
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
مشكلة فيزياء الكم و الوجود الخفي
محمد عز الدين الصندوق
Faculty of Engineering and Physical Sciences, CORA
University of Surrey, Guildford Surrey GU2 XH, UK
m.sanduk@surrey.ac.uk
الوجود الفيزيائي هو الوجود في الفضاء الرباعي الابعاد (ثلاثة احداثيات مكانيه و احداثي واحد زمني) هذا التصور للفضاء ادخلته النظرية النسبية الخاصه. ليس هذا فقط بل يتحدد الوجود الفيزيائي من خلال كون الموجود يعرف بكمية رياضيه حقيقيه قابلة للقياس و هذه الميزة تدعى في ميكانيك الكم (Observables) و ادخلت للفكر الفيزيائي من خلال دراسة العالم المتناهي الصغر.
ان ما يحد بابعاد مكانية ثلاثة و خاضع للتغير الزمني هو بلا شك وجودا ماديا و على ذلك كانت السيارة و الانسان و الهواء و...... كلها كيانات مادية يمكن خضوعها للتجربة المختبرية. المشاهدة (Observation) سواء بالعين المجردة او باي وسيلة مختبرية قد تمنع الموجود المادي شهادة الوجود. من خلال المشاهدة تتحدد الابعاد المكانية و الزمانية للموجود.
هكذا تعاملت الفيزياء الكلاسيكية مع المادة و لم تتطرق الفيزياء لموضوعة تاثير المشاهدة على الكيان المشاهد. و السبب في ذلك هو ان المشاهدة تتم من خلال تسليط الضوء على الجسم المراد معرفته و يقوم هذا الجسم بعكس الضوء نحو العين او الجهاز المختبري و هكذا و من خلال عملية الانعكاس يترك هذا الجسم انطباعا بوجوده لدى الطرف الاخر. و لما كان الضوء عبارة عن سيل من الجسيمات الدقيقة و باعداد هائلة تدعى بالفوتونات (Photon) وهذه الجسيمات (Particle) ذات تاثير غير محسوس على المستوى الكلاسيكي لذا كان تاثير تصادمها مع الجسم يكاد ان يكون معدوما. نحن نشاهد الكرة تتراقص بين ارجل الاعبين رغم انها تتعرض لقصف هائل من جسيمات الضوء الذي تعكسه الى عيوننا. و لو كان الضوء يؤثر عليها لتم لعب الكرة في قاعات مظلمة. عدم تاثير الضوء هذا جعل القياسات الفيزيائية الكلاسيكية دقيقة جدا (Deterministic) و ذلك تمتع الموجود الكلاسيكي ( الاجسام الكبيره Macroscopic) بوجود محدد بكميات دقيقة جدا.
عملية المشاهدة هي نفسها من حيث المبدء ان كانت للاجسام الكبيرة او الصغيرة او المتناهية الصغر و لكن الفرق سيكون في تاثير الضوء عليها. لقد وجدنا ان هذا التاثير معدوما على المستوى الكبير (Macroscopic) اما على المستوى المتناهي الصغر (Microscopic) فانه غريب و مؤثر بشكل كبير. سبب التاثير هو ان جسيمات الضوء تنتمي لنفس عالم الجسيمات المتناهية الصغر حيث تكون الابعاد المكانية و الزمانية للاحداث متقاربة و كذلك مقادير الطاقة (Energy) و الزخم (Momentum) و....لنتصور ان الكرة المذكورة سابقا هي جسيم صغير جدا مثل الالكترون و ان الضوء الساقط عليها يقاربها بالطاقة ماذا سيحصل؟ لاشك في ان اندفاع الكرة سيتغير بسبب تصادمها مع جسيمة الضوء. عندها لا بد و ان تتم اللعبة في ظلام دامس. و لكن هل سيستطيع اللاعبون تحديد موقع الكرة اي منحها الوجود الفيزيائي. لا شك ان الظلام لا يمكن ان يؤدي الى معرفة و المقصود هنا بالظلام هو عدم وجود جسيمات اي نوع من انواع الطيف المستخدم كمجس للروايا. لذا لا بد من وجود الضوء او الجسيمات الى تؤدي الى المعرفة و التحديد و لكن هذا التحديد سيكون تحديدا مضطربا و يعرف في فيزياء الكم ب مبدا عدم الدقة (Uncertainty principal). هكذا سيكون تحديد الموجود تحديدا احتماليا و ليس دقيقا كما وجدنا اعلاه. و هكذا تتعامل الفيزياء مع عالمين مدركين أولهما وجود مطلق وهو من اختصاص الفيزياء الكلاسيكية و أخر احتمالي و هو من اختصاص فيزياء الكم [1].
لقد تم استخدام ذات الضوء في دراسة عالمين متناقضيين الاول الكبير و جد في الضوء امكانيه للتحديد المطلق او المؤكد للوجود و التاثي منحه الضوء وجودا محتملا احصائي الطابع.
لقد تطور الفكر الانساني بالمعرفة مما هو محسوس و مدرك بشكل مباشر و هذا هو العالم الذي نعيشه و نستخدم الضوء بصورة تلقائية لمعرفته و هو الذي كان وراء تقبلنا فكرة القياسات الدقيقة و تطورت المعرفة العلمية على ذلك. سارت المعرفة تلك باتجاه اكتشاف العالم الذري المتناهي في صغره لتصبح اقل دقة في قياساتها و السبب هو استخدام الضوء كوسيلة معرفة وحيده في كلا العالمين.
ليس هذا فقط بل هناك ظاهرة اخرى تميز هذا العالم الدقيق و هي السلوك الموجي لجسيماته. فالضوء و الالكترون لا يسيران بخطوط مستقيمه او منحنية بل هناك ظاهرة موجيه تحدد سلوكهما. و قد تم التاكد من ذلك مختبريا بعد ان عرف نظريا.
و الان هل يمكن للفيزياء الولوج في عالم ادق مما هي عليه الان؟
عملية الولوج لا تتم من دون ادة كشف فعلى سبيل المثال يمكن استخدام السيارة لاكتشاف او دراسة فضاء واسع من الاراضي من خلال التنقل عبرها و العملية هذه دقيقة جدا لان حجم السيارة اصغر كثيرا من مساحة الاراضي الشاسعة التي يراد كشفها و يمكن للسيارة ان تنتقل الى اي موقع. و لكن لو اردنا اكتشاف فضاء السيارة لا شك في ان هذه العملية لاتتم باستخدام سيارة اخرى . السيارة هنا ليست وسيلة مناسبة للتنقل في فضاء سيارة اخرى لاكتشافها. و هذه صوره مبسطه لما هو عليه وضع الكشف العلمي لعالم اكثر دقة مما هو عليه الان. حيث لا يمكن استخدام الجسيم لدراسة جسيم اخر.
الجسيمات الاوليه (Elementary particles) مثل الفوتون او الالكترون او البروتون او ....لا تعتبر اجساما ذات ابعاد و من ثم تكون لها مكونات اصغر منها و انما جسيمات نقطية عديمة الحجم. و على ذلك يكون الالكترون جسيم نقطي لا حجم له و هذا يعني منطقيا انه لا تركيب داخلي له. هذا التصور فرضته النظرية النسبيه الخاصه. و السبب وراء ذلك هو لو كان للالكترون حجم معين فانه سيتغير بسبب سرعته و يتشوه شكله (لو كان كرويا مثلا) و من ثم تتغير كثافة شحنته. و هنا قد لا يكون هناك داع لكشف تركيب هذه النقطه الماديه حيث لا تركيب للنقطه!
على اية حال في هذه الجسيمات انتهى المكان و المكان المعرف بالنسبه لنا هو الابعاد التي ما بين هذه الجسيمات فقط. ان المتصل الزمكاني (Space-Time continuum) لا يمكن ان يتواجد الا ما بين هذه الجسيمات. و بذلك يكون الجسيم ما تسمى في الرياضيات بالتفردية (Singularity).
هذا الوضع يضع الفيزياء امام نهايه علميه تتوقف امكانية السبر للمادة عندها. ان جميع الاكتشافات العلمية في العالم المتناهي الصغر هي في مجال اكتشاف انواع جديدة من الجسيمات الاوليه حيث تراكمت و تم ترتيبها بشكل جداول منطقيه مشابهة الى حدما الجدول الدوري للعناصر الكيمياوية.
