shape

 

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                                    مستقبل الإسلام والمسلمين

                            والموقف الوجودي المناسب للظرف التاريخي

 

                                               أبو يعرب المرزوقي

                                  

                                    تمهيد:

يقتضي تحديد الموقف الوجودي المناسب للظرف التاريخي الراهن ولدور الحضارة العربية الإسلامية الكوني التمييز بين التزود المعرفي[1] ذي  التجرد المنهجي المقصود من الغائية العملية[2] والإلتزام الوجودي الذي لا يحصل من غير الوقوف موقف الإختيار والمفاضلة شرطي كل تعيين لهوية أمة من الأمم. فهو لا يمكن أن يتحدد من دون أن يكون مستندا ضرورة إلى الغائية العملية المقصودة بالذات[3]. ولعل أول شروط هذا التحديد مسألة التناسب بين الخيارات الفلسفية والإلتزامات الوجودية عند الافراد والجماعة بحسب الظرفيات التاريخية. وسنعالج المسألة من خلال محاولة فهم الفصام الذي قد يؤدي إليه الموقف التلفيقي بين ظاهر التنوير الكنطي وظاهر "التدزين" الهيدجري[4] الغالبين على النخب العربية المتفلسفة بعد يأسها من الايديولوجيات الشمولية التي حالت دونها والتمكن من العمل المؤثر وبعد اليأس من مستقبل الحضارة الإسلامية اليأس المسيطر عليهم[5]. وغاية محاولتنا التنبيه إلى المضامين الكلامية  (الثيولوجية) بنيويا والمضامين الخاصة بالظرفية التاريخية الأوروبية عامة والألمانية خاصة ظرفيا في الفلسفة الألمانية المعاصرة ممثلة بفلسفة هيدجر مع التركيز على تحليل الدلالة الوجودية للقبول بمنطق فكر هيدجر قبولا يغفل هذين الوجهين البينين لكل مطلع على الفكر الألماني منذ الإصلاح عامة ومنذ محاولات لايبنتس التوفيقية بين الدين المسيحي والفلسفة الحديثة على وجه الخصوص فيحول دون كل سعي للمشاركة الإيجابية في تقديم البديل الحضاري الذي لا يقتصر على مستقبل المسلمين بل يسهم في تحديد مقومات مستقبل أفضل للبشرية كلها. 

إن تحديد الموقف من فكر هيجدر- نموذجا من تبني نخبنا للموضات الفكرية وخاصة بعد ذبولها عند أهلها ومثالا من سنن تحديد الموقف المناسب للراهن من تاريخ فكر أي أمة وفي هذه الحالة من تاريخ فكرنا العربي الإسلامي- ليس هدفه الدعوة إلى عدم تعلم هذا الفكر أو تعليمه أو حتى الاخصاص فيه بوصفه ضربا من الاجتهاد الفكري بل هدفه التصريح بأسس سعينا إلى التمييز بين مستوى الاختصاص المعرفي ومستوى الخيار الوجودي. وإذن فالقصد من هذه المحاولة ليس النهي عن تعلم فلسفة بعينها أو تعليمها بل وحتى الاختصاص فيها بل هو بيان الخيار الوجودي المناسب للحظتنا التاريخية من فهم مقومات مستقبل الإسلام رحمة للعالمين فهما سلبيا أولا يعتمد الكشف عن عدم مناسبة الخيار الذي يمثله فكر هيدجر لحاجيات ظرفيتنا التاريخية وتحديدا إيجابيا من خلال فهم مقومات الحضارة العربية الإسلامية حتى بمنطق هيدجر نفسه. فشتان بين الدعوة إلى ضرورة المناسبة التي نؤمن بها في الخيارات الوجودية من حيث وظائفها الحضارية[6] وبين سخافة الرقابة على الفكر أيا كان دافع الرقابة التي نرفضها قاطع الرفض.

ولو أخذنا مثالا من الطب- وهو نموذج دور الفلسفة في الحضارة من أفلاطون إلى نيتشة- لقلنا إن الأمر يتعلق بالاجتهاد في تحديد "الحمية الحضارية" بمسلكين متكاملين:

الأول ينتسب إلى العلاج الاستعجالي ويتمثل في انتخاب بعض الأغذية الرمزية والروحية المفيدة للحياة ( بمعناها في تأملات نيتشه اللامناسبة دون القبول بتعريفه الحقيقة حصرا إياها في وظيفتها الاحيائية واطلاقا لنظرية داروين في التطور[7] ) إيجابا وفي استثناء البعض المضر بصحة الأشخاص أوالجماعات وإن ذلك لا يعني منع علم المستثنى في ما تنتخبه الأمم لتركيبة الحمية الملائمة لظرفيتها التاريخية ولا حتى تناوله لمن يناسبه ذلك بل هو يقتضي معرفتها جميعا لأن الانتخاب موجبه وسالبه لا يكون من دونها: ذلك أن العلم بالغذاء النافع يتضمن ضرورة العلم بالغذاء ذي النفع الاضافي وحتى بالسموم..

الثاني ينتسب إلى العلاج الجذري ويتمثل في تحقيق الشروط التي تجعل استئناف الابداع يصبح ممكنا من خلال الكشف عن قصور الحلول الانتخابية من الموجود إيجابا وسلبا أهليا كان هذا الموجود ( ماضينا ) أو أجنبيا ( ماضي الغرب الحديث ) وفهم طبيعة أفق المثل العليا التي هي بالطبع غير الحاصل عندنا أو عند الغير لكونها مطلوب الحصول إما لتدارك ما فات الماضي معينا لبناء المستقبل أو لفتح سبل جديدة توسع الامكان عامة وتخلص البشرية من تعثرات تجاربها السابقة.

