



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
مسك الختام
في تحريف علم الكلام
ابو يعرب المرزوقي
ما مجال التدجيل الأعظم[1] عند الناكصين بالفكر الأشعري إلى الحضيض ؟ إنه الكلام على المفهوم الذي لا يكاد المرء أن يمسك بالمتهربين من تحصيل دلالاته الدقيقة: مجال الكلام في الميتافيزيقيات التي يمضغ منها المتكلمون عبارات غير مفهومة ويتصورون أنفسهم من كبار المنظرين بقطع الشعر كما يقول حجة الإسلام. سبق أن تكلمت على مثال منطقي وعلى مثال كلامي بالجوهر وميتافيزيقي بالعرض (أعني أنه بدأ كلاميا ثم صار ميتافيزيقيا) وعلى مثال علمي وعلي الآن أتكلم على مثال ميتافيزيقي بالجوهر وكلامي بالعرض (أعني انه بدأ ميتافيزيقيا ثم صار كلاميا) حتى يبتين لكل القراء ضروب الدجل التي عمت في موقع الأصلين والرازي للزاعمين الكلام في علم الكلام لتعليم المسلمين العقيدة الصحيحة بعلمهم الأعرج.
وهذا المثال قدمته مشكورة الأخت الفاضلة السيدة شفاء محمد محسن. فقد طرحت ثلاثة إشكالات دالة على حيرة فلسفية حقيقية وحللت الأجوبة التي طلبتها بما يدل على أنها تكاد تدرك سر اللعبة عند من لجأت إليهم لمساعدتها. ورغم أنها تبدو قد فهمت ما قدم لها فقد عجبت من ردها السريع المعبر عن اقتناع بما أتاها من جواب تدعي أنه حل الإشكال الذي تعاني منه في المسائل الثلاث التي طرحتها.
إن إدعاءها فهم الجواب وجزمها بزوال الإشكال هو الذي دعاني للتساؤل: هل كانت السيدة حقا تفهم ما سألت عنه أم هي تكرر محفوظات ؟ ذلك أن الأجوبة التي تلقتها لم تجب عن الأسئلة التي طرحتها فكيف بدا لها أنها حلت الإشكال عندها ؟ للجواب عن هذا السؤال سأكتفي بإشكالها الأول والجوب عليه من شيخها ومساعده[2]: الإشكال الأول كيف نوفق بين هاتين النظرتين:
1- النظرة القائلة بأن الوجود مشترك لفظي (Homonymous) وهي النظرة التي تنسب عادة إلى كلام القدامى عامة وكلام الأشعري خاصة.
2-والنظرة القائلة إنه مشترك معنوي دون تعيين (رغم أنها أشارت إلى شرح اعتبره مشككا) وهي النظرة التي تنسب عادة إلى كلام المتأخرين.
لم أفهم كيف فهمت الاشتراك المعنوي الذي عبر عنه شيخها وكيف أقنعها كلامه بما لا شيء يدل على أنه يعي ما يردده فيه من معان وصلتها بالإشكال المطروح (علما وأنه قد سبق أن قال إن الاشتراك المعنوي لمفهوم الوجود يقال بتواطؤ أي بنفس المعنى على كل الموجودات وهو ما يقتضي أن يتساوى فيه الله مع الإنسان والحيوان والنبات والجماد قال ذلك في خبطه حول ما نسبه إلى ابن تيمية من خطأ منطقي تكلمنا عليه في الفصل الأول من هذا الباب !)؟ فهو لم يعين طبيعة العلاقة بين التحقق والوجود والثبوت والكون بالموجود بحيث تعتبر معاني وجودية تعالج المشكل الذي تريد له السائلة حلا أعني التوفيق بين النظرتين القائلة بالاشتراك الاسمي وبالاشتراك المعنوي حتى من دون تحديد طبيعته (لأنه كما لا يعلم الشيخ ذو طبائع أربع مختلفة كما نبين إن شاء الله: متواطئ ومشتق ومشكك خاص ومشكك عام) ؟ ناهيك عن كلام مساعده اللبق[3].
والسؤال هو: كيف يشترك وجود الخالق في أحكام الوجود مع الموجودات الأخرى ؟ وكيف يكون ذلك كافيا للتوفيق بين القائلين بالاشتراك الإسمي والقائلين بالتشكيك ؟ ثم ما معنى أحكام الوجود ؟ أهي أحكامه بمعنى صفاته الذاتية أم بمعنى أحكام معرفتنا للوجود ؟ أليس الثبوت قابلا لأن يقع في العدم (ثوابت ابن عربي وشيء أبي هاشم) فكيف يشارك فيه الله ؟ أليس التحقق دالا على تأنن الماهيات أي حصولها موجودة بالوجود الطبيعي بعد أن كانت قائمة في العناية بالمعنى السينوي للكلمتين ؟ ومن ثم يكون السؤال: كيف يمكن أن ينطبق على من لا فصل بين ماهيته وإنيته ؟ وبأي معنى من معاني الوجود يتعلق التحقق والثبوت وهما مما يعرض للوجود ولا يقبلان الوصف به إلا تناسبيا كما يصح ذلك على المقولات التسع في صلتها بالجوهر ؟ وكيف يمكن الكلام على المشاركة المعنوية بين الله والمخلوقات في الكون ولا كون إلا ومتضايف مع الفساد؟ أيكون الله مشاركا لغيره في تغير جوهري (وهو معنى الكون) يجعله يكون ويفسد معاذ الله ؟ هل يتردد الوجود القديم بين الكون والفساد ككل المخلوقات ؟
ما هذا الخبط يا أدعياء العلم ؟ بأي لغة تتكلمون؟ أم إن لهذه المصطلحات معاني أخرى غير التي في المعاجم المختصة وغير ما تواضع عليه أصحابها من الفلاسفة الحقيقيين في أنساق فكرهم التي لا يلجها من هب ودب لأنها بالطبع من المضنون به على غير أهله ؟ ومع ذلك فالشيخ مقتنع بأنه أجاب الجواب الشافي لأنه يجهل أنه يجهل. والسائلة اقتنعت بأنها فهمت لأنها لم تفهم عما تسأل. لكني أنا لم اقتنع بما اقتنع به الشيخ ولا بما اقتنعت به السائلة وسأريهما ما لم يرياه وما لو رأياه لعادا إلى التعلم الهادئ ولالتزما حدودهما لئلا يواصلا التدجيل على طلبة العلم. ولا يعدم من هو صادق بينهم في طلب دون شك.
ملاحظات سريعة
ملاحظة مبدئية حول الخيار المنهجي:
هل نريد أن نعالج القضية فلسفيا بإطلاق أعني بمرجعية معرفية مقصورة على القول الفلسفي أم بمرجعية دينية بإطلاق أعني بمرجعية معرفية مقصورة على الآيات القرآنية ؟ أم هل نريد أن نعلب على الحبلين كما يفعل المتكلمون إذ يزعمون الانطلاق من القرآن لكنهم بالتأويل يجعلون ما فيه مجرد مثالات بالمعنى الذي يقصده فلاسفتنا في القرون الوسطى أو تصورات إيديولوجية شعبية بالمعنى الذي يقصده علمانيونا ؟ وفي الحقيقة فالكلام لا يتصور إلا قائلا بهذين الرأيين معا لأن الرأي الأول هو التأسيس النظري للموقف الباطني والثاني هو ثمرته العملية: وذلك هو جوهر الباطنية أعني ما يسميه ابن تيمية بالقرمطة في العمل والسفسطة في النظر.
ملاحظة تطبيقية حول العلاج المنهجي:
ذلك أن كلا طرفي العلاقة السائلة والمسؤول لم يعالجا القضية العلاج المناسب لأنهما يمضغان معان فلسفية غير مفهومة تداولها المتكلمون الأوائل بعد جهد جهيد ولم يفهمها منهم إلا الفحول ثم نسيت فصارت علكا تنتقل من فك إلى فك دون نسغ ولا حياة في الشروح والحواشي كما نجد ذلك كثير التردد عند الأخ نزار الذي يردد بلا فهم ما يجده في الحواشي الصفراء معتبرا ذلك علما لدنيا. فقد كان المنتظر أن تسأل السائلة عن "وصف" موجود على الله ما مصدر انطباقه على الله ؟ فلا وجود لهذه الصفة في ما جاء به القرآن بل ما يقرب منها هو الواجد لا الموجود. وهذا هو المعنى الوحيد الذي يليق بالذات العلية لأن معنيي الوجود في العربية لا يليقان به:
1-فالله ليس مال يُملك فيكون موجودَ واجدٍ أعني ما عنده من ثروة.
