



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
مفارقات الخطاب الإسلامي المعاصر
أبو يعرب المرزوقي
تشخيص الأوضاع الاسلامية:
قبل هجرتي الطوعية إلى جنوب شرقي آسيا كنت لا أنظر إلى الاوضاع الاسلامية إلا من منطلق الوضعية العربية. لذلك فإن التشخيص قد مر عندي بمرحلتين لعل من المفيد عرضهما عرضا سريعا. فقد كنت اعتبر أوضاع المسلمين بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة منذ ما يسمى بالاستقلالات العربية يحددها بالاساس الاستقطاب الدولي الذي قسم الأمة إلى صفين احدهما اصطف مع امريكا وكان شعاره الاسلام والليبرالية والثاني مع الاتحاد السوفياتي وكان شعاره القومية والاشتراكية.
وفي هذا الاصطفاف كان كل منهما مخربا لفعل الآخر برعاية حركة سياسية معارضة جعلت الاسلاميين في حرب على القوميين في البلاد العربية التي تحكمها أنظمة بشعارات قومية واشتراكية بزعامة مصر خاصة وجعلت القوميين في حرب على الاسلاميين في البلاد التي تحكمها أنظمة بشعارات اسلامية بزعامة السعودية خاصة.
وقد أنتج ذلك ظاهرتين محددتين للاوضاع الراهنة في الوطن العربي بما ولدتاه خلال الصدام وبما خلفتاه بعده. فأما الظاهرة الأولى فقد جعلت كل مقدرات الأمة المادية والروحية في خدمة استراتيجيات قطبي الصراع الدولي بدل التعاون على بناء الأمة. ويبرز ذلك خاصة بحربي بداية هذا الصراع وغايته حربيه اللتين أدتا إلى النكبتين الكبريين في تاريخنا المعاصر. فحرب اليمن بين الصفين ممثلين بمصر والسعودية أدت مباشرة إلى هزيمة 67 وحرب الكويت بينهما ممثلين بالعراق والسعودية أدت بصورة غير مباشرة إلى هزيمة 2003.
وإذا كانت الهزيمة الأولى قد أبقت على حشاشة من حياة الرابطة العربية حشاشة مكنت من انقاذ ما يمكن انقاذه فأوصلت إلى نصر 1972 النفسي والرمزي فإن الهزيمة الثانية أنهت الرابطة العربية وقد تفتت أقطار الأمة الرئيسية بدءا بالعراق وختما بالله اعلم بأيها ، رغم بينونة الاتجاه عند علم العامل المستعمل للتفتيت: الصراع العرقي والطائفي في كل بلد عربي كبير مستعد لذلك بسبب سوء التدبير السياسي وضيق الافق الثقافي. والأمل هو ألا يكون انفصام الرابطة إلى الابد وألا ينجح التفتيت: ذلك أن الحرب الأهلية العربية لم تعد عربية ولم يبق بعدها الدولي توظيفيا فحسب بل هي أصبحت كونية جوهريا. ففيها داخليا سيحسم الخيار بين محاولات استئناف الحضارة الاسلامية دورها التاريخي الكوني بقيادة عربية ذات منظور اسلامي وبين مجرد الاندراج في الحضارة الغربية. وفيها خارجيا ستتحدد شروط دور المسلمين في العالم بقيادة عربية ذات منظور اسلامي لما سنرى من العلل أذا حققنا ما نشير إليه من الشروط.
وأما الظاهرة الثانية فهي بقايا معولي التخريب اللذين استعملهما الصفان في خدمة استراتيجية القطبين: أعني نوعي الارهاب العلماني والأصلاني. فالمعارضة اليسارية بعد نهاية القطب الذي كان يوظفها وضعف الاحزاب العربية القومية التابعة لهذا القطب ذهبت مباشرة للقطب الباقي للاحتماء بايديولوجيته بديلا من ايديولوجيتها التي كانت مقابلة لها تمام المقابلة فأصبحت معول تخريب مطلق لمقومات روح الأمة وثقافتها باسم الحداثة والعلمانية الليبرالية. والمعارضة الدينية بعد نهاية استغناء القطب الذي كان يوظفها عليها وبعد ضعف الاحزاب العربية الاسلامية التابعة لهذا القطب لم يبق لها من تذهب إليه فارتدت على نفسها وعلى من أوجدها لتهديم مقومات محاولات البناء الحضاري الحديث باسم الاصالة والدين.
كلا الارهابين العلماني والديني أصبح معول تخريب لشروط استئناف الأمة دورها: الأول يهدم الشروط الروحية بالارهاب الايديولوجي والعمالة الصريحة والثاني يهدم الشروط المادية بالارهاب التكنولوجي والمقاومة النطيحة. لذلك وجدت أمريكا فيهما وسيلتيها الرئيسيتين لتحقيق استراتيجيتها. فالارهاب اليساري يساعدها في نشر أفكارها وربح المعركة الايديولوجية بما يضفيه على ما تبشر به من إيديولوجيات من وهم النبع المحلي للاصلاح المغشوش الذي تريد فرضه. والارهاب الديني يساعدها لأنها تخيف به رأيها العام من العدو الخارجي الذي يهدد رفاهية الغرب وحريته وأمنه فيحقق لها التأييد الكافي من رأيها العام لحروبها فضلا عما يقدمه من تخريب يطيح بكل ما بقي موجودا من الشروط الدنيا للكيانات الاسلامية والعربية حتى تكون الفوضى أهم شروط اعادة البناء بحسب الخطط الامريكية.
ذلك هو توصيفي للوضع قبل هجرتي إلى ماليزيا واتصالي بطلبة من جل بلاد جنوب شرقي آسيا الإسلامية: من الصين وفياتنام والفيلبين واندونيسيا وتايلندة وأجوارهما فضلا عن الهند وباكستان مع بعض طلبة البلقان من أوروبا الاسلامية المضطهدة. عندئذ بدأت اكتشف أبعادا أخرى تتجاوز المشهد الذي تحدد من منطلق الوطن العربي. وأهم عناصر هذا المشهد ظاهرتان كذلك.
فأما الظاهرة الاولى فهي تكذيب فكرة شائعة في الوطن العربي. فقد كنت أتصور الحروب الصليبية قد انتهت باسترداد القدس ومستعمرات الساحل الشامي. لكني اكتشفت أن الحروب الصليبية لم تتوقف إلى الآن وأنها تحرفت قلب العالم الاسلامي أو الوطن العربي الحالي لتتناهش أطراف دار الاسلام خاصة بعد ما فشلت في استرداد المغرب العربي بفضل الصمود العثماني أمام محاولات شارل الخامس الذي أخرجت الدولة العثمانية جيوش امبراطوريته من تونس في الربع الاخير من القرن السادس عشر للميلاد بعد احتلال دام نصف قرن.
وأما الظاهرة الثانية فهي بداية عرض خطير علته سوء فهم طبيعة الشكل الذي اتخذته الحرب في العدوان على دار الاسلام بعد هذا التحرف وما تلاه من افتكاك الغرب مشعل الحضارة من المسلمين بعد صدامه بهم وتعلمه منهم تعلما مكنه من إصلاح العلاقة بين الدين والدنيا في تجربته الصراعية التي جرت في داره وفي دارهم مرتين في كلتا الحالتين: في حروب الفتح وحروب الاسترداد عنده وفي الحروب الصليبية المباشرة في الوطن العربي وفي حروب التحرف في العالم الاسلامي عندنا.
فهذه الحرب لم تعد حرب نزال يكفي فيها الحماس الديني وحركات الجهاد الفوضوي التي لا تختلف كثيرا عن محاولات الرد بالفوضى القرصانية التي لجأ إليها المسلمون في العصر العثماني المتأخر. إن هذا النوع من الجهاد يفسد الشأن الداخلي أكثر مما يحارب العدو بل هو أهم العوامل التي تعد للعدو أرضية الغلبة النهائية تماما كما حدث عند انفراط عقد الخلافة الاخيرة. فهو جهاد يلغي شروط بناء الدولة القادرة على تمكين المسلمين من أدوات الصراع الفعلية أدوات الصراع التي تمكن الغرب بفضلها من افتكاك مشعل الحضارة وربح كل الحروب منذئذ: إنه ينتهي إلى أفغنة كل العالم الاسلامي الذي يصبح مؤلفا من رؤساء عصابات أول ما تسعى إليه هو استعباد شعوبها التي تتبدى بزوال الشروط الدنيا للدولة الحديثة. فكل من اصطدم مباشرة بالغرب من دون الادوات التي لا يمكن أن تتحقق من دون الدولة الحديثة والتعليم الحديث ساعد هو نفسه الغرب على إرجاعه إلى القرون الوسطي فزاد تبعيته له رغم وهم الانتصار في حركات التحرير التي أصبحت في الحقيقة حركات تغريب وتبعية مطلقة للمستعمر الذي حاربته باسم الاسلام ثم صارت حربا عليه أكثر مما كان يستطيع هو أن يفعل.
لم نفهم ما فهمته الصين التي تحاور الغرب وتداوره لكي تعطي الوقت للوقت فيفعل مفعول التراكم الكمي والتغيير الكيفي الذي يجعلها قادرة على المقاومة المغنية عن الحرب مع حلبه إلى العظم وتكوين ابنائها في مدارسه لافتكاك الريادة العلمية والتقنية منه. وعند الضرورة فإنها ستحارب بعد أن تكون قد استعدت لها بشروطها الحديثة. ولكن قبل ذلك هي تلهي أمريكا بحروب مع الاجوار حيث تساعدهم على اضعاف أمريكا استعداد ليوم الفصل فلا يكونون عندها إلا ادوات مناوشة لامريكا ومن ثم فهم أكثر استعمارا لهم من أمريكا التي تحاربهم مباشرة. لذلك فمن السخف تصور فياتنام قد حاربت أمريكا أو هزمتها: إنما هي كانت أداة روسية وصينية لمشاغلة أمريكا تماما كما هو الشأن بالنسبة إلى كوريا الشمالية حاليا.
وتحاول ايران الآن نفس اللعبة باستعمال العراق وافغانستان. لكن النخب الايرانية واهمة: فما هو ممكن للصين غير ممكن لإيران لأن المسألة مسألة حجوم. الصينيون وحدوا المجال الحضاري الصيني ثم لعبوا هذه اللعبة. والايرانيون والعرب والاتراك والبربر والاكراد الخ... يهدمون المجال الحضاري الذي يمكن أن يمدهم بالحجم المؤثر فيكون لعبهم سخافات صبيان! وكل الذين يظنون أنهم انتصروا في حروب التحرير انهزموا فعلا لأنهم لم يفكروا لحظة واحدة في طبيعة الحرب التي يخوضونها وفي شروط النصر فيها.
فياتنام سيبقى إلى الأبد في ما هو عليه من حاجة إلى أمريكا حتى في خبزه اليومي لكونه قصر الجهاد على القتال ولم يفهم أن النصر في الحروب العصرية ليس بالجيوش وحدها. وكذلك الجزائر التي تعيد في المغرب العربي نفس الأخطاء الناصرية في المشرق بخلق كيانات قزمية تحتاج إلى حمايتها وهي لا تعلم أنها ستصبح حصان طروادة الذي يقضي على الجميع بمجرد أن يستعيض عن الحامي العربي بالحامي الاجنبي. وهذا لا يحتاج إلى توضيح أكثر. لذلك فأنت ترى جل البلاد التي تدعي أنها استقلت تجري وراء الاستعمار لتعيده إليها فتفتح حدودها لكي يأتي الأمريكان سواحا والفرنسيين والانجليز يتمتعون بمناخهم ويتذكرون مغامراتهم في بلادهم التي صارت مفتوحة دون قتال !.
والحقيقة أن الجميع وقع في هذه الأخطاء لانه لا يعمل بما أشار إليه القرآن الكريم عندما قدم عامل القوة العام على القوة العسكرية في آية الاستعداد الرادع فاضطروا بعد الاهمال الذي أوصلهم إلى الحال التي هم عليها إلى حلول تكون نتيجها مساعدة للعدو لتحقيق النصر المطلق: 1- ما استطعتم من قوة و 2- من رباط الخيل. لذلك فكل الذين تصوروا أنفسهم انتصروا في حروب التحرير اكتشفوا بعد أمد قصير أن التبعية ازدادت وأن نشر ثقافة المستعمر قد تسارعت بصورة جنونية باسم تحديث غبي.
ومثال واحد يكفي لفهم ذلك. فقد بقيت فرنسا في الجزائر ما يقارب القرن والنصف وبقيت في تونس ثلاثة أرباع القرن. فلم يتفرنس من ثقافة المغرب العربي أكثر من واحد إلى خمسة في المائة ممن استعملهم الاستعمار في ادارته. لكن الدولة المزعومة وطنية بدأت فأزالت كل مقومات الوطنية واستبدلتها بما حلم الاستعمار كامل حياته أن يحققه وعجز دونه. حققه هؤلاء القلة الذين كونهم الاستعمار وترك لهم مهمة الفرنسة بشعارات تخادع الجماهير حتى اكتشفت بعد ثلاثة عقود أن ما حاربت من أجله قد قضى عليه الاستقلال أعني: الهوية واستقلال الارادة.
