معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مباشرة مع أبي يعرب المرزوقي

                                                         محمد عمر سعيد

قمنا بنقل هذه المقابلة التلفزية مع أبي يعرب المرزوقي إلى نص مكتوب ـ والتي بثتها قناة الجزيرة مباشر في حصة "مباشر مع" شهر ديسمبر من سنة 2009 ـ لما وجدنا فيها ما يمكن أن يكون الفرق بين الخطابين الكتابي والكلامي، إذ لكل خصائصه، ولعل ميزة الكلام المباشر هي محاولة اختصار المسافات التي يتطلبها التدوين من بحث يقتضي الاستدلال وكثير من الصبر والمشقة، ففي الكلام من الصراحة والمباشرة ما يختصر أسئلة تطرح بعد قراءة النصوص على صاحبها ويريد القارئ أن يعرفها من متفوهاته.

ولعل أبو يعرب هو ممن يسعى لرأب تلك الهوة بين الكتابة والكلام، ذلك أنه يعتبر التلفزيون من الوسائل التي ساهمت في انحطاط التفكير عندما جعلت المفكرين والدعاة يتسابقون على اعتلاء منابرها دون تحقيق شروط الروية والتأني العلميين واعتماد وحي الخاطر الذي يغلب فيها علم الكلام على الكلام العلمي الرصين، ولعلنا نجد فيما قمنا بتحويله من المُشاهَد إلى نص مقروء وجها ثانيا – هو لعملة واحدة - لمفكر همه الرئيس أن يعيد الإنسان المسلم إلى التفكير السنني لتحقيق شروط الاستقلال الحضاري.

وقد قمنا في هذا التحويل بانتقاء الأجوبة ذات الفائدة التي كان يرد بها أبو يعرب على محاوره (محمد دحّو) والمتصلين، كما حاول المحاور تجميع الأسئلة ضمن أسئلة نظرية موحدة حيث كان أبو يعرب يلاحظ في كل مرة أن التساؤلات متأثرة بالظرف السياسي الراهن وإن كان اعتبر ذلك أمرا طبيعيا ومتفهما عنده.

إذ هو قد افتتح كلامه وختمه بما هو أهم ما ذكره في حواره، حيث افتتح كلامه بحمد الله على أن جعل من التفكير الفلسفي جزءا من التراث الثقافي العربي، وختمه بالقول بأن علة التخلف الأخلاقي للمسلمين إنما هي في اقتصارهم على الأخلاق واعتبارهم العلوم والتكنولوجيا أدوات ثانوية في حياتهم، فدونكم نص الحوار الشيّق*.

محمد دحو: الحاجة اليوم إلى الغذاء ماسة وإلى الماء ماسة وإلى الأمن ماسة أيضا ما هي الحاجة إلى الفلسفة؟ هل بقي أن نقول بأن للفلسفة دور وقول وأهمية؟

أبو يعرب: أولا نحمد الله على أن الفلسفة صارت جزءا من تراثنا الثقافي، قبل أن تصبح الفلسفة جزءا من تراثنا الثقافي، كنا نقتصر على جزء ضئيل مما تقتضيه الرسالة التي وجهت إلى البشرية أعني استعمار الأرض والاستخلاف فيها، لكي يكون الإنسان - فعلا - قائما بواجبه في الدنيا ينبغي أن يعلم ما الذي يوجد من قوانين تسير بمقتضاها الدنيا، والفلسفة سؤالها الأساسي ... الميتافيزيقي - إن شئنا -  ليس فقط سؤال خلقي يتعلق بمعاني الوجود، وإنما أيضا سؤال نظري علمي وتقني يمكن من تحقيق شروط القضايا التي أشرت إليها والتي يظن الناس أنها ضد التفلسف (يعني الجوع وكذا وكذا)، هذه القضايا لا تحل إلا بالعلم والعلم هو الثمرة الأساسية للفكر الفلسفي، ومن ثم فإن دخول الفلسفة في تراثنا لا يعني دخول الميتافيزيقا وحدها وإنما دخول العلوم التي تمكن من سد حاجيات الإنسان.