والمعلوم أن أعصى مشاكل تاريخ البشرية عامة وتربية الافراد والجماعات خاصة هو جهلنا بقوانين الحمية "الرمزية- الروحية" وبالكيفية التي تؤثر بها الأخلاط والأمزجة الحضارية بخلاف ما عليه الشأن بالنسبة إلى الحمية الطبيعية- المادية. فلا نعلم كيف نحدد الأخلاط والامزجة لتحديد المدخلات للجهاز النفسي الفردي والجمعي المناسبة لمخرجات معينة نحصل عليها من تكوين معين للشخصية الفردية والجمعية: لذلك كان مشكل المقومات الثقافية والتربية جوهر فلسفة التاريخ. لكننا نحتاج مع ذلك وعلى نحو من الاجتهاد الفرضي والرهان الوجودي المحسوب لئلا يتحول إلى مغامرة قد تكون محمودة بالنسبة إلى الأفراد لكنها مرذولة بالنسبة إلى الجماعات نحتاج إلى أن نعتبر الأخلاط والأمزجة الملائمة من العناصر الموجودة والمعدومة محكومة بمعيارين:

 1-  فلا بد أن تكون من جنس ما أيده التاريخ  الطويل,

 2- وألا نغيرها إلا بكبير الحذر وبالاعتماد على مبدأ التدريج.

وقد حذر ابن خلدون من لعب العلماء بمصائر الأمم لتجريب نظريات ومعتقدات تنتهي إلى فرض أحوال نفوسهم على مجتمعاتهم ومن ثم إلى نكبات مصحوبة بالتعلل بحسن النوايا بعد فوات الفوت. وحتى لا يكون تحديدنا تحكميا سنعالج مسألتين كلتاهما مضاعفة وتقبل بمجردها أن تكون موضوع بحث مستقل لكنهما متلازمتان في تحديد أكبر آثار الحميات الرمزية: الحال النفسية العامة لأمة من الأمم تفاؤلا وفعلا أو تشاؤما وانفعالا في علاقتها بذاتها وبغيرها وبالوجود عامة. فأما المسألة الثانية فهي مقصورة على مناقشة تعريف الفلسفة موضوعا ومنهجا. وأما المسألة الأولى التي نقدمها عليها فنقصرها على مناقشة التحديد الحصري للوجود الإنساني وطبيعة المعرفة حصرا أقدم عليه هيدجر من منطلق المناسبة مع الظرفية التاريخية الألمانية بعد هزيمة الحرب العالمية الأولى ومحاولات اعادة تأسيس الدور الألماني في التاريخ الأوروبي والدور الأوروبي في التاريخ الكوني فضلا عن التهميش المتدرج للفلاسفة في النظام الجامعي واقتصار دورهم على منافسة رجال الدين على الوظيفة التربوية العامة والإيديولوجية بعد هزيمة الفلسفة النهائية أمام العلوم التي أغنت عن عموميات قولها المزعوم علميا[8]: فهو قد حصر مجال الفلسفة في نظرية الوجود وحصر منهجها في الوصف الفينومينولوجي[9] وعرف الإنسان تعريفا بين العلاقة بنظرية الإبن والكلمة في الثبولوجيا المسيحية القديمة المتأخرة والوسيطة[10].

المسألة الأولى, وهي ذات فرعين: شروط الإنسان ذي العزم

الفرع الأول: مميزات الوجود الإنساني,

الفرع الثاني: حدود التحليل الفينومينولوجي للوجود. 

المسألة الثانية, وهي ذات فرعين : شروط الفلسفة المبدعة.

الفرع الأول:  حصر الفلسفة موضوعا ومنهجا  في الأنطولوجيا والفينومينولوجيا

الفرع الثاني: حاجة الأمة إلى الخيال المبدع في المجال العلمي وفي مجال الأداب

                                       المسألة الأولى

        وهي ذات فرعين: شروط الإنسان ذي العزم

وأول الفرعين نناقش فيه تعريف هيدجر مميزات الوجود الإنساني من خلال تحديد مصطلح الوجود المناسب لتسمية الدازاين. فرأيي أن هذا التحديد رغم زعم صاحبه السعي إلى تخليص الفلسفة من ذاتوية الحداثة يبقى من جنس ذاتوية غير صريحة هي ذاتوية "الحلول المسيحي" عودة إلى اشكالية علاقة الناسوت ( الدا) باللاهوت  (الزاين) بتوسط هيجلية-شيلنجية[11] متنكرة مهما حاول هيدجر التمييز بين علاقة الدازاين بالزمان والتاريخ وعلاقة الروح الشخصي بهما ودور أرواح الشعوب والميثولوجيا في تعينات الروح الكلي.

أما الفرع الثاني فنناقش فيه طبيعة المعرفة التي يوصل إليها التحليل الوجودي المستند إلى تعريف هيدجر لنظرية الوجود من حيث هي ظاهراتية. ورأيي أن المعرفة الفلسفية بمجرد انفصال سؤالها عن سؤال المعرفة العلمية لتبحث عن علم من طبيعة أخرى يصف الامور كما تتجلى للمدارك المزعومة قابلة لأن تعلم شيئا بعد تعريتها عن المعرفة العلمية يصبح قولها مقصورا على النقد الإيديولوجي للعلم بحسب موضوعاته المختلفة لأن الزعم بوجود علم متعال على العلوم المستندة إلى الخبرة الحاصلة عن عادات الأشياء من الأوهام التي لا تقنع أحدا ممن عاف خطاب نخبنا الكسلى الأيديولوجي. لذلك فإن الكلام الفلسفي الذي تنتفخ منه الأوداج بنقد العلم تابع لمرحلة سابقة من مراحل العلم المتخلفة وفاقد مزايا المراحل اللاحقة المتقدمة أعني مناهجه وأدوات كشفه للموضوعات التي تزداد يوما بعد يوم لطافة ودقة ونفاذا لما تنازلت عنه منهجيا دون أن تهمله وجوديا[12].

ونحن نقدم المقدمة الأولى لأن تعريف الإنسان هذا التعريف رغم كونه من نتائج المقدمة الثانية بحسب  الترتيب المنطقي ( الترتيب المعرفي: حد الإنسان هو ذاك بمقتضى علمه علما فينومينولوجيا ) فإنها تعد أصلا لها في الترتيب الوجودي ( الترتيب الوجودي: كون العلم فينومينولوجيا علته تعريف طبيعة الإنسان تعريفا يجعله ذاتا مؤولة وتاريخية الفهم بالطبع). وبين أن في الأمر دورا. وليس هنا محل علاج هذا الدور. ويكفي أن نعلم أن كل  تأسيس للمبادئ  إذا لم نعتبرها مجرد فرضيات يؤدي الباحثين إلى التسلسل أو الدور أو إليهما معا.

                              الفرع الأول

 يقول هيجدر في الفصل الأول من القسم الاول من الجزء الأول من الزمان والوجود: " إن جوهر الدازاين يكمن في وجوده. لذلك فإن ما يقبل التحرير من خاصيات هذا الموجود ليس صفات قائمة الوجود لموجود يبدو على هذه الصورة أو تلك بل هو دائما كيفيات استعداده لان يكون ولا شيء غير ذلك. وكل وجود لهذا الموجود على هذه الصورة أو تلك هو بدءا وجود. ومن ثم فإن التسمية ,دازاين, التي نعرف بها هذا الموجود, لا تفيد ,مائية, ( مثلما هو الشأن عندما نتكلم) عن مائدة أو بيت أو شجرة بل هي  تفيد الوجود"[13].

 ولنشر من البداية إلى أن مسألة العلاقة بين الماهية والوجود ليست بالأمر المجرد الذي يبتعد كثيرا عن مسالة خيارات الامم الحضارية: إنها في عمقها الدفين جوهر هذه الخيارات في أبسط عناصر صيغتها النظرية. لذلك فهي ليست بالبساطة التي يكفي فيها شعار سارتر مقدما الوجود على الماهية نقضا منه لما يتصوره شعار الميتافيزيقا التي حصرها بسرعة البرق في ضربها الذي يقدم الماهية على الوجود ليعلل مقولتية المدقعتين: الوجود للذات ( الوعي ) والوجود في الذات(كل ما عداه). فالمسألة أصبحت أم مسائل الفلسفة والكلام والتصوف والفقه في حضارتنا وكل ما ولاها من الحضارات على الأقل منذ أن جعل ابن سينا الفصل بين الماهية والوجود فصلا حقيقيا يحل به جل مسائل علم الكلام النظرية ( فلسفة الطبيعة: العلاقة بين عقلين علم احدهما مطلق  وعلم الثاني نسبي ) ومسائله العملية ( فلسفة التاريخ: العلاقة بين إرادتين عمل احداهما مطلق وعمل الثانية نسبي ). فهو قد تجاوز بذلك اقتصار أرسطو على الفصل المنطقي لحل اشكالات نظرية المعرفة الفلسفية التي كان يحاول تأسيسها[14] تجاوزه إلى أشكالية نظرية الوجود والنظر ( التي تقدمها الفلسفة عل  مابعد التاريخ ) ونظرية التاريخ والعمل ( التي يقدمها علم الكلام على مابعد  الطبيعة )[15].

فابن سينا هو الذي اعتبر الفصل بين الماهية والوجود فصلا حقيقيا وليس مجرد تجريد معرفي كما في تحليلات ارسطو الثانية مقالتها الأولى. وبدون التسليم بهذا الفصل الحقيقي ليس للتقديم أو التأخير معنى.  وصف الفصل بكونه منطقيا يعني أنه ليس وجوديا ومن ثم فلا معنى للمسألة في نظرية الوجود قبل محاولات ابن سينا علاج مسائل الكلام علاجا فلسفيا حقيقيا لاقتصارها قبله على نظرية المعرفة اقتصارا لم يسأل السؤال الأصلي: ما شرط الفصل بين المعرفي والوجودي أو كيف يمكن للثنائية بين الماهية والوجود أن توجد معرفيا من دون أساس وجودي يفهمنا امكان نظرية الجهات الوجودية[16] ؟ لذلك فابن سينا لم يخرج الفصل الحقيقي من عمامة ساحر هندي بل هو افترضها حلا فلسفيا لقضية كلامية تعتبر قابلية المنطقي للفصل عن الوجودي أهم مسائل نظرية الوجود, كما أدرك الغزالي ذلك في مقاصد الفلاسفة وكما أكد هذا الفهم ابن رشد في تعليله نقلة ابن سينا من الاستدلال على الوجود الإلهي بعرض الحركة إلى الاستدلال عليه باعطاء الوجود: كيف نفسر علاقة علم الله القديم بمعلومه المحدث ومن ثم ما نوع وجود المعلوم قبل الحدوث؟ 

وقد حاول ابن سينا حسم الخلاف حول شيئية المعدوم ( المعتزلية )  أو لا شيئيته ( الأشعرية ) الخلاف الذي أصبح متعلقا بطبيعة قيام الماهية الممكنة أو غير الواجبة قبل القيام الإني قسيما للوجود الواجب الذي لا تنفصل  فيه الماهية عن الإنية: القيام في العدم يعني قيامها في علم الله رغم عدمها في ذاتها. قيامها في العناية بمصطلح ابن سينا يعطيها وجودا  أسمى من الوجود الطبيعي ( وعدم الوجود الذاتي للماهية مع القيام في الذهن الإنساني هو القصدية بالمعنى الفينومينولوجي الحقيقي كما حدده مستعير هذه النظرية  من الفلسفة اللاتينية الوسيطة التي استعملت  الحل السنيوي وخاصة في مصنفات القديس اللطيف). لكن عرض التطور الفلسفي المدرسي المبتور بسبب تجنب الكلام في مصدر المسألة المشهور اكتفى بفرضية سارتر "الوجود متقدم على الماهية" ونقيضها "الماهية متقدمة على الوجود" الذي يدعي تجاوزه بها. أما هيدجر فقد اختار في هذا النص التمييز بين حالتين:

 1- حالة يكون فيها الوجود معبرا عن ماهية ( المائدة والبيت والشجرة ),

 2- وحالة تكون فيها الماهية ( هيدجر اختار كلمة جوهرWesen  بدل ماهية  في بداية  النص الذي انتخبناه) معبرة عن الوجود (الإنسان).

فأي معنى يمكن أن يستفاد من هذا الكلام؟ إذا أخدناه مأخذ التعبير الاجمالي قبلناه لكون معناه العام هو ابراز المقابلة بتعبير سقيم مفاده أن وجود الإنسان ليس من جنس وجود المائدة وأن وجود المائدة ليس من جنس وجود الإنسان. والمقصود هو المقابلة بين نوع الوجود الإنساني الذي يتميز بالحرية والإمكان[17] ونوع الوجود الآخرالذي يتميز بالضرورة وجوبا وامتناعا[18]. إما إذا دققنا وحاولنا حصر الدلالات بصورة متناسقة فإن كلتا العبارتين تتضمن ضميرين كلاهما يعود بنا إلى مقابلة هي أصل كل الانحرافات الفلسفية التي ننسبها إلى فكر هيدجر. فحالة المائدة والبيت والشجرة ضميرها أنها ذات ماهية وأنها عديمة الوجود بمعنى تعالي الامكان والحصول الحر المتخلص من مبدأ الهوية وحالة الانسان أنه ذو وجود وأنه عديم الماهية الخاضعة لمبدأ الهوية.

وقبل أن نشرع في فحص وهاء هذا الكلام فلنشر إلى أن المقابلة الثنائية ليست مقبولة إلا بصورة جملية وتسامحا ليتواصل الكلام. فإذا قبلنا بالمقابلات التي نستمدها من علمنا بالفروق الظاهرية بين الأشياء كانت الشجرة منتسبة إلى جنس وجود على حياله لأن الفرق بينها وبين المائدة لا يقل وضوحا عن الفرق بينها وبين الانسان حتى وإن لم يكن من جنسه. إنها تختلف عن المائدة والبيت في التحليل الفلسفي تقليديا كان أو حديثا لكونها ذات فاعلية ذاتية حتى وإن لم تكن فاعليتها من جنس فاعلية الإنسان: فهي ذات طبيعية في حين أن المائدة والبيت ذاتان مصنوعتان. فيكون لنا ثلاثة اضرب من الوجود: الوجود المقصور على الامكان الانفعالي (المائدة) والوجود الذي له مع الامكان الانفعالي  الامكان الفاعل الطبيعي (الشجرة) إذ حتى لو تصورناهذا الوجود خاضعا للضرورة الطبيعية فإنه يبقى غير وجود المصنوعات  والوجود الذي له مع الامكان الانفعالي والامكان الفاعل الطبيعيين الامكان الانفعالي والفاعل الخلقيين (الانسان). وقد كانت الميتافيزيقا القديمة والوسيطة تضيف ضربين آخرين بعد حصر الضروب السابقة في عالم مادون القمر: الوجود الذي ليس له إلا امكان واحد هو الحركة المكانية            (عالم ما فوق القمر) والوجود الذي هو فعل مطلق ( العقل الذي يعقل نفسه عند أرسطو أو الله في التأويلات الموالية ).

تلك هي الاختلافات الجوهرية التي لم يكن الفكر القديم والوسيط قبل ابن سينا يميز فيها بين الوجود والماهية إلا منطقيا أعني في الذهن لا في العين أو في عبارة الحد لا في حقيقته دون أن يسأل عن علة المقابلة بين الفصل هنا وعدم الفصل هناك. وبمجرد أن جذرت المسألة بالسؤال عن شروط امكان قابلية المنطقي الفصل عن الوجودي حصل التمييز الحقيقي (غير المقصور على التمييز المنطقي) فبات من الواجب أن نحسب الحالات الممكنة في العلاقة بين الحدين حسابا مستوفيا يعتمد القسمة الافلاطونية الثنائية:

 1- فصل حقيقي أو فصل منطقي[19],

 2 - تقديم احد العنصرين وتأخير الثاني في حالة الفصل الحقيقي

  3- وعكس الحالة الثانية في نفس الحالة,

 4- وضع الفصل بداية ورفعه غاية في حالة عدم الفصل الحقيقي

  5-  وحدة الكل في طبيعة العلاقة القابلة للجهات بين الماهية والوجود

فتكون الفرضيات خمس: 1 و2- التقديم والتأخير مع الفصل الحقيقي ثم 3 و4 مع عدم الفصل الحقيقي- والوصل بالرد المتبادل الواضع بداية والناسخ غاية. يضاف إلى ذلك: 5- فرضية نفي الثنائية من الأصل. لكن هذه المقابلة يتبين من صورها التاريخية أنها تعود في الحقيقة إلى الحالتين 3 و4 لأنها وضع  للفصل بداية ثم رفع له غاية كما في فلسفات وحدة الوجود بضربيها الماهوي ( عند ابن عربي وسبينوزا مثلا)  والوجودي ( عند المولا صدرا وشيلينج مثلا ).

فلنحلل بعد الحصر المنطقي للفرضيات المواقف التي تعبر عنها الحالات الممكنة المواقف التي هي عين ضروب الوجود الحضاري الممكنة والحاصلة في التاريخ البشري كما سنرى. فالفصل بين الماهية والوجود مع القول بالاختلاف الحقيقي بينهما ينتج عنه فرضيتان بتقديم الماهية على الوجود أو الوجود على الماهية. والوصل بينهما مع القول باختلافهما في البداية لنسخه في الغاية يقتضي أيضا فرضيتين تتعلقان بالرد المتبادل بينهما: أيهما المردود وإيهما المردود إليه. وكل هذه الفرضيات حصلت في تاريخ الفكر الفلسفي المعلوم للجميع وعلينا أن نحدد معانيها الفلسفية ودلالاتها الوجودية في حميات الحضارات التي تعتبر لمنتجات فكرها أثرا على مصائرها.