ولم يسأل احد منهم عن الفائدة من تعميم الثقافة الفرنسية لان ذلك كان هدفهم إذ لا يمكن أن يكونوا جاهلين بأن الامم لا تتقدم بمجرد اخذ عرضيات الامم المتقدمة والتخلي عن هوياتها واستقلال ارادتها. كما لا أظنهم لا يرون كيف أن الذي يبني حقا يستطيع أن يبعث لغة ميتة بعد ثلاثة آلاف سنة ليسهم في الابداع العلمي والتقني (النخب اليهودية) والذي يهدم يقضي على لغة كانت إلى عهد قريب لغة العلم والفلسفة العالميتين (النخب العربية) !
إنها حرب صليبية ما في ذلك شك. لكنها حرب صليبية من نوع فريد لا يمكن الرد عليه بنفس الرد الذي استعمله المسلمون في الحرب السابقة خاصة إذا علموا أنهم لم يربحوها كما يصور لهم الفهم الرديء للتاريخ: فلو ربحوها لما آل أمرهم إلى ما نعلم في عصر الانحطاط ولما انتقل مشعل الحضارة إلى الغرب الذي يتصورون أنفسهم هزموه فيها. لم يكن هدف النخب المسيحية التي قادت الحروب الصليبية احتلال الارض العربية والبقاء فيها: فذلك لم يكن إلا الشعار التجنيدي لشعوبهم إيهاما لهم بأن الهدف تحرير الارض المقدسة. أما الهدف الحقيقي فكان محاولة القضاء على الفعالية الحية وافتكاكها من المسلمين حتى تنبعث أوروبا: وقد حققوا الهدفين. ونفس الخطة التي تطبقها أوروبا الحالية: فالهدف المعلن هو الديموقراطية والرفاهية والسلم في اوروبا لكن الهدف الحقيقي هو تحقيق الشروط التي تمكن أوروبا من استئناف دورها العالمي بعد أن قضت عليها الحربان العالميتان.
فمن يا ترى ربح الحرب الصليبية في القرون الوسطى ؟ ومن سيربح الحرب الحالية فضلا عن كونها تتميز عن الحرب السابقة بالخصائص الثلاث الثالية:
1- فهي ليست مواجهة مباشرة بين طرفين يلعبان وهما متخارجان بل إن ما يحارب به العدو من جيوش من أهل البلد أكثر مما يحارب به من جيوش غازية.
2- وهي ليست حربا بين لاعبين منفردين في الركح العالمي أي إنها ليست حربا رأسا برأس بيننا وبين عدو واحد بل هي حرب تتعدد فيها الاطراف فلا تعرف فيها العدو من الصديق.
3- وهي أخيرا ليست حربا عسكرية بالاساس بل هي حرب تنافس على أدوات السلطان والقوة التي لا يمثل الوجه العسكري منها إلا قمة الجبل الجليدي.
* حصيلة التشخيصين بحسب التجربتين:
فماذا كانت حصيلة التشيخصين ؟ سؤال ظل يحيرني طيلة السنوات الثلاث التي عشتها في ماليزيا. وقد حاولت صياغة جوابي عليه في عدة محاولات صحفية أهمها مقالان كتبتهما لمناقشة بعض آراء الاستاذين حسنين هيكل (وخاصة في محاضراته التي أذاعتها قناة الجزيرة ) وصلاح المختار (وخاصة في ما يكتبه حاليا عن الحرب الامريكية العراقية) أراءهما الاستراتيجية التي ما يزالان يبنيانها على مسلمات مستمدة الحرب الاهلية العربية العربية ومن منطق قطبي الحرب الباردة اللذين غذياها أعني من منطلق خاطئ حول طبيعة اسرائيل وسر قوتها والدور الذي تؤديه في العالم الحالي.
وأول أخطائهما الاستراتيجية ظنهما مفهوم الشرق الاوسط الموسع مجرد خدعة أمريكية لمحاربة العرب ومساعدة اسرائيل لكأن اسرائيل التي صيرتها حنكة نخبها قوة عظمى تتعامل مع القوى العظمى الصاعدة معاملة الانداد لما لديها مما يمكن أن تتطمع فيه (الصين والهند وأوروبا ). اسرائيل ليست بحاجة إلى المساعدة أمام نخب عربية فاسدة وجامعات عربية لا يتجاوز العلم فيها مستوى الثانويات في العالم وقبائل بدوية ومافيات عسكرية تتناحر ولا يهمهما من شؤون الدنيا ولا الآخرة شيء: فهذا النوع من النخب من أفضل المساعدين للاسرائليين. لم يفهما بعد أن ذلك تسمية دبلوماسية للجزء المفيد من العالم الإسلامي في الخطة الامريكية تسمية تساعد على تجنب شعارات الحرب الحضارية والدينية لكنها تعينها في العمق ليس بدوافع دينية أو حضارية حقيقية بل لأن هذين العاملين هما العاملان الوحيدان المتبقيان للصمود أمام السيطرة الامريكية المطلقة على دار الاسلام تسلحا أمريكيا بوسائل الصمود أمام الاقطاب الصاعدة والتي يمكن أن تنافسها عليها وعلى ما فيها من ثروات ومن موارد طاقة خاصة فضلا عن الموقع المتوسط بين الغرب والشرق غير الاسلامي الذي يتوقع أن يخرج منه القطبان المقبلان من خارج الغرب(الصين والهند) فضلا عن القطبين الغربيين الآخرين ( روسيا واوروبا الموحدة).
إن دار الاسلام يتناهشها كل الاقطاب الحاليين والمقبلين. وأمريكا تستعد للوقت الذي يعلن فيه هذا التناهش بالقول والفعل وهو ما لن يتأخر كثيرا لان شح الطاقة وازدياد استهلاك الصين والهند والحاجة المطلقة لاوروبا أمور لا يغفل عنها إلا فاقد البصر فضلا عن البصيرة. والمسلمون ليس في طوقهم محاربة العالم كله فضلا عن كون ذلك من علامات الغباء الذي يثبت فساد الاستراتيجية التي تتوخاها الحركات الاسلامية الحالية. علينا أن ندرس رقعة الشطرنج العالمية لان تاريخنا بدأ عالميا وسيظل كذلك. ولا بد من خيارات استراتيجية واضحة تحول دون المسلمين والتحول إلى مجرد حطب المعركة بين الاقطاب الصاعدة. ويقتضي ذلك تحقيق شرطي البقاء فضلا عن استئناف الدور الكوني:
الأول أن يزيلوا علل غلبة قوة الدفع على قوة الجذب بين القوميات الاسلامية وذلك بالتخلص من الايديولوجيات التي أخذتها الحركات القومية العنصرية وخاصة بين قوميات الاسلام الرئيسية الاولى أي العرب والفرس والترك والكرد والبربر ثم بين قومياته الموالية أي الزنوج والهنود والمالويين والقوقازيين والبلقانيين.