محمد دحو: فيم  تفكر الآن والعالم يتغير من حولك ومجتمعاتنا العربية تتراجع اقتصاديا وسياسيا، ما هي الأسئلة المِلحاحة التي تطرحها اليوم كفيلسوف ومفكر مرتبط بمجتمعك وبمصيرك؟

أبو يعرب: الفلسفة صحيح تأتي بعد العلم لكنها أيضا تأتي قبل العلم، فهي تأتي بعده لتتجاوزه إلى متعاليات الوجود الإنساني، إلى القيم الإنسانية، وتأتي قبله لتؤسسه على هذه القيم، أما السؤال الفلسفي الأساسي في عصرنا وبالإضافة إلى القضايا النظرية المتعلقة بتأسيس العلم وبتحديد دلالة الوجود ومعنى الحياة، فهو السؤال عن شروط القيام المستقل، لما هزمت أوروبا في الحرب العالمية الثانية أدركت أنها لم تعد حائزة على شروط القيام المستقل، ففكر رجالها من الساسة والاقتصاديين والمثقفين بشروط تحقيق القيام المستقل، فكان الحل عندهم كيف نجعل أوروبا مجالا ثقافيا واحدا، ومجالا قيميا واحدا ومجالا اقتصاديا وسياسيا واحدا وذلك لكي تعود أوروبا في أداء دورها في التاريخ الكوني، إذن القضية الأساسية بالنسبة إلي هي كيف يصبح على الأقل العرب إن لم يكون كل المسلمين قادرين على أن يحققوا شروط الاستقلال، كل بلد عربي مهما كثرت ثروته الوهمية ليس قادرا على تحقيق هذه الشروط ومن ثم فإن القضية الأساسية والرهان الأول للفكر الفلسفي، أي لتحقيق شروط الفكر الفلسفي وشروط البحث العلمي هو الإمكانات التي تجعل ذلك قابلا للتحقيق، وهذه الإمكانات هي اقتصادية وسياسية وثقافية والتي لا تتوفر في أي بلد عربي أو إسلامي بمفرده.

محمد دحو: طبعا أنت دخلت دكتور إلى بعض ملامح مشروعك الفلسفي المهم، والذي يسعى إلى تأسيس فلسفة عربية معاصرة لا تناصب العداء للدين كما كتب أحد عن مشروعكم وإنما تتفيأ ظلاله وتسترشد بتوجيهاته الإسلامية، ولك في هذا الموضوع الكثير من الآراء، وكونك خبرت في موضوع الدين أو الفكر الديني والفكر الإسلامي، وأيضا في هذا المشروع أيضا تتحدث عن شرط اساسي في تحقيق المشروع الفلسفي بمعنى تطور المجتمع أن نكون معاصرين تحدثتم عن مناهج التعليم واعتبرتموها أساسية باعتبارها تكون الأجيال وإنسان الغد، كيف يمكن أن تشرح لنا أهمية التربية والتعليم في مجتمعنا وتطورنا وفي اقتصادنا وفي ثقافتنا؟

أبو يعرب: القضية الأساسية التي قد تكون أحد الأسباب الرئيسية في تعطيل النهوض العربي والإسلامي بل وفي جعل الحضارة العربية والإسلامية في لحظة من اللحظات تفقد الفاعلية وتنحط هو هذا الصراع الزائف بين القيم الدينية والقيم العقلية، الفلسفة ليست عدوا للدين، من جعلها عدوة الدين هو الذي يتصور أن الفلسفة ليست طلبا للحقيقة وليست طلبا للجمال وليست طلبا للكمال، وطلب الحقيقة والجمال والكمال هي عينها مطالب الدين، فإذن كل من الفلسفة والدين يشتركان في المطالب والغايات الإنسانية، الخلاف الوحيد هو في الطريق الموصلة إلى ذلك، فالفلسفة تعتقد أن الطريق الموصلة هي المنهج العلمي والمنهج التأويلي، في حين أن الدين يعتقد أن الطريق الموصل إلى ذلك هو التربية الخلقية والتربية العقدية، بحيث إن الدين يتوجه إلى دوافع الإنسان العاطفية والخلقية، والفلسفة تتوجه إلى دوافعه العقلية والإرادية.