2-والله ليس مجرد معلوم في ذهن عالم أعني معنى في تصور ذهني يصادفه باحث عنه كما في عبارة "وجد الضالة".
بل هو أصل كلا الأمرين في الموجودات التي خلقها أعني ما يرمز إليه المملوك أو مصدر القيام لذلك فهو قيوم ومصدر العلم لذلك فهو عليم. ومن قيومته وجوديا ومن عليميته معرفيا يخلق كل ما عداه أعني العالم بكل ما فيه ولا يشاركه أي شيء منها في أي شيء إلا بالاسم.
ملاحظة معرفية حول المعاني المقصودة:
وقد كان من المنتظر أن تسأل عن صلة المعاني الأربعة التي يزعم شيخها استعمالها للتوفيق بين رأيي الأشعري والرازي أعني الثبوت والتحقق والكون والموجود. ذلك أننا لا نرى طبيعة الترابط بين هذه المعاني اللهم إلا إذا كانت الذاكرة تكفي للوصل بين معاني الكلمات. وهذا يذكرني بالكثير من المفكرين العرب الذين يحاولون أن يربطوا بين المعاني في الكلام العربي من منطلق مجالات دلالة مستمدة من لغة أجنبية. فلعل هذه المعاني مترابطة في مجال الدلالة الذي يمكن استمداده من اللغة اليونانية لكني هنا لا أرى رابطا بينها.
ما أعلمه من التحليل الفلسفي لكلمة وجود في اللغة الفلسفية العربية كان دائما في محاولة لطلب البدائل الممكنة لأداء معان يونانية وجدها فكرنا العربي خلال تلقيه الفلسفة اليونانية وترجمتها. وقد تكرر ذلك أربع مرات معلومة للقاصي والداني في تاريخ الفكر العربي الإسلامي:
1-الكندي والمقابلة بين المعنيين المعرفي والوجودي (الرسالة إلى المعتصم)
2-الفارابي والبحث عن ترجمة الرابطة المنطقية في القضية (شرح العبارة)
3-ابن سينا في محاولة تعريف موضوع الإلهيات (الشفاء)
4-ابن رشد في مراجعة الخيارين العربيين لأداء أداة الربط الحملي في القضية أعني بين هو وموجود (تهافت التهافت وتفسير ما بعد الطبيعة).
وهذه جميعا تحيل إلى ما يسمى بالدلالة التناسبية Analogy للوجود والواحد والخير أعني الدلالة التناسبية للمتعاليات الثلاثة المعهودة.
ومن كان جاهلا بهذه الأمور فإنه لا يحق له أن يتكلم في مثل هذه المسائل. تلك هي العلة الأولى لهذا الحكم.
أما العلة الثانية فهي الأعمق. إذا اقتصرنا على ما تسمح به العربية والقرآن أصبح كل الكلام السابق لاغيا في حق الله ويمكن حصره في الكلام على الوجود المخلوق بشرط ربطه بمعنيي الوجود العربيين:
أعني من حيث هو موجودية للأشياء تدين بقيامها لها وتشير إلى مصدر متعال عليها فيكون مدلولها المربوبية.
ومن حيث هو معلومية للأشياء تدين بمعرفتها لها وتشير إلى مصدر متعال عليها فيكون مدلولها الآلهية.
والمعنى الجامع بين المعنيين هو اللقاء بالشيء في العلم بوصفه يفرض سابقا على إدراكه أعني وجد بمعنى لقي أو صادف وفيه في نفس الوقت وجود الشيء قياما في الأعيان ووجوده علما في الأذهان. لكن المعاني الفلسفية التي حددها الفكر الإنساني بالتدريج تعود إلى أربعة أحدها هو الأصل والبقية فروع عنه. وتلك هي المعاني التي عمل بها الفكر الإسلامي سواء بمعناه الفلسفي الخالص أو بما فهم منه المتكلمون مع تلكؤ في إدراك المعاني الدقيقة.
