بهذه الطريقة يحصل التغيير الجذري في العالم العربي، وإلا ستبقى فلول الاستبداد مستحكمة إلى لانهاية، يكون بمثابة نزع القشرة المتكلسة في سبيل انبجاس طبيعي لجلد جديد، ومخالفا من حيث طبيعته لنظم التبعية. التبعية للغرب الذي انكشف وهو حيران أمام بنية كامنة لاجتماع سياسي عربي (نظاما وشعبا= كالنموذجين التونسي والمصري الجاريان الآن) عصي على الانسياق السهل، فلا النظام تخلى عن حقه التاريخي الذي استمده من صمت الشعب لربع قرن ويزيد، والعمل للأجنبي الذي وطّد أركانه، ولا الشعب تخلى عن حقه الأزلي الذي عاد للتمسك به في لحظة من التذكر وعودة الوعي...
إذن، في لحظة تلاحم نادرة من بين شرعيتين إثنتين: شرعية عَرَضية لنظام أنساه الزمن الشرعية الشعبية الأصلية، وشرعية جوهرية تناست فجأة الشرعية العَرَضية والتحمت بالشرعية الحقّة. جعلت من العقل السياسي الغربي لا يستوعب الذي يحدث، لماذا؟ ببساطة لأن الذي يحدث خارج عن نمطيته الاستراتيجية في التعامل مع الأحداث. فكانت أن القومَة العربية بكل أطيافها بما فيها تلك التي تعتبر الغرب نموذجا يحتذى والأخرى التي ترى العودة إلى عهد الرعيل الأول للإسلام، التقت عند مصب نهر واحد ينهل منه الجميع، إنه صوت الشعب الذي لم يسبقه إليه أحد في الزمن الراهن. وكل ذلك تعبيرا عن ميلاد عقل عربي سياسي جديد، لبنته الأولى البرلمان العربي الوليد.
الآن سيبحث الغرب لا محالة عن موضع إعراب لهذه الحالة المستجدة في التاريخ الحديث، وسيكون همه الأوحد، همّه الرئيس، فهم ما يجري ليخلق له خانته في فكره الاستراتيجي، فلأول مرة يبدو الموقف الأمريكي بهذا الارتباك، التي هي لحظة تواضع نادرة على العرب جميعهم أن يقتنصوها. ليكون الدرس الأول من العرب للآخرين في العصر الحالي. الغرب وأمريكا في حيرة حقيقية، إنه أمام ضمير الوفاء لقيم الذات الغربية، وأمام ضمير الوفاء للمصلحة الغربية، وأكثر من ذلك كله، هو أنه أمام حالة من "عدم الحسم" التي لن تنتهي جوهريا، حتى وإن انتهت عرضيا لصالح أحد الطرفين في مصر كان ذلك أو تونس فالأمر سيان، ذلك أن الحالة العربية المطلوبة والصحيحة هي تلك الحالة من عدم الحسم المؤقت(***)، وصورة المشهد السياسي العربي شبه مكتملة، لا تحتاج إلا إلى تأصيل من قبل الفكر السياسي العربي الذي عليه بالقول الحسم في هذه اللحظة بالذات وإلا تجاوزه الزمن، وإلى بلورة شبه نهائية كذلك من قبل الفعل السياسي العربي بإعلان البرلمان العربي الوليد.
--------------------------
(*)- نقترح من أجل تجاوز عائق الضمان الديمقراطي، اجتماع الأعداد الغفيرة في كل بلدة ومدينة عربية لتنتخب مرشحيها بطريقة رفع اليد، هذا وإن بدا الأمر مبتذلا، فإنه الأكثر شفافية والأضمن ديمقراطيا. وذلك تحديدا الخطوة المطلوبة من الجموع التي تحتشد في مختلف المدن العربية، وهو ما يؤدي إلى نزول الأنظمة إلى الشارع من أجل المشاركة في التصويت حتى لا يفوتها قطار الزمن.
(**) - عنه ينتج رؤساء مناطق عربية بإمكانها تجاوز حتى الإطار القطري الاستعماري، إلى إطار قطري متفق عليه ينهي الصراعات الحدودية العربية إلى الأبد، وذلك استنادا إلى جهود الفكر السياسي والانتخاب معا.
(***) – ريثما تكتمل شروط النموذج السياسي العربي الموحد الذي سينطبق على النموذج الإسلامي الملياري، حتى يسجله الغرب كذلك في أجندته بالقلم الجاف الذي يستعصي على الانمحاء.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |