


ملهيات الثورة المضادة لن تنطلي على شباب الثورة فتياته وفتيانه
أبو يعرب المرزوقي
سأكتفي بعرض سريع لفنيات الإلهاء التي لجأ إليها حلف الفضلات الرباعي (فضلة النظام وفضلة المعارضة المزعومة تجديدية وفضلة المعارضة المزعومة ديموقراطية تقدمية وفضلة الاتحاد العام التونسي للشغل) المزين بشهود الزور (وهي كذلك فضلة لأنها فضلة النخب الجامعية التي تستمد إشعاعها المزعوم من الانتساب إلى المطبخ السياسي والإعلامي والتي لا نعلم لها أثرا في العمل الجامعي عدا ما فرضته الدعاية السياسيوية في بلاطي الحكم والمعارضة الصالونية) لأنها لم تعد تنطلي على أحد من شباب الثورة فتياته وفتيانه الذين فاقوا جيلنا وعيا بالواجب الوطني والإنساني في ما هو فرض عين على كل مواطن من وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتجاوزا مرحلتي القلب واللسان اللتين لم يتجاوزهما جيلنا إلى مرحلة التغيير باليد التي حققت الثورة المباركة:
التلهية الأولى: تجنب الفراغ الدستوري المزعوم
فأولى التلهيات هي ما زعموه من حرص على تجنب الفراغ الدستوري والحفاظ على الشكلانية القانونية. لكنهم يعلمون أنهم بذلك يتنكرون لمنطق الثورة التي تلغي ما كان سائدا من قوانين جائرة وتؤسس لوضع قانوني جديد. فكان أن حاولوا إلهاءنا عن منطق الثورة الممكن من تحقيق أهدافها. ثم ها هم يستعملون هذا المنطق لتحقيق أهداف الثورة المضادة: فصار المنطق هو التلاعب بالشرعية والقانونية وفي آن. حاولوا تمرير العمل بمنطق الثورة ضد الثورة: فإذا بما كان لا يمكن أن يتجاوز شهرين يصبح غير محدود المدة. وذلك لأنهم في الحقيقة يستعملون مادة الخطر الداهم من الدستور وإجراءات المرحلة الانتقالية بمنطق من لا يريد الانتقال إلى ما تطلبه الثورة بل الانتقال منه إلى ما تطلبه الثورة المضادة: تمكين الفضلات من أن تفضل إلى غير غاية.
التلهية الثانية: الاجراءات الاستعجالية
وحتى يتمكنوا من التمكين لهذا الهدف غير المعلن والذي لم ينطل على أحد أقدموا على ما يقدمونه بوصفه إجراءات مستعجلة للتخلص من أزلام النظام السابق. وتبين للجميع أن ذلك كان في الحقيقة مخادعة مفضوحة لأن كل من عينوهم كانوا من الصف الثاني من نفس الطينة: كما بينت مهزلة تعيين الولاة وقس عليه كل التعيينات حتى وإن لم يتم الفضح بنفس الصورة. فانقلب السحر على الساحر وتبين أن الحكومة فشلت في الخداع ممارسة بعد فشلها قانونا عندما تلاعبت بنصوص الدستور وفرضت استعمال نص لم تعلن عنه صراحة كما بينا في النقاش القانوني للنصوص المستعملة.
التلهية الثالثة: اللجان الثلاث لدفن مطالب الثورة
لكن التلهية الأساسية التي تتجلى فيها أهداف الثورة المضادة هي اللجان الثلاث (لجنة الإصلاح الدستوري لمنع انتخاب المجلس التأسيسي ولجنة المحاسبة لإبعاد القضاء الذي ينبغي أن يحاسب الفاسدين ولعل بعض أعضاء اللجنة منهم ولجنة تقصي الحقائق البديل من البحث العدلي لقضاة التحقيق ). وما أدراك ما اللجان الثلاث. فقد عينوا لها من سحبوه من رصيد النظام السابق حكما ومعارضة ليس للنظام بل للهوية أعني من ثم من حلفائه الاستراتيجيين بحجة كونهم علماء الزمان كما فرضتهم دعاية نخب البلاط التابعة لحزب فرنسا. لكن البحث حتى السريع في منتوجهم لزهادته يبين أنهم ليسوا إلا من ذلك النوع من النخب التي تستمد سمعتها العلمية من مصدرين لا ثالث لهما:
الأول هو موافقة مواقفها الإيديولوجية لما يمدحه الغرب أعني من يعتبر التحديث مشروطا بالحرب على الإسلام ومن ثم على هوية الأمة بحيث إن مستهدفهم الأول هو البند الأول من الذاتية الدستورية للبلد بشهادة نصوصهم المنشورة.
الثاني ما لهم من سلطان إداري في النظام الجامعي المشروط بعلاقتهم بالنظام بتوسط حاجته إليهم لتلميع صورته التحديثية التي معيارها في الغرب هو العداء للهوية العربية الإسلامية.