ملاحظة حول دلالة مفهوم الوجود فلسفيا وتاريخيا:
فالمعنى الأول والرئيسي في مستوى الوجود نفسه تحدده مقابلتان هما:
1- الوجود بمعنى الحدين "عرض –ذات" والعلاقة بينهما.
2- الوجود بمعنى الحدين "قوة – فعل"[4] والعلاقة بينهما.
أما في مستوى الفكر والصوغ المعرفي للوجود فتحدده مقابلتان أخريان يناظر فيهما ما في الأذهان ما في الأعيان:
1- الوجود بمعنى الحدين "كاذب – صادق"[5]والعلاقة بينهما.
2- الوجود بمعنى الحدين "مقولة الجوهر-أعراضها المقولية التسع" والعلاقة بينهما.
1- فالوجود بمعنى العرض يستثنيه أرسطو بصريح العبارة من بحثه، ومن كل بحث علمي. إنه موضوع المغالطية ولعله في الحقيقة عين مادة علم الكلام. ومع ذلك فإن أرسطو، خلال إخراجه من البحث المابعد الطبيعي، يحدد طبيعته، وأصنافه، وعلته، وكونه غير معلوم، ويبين وظيفته الوجودية: به نفهم إمكان القول السفسطائي عند اليونان والقول الكلامي عندنا.
2 – والوجود بمعنى الفعل والقوة يعتبره أرسطو موضوع الطبيعيات. والواقع أن علم الطبيعة، من حيث هو علم مجرّد (يدرس جزءا من الوجود أو صفة مجردة: الوجود بما هو متحرك، ليس بوسعه أن يعالج هذا المبدأ بصورة مطلقة، ويكتفي باستعماله. ولهذا يعترف العلماء بحدود العلم أعني بما ينكره القائلون بإمكان علم الكلام.
3 - والوجود بمعنى الصادق والكاذب وأرسطو يستثنيه، كذلك، من مجال البحث الميتافيزيقي، لكنه، مع ذلك، يحدد مادته، وأنواعه، وعلته، ووظيفته الوجودية. كما يؤكد كذلك على أن هذا المعنى هو موضوع علم يسميه علم البرهان، ويغلب على الظن أنه يطابق علم المنطق. ولعل أول من أدرك أهمية هذا المعنى هو ابن سينا في إلهياته عندما أسس الفصل الحقيقي بين الماهية والوجود. فالماهية المفصولة فعلا عن الوجود قابلة للعلم من حيث هي تصور ليس بالضرورة مطابقا لموجود فعلي بل قد يكون مجرد مقدر ذهني بالمعنى التيمي. فتكون هذه الفكرة السينوية ذات الأصل الأرسطي قد صارت ثورة إبستمولوجية عند تأويلها التأويل التيمي بمعنى اعتبار العقل الإنساني قادرا على إبداع مقدرات ذهنية وجعلها موضوعا لعلم خيالي قابل للتطبيق على الوقائع (وإليه تنسب الرياضيات والمنطق في الفهم التيمي بعد تخلصيهما من الميتافيزيقا التي اعتبرت موضوعاتها حقائق وجودية وليست مبدعات أو تقديرات ذهنية !).
4 – وأخير الوجود بمعنى الأجناس العالية .وهذا المعنى الذي يحاول الشيخ الكلام فيه دون الأهلية الكافية. ونظرا إلى أن هذا المعنى من الوجود هو الموضوع الجوهري في ما بعد الطبيعة، فإن أرسطو يخصّص له أعظم مكانة. ولو فهم فلاسفتنا هذه القضية كما فهمها شيخ الإسلام لتحرروا من الميتافيزيقا من البداية بتطوير فكرة ابن سينا التي صارت في حل ابن تيمية فصلا بين المقدرات الذهنية كعلم أداة وبين المعرفة التي هي بالضرورة تطبيق لهذه المقدرات على المعطيات الحسية التجريبية دائما.