محمد دحو: ما هو السر في العجز العربي؟

أبو يعرب: أعتقد أن السر في العجز العربي، السر الأساسي هو أننا نشير إلى العلل العرضية ولا نذهب إلى العلة الحقيقية، أغلب الناس اليوم يركزون على أن سر العجز هو الحكام، سر العجز هو الأنظمة الحاكمة، لن أدافع عن الأنظمة الحاكمة فلها دور في هذا العجز، ولكن أيا كان النظام الحاكم فهو يصرف ما يتوفر لديه من وسائل القوة، ووسائل القوة لا تحصل بين عشية وضحاها، يعني نظام التعليم ورثناه متخلفا من القرون الوسطى النظام الصحي متخلف من القرون الوسطى، البنية الأساسية متخلفة، الاستعمار لم يبق ولا يذر، فشروط القوة تتطلب وقتا للحصول وهذا ليس فيه عذر للحكام يمكن أن يسرعوا، ولكن هذه الشروط تحقق عطالة في شروط القوة (ربما يعني هنا أن تحقيق شروط قوة الأمة لا تتوافق مع تحقيق الأنظمة لقوتها التي بها تحكم وتستمر في الحكم) بالإضافة طبعا إلى التجزئة والتفتيت، وإذن فإنه من الخطأ أن نقع فيما وقعنا فيه سابقا، بعد هزيمة 48 فنركز على الأنظمة وعلى ضرورة تغيير الأنظمة ...إلخ، فتقع سلسلة من الانقلابات تؤدي إلى أن ننكص ونفقد شرط التقدم الذي هو النظام، وجود النظام، نحقق بقاء النظام التعليمي النظام الصحي وهو الحد الأدنى، هل نريد أن نصومل كل الأقطار العربية نحولها إلى صومال؟ هل نريد أن نحولها إلى أفغانستان؟ أم نريد أن نصلح هذا الوضع بالطرق التي تحقق الإصلاح دون أن تنكص بالأمة إلى الفوضى.

محمد دحو: ألا تعتقد أن غياب بنيات أساسية حرية التعبير حرية الإعلام، التداول على السلطة هذه الأشياء كلها تساهم في غياب عدالة في العالم العربي، في غياب السلطة العربية الحقيقية التي تقوم على العدالة عدلت فنمت ياعمر؟

أبو يعرب: هذا الوجه الظاهر من دور الأنظمة في عدم تحقيق شروط القوة، ولكن هل نحن نتصور أن الأنظمة تفعل ذلك بإرادتها أم هي تفعله لأنها في الحقيقة ليس لها شروط الاستقلال؟ إذا كانت الأنظمة تابعة فلا يمكن أن تنتظر منها أن تحقق الديمقراطية وحرية الرأي وحرية الحوار وحرية كذا، المشكل في التبعية وليس في الإرادة.

أبويعرب (تعليقا وردا على أسئلة ثلاث واردة): ما يجمع بين هذا الأسئلة الثلاثة هو حضور الهم السياسي المباشر، وأنا أفهم أن الوضع العربي والإسلامي الحالي يجعل هذا الوضع ملحا (يعني استفحال الهم السياسي)، ولكن إذا نحن أردنا أن نعالج هذا الوضع فإن الروية العلمية والفلسفية ضرورية.

إذا بقينا على المقابلة بين الفلسفة والدين فإننا سنعود إلى الخلافات القديمة التي كانت سبب انحطاط المسلمين، سبب انحطاط المسلمين هو أن الدين اعتبر الفلسفة خروج عن الدين والفلسفة اعتبرت الدين خرافات، وصارت الحرب بين حزب الدين وحزب العقل، وهذا هو منافي لشروط النهوض الحقيقية، الدين يستجيب لحاجيات والفلسفة تستجيب لحاجيات، ولا يوجد مجتمع إنساني يخلو من هذين البعدين، وإذا فالصلح بين هذين البعدين أمر ضروري، الدين يهتم بالقيم من حيث هي محددة للغايات التي يدركها الإنسان بعاطفته ووجدانه، والفلسفة تحقق شروط كرامة الإنسان المادية والروحية، وإذن فهذا المشكل الذي قضى على الإبداع العربي والإسلامي ينبغي أن نتخلص منه نهائيا، وأن نتخلص من ثمراته وهي ثمرة الحزب العلماني والحزب الإسلامي، الحزب العلماني والحزب العلماني ينبغي أن يتصالحا، لأن الفرق بينهما ضئيل جدا، أحدهما يفكر في المستقبل وينسى الماضي والثاني يغلب التفكير في الماضي وينسى المستقبل، ولكن في العمق كلاهما يسعى إلى تحقيق الاستقلال والحرية والديمقراطية للإنسان المسلم والكرامة للإنسان المسلم التي يطلبها الدين وتطلبها الفلسفة، فلا يمكن للعلماني أن يدعي أن الفلسفة تتنافى مع الدين، ولا للإسلامي أن يدعي أن الدين يتنافى مع البحث العقلي.

أما الكلام أننا نحن نملك كل شيء والعرب غائبين عن الخريطة، العرب ليسوا غائبين عن المعترك الدولي الآن، هم على الأقل موضوع المعترك الدولي في المنطقة، وهذا الموضوع يفعل ويتحرك ويرد الفعل، وشيئا فشيئا سيصبح فاعلا إيجابيا، المهم أن لا نيأس، والمهم أن يبق الأمل، والمهم خاصة أن لا نقع في خطأ 48، جمعنا إلى الهزيمة سلسلة الانقلابات التي أدت إلى إزالة شروط التطور البطيء – أعلم ذلك – ولكنه الضروري في المستوى التربوي وفي المستوى الثقافي والسياسي والاجتماعي.

أما بالنسبة إلى أخينا ضياء المرسي الذي يقول لا تعارض بين القومية والإسلام، نعم هناك تعارض بين القومية والإسلام، لا تعارض بين العروبة والإسلام باعتبارها ثقافة، ولكن إذا تحولت إلى نزعة قومية فهي ستصبح محرك لميلاد نزعات قومية أخرى، وعندئذ سنعود إلى صراع طائفي، إلى صراع بين العربي والبربري في المغرب وبين العربي والكردي في المشرق ... إلخ من الطوائف، القومية بمعناها الغربي تتعارض  مع النظرة الإسلامية للمجال الثقافي، العالم الإسلامي فيه مجالات ثقافية، ليست عربية وبربرية فقط، عربية بربرية فارسية كردية تركية...

محمد دحو: التجزئة في العالم العربي كما تقول موجودة، وموجودة أيضا – وهذه الخطورة – في ظل غياب أفق للحوار بين التيارات المتنافسة، مرة أخرى ما هي أسباب العجز العربي؟ وهل تنازل المسلمون عن القيم الإسلامية الحقيقية عندما فتحوا المجال لهذا القنوط ربما، لهذه التجزئات السياسية؟ أتحدث عن موضوع الأحزاب الإسلامية التي تصل إلى السلطة عندما تحتكم إلى الصناديق فتلغى، وأتحدث عن الأحزاب اليسارية الموجود بتواطؤ ربما مع سلط عربية لتوفير حماية شرعية للرأي العام، ما رأيك في هذه الإشكالية.

أبويعرب: الخريطة الحالية للعالم الإسلامي كانت تقريبا موجودة حتى قبل الاستعمار، لكنها كانت موجودة الخريطة لتنوع ثقافي مثري للحضارة الإسلامية، وإذن التشتت السياسي الذي كان موجودا في العالم الإسلامي لم يكن نافيا للوحدة الثقافية والروحية للأمة الإسلامية، لكن لما أصبحت الدولة قومية وليست فقط لتسيير شؤون الدنيا، حاولت أن تسقط البعد القومي على البعد الثقافي والروحي فأصبح لكل بلد قسم من التاريخ الإسلامي لكي يؤسس شرعيته، فأصبح التونسي يريد أن يكون قرطاجني والمصري فرعوني والعراقي بابلي واللبناني فينيقي، هذه العودة إلى التأسيس التاريخي للدولة الحديثة بقوميات تتنافى مع الإسلام ومتقدمة على الإسلام هي التي أعادت الحياة للطائفية، فنقلت التنوع الثقافي من التنوع الثقافي المثري إلى سبب الفرقة والانفصام، أغلب زعماء الإسلام في الجزائر بربر ولم يكن لهم مشكلة بين العروبة والبربرية، ولكن لما أصبح العربي يريد أن يكون دولة عربية... فالبربري يقول لماذا أنا لا أكون دولة بربرية.