فما ظل المسلمون مقدمين لما بينهم من خلافات وشقاق على ما بينهم وبين العدو المشترك من خلافات فإن أمرهم لن يعتدل. ولن يستطيعوا ربح أي حرب: ذلك ما فهمته أوروبا فقدمت شروط النصر في المستقبل على حزازات الماضي وتوحدت لكي تستعيد دورها التاريخي الكوني. وطبعا فمثلما أن اوروبا توحدت تقريبا بحسب حدودها المسيحية دون أن تبني ذلك بالضرورة على شعارات مسيحية فإننا ينبغي أن نجد شعارات تمكن من التوحيد في نفس الحدود الاسلامية دون أن تكون الشعارات بالضرورة اسلامية. وتلك هي وظيفة الخيال السياسي المبدع لو كان لنا نخب غير فاسدة.
الثاني أن يرتبوا اعداءهم بحسب فرص التغلب عليهم وبحسب درجات الخطر الذي يمثلونه كما هو شأن كل الامم التي تقودها نخب حكيمة أي بحسب ما يتصورونه مآل معركة بروز الاقطاب المقبلة. وذلك هو شرط اختيار الحليف من بين الاعداء.
ففي التاريخ البشري ليس الحليف إلا العدو الذي يرى من مصلحته ألا يعاديك مؤقتا لاستعمالك في حربه ضد عدو أكثر تهديدا وأخطر عليه منك. وهذه القاعدة يمكن للمسلمين أيضا أن يتسعملوها في تحديد تحالفاتهم بشرط أن تكون جماعية لئلا تتحول إلى طلب حماية كما هو شأن كل الانظمة العربية الحالية: كلها تحتمي بامريكا لكونها فرادى وكان يمكن ان تكون في عقد جنيس لعقد أوروبا معها لو اجتمعت كلمتها على الحد الادنى من مصالح الأمة الرئيسية وهي نوعان أحدهما يخص الحصانة الروحية أو حماية الثقافة الاسلامية والثاني يخص الحصانة المادية أو حماية دار الاسلام. فيمكن للمسلمين أن يستنبطوا خطة تجعلهم يحالفون من يبدو ألد الاعداء حاليا لعلمهم بحاجته إليهم في المعارك المقبلة التي هي أخطر على المسلمين من الحرب الحالية تماما كما فعلت أمريكا عندما حالفت ستالين ضد هتلر واليابان. ذلك هو منطق التاريخ: أما أن نبقى نتباكى على الاطلال تشبثا بما فقدنا دون أن نفكر بما يمكن أن نفقد إذا واصلنا هذا السلوك الصبياني فإننا سنفقد كل شيء.
فإذا لم يفهم المسلمون تركيبة رقعة الشطرنج في شوط الحرب الجاري حاليا ولم يدركوا أنه لا معنى له إلا من حيث هو معد للاشواط المقبلة وإذا لم يتوقعوا طبيعة المعارك المقبلة كما حصل للعرب عندما غفلوا عن طبيعة الصراع بين القطبين إلى خسر كلا الحزبين بعد فقدان الدور فأنه سيحصل لهم ما حصل للعرب الذين كانوا حطب المعركة أو أداتها بيد القطبين. فأمريكا استعملت الانظمة ذات الشعار الاسلامي لحرب الاتحاد السوفياتي. والاتحاد السوفياتي استعمل الانظمة ذات الشعار القومي لحرب أمريكا. فخرج الصفان العربيان صفري اليدين هما وما أحدثاه أعني حصاني طروادة للاقتتال الداخلي في خدمة العدو أو نوعي الارهاب اليساري المهدم لمقومات روح الأمة والارهاب الديني المهدم لمقومات جسد الامة. والخوف هو أن يخرج المسلمون أصفار اليدين من المعركة الدائرة بصمت بين اقطاب العالم الاربعة الرئيسيين الذين سيتقاسمون أرضه وينتهكون عرضه: أمريكا والصين وأوربا وروسيا فضلا عن الاقطاب الثانوية مثل قطب جنوب أمريكا وقطب شبه الجزيرة الهندية وقطب الجزر اليابانية؟
* مقومات الخطاب الاسلامي ومفارقاته:
تلك هي الاوضاع كما أراها من خلال الجمع بين التجربتين اللتين حللت بعد أن عشتهما فعلا في مرحلتي حياتي المتقدمة على الهجرة والموالية لها. ومنهما استخرجت التشخيص الذي قدمت منه هنا هذه العجالة. فكيف عالجها الخطاب الاسلامي؟ ولنبدأ بتعريف المقصود بالخطاب الاسلامي. فهو يقبل الحصر بين حدين أقصى وأدنى يمكن أن يكونا منطلق تعميق التحليل لفهم خصائصه:
1- فأما الحد الاقصى فهو كل خطاب يتعلق بهده الاوضاع يصدر عن منتسب إلى دار الاسلام حتى لو كان علماني التوجه.
2- وأما الحد الأدني فهو حصر الخطاب الاسلامي في خطاب الحركات الاسلامية بكل أطيافها في مذهبيها الرئيسيين سنة وشيعة..
والواقع أن هذين الحدين متداخلان ويتحادان بالتناظر العكسي. فكل خطاب علماني اسلامي بالسلب أي إنه يتحدد أساسا بما ينفيه مما يثبته الاسلامي. وكل خطاب اسلامي علماني بالسلب إي إنه يتحدد أساسا بما ينفيه مما يثبته العلماني. فيكون كلا الخطابين سلبيا بالأساس. لذلك غلب عليهما كليهما طابع التهديم أكثر من طابع البناء: احدهما يهدم الماضي باسم ما يتصوره مستقبلا حقا والثاني يهدم المستقبل باسم ما يتصوره ماضيا حقا.
فإذا اعتبرنا خطاب المسلمين غير الاسلامي ممثلا لحد الخطاب الأقصى أي الخطاب المعبر عن محاولات فهم أوضاع المسلمين وعلاجها دون تقيد بالمنظور الاسلامي فكيف يمكن تعريفه؟ هل هو خطاب فكر يعالج أوضاع المسلمين حقا أم هو خطاب فكر أشبه ما يكون بسلوك من لا يفهم في اصلاح السيارة التي يركبها فضلا عن ابداع بديل منها فيكتفي بتعويض القطع مستوردا إياها من دكان قطع الغيار (الذي هو سوق الفكر الغربي الماضية أي أيديولوجيات القرون الثلاثة السابقة من الأنوار إلى البوار ) كلما توقفت عن الاستجابة لحاجته الملحة ؟ هل يمكن عندئذ أن نسمى ذلك فكرا وهو يقتات من فضلات دكاكين قطع الغيار القديمة في الاغلب: ذلك هو شأن كل الايديولوجيات المستوردة التي هدمت أهم معالم الحضارة الاسلامية فضلا عن ثروتها المادية التي تحولت إلى هشيم عمراني لا ينتج بل يستهلك ؟
وإذا اعتبرنا خطاب المسلمين الاسلامي ممثلا لحد الخطاب الادنى أي الخطاب المعبر عن محاولات فهم أوضاع المسلمين وعلاجها بالتقيد بالمنظور الاسلامي فكيف يمكن تعريفه؟ هل هو خطاب فكر يعالج أوضاع المسلمين حقا أم هو خطاب فكر أشبه بما شبهنا به الفكر السابق ولا يختلف عنه إلا بالدكان التي يستورد منها قطع الغيار القديمة أي سوق الفكر الاسلامي الماضية: ذلك هو شأن كل التقاليد المستوردة من الماضي التي هدمت روحانية الاسلام فأعادته إلى تقاليد الجاهلية العربية والافغانية ؟
كلاهما يتصور الاستجابة الحينية للحاجة الملحة لخطابه الدعائي فعلا فكريا في حين أنها ليست إلا رد فعل سطحي ليس له من الفكر ادنى ذرة. لذلك فهو خطاب مرتجل لا يماثل فعل المهندس المبني على نظريات رياضية تعالج الظاهرات الطبيعية بمقتضى قوانينها بل هو جنيس لفعل مصلحي السيارات الرعوانيين الذين تعلموا استبدال قطع الغيار السريع لفرط ما أفرطوا في افساد سيارات الحريف الوديع. ذلك تقريبا ما يسمى خطابا عند المسلمين الحاليين سواء كانوا علمانيين أو اسلاميين: فلا يأخذنك العجب إنما هم كل من دب وهب فحمل الحطب وتدفأ بكل خشب !
ولنبدأ في عجالة بالحد الأقصى حتى نفرغ لمقصود الاسئلة اعني الحد الأدني أو الخطاب الاسلامي الصادر عن الحركات الاسلامية. فمم يتألف هذا الخطاب؟ أليس هو خطاب مؤلف من فكرتين رئيسيتين مستحيلتي التحقيق ودالتين على الجهل بشروط العمل الحقيقي في التغيير الثقافي الحضاري والاقتصادي السياسي:
1- الفكرة الاولى يمكن عنونتها بالتنمية البشرية: يتضمن الجمع بين مطالب الديموقراطية الشعبية التي كان عليها فكر اليسار والقوميين بمطالب الديموقراطية البرجوازية التي صار عليها ؟ وإذن إليس هو فكر أدواته مناقضة لغاياته إذ هو ينسى أن ما حققته الديموقراطية البرجوازية مما يسمونه التنمية البشرية في تقاريرهم الثلاثة التي صارت وسيلة أمريكا الأساسية للكذب على الشعوب العربية لا يمكن أن يتحقق من دون تضحيات قدمها الغرب خلال قرون الثورات العلمية الصناعية والسياسية الاجتماعية والثقافية التربوية وكررته آسيا غير الاسلامية بنفس التضحيات التي يتصور مفكرونا العجلون التنمية البشرية قابلة للتحقيق من دونها بل يعكسون فيتصورونها شرطا فيها ؟
2- والفكرة الثانية يمكن عنونتها بالثورة الثقافية: ويتضمن الجمع بين ما قبل الاسلام من حضارات الشرق العربي (مثل الفرعونية والبابلية الفنيقية والقرطاجنية والسبأية ألخ من الخرافات السخيفة) وما يتصورونه فعلا إن ليس قولا وتضمينا إن ليس تصريحا تاليا للاسلام من الحضارات الغربية ظنا أن دوره قد انتهي. ولا أحد منهم أدرك أن المحافظة على ما كان حيا في ما تقدم على الإسلام هو أولا من أهم أركان الثورة المحمدية احياء لما قتله التحريف من تجارب بشرية كادت تحصر الاديان والنبوات في بني أسرائيل فاعاد القرآن البشرية بخصوصها إلى الحقيقة التاريخية مذكرا بعموم الرسالات لكل شعوب العالم. كما أنهم لا يدرون ثانيا أن من أهم أركان الثورة المحمدية هي التحرر من كل ما يحول دون الاستئناف الدائم للحضارة حتى إن أهم نقد يوجهه للشعوب هو الاحتجاج ب "هذا ما وجدنا عليه آباءنا".
فما يدعون إليه من ثورة ثقافية ليس إلا محاولة لقتل الثورة الثقافية الحقيقية التي هي ثورة الاسلام لتبرير تقليدهم الذليل للغرب بالعودة السخيفة للشرق أو لنكن صرحاء ليماشي ذلك أمنية دفينة في نفوس مسيحي الشرق سواء كانوا من العرب الأصليين أو ممن استعرب من بقايا الصليبيين بمحو الاسلام من ذاكرة الشرق حتى يعود إليهم لكأنه قوسين فتحتا ويجب غلقهما إلى الابد: إذ ليس من الصدفة أن يصدق ذلك على جل زعماء الفكر العلماني والقومي المغالي في هذا الاتجاه. وخاصة من كان من المؤسسين المزعومين ! وهذا أيضا تقليد سخيف لأن ما حاوله الغرب في نهضته هو ادعاء تجاوز الدور الاسلامي والعودة إلى ما تقدم عليه عند اليونان في بلاد اليونان وفي ما صار مستعمرات لها من الشرق العربي حتى يتخلص من دور الاسلام في تاريخه الوسيط دوره الذي لا يمحي: فكل فكر الغرب بعد القرون الوسطى بما في ذلك الاصلاح المسيحي لا يمكن أن يفهم إذا جردناه من هذا الدور وآثاره.
فتكون ثورتهم ليست مقصورة على تقليد الغرب من حيث علاقته بذاته فحسب بل هي تذهب إلى تقليده في محاولته محو ذاتنا من تاريخه مرتين باسطورة العبقرية اليونانية للتخلص مما تقدم على الحضارة اليونانية وبأسطورة العبقرية الاوروبية للتخلص مما توسط بينهم وبين الحضارة اليونانية كما يتبين من محاولات مؤرخي الغرب وفلاسفة التاريخ محاولاتهم التي يغلب عليها كبت هذا التأثير للتحرر من سلطان التراث الشرقي عامة والشرقي العربي الاسلامي خاصة كما بينا في الكثير من بحوثنا لكأن اليهودية والمسيحية من الغرب. وحتى اليونان فدعوى انتسابهم إلى الغرب الحالي من الاساطير: فلا هم كذلك جغرافيا ولاهم كذلك حضاريا بدليل أن أكبر فلاسفة اليونان كان يعرف اليونان في كتاب السياسة بالمقابلة بين ذكاء الصيني الجبان وغباء الاوربي المتهور!
وإذن فليس تقويمنا التاريخ بهدف بيان فضل المسلمين بل لإحقاق الحق فتكون الحقيقة التاريخية حقيقة سوية وليست مجرد دعاية لتثبيت الذات الغربية: فلا يعقل أن يؤرخ المرء للبشرية ويهمل من تاريخها ثمانية قرون على الاقل كانت فيها الريادة الفكرية والحضارية في الرقعة التي يؤرخون لها بيد المسلمين. لذلك كان الدين الوحيد الذي يعترف بكل الاديان المتقدمة عليه بالزمان حتى إنه اشترط في اسلام المسلم أن يؤمن بكل الرسالات والنبوات لانه لايمكن أن يكون الدين صحيحا إذا اعتمد على نفي التاريخ الحقيقي لتجربة البشرية الدينية السابقة.
ولنعد الآن إلى موضوعنا المقصود بالذات. فنأخذ القسم الذي يعنينا أي الحد الأدنى من خطاب المسلمين: خطاب الاسلامين منهم. ولندرسه في مذهبيه. فكلاهما مذهب متعدد التقازيح لكنه قابل للرد إلى حدين متقابلين تماما كما كان الشأن دائما في الفكر الاسلامي منذ بداية الحرب الاهلية الاسلامية أو ما يسمى بالفتنة الكبرى: المذهب السني بغالبيته إلى أن صيغت نسقيا في المذهب الاشعري والماتريدي وما شابههما وأقليته إلى أن صيغت في المذهب الظاهري والحنبلي وما شابههما ثم المذهب الشيعي بغالبيته إلى أن صيغت في المذهب الاثنى عشري وما شابهه وأقليته إلى أن صيغت في المذهب الباطني وما شابهه.
ولما كان حزب الأغلبية في الحركة الشيعية المعاصرة قد وصل إلى تحقيق دولته بعد ما يسمى بثورة الخميني التي استغلت منطق أقليتها ومنطق ما يماثلها في العلمانية الايرانية (أي الحركة الشيوعية والعلمانية الفرنسية) فإنه قد تخلص منهما بعد ذلك بأن قضى على ثانيتهما ووظف أولاهما في خارج العالم الشيعي لمد سلطان الثورة فحصل الصلح بين البعدين. ولما كان حزب أغلبية الحركة السنية المعاصرة (الاخوان ) لم يحقق بعد دولته رغم محاولة استغلال منطق أقليته فإنه ظل في الفعل التاريخي تابعا لاقليته المغالية أي للشكل الحنبلي من الظاهرية أو الحركة السلفية (لأسباب ظرفية أهمها أن المال يوجد مع أؤلئك وهؤلاء أصبحوا موظفين عندهم).
فيرجع خطاب الاسلاميين المؤثر حاليا إلى الفكر العقيم الذي يمثله رجلان هما الخميني وابن لادن. فما هو مضمون هذا الخطاب؟ وهل يمكن أن يحرر المسلمين بحيث يؤدون دورا تاريخيا مناسبا لمقتضيات العصر ومحققا لقيم الاسلام الحقيقية التي هي أكثر ثورية من كل ثورات العالم لو كان المسلمون يعلمون ؟ ويمكنني أن ازعم أن نسبة ما يفهمه العرب والمسلمون اليوم من الإسلام إلى ما فيه من قيم ثورية للانسانية كلها وليس للمسلمين وحدهم هي عينها نسبة ما في أرضهم من ثروات مادية عاشوا عليها آلاف السنين وهم بها جاهلون. ولولم يحقق الغرب ثوراته العلمية والصناعية لما أصحب الثروات الاسلامية ذات وجود فضلا عن أن تكون مادة لوعيهم وأداة لارادتهم.
ونفس الامر يمكن أن يقال عن الثروة الرمزية التي في دينهم. فلولم يجرب الغرب في ثوراته السياسية والاجتماعية نظائر محرفة مما أوصى به القرآن لما ادرك المسلمون معاني ما دعا إليه من ضرورة تحرير البشرية من المستبدين بالسلطان الروحي ( أو الكنيسة التي عوضها عندنا استبداد العلماء لما نقلوا سلطة التشريع من منزلة فرض العين على كل مسلم إلى منزلة فرض الكفاية بالاستحواذ عليه ) ومن المستبدين بالسلطان الزماني (الدولة ذات الحق الالهي التي عوضها عندنا استبداد الامراء لما نقلوا سلطة التنفيذ من منزلة فرض العين على كل مسلم إلى منزلة فرض الكفاية بالاستحواذ عليه).
لكن القرآن الكريم الذي سعى إلى تحرير البشرية من الاستبدادين حدد طبيعة سلطتي الأمة الحقيقيتين:
1- سلطة التواصي بالحق في الاجتهاد الذي يطلب علوم الدين والدنيا وكان على المسلمين ابداع مؤسسات تنظمها لتكون أداة كل عمل تشريعي
2- وسلطة التواصي بالصبر في الجهاد الذي يحقق الاستخلاف بتطبيق تلك العلوم في تنظيم حياة البشر وتمكينهم من تسخير العالم مع رعايته.وكان على المسلمين ابداع المؤسسات لتكون أداة كل عمل تنفيذي.
والمعلوم أن مجموع الاستحواذين هو اغتصاب سلطتي الأمة التي نسب إليها الرسول الكريم وحدها ودون سواها العصمة في الامرين. وذلك هو شرط التحرر من الطاغوت الذي قرنت الآية 256 من البقرة الكفر به بالايمان بالله إيمانا حرا لا اكراه فيه لتبين الرشد من الغي.
لكن أصل فكر الرجلين المؤثرين في الخطاب الاسلامي عند الاسلاميين مناف تماما لهذه القيم القرأنية وليس مناسبا للعصر فضلا عن أن يكون مناسبا لاستئناف الاسلام دوره التاريخي من منظور المتعاليات التي تصلح لكل العصور. فكيف يمكن لفكر يستند إلى نظريات ابن عربي الوجودية والقيمية أن يؤسس نهضة تحرر الانسان وتحقق قيم الاسلام وهي مبنية على الجبرية والسلطة الروحية البديل من سلطة الامة: وذلك هو جوهر التناقض في الدستور الايراني بين الجمهورية التي تستمد شرعيتها من الانتخاب أو إرادة الشعب والمرجع الذي يستمد شرعيته من كنسية منافية لجوهر الاسلام ؟ وكيف يمكن لفكر لم يحتفظ أصحابه من فكر المنظر (ابن يتيمة) الذي ينسبونه إليه إلا وجهه السلبي قصدت مجرد سلب نظريات ابن عربي الوجودية والقيمية أن يؤسس نهضة تحرر الانسان وتحقق قيم الاسلام: وذلك هو جوهر الحل البلادني الذي يستبدل سلطان الكنسية على الدولة بسلطان الدولة المسيطرة على الكنسية في ما يدعو إليه من نظام ؟ فلا يكون الفرق بين بن لادن والخميني إلا بتقديم الاستبدادين وتأخيرهما: إما أن يكون استبداد "العلماء" تابعا لاستبداد "الامراء" أو العكس فيكون استبداد "الامراء" تابعا لاستبداد "العلماء". وقد وضعت النوعين بين ظفرين لأن الامير هو من أمرته الأمة والعالم هو من أجمع أهل الاختصاص على علمه. فلا يكون الأول بدائيا ومستندا إلى تحويل الشعوب إلى عبيد الخوف من القوة المادية ولا يكون الثاني خرافيا ومستندا إلى تحويل الشعوب إلى عامة تابعة للتخويف بالقوة الغيبية.
وبذلك يكون خطاب فكر الاغلبية السنية التي لم تصل إلى الحكم ولم يعترف بها حركة اصلاحية ذات وجود مشروع في أي قطر وخطاب الاغلبية الشيعية التي يمثلها في إيران ما يسمى بالاصلاحيين فإنهما لا حول لهما ولا قوة وهما مضطران للبقاء عاجزين عن الفعل خوفا من أن يتهما بالتحالف مع أعداء الاسلام من ممن هم خدمتهم الفعليين. فلا يكون للاصلاحيين الشيعيين وللاصلاحيين السنيين أدنى امكانية للفعل خوفا من هذه التهمة وعجزا عن الاعلان الشجاع على أنه لا يمكن استئناف التاريخ الاسلامي من دون حل المعضلتين اللتين يعاني منهما الاسلام منذ الحرب الاهلية التي بدأت منذ اليوم الأول لموت الرسول الكريم لكونها عين تحريفه.
فأما المعضلة الأولى فهي تبدو خاصة بالشيعة لكنها في الحقيقة تعم الحزبين الشيعي والسني: كيف يمكن التحرر من الاستبداد التنفيذي الذي صار بديلا من الارادة الالهية أعني مما صار بديلا من سلطة الأمة التنفيذية أو ولاية الفقيه فوق السلطة السياسية بديلا من سلطة الأمة ؟ فهذه النظرية التي هي مبدئيا خاصة بالشيعة صارت فعليا عامة لكل المسلمين. وما تبرره الوصية في حالة الشيعة تبرره الشوكة في حالة السنة.
وأما المعضلة الثانية فهي تبدو خاصة بالسنة لكنها في الحقيقة تعم الحزبين السني والشيعي: كيف يمكن التحرر من الاستبداد التشريعي الذي صار بديلا من الشرع الالهي أعني مما صار بديلا من سلطة الأمة التشريعية ؟ فهذه النظرية التي هي مبدئا خاصة بالسنة صارت فعليا عامة لكل المسلمين وما يبرره القياس الفقهي عند السنة يبرره العلم اللدني عند الشيعة.
وفي الجملة فإن أم المسائل هي كيف تستعيد الأمة الاسلامية ما أمرها الله أن تقوم به فرض عين على كل أفرادها فلا تتركه للاغتصابين التشريعي للعلماء والتنفيذي للامراء فتحقق الشروط التي تؤهلها لان تكون خير أمة. ذلك أن القرآن الكريم لم يجعلنا خير أمة بصورة مرسلة بل هو جعل شروط الخيرية في الاية 104 من آل عمران ثم أردفها بجواب الشرط في الآية 110 منها: ما يعني أننا نكون ما وصفت الآية 110 إذا حققنا ما طلبت الاية 104 من آل عمران.
* مقترحات للعلاج الممكن:
إذا فكر المسلم حقا فإنه لن يكون محكوما بمعايير ظرفيه في تحديد منزلته التاريخية واشكالات راهنه. فاحداث الحادي عشر من سبتمبر مثلا لا يمكن أن يكون لها حسبان في فكره من حيث هي تلك الأحداث بل من حيث ما تدل عليه من انخرام في نظام العالم. أما إذا كان دمية سياسية أو لاعبا بايديولوجية حزب حاكم أو معارض فيمكن أن يتكلم عن نوع تأثير هذا الحدث في فكر المسلمين وفي استراتيجية اصلاح شؤونهم ويهمل محددات الظرفية الفاعلة ليحصر فعل الأمة في رد الفعل. مشكلة المشاكل بالنسبة إلى المسلمين هو هذا الاقتصار على الظرفي ورد الفعل. فليس ماحدث في الحادي عشر من سبتمبر بالحدث الأهم في الظرف التاريخي الراهن لو فكرنا حقا من منطلق ما يوجبه القرآن على الأمة لعلاج قضايا الحياة البشرية ورعاية الكون.
فالحدث في ذاته أمر لو قيس بغيره من الأحداث التي تجري في عالمنا لاعتبر حدثا عاديا جدا. لكن توازن العالم المنخرم يضفي عليه ما لا يستحق بالقياس إلى ما يهمله العالم من مآس أكبر حجما وأخطر على مستقبل المعمورة. فحادثة واحدة لاحدى الشركات الامريكية في الهند قبل ذلك بعقد قتلت عشرة اضعاف ما قتلت حادثة الحادي عشر من سبتمبر. وبيع الشركات الغربية الدواء أو الغذاء المغشوش فضلا عن تجريب ألادوية الجديدة في الافارقة قتل الملايين بقصد ومن سلط رسمية لدول تدعي القيم الانسانية والديموقراطية. وهم على أبواب تحقيق أمر في افريقيا سبق أن حققوا مثله في أمريكا عندما أفنوا أهلها بالكحول والجدري والسلاح: الايدس والمخدرات والحروب القبلية هي البديل الجديد من الأدوات التي أفنت الهنود الحمر. وقنابل أمريكا في فياتنام قتلت الزرع والضرع فضلا عن ملايين البشر. ومع ذلك فإن ذلك كله لم يعتبر حدثا مهما ليسأل الناس عن أثره في فكرهم. فلم اعتبر الحدث مهما إذن: ذلك هو المشكل.
وهذا يشبه التعامل مع العدوان على أطفال الفقراء بالقياس إلى التعامل مع مجرد خدش يصيب أحد أطفال الاغنياء. وقس عليه قتل مئات الفلسطينين أو العراقيين بالمقارنة مع قتل يهودي واحد. وقس عليه قتل ملايين الغجر فعليا بالمقارنة مع ما يسمى بالمحرقة. أهمية الحدث الوحيدة بالنسبة إلى مفكر مسلم هي أنها تكشف عن أكبر أدواء البشرية الحالية. فانخرام توازن العالم وتحريف القيم يجعل قتل ملايين الافارقة من أجل مصلحة شرطة دواء او ذهب أو بترول أو غاز أو أورانيوم وافناء شعوب أمور أكثر من عادية فلا يؤبه بها ولا تعتبر أحداثا فاصلة في التاريخ. أما قتل بعض المدللين في امريكا فإنه يراد له أن يكون من شواغل فكرنا الاولى بحيث لا ننظر في شؤون الصحوة والنهضة واستئناف الدور الكوني للاسلام إلا من خلاله. إنما سبب ذلك أمران:
- ففكرنا قد بات مجرد رد فعل
- ومؤسساتنا الخائرة يحكم المستبدين بها الخوف من الخوف.
لذلك فإن التهديد بالنفخ في الهواء تسيل له بطون المستبدين بالسلطتين ماء. لا يهمني ما يقوله الامريكي أو الاسرائيلي. ما يعنيني هو تحديد شروط استئناف المسلمين دورهم الكوني لرعاية العالم تكليفا من رب العالمين ولتحرير البشرية من هذا الانخرام الذي أفسد العالم المادي بالتلويث الصناعي والتسليحي والعالم الروحي بالتلويث الثقافي والتوقيحي.
لكن كيف يمكن أن يسهم المسلمون في تحرير البشرية من الطغيان العالمي في المجالين الروحي والمادي إذا كانوا هم أول ضحاياه بسبب ما حل بالقرآن من تحريف جعل علماء المسلمين وأمراءهم أول من يفسد كل المؤسسات التي أوصى بها. ماذا يعنيني رأي الامريكي أو الاسرائيلي في ما ينبغي أن يدرس أو أن يقال في خطب الجمعة إذا كان ما يدرس وما يقال ليس ضرره بالامريكان واليهود بأكبر من ضرره بالمسلمين أنفسهم ؟ فليست القضية قضية نصوص تبقى أو تزال. ذلك أننا نستطيع أن نقلب التحدي فنسأل من يريد منا ذلك أن يجربه هو على نصه المقدس. ونحن على يقين أنه لو فعل لما بقي منه إلا ما اعتبره القرآن غير محرف أي القرآن نفسه الذي هو أصل كل ما بقي من حقائق فيه ! أما القرآن فهو غني عن التطهير لان ما فيه ليس هو ما يلام على الناطقين باسمه: فما كان الاجتهاد يوما هو ما يصوره عليه الجهلة ممن يمسى بقادة الجهاد في فوضى حركاتهم الحالية.
ذلك أن المسلمين لو طبقوا قاعدة الاستعداد الرادع بحسب أحكام القرآن لما اضطروا لتحويل الجهاد إلى السلوك البدائي الذي هو حيلة فاقد الحيل. فكل استشهادي من المسلمين أعتبره شهادة منه بأن المسلمين فشل علماؤهم وساستهم في الاستعداد الرادع المغني عن اللجوء لهذه الحلول اليائسة التي لا يمكن أن تربح بها أمة حربا إلا بشرط أن تخسر كل شروط الحفاظ على المستقبل في المعترك الدولي القادم. فهي تشترط أن تبقى الحرب من جنس حروب القرون الوسطى. لكن العدو لن يقبل بمجاراتنا في حرب يمكن فيها للافراد أن يصلوا إليه ليفجروا أنفسهم بين شعبه. فإذا واصلت الأمة مثل هذا السلوك فإن مستشهديها لن يستطيعوا تفجير أنفسهم إلا في شعوبهم فضلا عن كون ذلك سيقنع به العدو شعبه بضرورة اللجوء إلى ما عنده من الأسلحة الرادعة التي تعيد الأمة إلى القرون الوسطى: كل ما في الامر هو انتظار الحد الذي يقنع الرأي العام الغربي بأن استعمال السلاح الرادع أصبح مشروعا فيكون الفناء لاصحاب هذه الاستراتيجيات السخيفة التي لا تصلح إلا للدفاع عن قرب أي في الحروب البدائية.
ولما كان العدو ليس ملزما لا خلقيا ولا فنيا بمواصلة هذا الشكل من الحرب فإنه يمكن أن يحسهما بمجرد أن تقنع قياداته شعبه بضرورة الحسم. ولهم في غباوة قيادات هذا السلوك أفضل حليف لتحقيق القناعة. لذلك فإن مثل هذه الحلول دليل عن العجز وليست دليلا عن الشجاعة وهي اعتراف بعدم القيام بما طلب القرآن القيام به وعودة إلى حروب الجاهلية حيث يحارب الفرد الشجاع وليس الأمة المنظمة التي تحارب بعقلها قبل يدها. لذلك فلا علاقة لها باستراتيجية الجهاد القرآني لانها مبنية على نفي أول مبادئه. إنها عودة إلى الحرب الجاهلية خاصة وهي مشروطة بنفي أول قانون دولي للحرب وضعه القرآن: حصر القتال بين الجيوش عندما لا يكون الاستعداد الرادع رادعا. أما إذا غاب الاستعداد الرادع فالقتال ليس قتالا جهاديا بل هو حيلة من صاحب عدم الحيلة الذي أخذ غيلة.
وليس قصد مقترحاتي الاستسلام للعدو. كلا. بل معناه ضرورة فهم منطق الحرب كما حددها الاسلام وشروط النجاح فيها حتى تحول قوة العدو إلى أداة بيدك لمحاربته بها. وتعود الشروط إلى نوعين أحدهما سالب والثاني موجب:
1- النوع السالب من الشروط وفيه خمسة فروع: 1- الحيلولة دون حصول الاستبداد الروحي حتى لا تتحول الأمة إلى عامة جاهلة لا سلطان لها على قوانين الظاهرات الطبيعية والتاريخية لأن العلم والمعرفة أصبحا فرض كفاية للمستبدين بالامر الروحي في حين أن القرآن طالبنا بجعلهما فرض عين. 2- والحيلولة دون حصول الاستبداد المادي حتى لا تتحول الأمة إلى عامة عاجزة لا سلطان لها على تحقيق آثار العلم بتلك القوانين في الطبيعة والتاريخ لان العمل أصبح فرض كفاية للمستبدين بالامر الزماني في حين أن القرآن طالبنا بجعلهما فرض عين. 3- الحيلولة دون اضفاء الاستبداد الأول الشرعية على الاستبداد الثاني اضفاء الشرعية الدينية على الدكتاتورية السياسية قبلية كانت أو عسكرية. 4- الحيلولة دون مد الاستبداد الثاني الاستبداد الأول بالقوة التي تجعله يعمل بآليات السلطان المادي من خلال تعويض الكفاءة العلمية بالولاء لمن بيدهم رزق العلماء فيزول التنافس المبدع في المعرفة. 5- وأصل كل هذه الشروط السالبة مبدأ واحد عام وضعه القرآن وطبقه الرسول منع تكون مافيات حاكمة في أي ميدان من ميادين الحياة العمرانية أعني في الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود.
2- النوع الموجب من الشروط وفيه خمسة فروع كذلك: 1- مؤسسة التواصي بالحق ليكون العلم ثمرة الاجتهاد الجماعي لكل أفراد الأمة لانه فرض عين 2- مؤسسة التواصي بالصبر ليكون العمل ثمرة الجهاد الجماعي لكل أفراد الأمة لأنه فرض عين 3- أثر الأول في الثاني: العمل على علم. 4- أثر الثاني في الاول: تحول العمل الى مادة للمعرفة فتكون الأمة في مراقبة ذاتية دائمة 5- والمبدأ الموحد لكل هذه الشروط هو الاستعداد الرادع أي القوة عامة والقوة العسكرية خاصة