مسألة الوجود وتحريف الفكر الأشعري
وحاصل القول وزبدته أنه لا يمكن التوفيق بين الموقفين أبدا وذلك للعلتين التاليتين النابعتين من معنيي المشكك. فما سماه فلاسفتنا بالمشكك يحاول هذا الشويخ جمعه تحت عنوان المعنوي من الوجود أي غير المتواطئ وغير المشترك الاسمي إذا حاولنا أن نضفي بعض المعنى على قصده. لكن المشكك ليس نوعا واحدا بل هو ينقسم على الأقل إلى نوعين يتوسطان بين المتواطئ والاسمي[6]:
1-المشكك الوجودي أو التناسب الوجودي وعليه يقيس أرسطو معنى الوجود مطبقا على الجوهر والأعراض (مثل وصف الطبي ووصف الصحي): ويعتقد أرسطو أن في هذا تراتبا في الكثافة الوجودية لأن الجوهر أكثر كثافة وجودية من العرض لاستغناء الأول عن الثاني في قيامه بعكس حاجة الثاني للأول. لكن الفلسفة الحديثة وابن تيمية قبلها بين كذب هذا الحكم: الجوهر حتى لو صح تمييزه عن العرض فإنه لا يمكن أن يظهر من دونه. ولما كان لا معنى لقيامه من دون ظهوره فإنه ثم فهو غير مستغن عن العرض. وبذلك يزول أساس الميتافيزيقا كلها: لا معنى للمقابلة جوهر عرض إلا بالمعنى المعرفي لا الوجودي أي إننا في علمنا كما في لغتنا نحتاج إلى ما يؤدي دور المسند إليه والمسند. لكن المسند في حالة يمكن أن يسبح مسندا إليه في حالة أخرى بمقتضى تغير المقام والمقال.
2-والمشكك الرياضي أو التناسب الرياضي وهو تماثل النسب بصرف النظر عن المعنى الأول (مثل القول إن نسبة 2 إلى 4 هي نسبة 4 إلى 8). وهذا هو الوحيد الذي يمكن أن يعترف به العقل الإنساني لأنه ذريعي خالص هدفه ليس الزعم بأن النسب في العلم مطابقة للنسب في الوجود بل الاقتصار على كونها فاعلة في ما يسعى إليه العلم من غايات تفويضا في ما يتجاوز العقل الإنساني لعلام الغيوب. لذلك فالحدود تصبح أسماء تؤسس على علامات الأشياء في الإدراك الإنساني الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء إدراك حسي ولا معنى للعقل من دونه مضمونا تنطبق عليه أحكامه: وهو معنى المحسوسية الممكنة التي دحض بها شيخ الإسلام كل حجج الرازي الواردة في أساس التقديس.
وبين أن معنيي التناسب قد وضعهما أرسطو في الأصل ليوسع مفهوم العلم وبتحرر من التواطؤية المطلقة في نظريتي الوجود والعلم الأفلاطونيتين قبل حل أزمة اللامنطق في الرياضايات فيجعله شاملا ما لا يتحقق فيه التواطؤ الذي هو المعنى الحقيقي للمشاركة في المعنى الوجودي الفعلي كما في تصنيف الحيوانات مثلا. فالحياة عند أرسطو تقال بمعنى متواطئ على جميع الكائنات الحية ولا تقال بتناسب في حين أن الوجود يقال بتناسب وجودي.
وبين أن معنى التناسب الوجودي لا يصح على الله ولا على علمنا به لأنه لا يشارك أي موجود آخر في أي خاصية جوهرية فضلا عن غير الجوهرية إلا إذا قبلنا بأن لله أعراضا مثل المخلوقات كأن يتصور البعضُ البعضَ من صفاته فيها شيء مما نقيسها عليه من صفاتنا: كالحياة والعلم والقدرة والإرادة. أما الوجود فلا يعده صفة إلا من تصور الماهية غير الوجود بالنسبة إلى واجب الوجود قيسا على ممكنه.
وبين كذلك أن المعنى الثاني أو التناسب الرياضي لا يصح على الله لكنه يصح على ما لا نستطيع تجنبه في كلامنا على الله بدليل أن القرآن نفسه استعمله في توجيه الله لنا لكيفيات الكلام عليه مع شرط ليس كمثله شيء: فكل ما نقوله على الله لا يتجاوز التشبيه الذي لا يتضمن أي شركة بين المشبه والمشبه به: فعندما نقيس نسب الله إلى مخلوقاته بنسب الإنسان إلى مصنوعاته في كلامنا على الخلق والعناية نحن نعلم أن ذلك هو البديل الوحيد الذي نملكه لنقول ما نحاول تصوره مع العلم بامتناع تصوره. وبهذه الطريقة تتكلم كل الأمثال التي يضربه القرآن الكريم ليفهمنا أفعال الله بالقياس إلى أفعالنا.
وبذلك يتبين أن معنيي المشكك كلاهما لا يمكِّن أي منهما من التوفيق مع معناه عند من يقول بالاشتراك الاسمي ومعناه عند من ينفي التواطؤ للتنافي التام بين المعنيين. لا يمكن التوفيق بين بداية الأشعرية التي هي عودة إلى الموقف السني السوي وغايتها التي هي تحريف وعودة إلى الاعتزال بداية وإلى الباطنية غاية أعني الجهمية الكامنة في الاعتزال. فقول الأولى دليل تسنن وقول الثانية دليل تجهم. وذلك هو الجواب الذي ينبغي أن يقدم إلى الأخت شفاء. فلا شيء يمكن أن يخرجها من الإشكال لأن الإشكال باق دائما وهو مفروض على العقائد من خارج الدين ومصدره أو علته هي عدم فهم المتكلمين أن كل من يزعم تأسيس العلم بالله عقليا بغير الأدلة القرآنية ينبغي أن يرده إلى إله الفلسفة التقليدية أعني أن الله يصبح مبدأ مجردا عديم القيام الفعلي المغاير تمام المغايرة للوجود الطبيعي سواء كان عينا مادية أو عينا صورية.
لذلك فلا ينبغي أن نخلط بين شروط كلامنا على الله حتى كما يعرضه الله في القرآن وشروط العلم المزعوم عقليا به. فكلامنا عنه ليس علما عقليا به لأن المطابقة التي هي شرط العلم العقلي مستحيلة ولأن كل مقايساتنا التي تمكن من فهم الكلام القرآني لا يمكن أن تؤسس لعلم بالله علما عقليا بالتصورات القابلة للعلاج المنطقي بل هي تجربة معيشة ومرقاة تحررنا من تثبيت تصور تمثيلي لله وصفاته. إنها جاذبية معرفية من جنس حدسي يجعلنا نسمو من التشبيه إلى نفي المماثلة بصورة لا تتوقف: كأننا نردد لا إله إلا الله في كل كلمة نقولها عن الله وخاصة في أسمائه التي هي ما نحدسه من أفعاله وعلاقاتنا به من حيث هو مبدأ القيام في وجودنا وتجربتنا الحية نظرية كانت أو عملية.
[1] وهذه فرصة لبيان ما يخبط فيه شيخ الموقعين خبط عشواء. فقد اكتفينا في أول مقال كتبناه في مسألة النكوص إلى فتن الفرق اكتفينا بالإشارة إلى أن ما يذكره الشيخ حول معاني الوجود لا علاقة له بالموضوع المعالج دون مزيد إحراج. فما قاله خلال تعليقه على ما تصوره خطأ منطقيا في فكر ابن تيمية لإبهار قرائه سيتضح للجميع الآن أنه كلام ناتج عن الجهل بالمعاني الفلسفية التي يمضعها دون فهم ويرددها ليبهر بها مستمعيه وقرائه. فالوجود بخلاف ما يزعم لا يقال بتواطؤ بأي معنى أخذناه لأنه مفهوم مشكك مثله مثل الواحد والخير وهو مشترك اسمي عند محاولة الجمع بين الخالق والمخلوق. ولو كان الوجود يقبل أن يقال بتواظؤ في معنى الصادق والكاذب مثلا وهي الحالة الوحيدة التي يمكن أن يجادل فيها مجادل-إذ هو كلامه إذا كان يفهم ما يتكلم عليه لدورانه على ما يزعمه من خطأ منطقي نسبه إلى شيخ الإسلام- لكان معنى ذلك أن العلم لا يطابق المعلوم. فيكون الوجود مشككا من حيث هو وجود ومتواطئ من حيث هو معلوم وهو أمر لا يمكن أن يقول به عاقل إلا إذا صار العلم يسعى إلى قول الأشياء على خلاف ما هي عليه.
[2] شفاء محمد محسن 2008.08.10 بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
الإشكال الأول: فلدي بعض الإشكالات والتي لا أظن أنها قد طرأت على ذهني إلا لسوء فهمي، فأرجو منكم أن توضحوها لي..
1-وجود الله تعالى ووجود الخلق بينهما اشتراك لفظي..ووجود كل شيء هو عينه..وبما أن الحقائق مختلفة، وأن وجودها هو عينها، فهناك اختلاف بين حقيقة وجود الحوادث ووجود الله تعالى..
2-هل يمكن الجمع بين هذا وبين من قال: الوجود: صفة تصحح لموصوفها أن يرى..فعليه لا يكون الاشتراك في الوجود لفظيا، بل هو معنوي، إذ معنى الوجود الموجود بالذات الإلهية موجود في الحوادث، وهو إمكان الرؤية..
3-وهذا ما فهمته من قول العلامة الأمير على حاشية عبد السلام على الجوهرة.. حيث قال: الوجود صفة كلية مشتركة بين الموجودات اشتراكا معنويا مشككا لسبقه في الواجب. فكيف يمكن الجمع بين هذين القولين؟ وجزاكم الله خيرا.
(......................................................)
أرجو أن تكون الإشكالات واضحة، وأنا بانتظار إجابتكم، جزاكم الله عنا كل خير
جواب سعيد فودة 12 بسم الله
جواب شيخها عن سؤالها الأول:
لأجل هذه الملاحظات الذكية التي ذكرتيها أختي الفاضلة فإن المتأخرين من العلماء (من هم؟) قالوا: إن الإمام الأشعري عندما قال إن الوجود مشترك لفظي، إنما قصد إن حقيقة وجود الله تعالى ليست مثل حقيقة وجود المخلوقات، لما علم من أن حقيقة وجود المخلوقات دالة على احتياجهم وفقرهم، وليس كذلك في حق الله تعالى، فلاختلاف الحقائق سمى الاشتراك لفظيا، ولكنهم قالوا أيضا، إن ذلك القول أيضا لا يفهم منه أنه نفى أي اشتراك مطلقا ولو في أحكام الوجودين، بل إنه قائل به، ولا يخفى أن الأحكام من باب المعاني، وهذا ما قرره من قال إن الوجود مشترك معنوي لم يقصدوا إن حقيقة وجود الله تعالى مثل حقيقة وجود المخلوقات فاتفقوا مع الإمام في هذه الجهة، وزادوا في توضيح القول بأن بينوا أن الوجود يطلق على الكون والثبوت والتحقق، وعلى الموجود، فالاشتراك إنما وقع في الوجود بمعنى التحقق والكون، لا في مصداقه وهو الموجود، والوجود كما نقلتيه عن بعضهم أمر كلي معنوي بهذا المعنى. ولذلك قال بعض المحققين: إن مآل قول الأشعري إلى قول الرازي، ملاحظين في ذلك إجمال الأشعري وتفصيل الرازي، وإن كان الشيخ قبل الإمام زمانا. وإذا كان الأمر كذلك فقد يقبل كون الوجود مصححا للرؤية، ولذلك أطلق الشيخ القول بأن كل موجود يصح أن يُرى لوجود اشتراك ما بين الموجودات، وهذا القدر من الاشتراك لا يصحح التماثل في الحقائق كما اتضح.
راجيا أن يكون في هذا الجواب كفاية، فإن كان هناك احتياج للتفصيل أكثر، فليسأل عن محل الإشكال أو الاستفسار، ونسأل الله أن يقدرنا على البيان. والله الموفق.
ملاحظة أحد المتعالمين السيد فراس يوسف 12
فالاشتراك المعنوي يقع في المفهوم وليس في المصداق. فمفهوم الوجود هو الأمر الثابت المتحقق في الخارج, أما في المصداق فلا اشتراك لأن حقيقة وجود الله تعالى تغاير حقيقة وجود الممكن. (هل يعي هذا الرجل ما يقول؟)
فراس يوسف 13
قولك:
" والصفة النفسية هي التي إذا انتفت انفت نفس الذات"يغاير الحكم المترتب عن انتفاء الصفات السلبية, فبانتفاء واحدة منها ينتفي كمال الذات لا عين الذات!"(.............................)
شفاء 25
جزاكم الله خير الجزاء..فقد انحل الإشكال عندي، وكان سببه أن ذهني وقع في حالة لم أتمكن أن أفصل فيها الوجود عن كونه واجبا، فكنت أرى أن وجوب الوجود يستلزم القدم وغيره، وهذا ما منعني من فهم كلام الأخ الفاضل فراس.. فجزاه الله خيرا.. وغفر الله لي فقد كان علي أن أتأمل أكثر قبل أن أعترض عليه..
[3] أعني الاستاذ فراس الذي تعتذر له السيدة عن اعتراضها وما كان عليها أن تفعل لأنها كانت محقة: فما أظن تعليقه يصدر عن شخص صاح. فأولا إذا كان المفهوم متحققا في الأعيان فيكف يقع فيه الاشتراك المعنوي بين الخالق والمخلوق؟ وبأي معنى ؟ ثم كيف يصح الاشتراك المعنوي في المفهوم وينتفي في الماصدق في حين أن المفهوم يتألف من المقومات الجوهرية للماصدق سواء كان عينا واحدة أو مجموعة أعيان من تلك الحقيقة ؟ فهل حقيقة الوجود صار غير مقومات المفهوم الذي يحدد تصوره تحديدا يطابق الصادقية ؟ بلغة فلسفية صناعية: المفهوم الذي يقول حقيقة الماصدق ينبغي أن يكون مؤلفا من مقومات الحد أعني من الجواهر الثواني أي الجنس والفصل ليحدد الصورة النوعية علما وأن ذلك كله لا يمكن أن ينطبق على الله لأن ذاته ليست قابلة للحد بهذه الطريقة. وثانيا إذا كان ما في الأعيان هو المفهوم فهل ما هو في الأذهان بعكس المنتظر هو الماصدق؟ فضلا عن كون عبارة مصداق نابية في المصطلح المنطقي وابن خلدون يفضل الصادقية والمصطلح المتعارف بين أهل الفلسفة هو الماصدق.
[4] القوة والمادة، ذلك ما يعتبر أرسطو أنه العنصر الذي ينقص الأضداد الأفلاطونية. فالأضداد لا يفعل أي منها في الآخر : ما بعد الطبيعة 2. 1081 ب 26 – 27 : "وفي الحقيقة فإنه يجب، لتعليل هذه الكثرة، أن ننسب مادة خاصة لكل جنس، رغم كون هذه المادة لا يمكن أن تكون مفارقة للجواهر".
[5] عندما يؤكد أرسطو أن مادة الأشياء الرياضية لا يمكن أن تكون موضوعا لعلم "البرهان" لأن موضوع هذا العلم هو البرهان والعلم، فإنه يؤكد أمرين في نفس الوقت : فهو يثبت أن المنطق علم نظري وأنه يدرس البرهان والعلم، وكلا الأمرين يفترض الصادق والكاذب اللذين ينتميان بما هما من جنس الإنفعلات الفكرية إلى علم النفس، وبما هما برهان وعلم ينتميان إلى التحليلات وبما هما يدرسان روابط موجودة فعلا ينتميان إلى ما بعد الطبيعة (5.1 1059 ب 15 – 20).
[6] أما المشتق فإنه يتحدد معناه بمقتضى ما هو مشتق منه لأن طبيعته هي من طبيعة أصله: إذا كان من المتواطئ فهو متواطئ وهكذا. لذلك فنحن لا نضعه مع المشكك رغم أن المشكك أيضا فيه المشتق التابع وكذلك المشترك الاسمي.