أشرنا إلى أن الوحدة المطلقة ونفي الفصل بين الماهية والوجود في نظريات وحدة الوجود متناقضة إذ حتى لو قبلنا برد  أحوال الجوهر الذي يتحد فيه الوجود والماهية إلى أوهام الإنسان الجاهل بحقائق الوجود وانفعالاته فإنها تبقى مع ذلك ضربا من الوجود مهما لطفت الأحوال والاعراض إلى حد يلامس العدم وهي أمر منفصل عن الحقائق التي يتصورها صاحب الوحدة وراء هذه الأوهام. لذلك فينبغي تفسير وجود هذا النوع من الوجود لأن المظاهر مهما فرضنا فيها من وهم الجاهل تبقى أمورا حاصلة وذات قيام فعلي أيا كان وهاؤه. فلا يبقى إلا الفرضيات الأربع بعد رد الخامسة إلى اصلها: فالإثنتان الأخيرتان والاثنتان الأوليان كلها تتبين غير قابلة للتصور من دون مصاحب يلازمها جميعا: الفرضية الخامسة تلازم الاثنتين الأخيرتين إيجابا من حيث هي ما تثبتانه (كلتاهما تقول باثبات وحدة الوجود في العمق ) وهي تصاحب الأخريين سلبا من حيث هي ما تنفيانه ( كلتاهما تقول بنفي وحدة الوجود في العمق).

ولنبدأ بدلالة الموقفين الأولين بمصطلح عصرهما. فهما يرجعان إلى قرائتين متقابلتين لعلاقة المقومات ( التي ترد إليها الماهية والتي يتألف من تصوراتها تصور الحد الحقيقي ) بالأعراض ( التي يرد إليها الوجود والتي يتألف من نسقها تصديق القياس البرهاني ) تقديما وتأخيرا. ولما كانت الأعراض في الميتافيزيقا القديمة والوسيطة نوعين أعراضا ذاتية قابلة للربط الضروري بالمقومات ومن ثم قابلة للعلم ( وهذا هو جوهر البرهان في معناه القديم والوسيط )[20] وأعراضا غير ذاتية وغير قابلة للعلم لأنها غير قابلة للربط الضروري بالمقومات بات الموقف مرتبطا بمقدار هذا الرد ومن ثم بمقدار علم الوجود اسنتفاذا أو عدم استنفاذ. وما لا يقبل الرد إلى المقومات هو بدوره نوعان بحسب الفهم الفلسفي والفهم الديني لطبيعة ما يخرج عن مستطاع العلم. فالفهم الفلسفي للعرض يجعله مترددا بين أمرين: فهو ما ينتج عن مدارك الإنسان وما ينتج عن الصدفة الموضوعية أو تلاقي سلاسل العلل الاتفاقي. والعرض غير الذاتي هو ما لا يعلم باطلاق لأنه هو الوجود الوحيد- إن صح التعبير - الذي يعتبره الفكر القديم والوسيط خارج الماهية أو وجودا من دون ماهية.

أما الفهم الديني فيعتبر المستعصيات على العلم من الغيب المحجوب عن الإنسان فحسب. لكن الله يعلمها. وإذن فالمقابلة بين المقوم والعرضي وبين نوعي الاعراض في الفكر الديني نسبية إلى الإنسان فحسب. وهذا الموقف بضربيه الفلسفي والديني موقف يقول بأن الأشياء ليست كلها اتفاقية. لكنه يراوح بين الضرورة والحرية تقديما وتأخيرا. وهو يناظر الموقف الفلسفي العقلاني تقديما للماهية على الموجود دون ارجاعية والضرورة على الحرية دون ارجاعية والموقف الديني العقلاني تقديما للوجود على الماهية دون ارجاعية والحرية على الضرورة دون ارجاعية. وذلكما هما مميزا الحضارتين القديمتين قبل الإصلاح المحمدي[21]: الحضارة اليهودية المسيحية والحضارة اليونانية اللاتينة.

أما دلالة الموقفين الأخيرين فهي متناقضة بالذات. وهذان الموقفان يمثلان سر مآزق الفلسفة الحديثة والمعاصرة التي يمكن اعتبارها قائلة بوحدة الوجود التي تلجئ إليهما: لأن وضع الفصل بين الماهية والوجود في البداية ورفعه في الغاية  يعود إلى القول بوحدة الوجود غاية وثنائيته بداية وتلك هي دلالة القول بوحدة الظاهر والباطن وبظاهرية القول بالفرق بينهما وعدم حقيقته. أما الدلالة الوجودية لهذين الموقفين فيمكن شرحها كالتالي. فرد الوجود إلى الماهية يعني رد الحرية إلى الضرورة ومن ثم فهو نفي لمجال عمل الإنسان فضلا عن تأليه الطبيعة واعتبار الشعور بالحرية من أوهام ما ينسبه الإنسان إلى نفسه من سلطان إلى حد تصور نفسه دولة في الدولة ومن قصور علمه بسلاسل العلل الخفية. ورد الماهية إلى الوجود يعني رد الضرورة إلى الحرية ومن ثم فهو نفي لمجال عمل الطبيعة فضلا عن تأليه الإنسان واعتبار الشعور بالضرورة من علامات ضعف الأنسان واستسلامه لعطالة الأشياء والتقاليد. وعلة تناقضهما أن كلا منهما فضلا عن التناقض بين وضع البداية ورفع الغاية يتضمن في الحقيقة الثاني يتضمنه بنفيه المطلق له.

فالنفي المطلق يشبه جذب آلة القذف إلى أقصى حدود انشدادها  لكي ترد الفعل بأقصى اندفاع  كما في شد القوس لرمي النبال. وقد نتج هذا الأمر عن الجمع غير الواعي بين الموقف الديني بمستوييه الربوبي والانساني والموقف الفلسفي بمستوييه الطبيعي والانساني مع اطلاق دلالات المصطلحات القديمة ( ماهية ووجود وضرورة وحرية ) بمفعول تعويض إرادة الله بالإرادة الإنسانية التي أضفيت عليها نفس القدرات وتعويض نظام العلية الطبيعية بنظام القوانين العقلية بحيث صارت الطبيعة نفسها من ثمرات التصوير العقلي[22].

فالتعويض الثاني أطلق دور علم الإنسان, فأعطى الإنسان آمالا كاذبة في السلطان  المطلق على الكون: اسطورة العقل النظري الناظم للطبيعة التي صارت من عمله. والتعويض الأول أطلق دور الإرادة الإنسانية بناءا على التأليه الوهمي للانسان فحمله مسؤولية مطلقة دون مقابل في القدرات التي لا يمكن أن تكون مطلقة إلا في الوهم: وذلك هو مصدر كل عقد الذنب التي من دونها لا معنى للفلسفات الوجودية ما كفر منها وما آمن. التعويض الأول كان مصدر أوهام الانسان عن نفسه والتعويض الثاني كان مصدر كل القلق الوجودي في الضمير الأوروبي الحديث أو ما يمكن ان يسمى بلغة نيتشة بالمسيحية أو العدمية الاوروبية. والموقفان متناقضان لأن العلم المطلق يقتضي اطلاق الضرورة ونفي الحرية والتأليه يقتضي اطلاق الحرية ونفي الضرورة والجمع بينهما يولد الفصام الكنطي بين العقلين الناظر والعامل فيعطي الإنسان الحديث وهم السلطان المطلق على العالم الطبيعي والخلقي اللذين صار ربهما أو اللذين تعين فيه ربهما[23].

وما نحاول شرحه بالعودة إلى عقائد علم الكلام المسيحي المسكوت عنها في هذه الفلسفة التي تستحي بذكر مرجعياتها الحقيقية يكفي لابراز ضمائرها اللاهوتية أن نرجع مدلول الدازاين  إلى "الكلمة" أو ابن لله. فالدازاين هو الناطق باسم الزاين لأن "زاين" " الدازاين" يكون عدما من دون التعين في "دا" " الدازاين". الحقيقة أننا في خضم اللاهوت غير الواعي بنفسه أو غير المعلن عن نفسه رغم الوعي بها ( انظر الهامش المتعلق بالدازاين). وليس من الصدفة أن يرتبط ذلك بمفهوم الزمان. فالتعريف القديم  ( من وضع أرسطو ) [24] ربط الزمان بعدد الحركة فجعله معلوما دون أن ينفي عنه خاصية الصمم في النسب أو اللامعقول من النسب بين منفصل العدد ومتصل الحركة حتى يبقي على هامش الصدفة والحرية دون أن يحول الزمان إلى اللامعقول المطلق الذي يولد القلق الوجودي البديل من جمال الوعي التراجيدي في الميثولوجيا اليونانية. ولعل الوساطة الناقلة من التصور الأرسطي المتزن إلى هذا التصور غير السوي محاولات هيجل في تفسير ما يسميه انحطاط الروح إلى التزمن من خلال ظاهراتية الروح وفلسفة التاريخ  إذا قيسا بالمنطق الهيجلي من حيث هو ميتافيزيقا حركة التصورات الذاتية[25] بعد تخليص فلسفة هيجل ( في الظاهر لا غير وقبل مراجعة هيجدر لاطرواحات الزمان والوجود) من أصلها الواصل بين ما بعد الطبيعة وما بعد التاريخ كما حصلا خلال محاولات التوفيق بين الافلاطونية المحدثة والمسيحية منذ أواخر التاريخ القديم[26].

لكن تعريف الوجود بالزمان كأفق دون هذا الربط بين الماهية والوجود في الطبيعة والتاريخ بسبب رد الماهية إلى الوجود ينتهي إلى أن الزمان يصبح اللامعقول المطلق لأنه يحدد بما يتصوره هذا الفكر بعده اللامحدد أعني المستقبل. وطبعا فهذا الموقف علته الوهمان اللذان أشرنا إليهما. فالزمان بخلاف التصور السائد لا يقبل التعريف بالمستقبل والإمكان إلا بعديا قيسا لنسبة الحاضر المقبل إلى الحاضر الحالي الذي سيصبح ماضيا على نسبة الحاضر الحالي الذي كان مستقبلا إلى الحاضر السالف[27]. لكن الزمان مخمس الأبعاد لا مثلثها. ذلك أن الماضي مضاعف: حدث ومعنى مثل كل الرموز التي هي دال ومدلول. فمن حيث هو حدث يصبح بعد مضيه خاضعا للضرورة لكونه لا يقبل الرجع. لكن معناه يبقى مفتوحا على كل التأويلات بعد أن يضيف إليه قياس نسبته إلى الحاضر على نسبة الحاضر إلى المستقبل فيضاف إليه الامكان هو بدوره[28]. لذلك فوجوده  المنقضي تام التحديد لكن معناه أو ماهيته قابلة لتأويل لا يتناهي ما ظل مذكورا. ومن ثم فالماضي من حيث هو معنى يكون خاضعا للحرية رغم كونه من حيث هو حدث خاضعا للضرورة. والمستقبل مضاعف كذلك: معنى وحدث. ووجوده غير ماهيته.

فمن حيث هو معنى أو ماهية يكون خيارا وجوديا لتحقيق الذات بمشروع عمل ضروري النظام والترتيب لكون العمل لا يكون مؤثرا إلا إذا اعتمد استراتيجية ثابتة بمقتضى خضوعه للمهل المحددة ولنسقيتها في التحقيق. فالانسان القلب والمتردد لا يحقق شيئا بمقتضى عدم اعطاء الامتداد للمدة حتى يحقق الفعل مدده فيكون مؤثرا: ماهيته ثابتة في صيغة الغاية أو ما ينبغي لقيام الذات[29] ووجوده ليس ثابتا لكونه في صيغة الوسيلة أو ماينبغي ذريعيا. لكن المستقبل من حيث هو حدث في لحظة حدوثه يكون حاضرا خاضعا لمنطق المناورة التكتيكية فيكون مفتوحا ومتغيرا لضرورة التكيف مع الطواريء. وبذلك فإن المعنى ( الماهية ) محدد والحدث ( الوجود ) غير محدد في البعد الاستقبالي من الزمان. وهو ما يقابل مقابلة تامة البعد الماضي منه. وهذا التعاكس المزدوج يعطينا أبعادا أربعة مختلفة تمام الأختلاف. ويعد الحاضر بؤرة هذه الأبعاد الأربعة المتناظرة بالتعاكس: وفيه لا تنفصل الماهية عن الوجود ولا الوجود عن الماهية لا منطقيا ولا وجوديا بحيث يكون الحاضر المطلق شبه غيبوبة من حيث الشعور فتزول ثلاثية الشاعر والمشعور به والشعور ووحدة وجود من حيث التصور فيزول الفرق بين المنطقي والوجودي أوبين الشاهد والمشهود أو بين الواجد والموجود.

