
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
معضلة الكلمة والخطاب
(التقوى مثالا)
صالح بوعبدالله
مازلنا في عالمنا العربي والإسلامي نعاني بعد من ضبابية الرؤى وسوء فهم المصطلحات. بل وللأسف قد تفشت فينا مفاهيم توحي أنها ذات دلالة إيجابية نظنها مسلمة من المسلمات ونتعامل معها على أننا نعلمها ونفقهها، ويعم التعامل والتعاطي معها على أنها مدركة ومستوعبة لدينا، ولكن وللأسف تجد وقعها فينا ضعيفا وتأثيرها في محيطنا مقلوبا أو ربما أقول مبهما، أو يعجز اللسان عن الإفصاح وإيضاح المدرك المكنون في ذواتنا.
كم كان ممتعا لحضت إدراكي معنى التقوى الغائب عن مداركنا، ذاك المعنى الذي يحمل في طياته صورا وأنماطا ومفاهيم رائعة الجمال متحفا بالعبارات ومزوقة بالعناوين الرنانة. تلهمني وكأنني في عالم سحري يلامسه الخيال ولا تدركه النفس ولا تعقله المدارك، كأن يقال التقوى: تقوى القلوب، والتقوى تقوى النار، والتقوى هاهنا وما إلى ذلك من معان راقية رائعة لكنها لا تفي بالحاجة ولا تحرك الساكن في أو قل فينا ليس ذلك لضعف الإيمان وان كان ذلك واردا، لأنني أعلم عندما أكون في لحظات الإيمان أستشعر صورا من معاني التقوى أستلهمها من ذلك العالم السحري الخارق الذي يغازله خيالي ولا تلامسه مداركي الحسية ولا تعيه مدارك الحدسية، كذاك السكران الذي غاب عن وعيه وعالمه ثم عاد لوعيه يبحث عن ملمس ينطلق منه فلا يجده.
ولكن كم كان ممتعا لحظت إدراكي معنى التقوى في عبارة بسيطة أجدها بين الأسطر عند الأستاذ أبويعرب تبزغ في صدري وينشرح بها فؤادي وهي أن التقوى في معناها هو الإيمان واحترام وامتثال القيم الإنسانية التي نسعى من خلالها إلى رفع منزلة الإنسان في الوجود. وبعبارة فيلسوفنا الفاضل " وقد تعجب لو قلت لك إن مستقبل قيم الماركسية بعد أن تحرر أصحابها من اشتراط الكفر بالدين لتحقيق قيم العدل والمساواة لن تتحقق فعلا إلا بفضل الدين الثوري الذي يمثله الإسلام في مستقبل البشرية: تحقيق العدل والمساواة بين البشر لأنهم أخوة ولأن القرآن يعتبرهم مبرئين من الخطيئة الموروثة ولا فرق بينهم لا بالعرق ولا بالدين ولا بالثروة بل فقط بالتقوى أعني باحترام القيم الإنسانية التي هي شرط نقل التاريخ الإنساني من القانون الطبيعي للصراع الحيواني كما نراه الآن في العولمة المتوحشة إلى التنافس الشريف من أجل رفع منزلة الإنسان في الوجود" (جلسة دمشقية ونقاش حضاري مع أبو يعرب المرزوقي) ، كم كان لهذه المعاني التي تستوعبها المدارك من تأثير ووقع على العقل والنفس و كم تساوي هذه العبارات التي صارت تدركها الحواس، وهذا المعنى الذي صير التقوى ملموسة قريبة للفهوم وممكنة الوقوع والحصول وما يمكن أن تحدثه في الأنفس من أمور عظيمة قد تغير مجرى التاريخ ومنحاه.
وما يمثله يا ترى هذا التحول من عالم الخيال والسحر والضبابية (حتى وان بالغت في ذلك) إلى عالم الإدراك والحس في معنى التقوى المقدس لدي، التي صرت أرى أثرها فيّا وفي محيطي، وصرت أدرك كيفية تقويتها ومتى يمكن أن ألوم نفسي حين تقصيري وأنا بكل وعي أميز بين التقوى عند قوتها وعند ضعفها حين تمثلي للقيم الإنسانية التي أسعى إلى امتثالها ومعايشتها والارتقاء معها وأنا في هذا العالم المحسوس المدرك وتصيبني حينها قشعريرة الإيمان عندما تدغدغني مشاعر تحقق شيء من القيم الإنسانية إن كان ذلك برعاية البيئة بالمحافظة على الماء مثلا أو منع العبث بالمحيط أو مساعدة إنسان محتاج أو إماطة الأذى عن الطريق فهي قيم إنسانية وإسلامية نعبر عنها بمعنى التقوى الذي فيه جميعنا يتنافس.
إن امتناع إدراكنا عن الولوج لفهم المصطلحات التي نتداولها والتي نغفل عنها هو من أهم العوائق التي تمنعنا من فهم سبب تأخرنا وتخلفنا في النهوض وتحقيق أمر الاستخلاف في الأرض. نحن نحتاج اليوم إلى من يُفعل تلك المصطلحات ويُحييها من سباتها فينا ويُعطيها زخما جديدا وروحا حية تنبض كي تُصلح بين الروح والجسد وتُقرب بين عالم الخيال السحري وعالم الإدراك و العالم المعقول المحسوس، وبهذا تكون الدنيا مطية للآخرة ولا أن تكون الآخرة نقيضا للدنيا ولا الجسم نقيض الروح في عوالم منفصل بعضها عن بعض. ويعود جله والله أعلم لكسلنا وتكاسلنا في طلب العلم وعجز إدراكنا بعدم إدراكه وفهمه لما يضن أنه يدركه ويفهمه.
إن كتب الفقه والتراث و كتب السلف الصالح مليئة بالمعاني والمصطلحات والكلمات الرائعة والعظيمة ولكنها لا تفي بالحاجة لتغير الأزمان وتغير المدارك والفهوم لدينا، وإذا لم نشمر الساعد ونسعى إلى إعادة صياغة المصطلحات وتنشيط المفاهيم وتحويلها من عالم الضباب والسحر إلى عالم الإدراك والحدس المفهوم والمستوعب لدينا فسنبقى نغرد ثم نغرد دون فهم وإدراك لتغريدنا ومبعث تغريدنا. هذا ما أرى العجز فيه عظيم ،وأظن أننا بحاجة إلى تلمس تلك العبارات بين طيات كتب الأستاذ واستخراجها ثم العمل على تفكيكها وإعادة تركيبها وتبسيطها وتعميمها إلى جمهور الناس على اعتبار أنها جمل كلية وقواعد عامة تحتاج إلى من يجتهد في فهمها وتحليلها وتقريبها إلى القراء بأمثله (وأن يُستنتج من تلك النصوص والقواعد الكلية بعد ذلك نظريات وأطروحات في كل العلوم الإنسانية كعلم النفس والاجتماع والتاريخ .... والعلوم الإسلامية بمختلف تفرعاتها وهذا يحتاج إلى أجيال من العمل الجاد). أو أن يكتب الأستاذ ويخصص لنا كتابا يجمع تلك المصطلحات ويعطيها معان تستوفي حقها وتكون مرجعا لطالب العلم والحق. وهذا لا يغنينا عما يجب القيام به تجاه أمتنا وتاريخنا ومستقبلنا في ما أسلفت ذكره .
هذه إشارة لبعض أسباب العوائق الحائلة دون شروط النهضة. وبعض المقترحات أرجو أن تجد صداها لدى ذوي الاهتمام و الاختصاص.
والسلام عليكم