محمد دحو: بهذا المعنى كيف يمكن للإسلام الصافي والحقيقي... أن يستعيد المسلمون...

أبويعرب: أن يحوّل الفروق الثقافية إلى عامل ثراء ولا يقتضي الفصل بين شعوب الأمة الإسلامية وقبائل الأمة الإسلامية إلى قبائل متنافية، هي إن شئنا شبه ولايات، في كمنويلث إسلامي له وحدة ثقافية، له وحدة تاريخية وله عدة أنظمة سياسية يمكن أن تتعاون، يعني الأنظمة السياسية في أوروبا مختلفة ولكنها تتعاون وتتحد وصارت تتكلم عن المجال الثقافي المسيحي الأوروبي، لماذا لا نتكلم نحن عن المجال الثقافي الإسلامي، المجال الاقتصادي الإسلامي وهذا لا يمنع أن تبق الدول ولكنها تتعاون.

أبويعرب (ردا وتعقيبا على اتصالات ثلاث أخرى): مرة أخرى العامل السياسي هو المحرك... وهذا أيضا أعتبره من أسباب عجزنا على فهم أسباب عجزنا لأننا نذهب مباشرة إلى الفعل المباشر وإلى العلل المباشرة لا نفكر فيما وراء...

محمد دحو (مقاطعا): وهل هذه الحالة العربية الإسلامية مقصودة تصنعها الفضائيات ووسائل الإعلام؟

أبو يعرب: لا، أعتقد أنها طبيعية وأنا أفهمها، ولكن نحاول أن ننظر وراء هذه الأسئلة، أنت تلاحظ أن كل الأسئلة تقريبا تقدم حلولا ولا تسأل، أعني كل ما استمعتُ إليه من أسئلة ليست أسئلة وإنما حلول، هو يقترح حلول، وهذا حق كل مواطن، أن يقترح حلولا، وأعتقد أن اقتراح الحلول ينبغي أن يتقدم عليه تحليل أسباب الأزمة التي تعاني منها الحضارة العربية، بقي نقطة أساسية..

سأركز على نقطة أساسية، وهي القول أن التقدم الحقيقي خلقي وأن العلوم أمر ثانوي لأنها أدوات، المسلمون تخلفوا لأنهم فقدوا هذه الأدوات التي تجعلهم قادرين على الاستقلال ومن ثم قادرين على ممارسة أخلاقهم، وهنا أريد أن ألح على أن المسلمين لأنهم تخلفوا ولأنهم فقدوا أسباب القوة صارت الأخلاق عندهم يغلب عليها الكلام عن الأخلاق لا الممارسة الخلقية، المسلمون اليوم أخلاقهم أكثر تخلفا من علمهم، ولذلك فإن القضية ينبغي أن تتعلق بـ ... مالذي يجعل المسلمين يغلب عليهم الغش ويغلب عليهم الكذب ويغلب عليهم الفساد، أليس لأن العجز والضعف أدى إلى التحلل وإلى الحلول السهلة؟ ومن ثم فإن أسباب القوة هي التي تنقل الإنسان من الحياة الضرورية إلى حياة الكمال إلى المثال الأعلى إلى السمو، أما أنت إذا وضعت الإنسان عاجز عن الدفاع عن نفسه لأنه متخلف تقنيا، وعاجز عن سد حاجياته في الغذاء لأنه متخلف في الزراعة فإنه سيصبح متسولا ولن يكون ذا كرامة كما يقتضي الإسلام، لأن الإسلام طلب من المسلمين أن يستعمروا الأرض بمعنى أن يعمروها وأن يكونوا فيها خلفاء بمعنى أن يرعوها بحسب ما حدده الإسلام من قيم، أما أن نقول نحن لسنا بحاجة إلى العلوم ولسنا بحاجة إلى التكنولوجيا و نعتمد على التوريد فهذا ليس استقلالا.

      

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي