



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
مقومات الحوار السوي بين الحضارات وشروطه (2/2)
أبو يعرب المرزوقي
الفصل الأول: مفهوم الحوار ومقوماته الذاتية
بينا في المقالة الأولى أن النتائج التي وصل إليها البحث في سعبه من المنطلق العقلي إلى الغاية العقدية (الفصل الأول) هي عينها النتائج التي وصل يصل إليها في سعيه المقابل من المنطلق العقدي إلى الغاية العقلية (الفصل الثاني). فتمكنا من تمييز الأفقين والقصدين وحددنا الجسر الذي يمكن من الربط بينهما. وليس هذا الجسر إلا تصورا أوسع للحوار لا يمكن من دونه ان تكون الرسالة الخاتمة دعوة عامة للحق تتجاوزكل الحدود الحضارية. فالحوار التام باطلاق والحوار الناقص باطلاق لا يكادان يوجدان في الواقع الفعلي. والحوار الواقع في الوجود الفعلي مفهوم أوسع لكونه دون الأولين اطلاقا. لذلك فهو لا يكون إلا نسبيا يغلب عليه التوجه الاستخلافي أو التوجه الحلولي بحسب القائمين به وليس بحسب الانتساب الرسمي إلى هذه الحضارة او تلك. فهو يحصل ضمن الحضارات الاستخلافية أو ضمن الحضارات الحلولية أو بينهما.
ومطلوبنا في هذه المحاولة هو هذا المفهوم الواسع من الحوار الذي يكون في بدايته أميل إلى الحلولية وفي نهايته أميل إلى الاستخلافية بحيث يكون الحوار نفسه الطريق الناقلة للحوار من البداية الناقصة إلى الغاية التامة. ومن البداية والغاية والسعي بينهما يتألف المفهوم الحوار الاوسع الحوار الموجود فعلا وجودا يكون أميل إلى الاستخلاف أو إلى الحلولية بحسب الاتصاف بصفات الاستخلاف أو الحلولية وليس بحسب مجرد الانتساب الرسمي إلى هذه الحضارة أو تلك. وبذلك يختلف مفهوم "كنتم خير أمة" عن مفهوم "الشعب المختار": كل من يتصف بصفات الاستخلاف يدخل في ما صدق خير أمة. والمعلوم أن الميل إلى هذا الافق أو ذاك أو قصده إليه هو الذي يحدد طبيعته وليس تحقق الافقين فيه لامتناع الاطلاق في الحالتين نفيا واثباتا:
1- فالبداية يكون فيها طرفا الحوار منفصلين لكون الحوار بينهما لا يجري في إطار رهان واحد يتعالى على أفقيهما الحضاري بل في اطار الصدام بين رهانين متنافيين إما باطلاق وعندئذ تكون البداية غاية لا يتجاوزها الحوار أو باضافة لكون نفي الافق المتعالي أو رده إلى الافق الجمعي ليس إلا نفيا رسميا في حضارة المحاور وليس في رأيه الشخصي.
2- والغاية يصبح فيها طرفا الحوار متصلين لكون الحوار يصبح في إطار الرهان الواحد الذي يتعالي على الأفقين الحضاريين تجاوزا للصدام بين الآفاق الجمعية المتعددة دون نفي للتعدد الذي هو شرط الاجتهاد أو الرهان الجمعي.
وبذلك يمكن الوصل بين البداية والغاية في معنى البداية الإضافي إلى الغاية وفي معن الغاية الوصل بينهما بمفهوم شامل لأن الفرق بين البداية والغاية عندئد ليس إلا فرقا نسبيا من المنظور الاستخلافي. وهو لا يصبح فرقا مطلقا إلا عند القائلين بالحلول العام او الخاص اللذين يقفان عند حوار البداية نفيا لحوار الغاية باطلاق الأفق الجمعي ونفي الافق المتعالي عليه.
ولما كان أساس عقيدة المسلمين الايمان بأن بني آدم حتى في أشد اللقاءات العدائية لا يخلون من الانتساب إلى رهان روحي واحد أعني رهان منزلة الانسان الذي كرمه الله (1) منزلته التي يدور الخلاف فيها حول طبيعة أداء الامانة وشروطها صار وصف الرسالة الاسلامية بالرسالة الخاتمة أمرا مفهوما وبات تعدد الأشكال الدينية واختلافها أمرا نسبيا لا يؤدي ضرورة إلى العداوة والبغضاء بل هو شرط الاجتهاد الساعي إلى معرفة الدين الاصلي بداية قبل الرد إلى أسفل سافلين وغاية بعده أعني دين الفطرة الساذجة قبل التحريف ودين الفطرة الواعية بذاتها بعد اصلاح التحريف.
فهذه الفطرة الاسلامية أمر مشترك بين جميع الكائنات وخاصة بين البشر الذين هم كلهم لآدم وآدم من تراب. وتلك هي بذرة الكونية الاسلامية أو منزلة الاستخلاف التي هي عينها الأمانة التي حملها الانسان. ويعني ذلك أن الانتساب الحقيقي إلى الاستخلاف أو إلى الحلولية يتجاوز الحدود الحضارية. فالأمر لا يتعلق بالانتساب السياسي الحضاري إلى هذه الملة او تلك بل المقصود هو الانتساب إلى الشهود أو الى الجحود الموجودين عند البعض في كل الحضارات مع غلبة هذا الأفق في بعضها وذاك في بعضها الآخر. ذلك أن الشهود والجحود من الامور التي لا تتعين إلا في الشعور والسلوك الفردي. أما الجماعة فليس لها شعور ولا سلوك إلا بمتوسط نخبها الممثلة المفتوحة (2). فبما هي كلتة هلامية لا توصف الجماعات بأي منهما إلا مجازا تعميما للوصف الغالب على نخبها الممثلة لمجالات التقويم الخسمة أعني النخب المبدعة في الذوق (الفنون الجميلة) والرزق (الثروات) والنظر (العلوم) والعمل (المؤسسات السياسية والقانونية) والوجود (الفلسفات والاديان).
لكن وحدة البشر الأساسية أو الفطرة ذات القوة الأولى قابلة للنسيان إو للافساد وهو المقصود بالرد إلى أسفل سافلين أو الخسر بعد التقويم الاحسن. لذلك فإنه ينبغي أن ندرس البداية بما هي مرحلة مؤقتة تفهم في ضوء الغاية لكونها توجها وسعيا لتحقيق الاستثناء من هذ الرد استردادا للفطرة التي تصبح ذات قوة ثانية. فالبداية المفصولة عن الغاية-وهي قابلة لهذا الفصل عينا إذا أمكن التوقف عندها بخلاف الغاية التي لا تقبل الفصل إلا ذهنيا لكونها لا تحصل وجودا من دون البداية- كان الحوار فيها حوارا لا يتجاوز طموحه شروط التعايش. وتكون وظيفة الحوار فيها من جنس المفاوضات بين عدوين أعني حوارا ذا أسلوب دبلوماسي أو استعلائي غايته التواصل الخداعي وليس البحث عن التفاهم الحقيقي. إنه اذن ضرب من الحرب المؤجلة بسلاح الخداع اللساني إلى حين حصول الفرصة للحرب الفعلية.
إما إذا أخذت وظيفة الحوار من حيث نسبتها إلى الغاية فإنها تكون بداية للسعي الحقيقي إلى حوار الغاية كما أشرنا ومن ثم فهي جزء من الغاية. والحوار بهذا المفهوم الشامل يتحدد بخمسة مقومات حللنا منها أربعة تمثلت في مقومي الافق أعني: 1- مجال الحوار 2- وموضوعه. ثم مقومي القصد أعني: 3- غاية الحوار 4- وقانونه أو القاعدة التي يخضع لها. ولم يبق إلا المقوم الخامس الذي أجلنا تحليله لكونه في نفس الوقت علة الحوار والآصرة التي تربط بين ضربي الحوار الناقص والحوار التام. فلولا التعدد وخلل التوازن بين الأطراف في بعدي قوتهما المادي والروحي اللذين أشرنا إليهما في المقالة الاولى دون تدقيق لما وجد حوار البداية فضلا عن حوار الغاية إنه: 5- الفسحة التي يجري فيها الحوار ويتحدد بها مداه.
ولما كانت هذه المقومات يتغير مضمونها بحسب كونها مقومة لحوار البداية المشدودة إلى الغاية أو لحوار الغاية المبنية على البداية بات تحديد مضمونها مستوجبا التمييز بين مقومات البداية المشدودة إلى الغاية ومقومات الغاية التي لا يمكن أن تكون مفصولة عن البداية إلا في التجريد الذهني عديم الجدوي. وعلينا الآن أن نحلل فسحة الحوار التي تحدد مداه. فهذا المقوم يمثل المحدد الاساسي للهامش الحواري بين ممثلي الحضارات ضمن احداها أو بينها وخاصة في حد البداية.
ويمكن أن نصوغ هذه الفسحة صياغة شبه رياضية لكونها ليست شيئا آخر غير العلاقة المتغيرة بين نسبتين هما نسبة القوتين الماديتين ونسبة القوتين الروحيتين عند طرفي الحوار. إنها إذن تناسب بين أربعة حدود (3). ولهذه العلاقة حدان لا يوجدان في التاريخ الفعلي إلا وجود الفكرة المجردة أو الحدث الاسطوري: حد الاقتصار على النسبة المادية بين المتحاورين المتصارعين في حالة الحوار الجحودي والحلولي المطلق ثم حد الاقتصار على النسبة الروحية بينهما في حالة الحوار الشهودي أو الاستخلافي المطلق. لكن الموجود في التاريخ الفعلي هو الاتجاه نحو هذا الافق أو ذاك في الحوار الجاري في نفس الحضارة أو بين الحضارات لعدم امكانية وجود حضارة جحودية باطلاق (تخلو من الشهوديين فيها) وحضارة شهودية باطلاق (تخلو من الجحوديين) بل الموجود هو غلبة هذا الوجه على بعض الحضارات أو ذاك على البعض الاخر.
فلو فرضنا الحدين المطلقين موجودين فعلا لاصبحت البشرية مترددة بين الحرب الدائمة والسلم الدائمة ولصار الحوار مطلق الزيف ومطلق الصدق في نفس الآن. فلا يمكن للحوار أن يكون مطلق الصدق ولا لاستغنينا عنه من حيث هو سعي إلى تحقيق التفاهم أو إلى ازالة سوء التفاهم. لذلك فغاية الاجتهاد الاجماعي الذي يؤسس الجهاد الاجماعي بين المؤمنين يمكن تحديدها بالسعي إلى الحد من تأثير عامل القوة المادية والزيادة في تأثير عامل القوة الروحية في العلاقات الاستخلافية بين البشر لكون الايمان يتجاوز حدود الملل وهو ليس واحدا عند الجميع إلا بما هو مثال مطلوب وليس بما هو واقع حاصل.
كما أنه لا يمكن للزيف المطلق أن يوجد. وإذا وجد فإن الحوار يصبح أمرا لا فائدة منه إذ لا ينتظر المحاوران منه شيئا. لذلك فغاية العلم المحيط المزعوم الدي يستند إليه الاقتتال الجماعي (إما في شكل تنافس اقتصادي متوحش أو في شكل حروب والاول حرب غير علنية لأنها قتل جماعي لمن يضطرون إلى الفقر وفقدان كل ممتلكاتهم وموارد رزقهم) بين الكافرين يمكن تحديدها بالسعي إلى الحد من تأثير عامل القوة الروحية والزيادة من تأثر عامل القوة المادية في العلاقات البشرية. لكننا لا يمكن ان نلغي النسبة الناتجة عن علاقة القوة الروحية بين المتحاورين الموجودة حتى في الملة الحلولية لكون الكفران يتجاوز حدود الملل وهو ليس واحدا إلا بما هو تصور وليس بما هو واقع حاصل.
السلم الدائمة حتى بين المؤمنين من الاحلام بل من الاوهام. فدوامها متناقض لانه يعني نفي التدافع الامتحاني لمعرفة الحق والتنافس من أجل تحقيقه. والحرب الدائمة حتى بين الكافرين من الاوهام كذلك. فدوامها متناقض لان القوى المتحاربة متناهية فإذا لم تتوقف الحرب لحين فنى الجميع. والفرق بين الحضارات هو إذن فرق في طبيعة التوجه والقصد والوجه الغالب شهوديا أو جحوديا. فبعضها يجعل الحرب شذوذا على قاعدة السلم وتلك هي الخاصية الغالبة على الحضارات الاستخلافية التي لا تنبني على الشك والريبة من الاخر. وبعضها يجعل السلم شذوذا على قاعدة الحرب وتلك هي الخاصية الغالبة على الحضارات الحلولية التي يعيش أهلها في رعب دائم وشك وريبة حتى إنهم يخلقون الاعداء إذا لم يوجدوا فعلا. ولعل ذروة هذه الخاصية هي المميز الاساسي لبني اسرائيل الذين يعيشون في جيتو نفسي قبل الجيتو العمراني رغم كل محاولات الحضارة الاسلامية لاخراجهم منهما: خوف دائم وريبة قد تكونان حصيلة تاريخهم الناتج عن العلاج السيء لعلاقاتهم بغيرهم ثمرة لوهم المختارية. وقد عمم هذا الداء بعد تجربتين مريرتين حصلتا في الغرب الحديث: الأولى هي التقتيل والتهجير في حروب الاسترداد والثانية هي التهجير وجمع المجرمين في الولايات المتحدة الامريكية التي جعلت هذا السلوك الحربي الدائم قاعدة بدأت بافناء الهنود الحمر وهي متواصلة بافناء أغلب الشعوب المغلوبة بالتجويع والتركيع.
لذلك فالحوار يفترض دائما هذه العلاقة بين ميزان القوة المادية وميزان القوة الروحية رغم تقدم الاول عند الحلوليين الذين تغلب عليهم النزعة العدوانية وأخلاق المحاربة وتقدم الثاني عند الاستخلافيين الذين تغلب عليهم النزعة السلمية وأخلاق الفرسان. وكلتا النزعتين بأخلاقهما موجودة في كل الحضاراتز والمميز هو التوجه إلى غلبة هده الاخلاق أو تلك. ولولا هذه العلاقة المزدوجة لما وجدت فسحة للحوار أصلا. ويحصل التقديمان عندما يكون الصراع بين واحد من هؤلاء وواحد من أولئك مع تعاكس في الترتيب. ذلك أن الحدين حد بداية الحوار وحد نهايته يحددهما قانون التناسب العكسي بين قوتي المتحاورين المادية والروحية.
فميزان القوة المادي والروحي بين المتحاورين هو الذي يحدد الفسحة التي يجري خلالها الحوار. وبداية الفسحة هي وجود حساب الربح والخسارة المادي عند الاقوى ماديا لكونه لا يشرع في قبول الحوار والتخلي عن منطق الحرب المطلقة مع الاضعف ماديا إلا بمنطق المساومة للحفاظ على أكبر قدر ممكن منها. وإذن فدلالة الحوار عند الاقوى ماديا الذي هو في الاغلب الاضعف روحيا غيرها عند الاضعف ماديا الذي هو في الاغلب الاقوى روحيا. أحدهما يحاور بالخداع دفاعا عن الباطل والظلم لتغليبه القيم المادية على معاني الوجود الانساني والثاني يحاور بالصدق دفاعا عن الحق والعدل لتغليبه القيم الروحية على معاني الوجود الانساني.
لكن ذلك لا يعني أن الثاني ليس له حساب ربح وخسارة مادي أو أن الاول ليس له حساب ربح وخسارة روحي بل القصد أن كلا منهما يستمد "مقدار التحمل" في الصدام من تراتب القوتين على النحو الذي ذكرنا ومن ثم يتحدد الحوار عنده بذلك المقدار. فمن استقوى بالمادة يكون أضعف روحيا ضرورة لأن مدى تحمله يقدر بالمنزلة التي يوليها للقيم المادية التي يريد الحفاظ عليها قبل أي شيء آخر. ومن استضعف بالمادة يكون أقوى روحيا لان مدى تحمله يقدر المنزلة التي يوليها للقيم الروحية التي يريد الحفاظ عليها قبل أي شيء آخر. فتكون غاية الحوار عند الاول تحقيق صفقة. وغاية الحوار عند الثاني ازالة ظلم.
وهذا من سنن الله التي لن تجد لها تبديلا أو تحويلا. لكن ذلك لا يعني أن الاقوى روحيا ينبغي أن يكون الاضعف ماديا إذ المؤمن الحقيقي ينبغي له الجمع بين القوتين بصريح أمر القرآن الكريم (4). ذلك أن القوة الروحية توصل ضرورة إلى القوة المادية. وضعف القوة المادية علامة من علامات ضعف الايمان لان الله وعد المؤمنين بارث الارض فإذا فقدوا الارث دل ذلك على خلل في الايمان دون شك. فالعلاقة بين القوتين هي علاقة الاداة بالغاية: المادي أداة الروحي دائما وذلك هو معنى الاستقواء بالروح. أما القوة المادية فإنها لا تؤدي ضرورة إلى القوة الروحية لان الاداة لا تولد الغاية ضرورة بخلاف توليد الغاية للاداة ضرورة.
وما يؤدي إليه الاقتواء بالمادة ليس قوة روحية بل هو توظيف القيم الروحية وتحويلها إلى أداة خداع فلا تبقى مطلوبة لذاتها كما تفعل الكنائس في التبشير المستند إلى استغلال حاجة فقراء افريقيا ومرضهم لابتزازهم على تبديل معتقداتهم (5). وقد وصف القرآن الكريم صفات قوة المؤمنين فردها إلى عاملين: الإيمان وعلامته التواصي بالحق ثم العمل الصالح وعلامته التواصي بالصبر. وهذا القانون الذي صغناه في المحاولة هو السر في انتصار الحق الحتمي حتى في حالة الضعف المادي فضلا عن انتصاره في حالة الجمع بين القوتين الروحية والمادية. ويكفي مثالا على ذلك حروب التحرير في العالم الثالث وخاصة في العالم الاسلامي الذي تلاقت عليه ذئاب العالم كلها تتناشهه من كل حدب وصوب للاسباب التي سنحلل.
أولا- مقومات حوار البداية:
نبدأ بتحديد مقومات الضرب الاول أو مقومات بداية الحوار التي هي بالضرورة أمر سلبي لكونها حتى عند اكتمالها ليست إلا محاولة للتخلص من الرد إلى أسفل سافلين الرد الذي علته الاقتتال بين البشر الذين يخضعون عندئد لمنطق الصراع من أجل الحياة والبقاء للافوى. فالضرب الناقص من الحوار أو بداية الحوار بمعناه الشامل يتقوم من عناصر كلها سلبية:
1- موضوع الحوار: الموضوع الذي يدور عليه الحوار مزدوج وهو الذي تحدد قيمته درجة الاعتراف المتبادل بين المتحاورين.
2- مجال الحوار: ضمن أفق أميل ألى الجحود منه إلى الشهود وإلى الحلولية منه إلى الاستخلافية.
3- فسحة الحوار أو مداه: التناسب بين نسبتي القوتين أو ميزان القوتين الماديتين والروحيتين للتمحاورين.
4- غاية الحوار: ازدواج الغاية التي يعسى إليها الحوار. فهي الخداع في الموضوع الثاني من أجل الموضوع الاول.
5- قانون الحوار: قانون القنص وله قاعدة واحدة هي خداع الخصم ومغافلته ليفقد حذره.
ثانيا- مقومات حوار الغاية:
إن مقومات الغاية كما أسلفنا لا تقبل الفصل عن مقومات البداية إلا في الذهن. وعندما تنفصل فهي لا تحدد حوارا فعليا بل هي تحدد مجرد تصور مثالي لواجب يتنافى مع واقعه. فتكون عندئذ من الخداع الذي يستعمله من لا يؤمن به. لذلك فهذا المثال الأعزل لا يعنينا (6). فنحن نريد أن نتحدث في مقومات حوار الغاية عندما يكون حائزا على شروط تحققه في الوجود العيني لا في الوجود الذهني. ومن ثم فهذه المقومات تشرط متقدما عليها مقومات الضرب التام من الحوار أو غاية المفهوم الاشمل من الحوار. وهي معلومة عند كل من قرأ القرآن الكريم. فهي مقومات التعارف بين المؤمنين مقوماته التي تنقسم إلى صنفين شارطين للاستنثاء من الخسر أو الرد إلى أسفل سافلين:
1- مقومات الايمان والتواصي بالحق لمعرفته وتكون بالاجتهاد الاجماعي. لذلك فأسلوبها لا يمكن أن يكون ألا أسلوب البحث الصادق عن الحقيقة للتعاون في كشفها: وذلك هو معنى الترادف بين التواصي بالحق والاجتهاد الاجماعي.
2- مقومات العمل الصالح والتواصي بالصبر لتحقيق الحق. وتكون بالجهاد الاجماعي. لذلك فأسلوبها لا يمكن أن يكون الا أسلوب السعي الصادق لتحقيق الممكن من الحقيقة في حود التكليف أعني الوسع المعرفي والارادي: وذلك هو معنى الترادف بين التواصي بالصبر والجهاد الاجماعي.
وبذلك يكون الحوار متقوما من هذه الابعاد:
1- فموضوع الحوار: لا يكون الخلاف حول تحديده بل حول سبل البلوغ إلى الكمال فيه.
2- ومجال الحوار: ليس هدنة التنافي بين البشر بل هو الاخوة الانسانية أعني خدمة رسالة واحدة.
3- وفسحة الحوار: ليست محددة بالتناسب العكسي بين موازين القوى عند طرفي الحوار بل بالتكامل بين القوة المعنوية والقوة المادية من أجل تحقيق شروط الاخوة الإنسانية.
4- وغاية الحوار: ليست منازلة المتحاورين بل هي تعميق البحث في أفضل وجوه خدمة الهدف.
5- وقانون الحوار: هو القاعدة الوحيدة الآتية:" فذكر إنما أنت مذكر ليست عليهم بمسيطر" (7).
* الفصل الثاني: شروط الحوار بحسب قصوده وظروفه
1-شروط حوار البداية:
كل امرئ يعلم أن غياب التراجح المادي بين الحضارات يحول الاعتقاد في تراجحها الروحي إلى علامة علامات التوهم. ذلك أنه قد يؤدي إلى تنويم الضعفاء فيفقدهم الحصانة الروحية التي تنتج عن عقيدة التفاضل الروحي كما تحددها العقيدة الدينية بشروط متعاكسة معها: إي إنها تزول بزوالها فلا يكون المسلمون خير امة من دون شروط الخيرية التي هي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا أمر أو نهي لمن لا يملك أن يطاع. وإذن فأساس القوة الروحية أو عقيدة الأفضلية يزول بدوام الهزيمة في التاريخ الفعلي لما تؤدي إليه من شك في الذات المغلوبة على أمرها. والحوار في هذه الحالة لن يكون تنازلا من الاقوياء لجبر خاطر الضعفاء بل هو حيلة حربية تستهدف نزع آخر حصاناتهم أعني عقيدة التفاضل الروحي أو أساس القوة الروحية من المغلوب ماديا: لأن الحوار سيدور حول هذا الاساس لاقتلاعه من الجذور كما يفعل كل من يدعو للحوار مع المسلمين في تصور الاسلام واصلاحه اصلاحا لا يسترد به شروط الاستخلاف بل اصلاحا يجعله مطابقا لتصورات الحلوليين.
لذلك فالحوار ليس بديلا يغني بالمثال عن الواقع بل هو جزء من الصراع الانساني من أجل القيم إذ إن السعي إلى التكافؤ المادي جزء من التفاضل الروحي بل هو ثمرته الاساسية من المنظور الاسلامي. ولولا ذلك لتخلى المسلمون عن الشروط المادية لتبليغ الرسالة الروحية ولامتنع عليهم تحقيق شرطي اعتقادهم في كونهم خير امة اخرجت للناس أعني الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فلا يمكن للضعيف ماديا أن يأمر أو أن ينهى لانه لن يجد من يسمع أو يطيع. لذلك قال الامام علي كرم الله وجهه: لا رأي لمن لايطاع!
إن الايمان الحق يستوجب إرث الارض العادل ضرورة. لذلك فمن لم يرثها فهو ليس مؤمنا حقا. لكن هذا المبدأ ليس كلي التعاكس لأن غياب الشرطين يجعل عكسه جزئيا في الايجاب وكليا في السلب. فليس كل سائد مؤمنا حقا إذ يمكن للظالم أن يسود لحين. لكن كل من ليس بسائد ليس بمؤمن حقا وإلا لما تمكن منه الظالم. ومن ثم فلا بد للمؤمن بحق من العمل على السيادة العادلة بأسبابها المادية الناتجة عن شروطها الروحية. وذلك هو معنى الصراع بين البشر من أجل تحقيق القيم وتقويم كل سعي الناس للقيام بهذا الواجب: واجب التدافع والتنافس في الخيرات. ويتلو عن ذلك ضرورة أن المسلمين اليوم إيمانهم ناقص لانهم مستضعفون في الارض رغم علمهم بأن كونهم الاعلين مشروطا حسب صريح نص القرآن بكونهم مؤمنين (آل عمران 139): لذلك فهم مثل الاعراب أسلموا ولما يؤمنوا.
إن الحوار التام من منظور الاسلام هو التعارف الذي يشترط الابقاء على طلب الحقيقة والعلم بها. ومن ثم فلا بد من تحقيق شروطهما المادية والروحية. ويعني ذلك أنه لا بد من التنافس المادي مع الحضارات الاخرى تكون فيه الحيازة على القوة المادية ذات قصد مختلف عن قصد الظالمين. فهي مطلوبة لانها ضرورية لحماية قيم الحضارة الاسلامية وليس للعدوان على الآخرين. ولا بد من التنافس الروحي مع هذه الحضارات الجحودية بقصد مختلف عن قصد أصحابها لان التبشير بالقيم الاسلامية يعتمد على تقديم النموذج والاسوة الحسنة المصحوبين بشروط القدرة على الامر والنهي المسموعين. لذلك فتصور الحوار بين الحضارات بديلا من الصراع الضروري لانه شرط التدافع من أجل تحقيق القيم يعد هروبا من وجوب التنافسين المادي والروحي مع الحضارات المتجبرة في مستوى الأدوات والوسائل حماية للغايات التي تمثلها قيم الاسلام ودلالة على فضل هذه القيم التي تصبح مرغوبا فيها بعد أن كانت في حالة الضعف مرغوبا عنها. فالتدافع شرط ضروري لتحقيق القيم بنص القرآن الصريح.
2- شروط حوار الغاية:
لما كانت الغاية لا تكون حقيقية إلا إذا تجاوزت الوجود الذهني إلى الوجود العيني فإنه لا بد لها من تضمن شروط البداية التي تهدد دائما بالبقاء حلولية بمجرد طريان الضعف على دعاة الغاية الاستخلافية. فلا يمكن للحوار الغاية أن يحصل من منطلق الضعف لكوننا عندئذ لسنا متيقنين من صدق الدعوة فضلا عن كونها لن تكون مسموعة. والأغرب من ذلك هو أن البداية لا تكون فعالة على المدى الطويل إلا بمقدار توفر شروط الغاية على الاقل في الداخل لكون القوة المادية وحدها ليست إلا هشيما تذروه الرياح. لذلك فالأمة التي تخلو من الحوار التام في ما بين أبنائها لا يمكن لها أن تصمد في الحوار الناقص مع غيرها ومن باب أولى فهي أعجز من أن تصل إلى الحوار التام معه.
ولما كان شرط الحوار بين المؤمنين هو شرط الحوار مع الملل الاخرى بات من الواجب ان نحدد هذا الشرط الاصلي وأن نحدد علة كونه شرطا أو شرطا أصليا. فقد بينا أنه ينقسم إلى الايمان الصادق أو التواصي بالحق وإلى العمل الصالح أو التواصي بالصبر. وليس التواصي بالحق إلا كناية عن الاجتهاد الاجماعي. وليس التواصي بالصبر غلا كناية عن الجهاد الاجماعي. لذلك فإنه يكفي أن نحدد هذين المفهومين تحديدا يحررهما من حصرهما في معنييهما الاصغرين حتى نتخلص من أسباب انحطاط الامة انحطاطها الذي أفقدها شروط القيام المستقل الحر والقدرة على محاورة الغير.
ولنبدأ بآخرهما: الجهاد أو التواصي بالصبر. فالعلم لا معنى له إلا بغايته أعني بالعمل. والعمل في مفهومه الايماني ليس رميا في عماية بل هو فعل على علم. فما هي شروط الجهاد الاجماعي ؟
1- شروط الجهاد الاجماعي أو شروط الدفاع الناجح عن حرية العقيدة:
صار مفهوم الجهاد عند المسلمين منذ أن انحط فكرهم ووجودهم محصورا في معنييه الاصغر والاكبر. فالجهاد الاصغر أو الجهاد المادي المباشر هو مجاهدة الاعداء والشهادة من أجل حرية العقيدة. والجهاد الأكبر الروحي المباشر هو مجاهدة النفس والتقوى من أجل صفاء العقيدة. وأصبح الامران يقعان بمجرد التقيد بالفروض الدينية وبدروهما في تبليغ الرسالة غير المؤثر. والمعلوم أن الجهاد الاصغر قد كتب على جميع المسلمين بوصفه شرطا أداتيا لحوار البداية أو حوار التعايش: "كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنت لا تعلمون" (8). والمعلوم كذلك أن الجهاد الاكبر يمكن أن يعتبر شرطا غائيا لحوار الغاية أو حوار التعارف ضمن الملة الاسلامية أو بينها وبين غيرها لكون مجاهدة النفس أو القيام بالفروض تربية اسلامية تبلغ الرسالة بالنموذج ومكارم الاخلاق.
والسؤال هو: لماذا استعمل المسلمون صفة التفصيل استعمالا يوحي بوجود معنيين آخرين يؤكدان هذين المعنيين الأداتي في البداية والغائي في النهاية ؟ فالأصغر لا يقال بالقياس إلى الأكبر إذ لا يمكن أن يعد الأكبر صغير ا والأكبر لا يقال بالقياس إلى الأصغر إذ لايمكن ان يعد الأصغر كبيرا. وإذن فلا بد أن يكون للجهاد معنيان آخران وقع اغفالهما إلى الآن وهما: معناه الصغير ومعناه الكبير وسطين بين حديه الاقصييين الأصغر والأكبر. ثم إن هذه المعاني الاربعة لا بد أن يكون لها أصل تشترك فيه وتتفرع عنه حتى يكون للجهاد معنى موحد. فتكون معاني الجهاد خمسة: الأصغر والأكبر والصغير والكبير والأصل الواحد.
فأما المعنى الصغير الذي يقاس إليه الأصغر فهو جماع الشروط التي تجعل الجهاد الأصغر يحصل على أفضل الوجوه. فإذا وجب القتال كان المسلم مستعدا له بفضل هذا الجهاد الصغير الذي حددته آية الردع وارهاب العدو باعداد القوة عامة (من قوة) والقوة العسكرية خاصة ( من رباط الخيل) (9). وهذا الاستعداد هو العمل الدائم لتحقيق شروط المناعة التي قد تغني عن الحاجة إلى القتال. وهذه الشروط هي كل المقومات المادية للمجتمع القادر أعني ما يمكن حصره حصرا مستوفيا باعتباره شروط المناعة المنتسبة إلى مؤسستي قاعدة المجتمع أعني: 1- المنشأة الاقتصادية 2- والاسرة مؤسستيه اللتين تعود إليهما مناعته الاقتصادية والتربوية بمعناهما الاسلامي. ذلك هو الجهاد الصغير الذي من دونه لا يكون الجهاد الأصغر ممكنا فضلا عن أن يكون مؤثرا إلا إذا حصرناه في الدعوات الجوفاء عند بعض الفقهاء الذين تجاوزهم العصر تجاوزا جعلهم عاجزين حتى على فهم علة عدم وجود من يسمعهم (10).
وأما الجهاد الكبير الذي يقاس إليه الجهاد الأكبر فهو جماع شروط حصول الجهاد الأكبر حصولا تاما فعليا وليس امكانيا فحسب لكون الحاجة إلى الجهاد الأكبر ليست ظرفية كما هو شأن الحاجة إلى الجهاد الاصغر المشروط بعدوان من يمنع الحرية الدينية. فالحاجة إلى الجهاد الأكبر دائمة بالطبع لكونها هي التحرر الدائم من العدوان الأبدي ممثلا بالموقف الدي يرفض الحرية الدينية التي تعبر عن العبودية لله وحده وطاعة الامر الالهي.
وأبرز أشكال هذا العصيان هو الموقف الحلولي الذي هو مصدر الظن بامكان الاستغناء عن العبادة لله واستبدالها بعبادة الدنيا والهوى. وهذه الشروط هي كل المقومات الرمزية للمجتمع المريد أعني كل العلوم التي هي سلم العبادة الصحيحة. لذلك فإنه يمكن حصر مقومات الجهاد الكبير حصرا مستوفيا باعتباره العمل على تحقيق شروط المناعة المنتسبة إلى مؤسسي قمة المجتمع أعني 3- المدرسة 4- والمعبد في بعدهما العملي مؤسستيه الفاعلتين بالنظر العامل عملا لا تنفصل فيه المعرفة الدنيوية عن المعرفة الدينية بمعنى تطبيق الاجتهاد (11).
يمثل هذان الجهادان اللامباشران المنسيان (الصغير والكبير) الاساس الذي غاب في حضارتنا منذ شروعها في الانحطاط فحال دونها واعتماد الحوار بين أبنائها أساسا لتحقيق شروط الاجتهادين المباشرين (الاصغر والاكبر) اللذين لم يبق منهما إلا الشكل الاجوف لغياب المضمون الحي الذي لا يكون إلا بحرية الارادة جهادا في تحقيق الادوات من أجل الغايات بالاستناد إلى الحوار الفكري الحر للبحث والاكتشاف أولا وللتطبيق والاستعمال اخيرا.
ولما كان الجهاد بمعناه الشامل غير هذه المعاني الفرعية الأربعة فإنه ينبغي أن يكون أصلها الذي تتفرع عنه تفرع المعلول عن العلة. ذلك أن شروط القدرة لا معنى لها من دون أن تكون دالة على إرادة تحرر من الطواغيت السلطانية (الحكام غير الشرعيين) ومن الاوثان العقدية (التقاليد البالية المنافية لقيم الاسلام). إرادة لا سلطان عليها غير أمر الله ولا معبود لها سواه. وتلك هي الثمرة الاساسية للادراك الشهودي والمدلول العميق للجهاد.
وذلك هو الاستخلاف الاسلامي أو الجهاد المطلق في الحياة ببعديها الدنيوي والاخروي المتحدين بفضل فروعه الاربعة التي وصفنا (12). وإذا كان مجال الجهاد الصغير هو المؤسسة الاقتصادية والاسرة ومجال الجهاد الكبير هو المدرسة والمعبد فإن مجال الجهاد الاصغر هو استعمال ثمرات الجهاد الصغير في المجالين السابقين لتحقيق سلطان الحق في العالم ومجال الجهاد الاكبر هو استعمالهما لتحقيق سلطانه على النفس ما يجعل مجال أصل الجهاد هو العبودية لله وحده أعني المعنى العميق للحرية من حيث هي جوهر الاسلام خاتما للرسالات: وتلك هي مهمة الكونية الاسلامية من حيث دعوة للعالمين.
إن الجهاد الاستخلافي بهذه المعاني الخمسة لا يمكن أن يفهم إلا بوصفه نهاية الحاجة إلى سلطان روحي خارجي بمقتضى ختم الوحي ونفي سلطان الكنائس وبداية عموم الرسالة التي تستغني عمن يفرضها بالقوة. فالله نفسه مكلف بحفظها ولا يستأهل شرف الذب عنها إلا من كان مؤمنا بقيمها التي وصفنا بكامل الحرية والاختيار وإلا صار الجهاد مجرد قتال عديم الوظيفة والدلالة الروحيتين. وإذن فالجهاد ليس لا ثمرة الحرية الدينية وأداة تحقيقها تحقيقا لا يلجئ إلى الدفاع العنيف عنها إلا نادرا لكون الايمان التام يقتضي تحقيق شروط العزة التي تتحول إلى مهابة فتجعل من يحول دون تبليغ الرسالة الاستخلافية قليلا لعلمه بتعذره.
ولما كانت المجتمعات الحديثة تدعي التسليم بالمبدأ الاسلامي القائل بأنه لا اكراه في الدين أو بالحرية الدينية والداعي من ثم إلى وجوب حمياتها بات من الواجب تطبيق هذا المبدأ بكل شروطه أعني عدم الاقتصار على جزئيه الاصغر والاكبر اللذين يصبحان عاجزين عند الاقتصار عليهما دون شرطيهما. وإنه لمن المفارقات أن يكون المبدأ القائل بالحرية الدينية مميز الاسلام الاساسي وأن يؤول بعض الحهلة مبدأ الجهاد تأويلا ينافيه داخل الملة وخارجها فيجعلونه مقصورا على معنييه الاصغر والاكبر من دون شرطيهما أعني الجهاد الصغير والجهاد الكبير.
لذلك فقد صار الجهاد عندنا مقصورا على الاقتتال البدائي الذي لا يتجاوز الغزوات العاجزة للمتواكلين على التعبد التقليدي. الجهاد اجتهاد لتحقيق شروط تبليغ الرسالة الاسلامية بالنموذج أولا نموذج التي هي أحسن لابراز معاني الشهود الاستخلافي عندما يكون تحقيق الوسائل كافيا لحماية هذه الرسالة ومغنيا عنها بالردع عن الحرب. ومن ثم فتحقيق هذه الشروط هو شرط صحة الشورط الغائية وإلا صارت ممارسة الجهادين الاصغر والاكبر مجرد رسم خال من معناه. فهما قد كانا منذ بدء الرسالة مشروطين بالجهادين الكبير والصغير اللدين لا يمكن أن يتحققا من دون تطبقيات الاجتهاد المعرفي أعني الأدوات الضرورية لتحقيق قيم الدين الاسلامي التي وصفنا.
وعندما يضطر المسلم غر باغ إلى الجهاد الاصغر لدفع من يحول دونه وحرية العبادة أو الجهاد الاكبر ثمرة لمعنييه الصغير والكبير فإنه يجد نفسه قادرا وإلا كان توكله تواكلا وعمله ضلالا. ولو لم يكن ذلك هو القصد لما فهمنا صيغتي التفضيل. فالأكبر هو الغاية والأصغر ليس إلا الوسيلة الدفاعية لإزالة الحوائل دون الغاية عندما لا يكون الصغير والكبير مغنيين عن الدفاع وقاية لا علاجا. كذلك نفهم لجوء المسلمين الأوائل إلى الجهاد الأصغر مرغمين ونفهم لم كان هذا الجهاد عندهم مقصورا على الدفاع العلاجي أو الوقائي ومتوقفا دائما عند القدر الذي يكفي منه لتحقيق الغرض دون وحشية أو انتقام. ففتح مكة يقوم أفضل دليل على الطابع الدفاعي الخالص للحرب وكون النزعة التهديمية في الحروب ليست من شيم المسلمين. وليس من الصدفة أن تكون أول حضارة تسن قانونا للحرب يبقيها في حدود خلقية لئلا يعود الإنسان البربرية هي الحضارة الاسلامية.
أما الجهادان الكبير والصغير فإنهما قاعدتا الوجود الاسلامي وأساسا بقائه. فبفضل ضمان الشروط المادية للوجود القادر وضمان الشروط الرمزية للوجود المريد نحقق أبعاد الوجود الحر الذي هو الوجود الاستخلافي. وذلك هو مضمون الرسالة الاسلامية للعالمين وبفضلها نكون خير أمة فيحق لنا أن نشهد لهم أو عليهم. لا نستأهل الشهادة إلا إذا وفرنا شروط كوننا خير الأمم فعلا في وجودنا التاريخي. ولا أحد يستطيع أن يزعم أننا اليوم أمة خيرة فضلا عن الزعم بأننا الاكثر خيرا: فلم يبق لنا من الاستخلاف إلا الاسم.
2- شروط الاجتهاد الاجماعي: حرية الفكر والتفرغ للقيام بشروطه
حددنا شروط الجهاد الاجماعي أو التواصي بالصبر منطلقين من المقابلة بين الجهادين الاصغر والأكبر لاتمام المفهوم باضافة معنيين آخرين هما الجهاد الكبير والجهاد الصغير. ثم أرجعنا هذه المعاني الاربعة إلى أصل واحد هو الأرادة الحرة التي من دونها لا معنى لقبول الامانة الاستخلافية وتحمل المسؤولية التي رفضتها الجبال. فلنحدد الآن شروط الاجتهاد الاجماعي أو التواصي بالحق قياسا إلى تحديد أركان مفهوم الجهاد.
فالمعلوم أن الاجتهاد الاجماعي في الشأن الخاص يوصف بكونه الفقه الاصغر وأن الاجتهاد الاجماعي في الشأن العام يسمى الفقه الاكبر. وبلغة العلوم الانسانية فإن الاول يتعلق بالقانون الخاص والعبادات الفردية والثاني يتعلق بالقانون العام والعبادات الجماعية. ويمكن تطبيقا لنفس المنطق أن نستتنتج اجتهادا اجماعيا صغيرا أو فقها صغيرا يكون الاول بالاضافة إليه أصغر واجتهادا اجماعيا كبيرا أو فقها كبيرا يكون الثاني بالاضافة اليه أكبر. فما هو الاجتهاد الاجماعي الصغير أو الاجتهاد الصغير ؟ إنه الاجتهاد الاجماعي في محال العلوم النظرية التي تكون الأعمال الجارية في الجهاد الصغير تطبيقا لثمراته أعني العلوم الطبيعية التطبيقية بالنسبة إلى المنشأة الاقتصادية والعلوم الانسانية التطبيقية بالنسبة إلى الاسرة التربوية (13). فيكون الاجتهاد الصغير مكملا للجهاد الصغير. وما الاجتهاد الاجماعي الكبير أو الاجتهاد الكبير ؟ إنه الاجتهاذ الاجماعي في العلوم النظرية التي تكون الاعمال الجارية في الجهاد الكبير تطبيقا لثمراته أعني العلوم الطبيعية النظرية أو نظريات الطبيعة عامة بالنسبة إلى المدرسة في النظر العام والعلوم الانسانية النظرية أو نظريات الشريعة عامة بالنسبة إلى المعبد في العامل العام (14). فيكون الاجتهاد الكبير مكملا للجهاد الكبير.
ويمكن ان نحدد أصل الاجتهاد الاجماعي الجامع بين هذه المعاني الاربعة بالتناظر مع أصل الجهاد الاجماعي الجامع لمعانيه الاربعة. فإذا كان الاصل هناك هو الارادة الحرة التي من دونها لامعنى للاستخلاف لغياب الادوات فإن الاصل هنا هو العقل الحر الذي لا معنى من دونه لتحمل الامانة لغياب الغايات بغياب شرط التكليف (15). أما مجالات هذه الاجتهادات الاجماعية فهي عينها مجالات الجهادات الاجماعية التي سبق فحددناها إذ إن الجهاد الاجماعي مشروط بالاجتهاد الاجماعي.
وبذلك يتبين أن شروط الحوار بين المؤمنين عشرة: خسمة يتقوم بها الجهاد الاجماعي و خمسة يتقوم بها الاجتهاد الاجماعي. وهذه الشروط مشروطة بحرية الارادة والعقل المؤسستين للحوار بين أبناء الامة وشارطة لكل شروط الحوار مع غيرهم. وليست عوائق الحوار مغ الغير إلا انعدام شروط الحوار مع الذات: من دون عقل حر وإرادة حرة لا معنى للحوار الاختياري الملزم لصاحبه بنتائجه.
* الفصل الثالث: العوائق أو سلب الشروط وكيفية تذليلها
لا يحتاج تصنيف العوائق وبيان كيفية علاجها إلى عناء كبير بعدما حددنا الشروط ورتبناها. فهي مبدئيا بعدة الشروط وبترتبيها لكونها ليست ألا سلوبها (16). وعلاج العوائق يتمثل مبدئيا في تحقيق الشروط سلبا بمنع الحوائل دونها وإيجابا بالقيام بما تتطلبه. ولما كانت السلوب نوعين بحسب الافق والقصد كما بينا في تصنيف ضروب الحوار فإنه لا بد من التمييز بينهما ضمن الوضعيتين خلال تحديد العلاج وقبل الوصول إلى تحديد أسباب قصور الحضارة الاسلامية الحالي على القيام بواجبات الحوار السوي تحديدا نختم به الفصل الاخير من هذه المحاولة (17).
1- عوائق الحوار العملية أو ذات الصلة بشروط الجهاد الناجع:
أولا: ففي الحضارة الحلولية تنتج العوائق عن التوحيد بين الافقين الجمعي والكوني وعن قصد التزييف بدل طلب الحقيقة في الحوار. وبذلك فما هو في الحضارة الاستخلافية جهاد أصغر وأكبر في خدمة غايات سامية يصبح مجرد أداتين بدل أن يكون غايتين في ما يعتبر في الحضارة الاستخلافية جهادين صغير وكبير. ومعنى ذلك أن استعمال القوة ( القتال والشجاعة) والسيادة على النفس (العبادة أو الانضباط) يصبحان أداتين تستعملهما المنشأة والاقتصاد والاسرة والتربية والمدرسة والتعليم والدولة والسياسة. فكلها باتت وسائل لخدمة الاخيار الدنيوية التي ليس وراءها اخيار تعلو عليها بدل أن تكون هي بذاتها غايات نوع العيش فيها مشدود إلى ما يسمو على الاخيار الدنيوية.
فالكلي الذي حل في الجزئي أو المطلق في النسبي عند الحلولي يجعل المثال الاعلى عنده مقصورا على عبادة الدنيا والهوى. ومن الامثلة على ذلك كل الحروب الاستعمارية التي هي من أجل نهب خيرات الشعوب المستضعفة ما يحول التاريخ الحضاري إلى تاريخ محكوم بقوانين التاريخ الطبيعي منطقه هو منطق الصراع الحيواني من أجل اسباب العيش بدل التعاون والتعارف للعيش معا. فالتنافس بين القوى الاستعمارية لم يكن إلا لغزو البلاد وتقاسم الثروات واستعباد البشر لاستخدامهم في سد حاجات الاقوياء. وكل الحروب سببها هذه النقلة من التاريخ الحضاري المحكوم بالقيم السامية إلى التاريخ الطبيعي المحكوم بالاقتتال من أجل القيم الدانية.
ثانيا: أما في الحضارة الاستخلافية فالواجب (لا الواقع لأن الموقف الحلولي موجود هنا أيضا) أن يكون مصدر العوائق سببه عدم تحقيق ما يستوجبه التفريق بين الأفقين وقصد الحق في الحوار. فالجهادان الكبير والصغير اللذان هما الاداتان الضروريتان للجهادين الاكبر والاصغر انعدما فيها بسبب الانحطاط وغلبة التصورات الحلولية على الفكر الاسلامي بأنواعه الاربعة الرئيسية قصدت: 1-الفقه وأصوله 2- والتصوف وأصوله 3- والكلام وأصوله 4- والفلسفة وأصولها. وأصل الاصول الاربعة المشار إليها في هذا التصنيف هو فلسفة الدين والتاريخ التي تتفرع عنها كل تلك العلوم والعلوم التي بينا دورها في الاجتهادين والجهادين اللذين كان مفقودين في الحضارة الاسلامية بسبب الانحطاط. ومعنى ذلك أن المنشأة والاقتصاد والاسرة التربية والمدرسة والتعليم والدولة والسياسة ينبغي ألا تصبح أدوات ناجعة في خدمة الاخيار الدنيوية إلا من أجل الاخيار الاخروية أعني مجاهدة أسباب الجحود (18) في العالم والنفس لتحقيق غايات تتعالى على الاخيار الدنيوية لكون الكلي والمطلق لا يحلان في الجزئي والنسبي وحتى لا يكون التاريخ الحضاري تاريخيا طبيعيا.
لكن الفصل بين الافقين قد ينتهي إلى نفي الافق المتداني باسم التمحض للافق المتعالي الذي ينتفي بانتفاء مطيته. فالجهاد بمعنييه الاصغر والاكبر يفقدان كل معنى بمدر أن يصبحا عاجزين. ذلك أن الغايات لا تدرك من دون الادوات بل هي تكون مجرد تصور اجوف لا يمكن من الفعل في الدنيا فعلا حقيقيا يعد للاخرى. لا يمكن لارث الارض ان يحصل فضلا عن أن يكون عادلا ومشدودا للمتعاليات انشدادا هو علامة الصدق والايمان الحقيقي إذا لم تكن الامة قادرة على الامر والنهي: وذلك ممتنع من دون الجهادين الكبير والصغير.
2- عوائق الحوار النظرية أو ذات الصلة بشروط الاجتهاد الناجع:
أولا: تنتج العوائق في الحضارة الحلولية عن اعتبار ضروب المعرفة مجرد أدوات لخدمة الاغراض الدنيوية التي لا يعلو عليها شيء. ومعنى ذلك أن العلم النظري والعملي وما بعدهما يتحولان إلى حيل هدفها الوحيد القوة والسيطرة على الكون والناس من أجل الغايات الدنيوية التي ليس فوقها غايات أسمى منها.
ثانيا: أما في الحضارة الاستخلافية فتنتج العوائق عن ضحالة الاجتهادين الصغير والكبير والاقتصار على الاجتهادين الاصغر والاكبر اللذين يتحولان إلى تعبد عاجز لا يحقق الغايات التي تتعالى على الاخيار الدنيوية.
والحصيلة أن عوائق الحوار جنسان كلاهما مضاعف:
1- الجنس الاول بنوعيه هو الجنس الغالب على الاستخلافيين. وتتمثل العوائق عندهم لما ينحطوا في ظن الغايات قابلة للاستغناء عن الادوات في المجالين النظري والعملي أعني في ظنهم حوار الغاية ممكنا من دون حوار البداية. فيصبح الايمان كلمة فاقدة لمعناها لان الايمان يفقد مدلوله الذي هو التواصي بالحق طلبا لعلمه. ويصبح العمل الصالح كلمة فاقدة لمعناها أي أن العمل الصالح يفقد مدلوله الدي هو التواصي بالصبر طلبا لعمله بأسبابه. ويصبح الاستخلاف مرادفا للضعف المادي والخنوع فلا يبقى أي امكان للحوار لا في ما بيننا ولا بيننا وبين غيرنا لكوننا لا يمكن أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر إذا كنا غير قادرين على الاسماع.
2- والجنس الثاني بنوعيه هو الجنس الغالب على الحلوليين وتتمثل العوائق في ظن الادوات قابلة للاستغناء عن الغايات المتعالية التي استبدلت بغايات متدانية في المجالين النظري والعملي أعني في ظنهم حوار البداية ممكنا وكافيا من دون حوار الغاية. فيصبح النظر تواصيا بالباطل أو تخاتل دائم ويصبح العمل تواصيا بالعجلة أو تغادرا متواصلا. عندئد يكون الحلول مرادفا للضعف الروحي والتجبر المادي فلا يبقى أي امكان للحوار لا في مابينهم ولا بينهم وبين غيرهم لكونهم لا يؤمنون إلا بتوازن الرعب حتى في ما بينهم. ويسمون ذلك حرية التنافس الخاضع لمبدأ البقاء للاصلح.
* الخاتمة:
فما الذي جعل الحضارة البشرية مهددة بداء الموقف الحلولي ولمَ فشلت الحضارة الاسلامية في تحقيق شروط الموقف الاستخلافي الذي حدده القرآن الكريم شرطا في ارث الارض والشهادة على العالمين؟ التفسير القرآني للظاهرتين ينقسم إلى مستويين أولهما يفسر الموقف الحلولي بأسباب جوهرية تعود إلى مسألتين كلاميتين في التحريف اليهودي المسيحي للبعد الخبري أو العقدي من الرسالات السماوية والثاني يفسر فشل الموقف الاستخلافي بأسباب عرضية تعود إلى مسألتين فقهيتين في التحريف الفقهي الصوفي للبعد الانشائي أو الشرعي من الرسالة الاسلامية.
فأما المسألتان الكلاميتان الناتجتان عن التحريف الجوهري للرسالات السماوية فهما تغيير مفهوم الاله والانسان استبدالا للاول بالثاني في الحقائق الوجودية وفي المعاني القيمية:
1- مسألة التحريف الوجودي أو تأليه الانسان تبوسط نظرية الشعب المختار التي بلغت الذروة في نظرية بنوة المسيح لله: " ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله بل كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين اربابا أيأمركم بالكبر بعد إذ أنتم مسملون" ( آل عمران 79-80).
2- مسألة التحريف القيمي أو جعل الانسان مشرعا بدل الله وتبلغ الذروة في نظرية الرسالة التحضيرية:" أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والارض طوعا وكرها والله يرجعون"( آل عمران 83).
وأما المسألتان الفقهيتان الناتجتان عن التحريف العرضي للرسالة الخاتمة فهما تغيير مفهوم العبودية لله ومفهوم تكليف الانسان:
1- مسألة تحريف العبودية لله أو الانحراف الصوفي: القول برأي ابليس في آدم ومحاولة تخليصه من التراب ليكون أهلا للعبودية. ومن ثم فانحراف التصوف يؤدي إلى نفي الاستخلاف من حيث هو رعاية للعالم ما دام يشترط في العبادة التنكر للعالم ومحو كل الروابط معه.
2- مسألة تحريف التكليف أو الانحراف الفقهي: القول بالوازع الخارجي ونفي آية تبين الرشد من الغي. ومن ثم فانحراف الفقه يؤدي إلى ارجاع السلطان الروحي وتعطيل سلطان الامة التشريعي في مجالات القيم الخمسة أعني تعطيل شروط تحقيق الاستخلاف.
وإذن فالانحراف الاول افساد للاخلاق الاسلامية الخاصة والانحراف الثاني افساد للاخلاق الاسلامية العامة. فيصبح الخلق في خاصة الانسان عزوفا عن العالم وفي عامته استسلاما للاوصياء. لذلك فذروة انحطاط الامة تمثلت في اجتماع التحريفين في فكر الامة فاصبح الفقهاء والمتصوفة (بعد أن استتبع الأولون المتكلمين والثانون الفلاسفة) مستحوذين على الاخلاق العامة والاخلاق الخاصة ومتحالفين مع الامراء الذين استبدوا بأدوات هذين السلطانين السياسية والتربوية الاسلاميتين.
فكانت النتيجية انحطاط الامة العميق انحطاطا أصبح عين جوهر القيام الوجودي لافرادها ولاخلاقها العامة كما وصفهما ابن خلدون في قولته الشهيرة التي هي شرح ضمني لسورة العصر من حيث بيانه لاسباب الخسر استبدالا للتواصيين بالحق والصبر بعكسيهما:" ومن كان مرباه بالعسف سطا عليه القهر وضيق على النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الايدي عليه بالقهر وعلمه المكر والخديعة لذلك. وصارت له هذه عادة وخلقا. وفسدت معاني الانسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبتضت عن غايتها مدى انسانيتها فارتكس وعاد أسفل سافلين. وهكذا وقع لك أمة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف" (19).
* د. أبو يعرب المرزوقي: الجامعة العالمية الاسلامية - ماليزيا
الهوامش :
1- الاسراء 70
2- صنفنا النخب الممثلة في آفاق النهضة العربية بحسب تصنيف مجالات التقويم والمؤسسات الاجتماعية التي يتكون منها العمران الانساني من حيث هو كيان عضوي قائم الذات بصرف النظر عن تطوره: نخب الذوق ورمزنا إليها بالشعراء ونخب الرزق ورمزنا إليها بالوسطاءونخب النظر ورمزنا إليها بالعلماء ونخب العمل ورمزنا إليها بالوجهاء ونخب الوجود ورمزنا إليها بالحكماء. فنحن نهتم بالظاهرة العمرانية اهتماما يشبه اهتمام التاريخ الطبيعي بالظاهرات الحية. ما يعنينا هو الكلي فيها وليس الخصوصيات التي هي غير مهمة بخلاف ما يتصوره أصحاب المقابلات بين نحن والغير. فهذه المقابلة تتعلق بالعرضيات التي تشبه ما بتميز به فرد إنساني عن فرد انساني من السمات التي لا تغير المشترك الانساني بينهما. ذلك أننا لو فرضنا هذه الفروق هي الاهم لبات ما تشترك فيه الحضارات هو العرضي وليس الجوهري من مكوناتها ومقوماتها. لكننا نقدم المشترك الانساني بين الحضارات التي هي سبل التحقيق المتدرج للغايات والادوات التي يتعين فيها الوجود الانساني الكلي وليس ما تختلف به هو الاساس في الوجود العمراني. لذلك فكل من يلح على الفروق العرضية بين البشر لا يمكن ان يكون استخلافيا بل هو حلولي يتصور الافق الجمعي هو الافق الاسمى فلا يعلو عليه شيء يشترك فيه البشر.
3- وهذه عبارة قانون التناسب الذي يحكم الصراع والحوار بين الحضارات. فإذا فرضنا فريقين متاصرعين فإن كلا منهما يدخل الصراع بقوتين مادية وروحية أولاهما تتعلق بالثروة المادية ومقوم الحرب المادي والثانية تتعلق بالثروة الرمزية ومقوم الحرب الروحي. والغالب هو دائما من رجحت عنده كفة القوة الروحية مع عدم خلوه من القوة المادية. فإذا تعادلات القوتان عند الفريقين فإن الحرب تبقى سجالا بلا حسم إلى أن يتحقق الرجحان الذي حددنا. والأقوى روحيا هو الاكثر قدرة على التحمل والصمود والمطاولة إلى ان تهترئ القوة المادية التي يتفوق عليه فيها الخصم. وهذا يكون عندما ينحصر الحوار بينهما في التعايش: وتلك حال العلاقة بين الحضارتين الاسلامية والمسيحية كامل القرون الوسطى في حربي الصليب والاسترداد. أما إذا انتقل إلى حوار التعارف فإن الصدام المادي يحيد ويرتفع مستوى الحوار إلى التلاقي من اجل القوة الروحية المشتركة بينهما فيكون الجامع التواصي بالحق والتواصي بالصبر أو الايمان والعمل الصالح. فتكون العبارة: ( قوة مادية : قوة روحية عند الفريق الاول ) أكبر أو مساو أو أصغر ( قوة مادية : قوة روحية عند الفريق الثاني ). وذلك ما دعى إليه الرسول الكريم نصارى نجران فرفضوا وفضلوا الصلح للحفاظ على وضع التعايش بدل الانتقال الى التعارف.
4- الأنفال 60.
5- وردت آية الرهبانية (سورة الحديد) خلال الحديث عن المنافقين بالقياس إلى مفهوم الجهاد الاصغر. ومن ثم فهي ذات صلة مباشرة بالنفاق في الجهاد الاكبر لكونها تتعلق بتوظيف الدين وباستعماله المنافق. ومن ثم فلها صلة مباشرة بما ورد في سورة آل عمران من حديث عن توظيف الدين وتحريفه لخدمة رجال الدين الذين يؤلهون أنفسهم أو الانبياء لخلق سلطة روحية يستعبدون بها الناس وذلك هو جوهر التحريف بمعنى تزييف معاني كتاب الله وادعاء ما ليس منه منه. وإذن فالرهبانية التي هي اعتزال الحياة الدنيا وأسبابها قل أن يفيها أحد حقها فتكون في الاغلب نفاقا بل هي ذروة النفاق الديني حسب هذه الآية وإلا لما اعتبر الله أكثر المترهبين فاسقين.
6- المثال الذي ليس لأصحابه أدوات تحقيقه مثال أعزل. والمثال الاعلى الاعزل يتنافى مع الدعوة الدينية التي تعتبر الرسالة عملا لا يحقق القيم بمجرد الدعوة القولية بل ينبغي أن يلجأ إلى العمل الجهادي من أجلها إذا حيل دون الدعوة وحرية التوجه للمدعويين. وليس الهدف الاول من القصص القرآني إلا بيان أن جميع الرسالات الدينية قد كانت عملا جهاديا لتحقيق القيم وليس مجرد دعوة قولية ومن ثم فهي كلها من جنس الرسالة الاسلامية.
7- الغاشية 21-22.
8- آيات الجهاد الاصغر أو القتال عند وجوبه كثيرة. وتكفي آية البقرة 216 لاثبات هذا الواجب العيني عند توفر شروطه في المكلف.
9- يعجب أغلب الفقهاء الذي يتصدرون الكلام باسم الدين في الهوائيات من عدم تأثير دعوتهم في الرأي العام وخاصة دعوتهم للجهاد التي واكبت استفاقة الشعب الفلسطيني لضرورة الدفاع الحقيقي عن حقوقه بالافعال وعدم الاقتصار على الاقوال أو الحوار المغشوش. فهم يتصورون الجهاد تصورا بدائيا ومباشرا لا يتجاوز التنادي للقتال يوم القتال ظنا أن ما يشبه فزع القبائل وهبتها يمكن ان يكون قتالا مناسبا للعصر. لكأنهم لا يعلمون أن اعداد المحارب الكفء اليوم يتطلب عقودا فضلا عن اعداد العالم والباحث والفني الذين يسهمون في الحرب أكثر من الجندي في ساحة القتال لكونه هو آخر السلسلة في أدوات الجهاد الاصغر. والأدهى انهم ما زالوا يتصورون الدعوة الدينية للجهاد الاكبر قابلة لان تحصل بالخطب.
فكلامهم متردد بين الاستغباء بالتحريض البدائي والاستبلاه بالتفنن الفقهي الدي لايسمن ولا يغني خاصة والحياة في المجتمعات الاسلامية لم تعد منتظمة بحسب الفقه لا في المعاملات ولا في العبادات. وإذن فهم قد جعلوا أسمى الاديان وأقربها إلى الدين الطبيعي لقوله بالفطرة أقل الاديان تأثيرا في الحياة الروحية السامية حصرا إياه في التعبد المباشر والاعزل الذي يورث الهوان والحزن متناسين الاية الكريمة 139 من آل عمران: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين". فصاروا يحصرون الدعوة في الدعاء على الاعداء في خطب بلهاء لا تحرك غير الهواء مثل قواعد العجائز لكأنهم لا يعلمون أن هذه الآية صحيحة طردا وعكسا: فنحن نكون الأعلين إذا كنا مؤمنين ونكون الاسفلين إذا لم نبق مؤمنين. وعلامة هذه المعادلة هي الهوان والحزن. لذلك فاسباب العلو هي الاسباب التي تزيل الهوان والحزن والآية تعتبر العلو معادلا للايمان لتلازمهما التشارطي. فالهوان سببه انعدام الادوات في خدمة الغايات والحزن سببه التحسر على عدم الاستعداد الذي يثبته حصول نتائج الهوان.
10- الاجتهاد في المعرفة الدنيوية اجتهاد في معرفة ادوات المعرفة الدينية لان تحصيل المعرفة وتطبيقها هما شرط تحقيق القيم في التاريخ. والاجتهاد في المعرفة الدينية اجتهاد في معرفة غايات المعرفة الدنوية. لذلك فإن نظام المعرفة المؤسسي ينبغي أن يتضمن مستويين: مستوى البحث العلمي التطبيقي ومستوى البحث العلمي الخالص. والمستوى الأول وظيفته تحقيق الادوات التي تمكن المؤسسات الجامعة لكل الوظائف التي تتحدد بمجالات القيم الخمسة في وظائفها المخصوصة تمكنها من القيام بمهامها أعني لكل المنشآت الاقتصادية والاسر والمدارس ومؤسسات الدولة ومؤسسات المعبد. ذلك أن العمران البشري في نظامه الاستخلافي فدرالية ذات ضروب خمسة من الوظائف التي تتضمن كل واحدة منها الاخريات بوصفها أبعادا منها مع غلبة البعد الخاص بها عليها وكأنها منظور به تتحدد.