 لذلك فالحاضر تتنازعه تلك المواقف الأربعة التي وصفنا من علاقة الماهية بالوجود: وهو أصلها ووحدتها جميعا مثل الموقف الخامس موقف وحدة الوجود في توحيد الحصول الحاضر حال الحصول. ففي الحاضر يكون المعنى والحدث في ما يمكن أن نطلق عليه الوحدة الصراعية التي لا بد فيها من التقديم والتأخيرالمتبادلين من منظور الماضي ومن الردين المتبادلين من منظور المستقبل وهي غير ذلك كله. الوحدة الصراعية في الحاضر هي غليان التحقق الوجودي حال تحققه. وهذا الغليان هو النبض الحي الذي يصور لنا مثالا من خفقان الوجود فينا وهو الحاضر الذي تكون فيه الماهية ( المعنى ) والوجود ( الحدث) مبتادلي الأدوار والرد المتبادل في جدل العمل والنظر بشرط أن يكون الزمان رامزا لافق متعال يتعالى عليه فيمكن من ربط أبعاده الأربعة ويوحد بؤرتها الخامسة بامكانية الطفوعليها ورؤيتها من فوق للسباحة في محيط العلاقة بين المعلوم والمجهول والمتناهي واللامتناهي. وهذا الأمر الممكن من الطفو على صراع أبعاد الزمان في بؤرة الحاضر والقلب الخافق للحياة يدخل النسبية على القلق الوجودي لأنه يمد الإنسان بمثال من شرط التعالي على التمزق الزماني سواء كان أساس هذا الشرط إيمانيا ( الدين ) أو فرضيا ( الفلسفة ) او كما تصور الغزالي ذلك مراهنة على الأساس الأول وكأنه الأساس الثاني إلى أن تتبين الأمور في اليوم الآخر في عبارة تماثل ما صار يسمى برهان باسكال.

وبذلك يتبين أن المسألة تعود كلها إلى تعليلات عقدية ( ما بعد الطبيعة أو كيف نؤسس العلم على نظرية حدث الوجود ) لخيارات عملية ( ما بعد التاريخ  أو كيف نؤسس العمل على نظرية معنى الوجود ) وأن الرابط بينهما هو كيف نصل معنى الوجود بحدثه وحدثه بمعناه وكلا الوصلين يعطياننا حقيقة الوجود علاقة بين شكل الوعي ومضمونه وكلاهما متعال على نسيبه الذي يبدو ضديده. وتلك هي العلة التي جعلتنا نعتبر الوعي الشهودي عين الدليل الوجودي[30]: فشكله مثال من الماهية عامة ومضمونه مثال من الوجود عامة. وهذا الوصل هو الذي يمكن من التغلب على اللامعقول الزماني الدي تصوره اليونان والجاهلية العربية على أرضية الدهر أو ارضية التماثل والعود الأبدي الذي يلغي مفعول الفساد الزماني بالنسبة إلى الكل بحيث يتصل التاريخ الحضاري بالتاريخ الطبيعي في وحدة الوجود الطبعانية التي فرضتها الداروينية على الفكر الحالي في مجال التاريخ الثاني ثم عممت في مجال التاريخ الحضاري بدءا بفلسفة التاريخ الهيجلية وختما بقراءاتها البراغماتية وما بعد الحداثية التي ألغت الروح الكلي وأبقت الأرواح الجزئية جزائر فاقدة لكل تواصل من أجل تحقيق شرط الصراع أرضية للانتخاب الطبيعي في التاريخ الحضاري المطبعة[31].

لكن جوهر الثورة الدينية المحمدية هو المنظور الذي حقق التطابق بين الخلود المحرر من فساد الزمان بالسلطان عليه والتاريخية المحررة من الهروب إلى فاسد الخلود الذي هو اخلاد للسكينة الهندية كما يقول هيجل. ولما كانت هذه الثورة قد أدركت جوهر التحريف الديني الذي يخير الإنسان بين القول بالدهر مع ما ينتج عنه من يأس واستسلام للضرورة العمياء ( الأديان الطبيعية ) أو للحرية الهوجاء ( الأديان المنزلة قبل الإسلام ) فقد أدركت أن كلتا الفرضيتين تؤدي إلى نفس النتيجة لأنهما من نفس الطبيعة: القلق الوجودي غير المبرر إلا بتصور الزمان أفقا مطلقا لا يمكن للإنسان أن يطفو من تلاطم أمواجه. وهذا العقد الذي يمكن أن يفهم بهذه الميتافيزيقا التشاؤمية يقبل الربط مع هزمية الحرب العالمية الأولى ورد الفعل الوجودي الذي جعل الموت أفقا مطلقا.

وتلك هي الحمية التي تفسد الوجود الانساني سواء عبر عنها الإنسان بالثورة التهديمية أو بسكون الاستسلام. أما الحمية المفيدة فهي التي تضع نظرية توفق توفيقا مبدعا بين سند العناية الألهية الوثير وحافز الخلافة البشرية المثير فتؤسس للأمل الذي لا يلغي الضرورة بل يجعلها مفهومة ولا يلغي الحرية بل يجعلها منظومة. ولما كان أمر المسألة كله يعود إلى الخيار الأفضل لتحديد شروط العمل البشري في كل المجالات القيمية بعد اليأس من زعم الخيار الذي هذا جنسه قابلا لان يكون قطعي الأسس بات الحل الوحيد هو إما الإيمان الديني أو الفرض العلمي أو التوحيد بينهما إما برئاسة الأول أو برئاسة الثاني بحسب المجالات والمقاصد.