الكل يعلم أنهم ليس لهم سلطان أدبي مستمد من إشعاعهم العلمي بل إن سلطانهم قمعي من جنس سلطان النظام وأساسه من تلاعبهم على حبال الانتساب إلى المعارضة والحكم في آن لكونهم نخب البلاط المشترك بتوسط جسر الاتحاد العام التونسي. وفي ما عدا ذلك فهم اساتذة عاديون جدا حتى لا نقول إنهم من حيث المنتج العلمي دون المستوى الأدنى في الريادة العلمية التي تنتسب إلى مجال اختصاصهم.
التلهية الرابعة: حملة التنظيف المزعوم
أما التلهية الرابعة فهي حملة التنظيف المزعوم. وقد بدأ هذا التنظيف المزعوم في وزارة الداخلية لتمرير ما لا يمكن أن ينطلي على أي إنسان مهما كان ساذجا. وقد ذكرني ذلك بما عملت أمريكا بعد فضيحة بو غريب: عاقبوا ضويبطة ليبرؤوا المجرمين الحقيقيين. ها أنت أمام حكومة رئيسها هو رئيس الحكومة التي أمرت تلك الوزارة التي يريدون تنظيفها بأن تفعل ما فعلت. وسواء أمرتها في واقع الأمر أو كان ينبغي أن تكون هي الآمرة في واجبه بدليل انها فعلت ذلك حتى بعد الثورة في ساحة القصبة فالأمر سيان بل إن الحالة الثانية أثقل مسؤولية عندي من الأولى لأنها تثبت خيانة أمانة فضلا عن الجرم الحاصل في العنف الذي تم. ثم يريدون أن يحملوا المسؤولية لبعض المديرين ليغسلوا الجميع من الجرائم التي حلت بالبلد منذ عقدين. تلك هي التلهية الرابعة: التنظيف بمعنى التلهية عن المحاسبة الفعلية لمن لا يزالون يحركون دواليب الدولة بدليل فعلة القصبة الشنيعة.
التلهية الأخيرة: منطق المفاوض الإسرائيلي
وفي الجملة فإن كل هذه التلهيات تخضع لمنطق وحيد هو أصل كل التلهيات إذ يتبين من تحليلها جميعا أن السياسة الحالية لحكومة الفضلات الخمس تتبع منطقا هو المنطق الذي يمثله أشنع وجوه السياسة أعني المنطق الذي تستعمله إسرائيل في التفاوض مع العرب: إغراق الطرف المقابل في الجزئيات الشكلية حتى تضيع الكليات من أهدافه المضمونية. من ذلك سياسة التسيب النقابي والمطالبات التي لا حد لها وسياسة الإعلام المتجول في أنحاء البلد لوصف الأوضاع ومن ثم تغذية منطق المطالبات الجزئية التي تحول الانتباه وتلهي الناس عن أهداف الثورة التي تحقيقها يعالج هذه الأدواء من خلال عللها وليس من خلال أعراضها.
لذلك فلا حل إلا بما تطلبه الثورة: لابد من إنهاء كل هذه التلهيات والعودة إلى منطق الثورة التي تؤسس من جديد للجمهورية التونسية بالمنهج الذي يوجبه هذا المنطق.
فالثورة لم تكن مقصورة على النظام بوجهه الحاكم وحده بل هي عليه بوجهه المزعوم معارضا كذلك.
والثورة كانت ثورة على العهد القديم بكل ما فيه لأنه كله مشوب بأمراض النظام.
ولا بد للشباب فتيات وفتيانا من أن يعيدوا البناء من رأس واستئناف مسيرة الأمة حتى لا يمكنوا للنظام وحلفائه من نخب بقايا المعارضة التي شاخت مثلها مثل نخب بقايا النظام.
ولا بد من الاكتفاء ببعض الحكماء لتسيير المرحلة الانتقالية من دون أدنى مشاركة في الحياة السياسية التي تلي المرحلة الانتقالية حتى يتجنبوا استغلالها لصالحهم أو لصالح أي طرف من أطراف الجماعة الوطنية.
والمعلوم ان النظر والواقع يثبتان أن الساحة السياسة التونسية تنقسم بمنطق الفعل السياسي إلى أربع أطيفا متعددة الألوان على النحو التالي:
طيفان يتصف المنتسبون إليهما بكونهم المغلبين للقانون الخلقي على القانون الطبيعي في الشأن الانساني:؛ وينتسبون عادة إلى التيار اليساري والقومي المدافعين على العدل والعدالة.
طيفيان يتصف المنتسبون إليهما بكونهم المغلبين للقانون الطبيعي على القانون الخلقي: وينتسبون عادة إلى التيار الليبرالي والديني المدافعين عن التنافس والحرية.
فتكون الجماعة مؤلفة من أربع ائتلافات تتقاسم الساحة السياسة والاجتماعية ويمكنها أن تتنافس في مناخ من الحرية والديموقراطية وحرية التعبير والمعتقد والتننظم والنشاط السياسي السلمي بعد أن يكون منطق الثورة قد نظف الساحة حقا مما تحاول هذه التلهيات منعه ببدائل زائفة منه والله الموفق في السعي الثوري لتحقيق أهداف الأمة التي ليست محدودة بحدود تونس الجغرافية بل تتعداها لكل العالم المهضوم الحقوق والجانب.
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |