الصفحة الرئيسية

سجل الزوار

راسلنا

أرشيف المقالات
فضاء أبو يعرب


فضاء البكالوريا
مقالات ودراسات

منهج وبيداغوجيا

   


دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة

                                 من الحجامة إلى الزيانة

                                  أبو يعرب المرزوقي

عاتبني بعض الأخوة لقولي إن الثورة لم تبدأ بعد وإن ما حصل هو انقلاب في البلاطين الداخلي والخارجي أطاح بابن علي وهو من نفس طبيعة الانقلاب الذي أطاح ببورقيبة وأوصل ابن علي للحكم. وحتى أوضح فكرتي بالفلاقي لأن أعداء الثورة فلقوا بكل معاني الكلمة فصاروا يتجرأون على كل شيء ثم يجازون بأسمى المراتب فيعين الصهيوني والماسوني والكرتوني في مفاصل الدولة حتى يحولوا دون الثورة ومواصلة سعيها من أجل تحقيق أهدافها أو حتى يجعلوا الشباب مخيرا بين القبول بـ 7 نوفمبر جديدة أو الإقدام على مخاطر حرب أهلية شديدة كنت ولا زلت أسعى للتحذير منها. وهي آتية إذا تواصل حكم الزيانة الذي ورث حكم الحجامة أعني إذا لم يتحقق هذان الشرطان الحتميان لكي يتحقق أهم هدف من أهداف الثورة أعني أن يصبح الحكم للشعب من أجل الشعب في المجالات التي من دونها لا معنى للسيادة أعني في الحكم والتربية والاقتصاد والثقافة وفي الخيارات القيمية التي يؤمن الشعب أنها عين ذاته ومقومات هويته:

1-لا بد أن تحل الهيئة السافلة وتعوض بهيئة تشرع للمستقبل وتكون ذات شرعية انتخابية (جميعا) وتقنية (جلها) وخلقية (الكثير منها) ووطنية (لعزل المطبعين والجواسيس) و إنسانية (لعزل أزلام النظام السابق من مزيني سياسة تجفيف المنابع).

2-ولا بد أن تحل الحكومة المؤقتة وتعوض بحكومة وحدة وطنية ممثلة للأطياف السياسية لا تسمي نفسها مؤقتة ما دامت مضطرة للتخطيط لمدة تتجاوز المرحلة المؤقتة لئلا يرهن حكامنا المؤقتين البلاد والعباد وينسجوا علاقات مع ضامن بقائهم أعني إسرائيل من خلال تعيينات الحكومة المؤقتة تعييناتها الأخيرة فضلا رابوع المطبعين في الهيئة السافلة حاشا من فيها من جماعة لا تزال غافلة.

وقد اخترت هذا العنوان الرمزي جوابا على لغة التارزي الرمزية التي بدأ بها رئيس الحكومة عهده في قيادة الكرسي بدل السبسي برمزية الحجامة والزيانة الرمزية التي يمكن أن يبدأ بها النفس الثاني من الثورة الآتي لا ريب فيه نتمناه سلميا ونسعى ليكون سلميا حتى  لو اضطررنا إلى العصيان المدني الشامل. سنترك لهم العنف المادي بعد أن يستنفدوا العنف الرمزي كما في تخريف عجائزهم الذين صاروا مفكرين حتى أصبحت إحدى قنواتهم دار فتوى الزنادقة لفرط خبطهم الرعواني ولم تبق مؤسسة إعلام حتى في شكلها الذي كان لها في الطبل والزمر لليلى. والرمز هنا هو ما جاء في العنوان. فلنحلل حدي "من"- "إلى" لنفهم أنه لم تحدث نقلة بل تغيير في التسمية من الحجامة إلى الزيانة للدلالة على الحلاقة:

فالحجامة هي الحلاقة بالتونسي.

والزيانة هي الحلاقة بالجزائري.

لكني أعني الجمع لا المفرد في اسم الزيانة لتعدد الزيانات (وهذا من الطباق المعكوس لأن الجزائري أولى به أن يسمي الحلاق حجاما والتونس أولى به أن يسميه زيانا لما بين طبع الشعبين من تقابل في حدة المزاج ولطفه). فكلاهما لا يكتفي بتصفيف الشعر بل هو يمص الدم كذلك. والفرق الوحيد أنهما في حرفة الحلاقة يمصانه بـ"المغيثة" ونار الورق لعلاج المرضى الذين يعانون من ضغط الدم. لكنهما في حرفة  السياسة يمصانه ببنوك سويسرا ونار الأرق لـ"لتعليج الشعب" إلى أن يصيبوه بضعف الدم. حسن. سيقول المعترض على الرمز: الحجامة عرفناها وعرفنا مجنونها. فمن تعني يا ترى بالزيانة جمعا دون قصر ومن مجنونهم ؟ إنهم رمز الحاكمين بعد ذهاب ابن علي. والظاهر منهم هو مجنونهم وهو الهيئة السافلة وكل المؤسسات المؤقتة. والخفي هو "ليلاهم" التي هي "إمام" مدفون في دهاليز الأجهزة الداخلية والخارجية ولا يعلمه إلا شياطين الإنس والجان.

لا يخفى عن الحريصين جدا على مصلحة الشعب التونسي- لأنهم من المصالح السرية الداخلية والخارجية- أن معركة الوراثة حان قطافها منذ أمد سابق على الثورة بسب حال أبن علي الصحية وكانوا ينتظرون السانحة. وكان  حينها الخيار بين مافيتين بعد أن أصبح المناخ الدولي لا يتقبل الانقلابات العسكرية فضلا عن كونها مكلفة. والمافية الأولى المرشحة للإرث كانت رئيستها حجامة. والمافية الثانية رمز رؤسانها  زيانات للنظام لدى أصحاب القرار في إضفاء الشرعية على المافيات.