و لكن ما هو سبب السلوك الموجي لهذه الجسيمات النقطيه ان لم يكن لها تركيب داخلي؟ و إذا كان هناك تركيب داخلي فانه لابد و ان يكون هناك مكان و زمان أخر غير المتصل الزمكاني!
لقد كان إدراك هذه المشكلة منذ عشرينيات القرن الماضي .وقت ذاك شطح بعض الفيزيائيين بافتراض امتلاك هذه الجسيمات روحا و بذلك ستكون لها القدرة على عدم طاعة القوانين الطبيعة. افتراضا كهذا لاشك في انه غير مقبول كليا لان هذا الجسيمات رغم عدم دقة سلوكها بالنسبة لنا الا انه تخضع لقوانين إحصائية و من ثم يمكن دراستها. أمام هذه ألدوامه الفكرية العاصفة اقترح بعض الفيزيائيون فكرة الإحصاء الكلاسيكي لتطبيقها في هذا العالم المتناهي في صغره ومنهم الفيزيائي الفرنسي الشهير لويس دبرويل (De Broglie) الذي يعود له الفضل في اكتشاف الموجه الغريبة تلك. حيث طرح فكرة الثرموداينامك الخفي (Hidden Thermodynamics) و التي اعتمدت الفكر الإحصائي الذي سبق وان طرحته الفيزياء الكلاسيكية. لقد استخدمت الفيزياء الكلاسيكية الإحصاء في النظرية الحركية للغازات منذ القرن التاسع عشر. حيث تم افتراض مكونات غير مدركة (خفية) هي جسيمات الموائع و بذلك تكون القيم التي نتعامل بها هي قيم إحصائية تقريبية لقيم أخرى يصعب التعامل معها. لقد كانت هذه أفكارا جذابة قادت الى ما يسمى بنظريات المتغيرات الخفية (Hidden variable theories) و هكذا دخل الخفاء كمصطلح في الفيزياء المعاصرة ليكون مصطلحا غريبا أخرا يجد طريقه الى الفكر الفيزيائي.
و لكن لم يكتب لنظريات المتغيرات الخفية النجاح حيث عارضها الكثير من الفيزيائيين و ما زالوا و ذلك للتأثير الفكري الكبير لمدرسة كوبنهاكن (Copenhagen interpretation) في تفسير ميكانيك الكم . هذه المدرسة لا ترى وجودا فيزيائيا كامنا وراء هذا السلوك ألموجي أو دالة الموجه (Wavefunction). فهذه الدالة مجرد أداة رياضية لتفسير هذا الواقع المتناهي الصغر. أن تفسير كوبنهاكن لميكانيك الكم يؤكد على عدم ألجوء الى تفسير التجارب و التفاسير الرياضية على ضوء وجود شيء ما ورائها.
و لما كانت النسبية الخاصة و ميكانيك الكم تشكلان وحدة نسيجية فكريه (رغم عدم وجود جذر فكري واحد لهما) لتفسير هذه العالم المتناهي الصغر و ان أي وجود ما ورائهما لا يمكن إدراكه تجريبيا كما سبق و ان طرحنا أعلاه لذا فان قدرة الفيزياء على اختراق أغوار الطبيعة قد توقفت. أن عالم ما وراء الجسيمات الاوليه لا يمكن إدراكه مختبريا ضمن تصورنا الحالي و لا مفر من اعتماد الافتراضات النظرية لتفسير ذلك الوجود الخفي. الفيزياء المعاصرة تعاني الان الكثير من المشاكل [2].
منطقيا القول ان هذا الوجود لابد منه لان الوجود المادي لا نهاية أمامه. ان موقف الحضر من تناوله اقرب ما يكون لموقف التابو (Taboo) الفكري.
المصادر
1. M. I. Sanduk, The absolute probable and hidden existence, Philosophica, No. 3 Vol I, (1999) Bayt Al-Hikma, Baghdad-Iraq.
2- محمد عزالدين الصندوق, ميتافيزيقيا الفيزياء – شبكة العلمانيين العرب. يمكن الاطلاع عليه : http://www.3almani.org/spip.php?article3684