1- فدرالية التربية بكل أصناف القيم مع غلبة المنظور التربوي (الاسر والقبائل والشعوب التي تتعارف)
2-وفدرالية اقتصادية بلك أصناف القيم مع غلبة المنظور الاقتصادي (المنشئآت الاقتصادية والشركات)
3- وفدرالية تعليمية بكل أصناف القيم مع غلبة المنظور التعليمي (المدارس الفكرية ومعاهد البحث)
4-وفدرالية سياسية بكل أصناف القيم مع غلبة المنظور السياسي (الاحزاب والمنظمات السياسية )
5- وفدرالية دينية بكل أصناف القيم مع غلبة المنظور الديني (النحل في نفس الملة والملل في الاديان).
أما المستوى الثاني فوظيفته المعرفة الخالصة حفظا للموجود وابداعا للمطلوب وابداعا خاصة لكيفيات التمكن من المعرفة التي تتراكم فتصبح فوق طاقة الفرد ما يقتضي مخترعات تيسر تعلم المتراكم وتجاوزه في عمر الفرد الذي لم يزدد كثيرا بالقياس إلى ضخامة ما ينبغي معرفته من الماضي للمشاركة في الحاضر وفي ابداع المستقبل من العلوم.
11- حللنا هذه الاشكالية في كتابنا شروط نهضة العرب والمسلمين دار الفكر والفكر المعاصر دمشق بيروت 2000.
12- ذلك أن كل العلوم الطبيعية هدفها الاداتي هو تيسير عملية الإعالة التي جعل العمران الانساني لتيسيرها. أما هدفها الغائي فهو فهم الخلق وتدبر آيات الله الكونية. وهذا الفراغ متعذر من دون سد تلك الحاجة: فالدنيا لا تكون مطية للاخرة إلا إذا لم تشغل الانسان بالحاجة الملحة. وخلافا لما يتصور المتصوف لا يعد العزوف عن الدنيا سبيلا للتخلص منها بل هو ربما أقوى الدواعي للتعلق بها . كما أن العلوم الانسانية هدفها الاداتي هو تيسير علمية التربية بمعناها الحقيقي أي تحقيق الوجود الانساني السوي جسميا ونفسيا وعقليا وروحيا. لذلك فهي تشترط تطبيقات العلوم الطبيعية لحل مشكل الاعالة والصحة النفسية والعقلية. أما الهدف الغائي فواحد: معرفة الخلق وتدبر الايات مع التمتع بجمال الوجود واسراره.
13- ما المقصود بالشريعة والعمل العام ؟ فالعلوم الانسانية النظرية هي علوم "الشريعة" لا بمعنى علوم شرع الله بل بمعنى علوم ما شرعه الانسان في حياته خلال التاريخ أو ما أضافه لمقومات وجوده الطبيعي الذاتي والعالمي. ليس المقصود الشرائع الوضعية أو الشرائع الدينية بمعنى الاحكام فحسب بل كل ما أضافه الانسان لوجوده الطبيعي سواء اعتقد أنه واضعه أو أن الله واضعه. إنها أذن السنن التي ينتظم بحسبها الوجود الجماعي للجماعات البشرية. وذلك هو معنى العمل العام في الفكر الفلسفي ومنه النشاط المعرفي الذي هو نوع من العمل في المجتمع البشري. أما مدلول الشريعة الخاص فهو جزء منه سواء كانت وضعية أو منزلة لان الفرق بين الامرين اعتقادي وليس معرفيا ولا هو من حقيقة الشرائع بل من موقفنا منها. ذلك أن المنزل شريعة بما هو حدث وجودي وليس موصوفا بكونه منزلا إلا من حيث اعتقاد صاحبه في مصدره المقدس الذي يجعله في رأيه فوق تحكم ارادة البشر. لكن الاسلام يعتبر إرادة الجماعة من ارادة الله. لذلك فالشرع الوضعي إذا حصل بصورة شرعية تجعله معبرا فعلا عن إرادة الجماعة يمكن أن يعد منزلا بصورة غير مباشرة لكون الاساس الجماعي هو الاساس المعصوم الوحيد في نظر الاسلام. والشرع المنزل يمكن ان يعتبر وضعيا بصورة غير مباشرة لانه لا يتحقق فعلا إلا إذا صار مطابقا للارادة الجماعية وهو لا يطبق إلا بمقدار فهم الجماعة وقبولها به.
14- ذلك أن أصل التكليف هو العقل المتحرر من الأوهام العقل الذي تنبني عليه الإرادة المتحرره من عوائق الاختيار: الاول للروية التصورية والثانية للعزيمة التحقيقية.
15- تعد العوائق الحضارية كلها سلوبا لأنها ناتجة عن عدم توفر شروط الحوار السوي العملية والنظرية. فأما الشروط العملية فهي شروط الندية الجوهرية بين المتحاورين أو إن شئنا الشروط التي من دونها لا يقع الاعتراف المتبادل بين المتحاورين. إنها اذن شروط تتعلق بعلاقة القوة بين المتحاورين القوة المادية والقوة الروحية. وأما الشروط النظرية فتتعلق بشروط النظرية الظرفية المتمثلة في الكفاءة الفنية عند ممثلي الطرفين المتحاورين. ويمكن أن نسمي المستوى الاول مستوى التغالب الوجودي الذي يتجاوز الأدوات إلى الغايات وهو المستوى الذي يعتبره ابن خلدون متعلقا بغريزة حب التأله عند الانسان أو الشعور بالرئاسة الطبيعية للانسان حيث تنقرض الامة المغلوبة لفقدان لذة الحياة. وهذا الشعور يشارك الانسان فيه الحيوان الشريف مثل السبع الذي لا يسافد إذا غلب.
والثاني مستوى التغالب العرضي وهو لا يتجاوز الادوات إلا إذا صار التوازبن بين الطرفين فيها ملغيا للندية الجوهرية. وعندئذ تبدأ الغلبة في مستوى الأدوات التحول إلى تقويض الغايات التي تصبح عزلاء لانعدام شروط تحقيقها وشروط الدفاع عنها. وهذا هو وضع المسلمين في بداية عصر النهضة وهو علة سوء فهم طبيعة الازمة التي تمر بها الامة. ذلك أن مثل هذا الشروع يتبين من علامات أهمها الانتقال من الانغلاب الاداتي إلى الانغلاب الغائي وهي علامة يؤكد عليها ابن خلدون شديد التوكيد: التقليد في الشكليات العرضية واهمال الجوهري في القيام الحضاري ومثاله أن المسلمين لم يأخدوا من الغرب إلا نمط العيش وثمرات الحداثة بدل نمط العمل والانتاج وعلل الحداثة. ولما ينحصر التقليد في العرضيات الاداتية تضيع الغايات فتنتهي الحضارة المغلوبة حتى وإن بقي أصحابها موجودين بعد أن أذابتهم الحضارة الغالبة فاستوعبتهم وجعلتهم متفرجين على التاريخ غير مشاركين في صنعه.
16- ميزنا بين العوائق الحضارية والعوائق الطبيعية. فكون البشر لا يستطيعون التواصل مثلا الا بتوسط ادوات رمزية تقبل نقل الصدق والكذب معا ومن ثم فهي قد تستعمل لاخفاء الحقيقة بدل كشفها من العوائق الطبيعية لا الثقافية. وركزنا بحثنا على العوائق الاولى لان الثانية ليست معيقة ما دامت مشتركة بين المتحاورين. وهي مفروضة في عملية الحوار ومعلومة لطرفية بخلاف العوائق الثقافية التي تحدد الحال الذهنية المحددة للمواقف من الطرف المقابل والحائلة من ثم من الحوار الحقيقي باستعمال العوائق الطبيعية للمساعدة.
17- حدد ابن خلدون أسباب تحول الحضارة الاسلامية إلى حضارة الكذب والنفاق وفقدان معاني الانسانية في المقدمة. وقد جعلنا النص الذي ورد فيه هذا التحديد مسك ختام المحاولة.
18- عدم سد الحاجات الدنيوية واهمال أسباب اشباعها المشروع بخلاف ما يتصور المتصوفة ليس مساعدا على التوجه إلى المتعاليات بل هو مقو لهموم الدنيا. فالحال عندئذ يكون من جنس البين بين الحبيبين: كلما طال واشتد ازداد الشوق وأصبح الوهم بديلا من الحقيقة. ولما كان الاسلام قد أدرك هذه الحقيقة فإنه قد اعتبر الرهبانية مصدرا للفسق لانها تناف مع خاصيات الكيان البشري الذي لا يمكن ان يكون طبيعيا بالحرمان من الحاجة الجنسية التي لا يقل أثرها عن سد الحاجة الغذائية. فلا يكون التبتل أمر ا حقيقيا وصادقا بل هو يؤدي ضرورة إلى السلوك الجنسي غير السوي مثل الجنس الذاتي ( الاحتلام الإرادي) أو الجنس المثلي (اللواط) أو كل الامراض النفسية والجنسية المعلومة. فلا يكون التبتل إذن إلا نفاقا وكذبا. وكذا الامر بالنسبة إلى القيم الاخرى. فقيم الذوق والرزق والنظر والعمل والوجود امور لا يمكن تصور الوجود الانساني سويا من دون القدر الساد للحاجة المشروعة منها. وذلك هو مفهوم الفطرة: فبمجرد اشباع الحاجة السوي يشرئب الانسان إلى المتعاليات التي تعطي لهذه القيم بعدها السامي فتكون في نفس الوقت دنيوية واخروية.
19- ابن خلدون المقدمة دار الكتاب اللبناني ط.3 بيروت 1967 ص. 1042-1043)