إنهم زيانة النظام عند سادته وسادتهم. إنهم الوسطاء الذين أرادوا أن يصبحوا سادة. لا يريدون أن يبقوا زيانة لغيرهم فأصبحوا أصحاب مباشرة قبل سقوط سيدهم بيوم وهم كذلك منذئذ. لم يتغير شيء إلا صلفهم الذي ازداد ووقاحتهم التي لم يعد يحتملها إلا من كان عميلا لاسرائيل وفرنسا وأمريكا أو كان عديم الشعور والحس. وقد وجدوا مزينين جدد من التقدميين جدا القوميين جدا الوطنيين جدا الديموقراطيين جدا المتفلسفين جدا رغم ضحالتهم وكثيري الصياح والنبح في المساء والصباح إلى حد الشعوذة بالكلام في الحداثة والحرص على الحرية الفكرية والعقدية في حين أنهم يحاربون عقائد غيرهم في الغدو والآصال. وكلامهم لا بد أن يكون بالفرنسية حتى يثبتوا لسادتهم حداثتم المبتاعة من الروبا فيكا لأن أغلبهم خريجي عربية دون تعلمها لفرط لحصر خبطهم في العلوم الأدوات والوقوف دون العلوم الغايات. وذلك لعمري من عجائب التقدمية التونسية: فلا أحد يكتب بالفرنسية في الحوارات الفايسبوكية إلا الساكسيون داراب كما يسمون أقسامهم. كما لم أر متصفا بالسكتاريزم الأشد من التعصب الديني إلا من يسمون أنفسهم منهم بالعلمانيين.

ولما كان سيدهم اللامباشر لأنه كان سيد سيدهم قبل أن يصبح سيدهم المباشر يعلم أن تقاليد البلاد العربية قل أن تقبل بامرأة حاكمة حتى لو لم تكن حجامة وحتى تنكر سلطانها بتوسط أحد أصهارها فإن فضل ما هو أضمن وما يمكن أن يكون أكثر ملاءمة مع شعارات التقدم والحداثة والديموقراطية. فكان الرهان  على الحجامات بشرط أن يكن ديموقراطيات إلى حد الجنون بدلا من حجامة واحدة عفوا أقصد الزيانات الديموقراطيات خاصة وقد اصطف إلى جانبهن الفكر الستاليني الذي "تتشتر" فيرعين بعنايتهن مستقبل الثورة بمباركة من التارزي الروماني الذي لا أدري هل هو فعلا مخير في ما يفعل أم إن من له عليه يدا يريد أن يشوه ما لم يشوهه بنفسه من تاريخه في ما بقي من أيامه.

وحتى يتم ذلك كله لا بد من المزينين المطلقين (اقرأوها كما عن لكم) عند مصدر الشرعية الكوني للَّاهم إسرائيل ومحج قاداتهم. لا بد من المطبعين ومن زوار إسرائيل وصنائعها الذين جلعتهم دعايتها سلطا علمية بالـ"هُكِّي". أولئك هم الزيانة الحاكمين وقادة الهيئة السافلة التي تشرف على تحقيق أهداف الثورة المضادة كما أصبح الجميع مقتنعا رغم تلكؤ بعض الوصوليين الذين تصوروا أنفسهم شخصيات وطنية تلكؤهم في الخروج حتى يظفروا ربما ببعض الظهور في المناسبات أو في التلفزات أو حتى يقول فيهم أحد المزينين كلمة ترفع من معنوياتهم فيعتبرهم مثله من أهل الانحلال والعقد.

فافرحوا يا شباب الثورة وناموا هادئين. ولا تنسوا نصيبكم من الهيجة في الأعراس وسهرات رمضان. حولوا حماسة الثورة إلى "تفرهيد جماعي" سواء كان أعراسا أو حروب عروش وقبائل حول فتات التعيينات في حظائر البلديات. لقد نجحتم في تحقيق حلم حزب الاجتثاث وتجفيف الينابيع. لا بد أن يتم المهمة التحضيرية التي بدأها الاستعمار وواصلها نوابه خلال الخمسين سنة الأخيرة بالاعتماد على طاقتكم الثورية التي توقفت في نصف الثنية لأن الأحزاب الذكية دخلت في لعبة قضت على ما لديها من حرية وبصيرة سوية. صارت الثورة مقفازا لكي يحكم بعض العتاة من نفاة ذواتكم (إذ هم صاروا بديلا منكم) ومشوهي تاريخكم (إذا صاروا المقاومين وأنتم العملاء) ومفسدي سر وجودكم (إذ هم صاروا أصحاب الحل والعقد في شروط قيامكم) ومخربي شروط مستقبلكم (إذ هم يحددون بدلا منكم شكل المجتمع والدولة المقبلين).

 وكل عام وأنتم على مزيد من الزيانه يعينهم التارزي أو من يأمر فيأتمر في الوزارات والمؤسسات والسفارات. لا تنزعجوا فبوسعكم أن تحرقوا إلى أعماق الأبيض المتوسط. أليست القروش قد جاعت ؟ أليس أولى بكم من ضعف الدم المنتظر ؟  فسيتم امتصاص ما بقي من قطرات دم في تونس وفي عروق شعبها حتى يعلِّجونا بضعف الدم. عندئذ لا علاج. فحتى آخر الدواء لن يكون مجديا.