فتكون النتيجة الجمع بين النظر بتوسط الاجتهاد الذي معياره التواصي بالحق والعمل بتوسط الجهاد الذي معياره التواصي بالصبر بحيث تصبح الحياة ببعديها الشخصي والجمعي العملية المسترسلة التي تحررنا من المقابلات التصورية بين الماهية والوجود وبين الضرورة والحرية لتعوض المقابلة الأولى بفعل التمهية والإيجاد والمقابلة الثانية بفعل التثبيت والتغيير في التاريخ البشري بمجالاته القيمية ذوقا ورزقا ونظرا وعملا ووجودا. ولهذه العلة اتهم الاسلام بما ينسب إلى هذه القيم من دنيوية مفرطة وخاصة في فكر المسيحية الوسيطة التي اتهمت محمدا بالأبيقورية لحبه النساء والمال ولتشجيع الاهتمام بالدنيا نظرا وعملا ولربطه العايات الدينية بالوسائل السياسية وخاصة لغلقة النهائي كل ادعاء للنبوة والمعجزات من بعده وكل وساطة بين الإنسان والمطلق[32] دون أن يهتم كثيرا بدحص ما تقدم عليه إلا بصورة نقدية مهذبه بعنوان التحريف بمعنييه ( المادي للدال والمعنوي للمدلول عند أصحاب الاديان المنزلة : اليهودية المسيحية ) والجاهلية بمعنييها (  النظرية بمعنى الجهل والعملية بمعنى الجهالة عند صحاب الاديان الطبيعية: كل الأقوام الأخرى الذين يوجدون عندئذ في الشرق الأدنى ). لكن هذه الثورة لم تنل حظها من الدرس للخلط بين الدين الإسلامي والأديان المنزلة من قبله لكأنه لم يؤسس كل شيء على مفهوم لم يسبق إليه هو مفهوم الفطرة الدي يخلص من المقابلات التي أشرنا إليها.

 

                            الفرع الثاني

 

 أكاد أجزم أن الجديد في فلسفة هيجدر يرد إلى أربع مقابلات متقاطعة ومتراكبة كل منها مضاعف:

1- المقابلة الأولى هي المقابلة بين الماهية والوجود,

 2- المقابلة الثانية هي المقابلة ضمن الوجود بين الإنية عامة والإنية الخاصة بالإنسان,

 3- المقابلة الثالثة هي المقابلة بين المثول المتقدم على التوظيف  Das Vorhandensein                                      والموجود الموظفDas Zuhandensein

   4- المقابلة الأخيرة هي المقابلة بين حال الضياع في العامي من أنماط الحياة وحال  العزمDie Entschlossenheit .

 وأزعم أن تقويم مناسبة هذه الفلسفة وما يترتب عليها من خيارات وجودية يمكن أن يقاسا بدور هذه المقابلات الأربع ومناسبتها للظرفية التاريخية العربية الإسلامية فهما وتحليل مقومات. وقد فحصنا المقابلتين الأولين في الفرع الأول من هذه المسألة. وها نحن ننتقل إلى فحص المقابلتين الأخيرتين مركزين على الثالثة أساسا لأن الثالثة ليست إلا نتيجة عملية من الثلاث المتقدمات. فهاتان المقولتان ( وسنصطلح عليهما باسمي الموجود الماثلDas Vorhandensein  والموجود الموظفDas Zuhandensein [33] ) رغم تعامق صاحبهما تبدوان مستندتين إلى مقابلة عديمة الجدوى المعرفية أيا كان التهويل من دلالتها الفلسفية عند من يتصورون المقابلة بين تأسيس المعرفة على التصورات النظرية التي يتوصل إليها تحليل موضوع العلم إلى مقوماته مثالية كانت هذه المقومات أو واقعية والتمثلات العامية التي تستمد من التأويلات اللاحقة لعمومياتها التي صارت جزءا مما يسمى ب"عالم الحياة" يمكن أن يتجاوز مجرد التعبير عن أزمة عارضة في الفكر الغربي عندما بلغ الأخدود الفاصل بين ضربي المعاني العلمية والعامية حدا بات فيه الوصل بينهما أمرا شبه ممتنع[34].

والمعلوم أن ظاهرة الفصام بين النظري والعامي لم تصل عندنا إلى هذا الحد بسبب فقدان العامل النظري الراقي في حضارتنا الراهنة والدور المؤثر الذي بات له في الحضارة الغربية. لذلك فهي مقابلة لم تصبح بعد مؤثرة في فكرنا الذي لا يزال منغمسا إلى الأذقان في العامي من التصورات ذات المستوى النظري شبه العامي خاصة وجل نخبنا تكاد تكون أكثر عامية من العامة. فمشاغل الحياة البهيمية ابعدت هذه النخب عن كل تمحظ للعلم فلا تدري معنى لعيش مثل هذه التجارب تجارب القطيعة بين محراب التصورات النظرية الخالصة في معاهد البحث وعموميات التصورات الاديولوجية عند النخب"الملتزمة".

ومع ذلك فإني أزعم أن المقولات الهيدجرية التي تعبر عن أزمة وعي لدى بعض النخب الغربية تعد أدنى عمقا حتى مما يقول به أصحاب الشنشانات في حزر حلها بتقسيم الأشياء إلى مخلوق ومصنوع . فهؤلاء بهذه المقابلة رغم عاميتها اعتبروا كل الأشياء مجعولة حتى وإن ميزوا بين ضربين من الجعل: جعل اسمى سموه خلقا لأنه يتعلق بالموجودات التي لا تستمد قيامها من صنع الإنسان بل من صانع مطلق يكون الإنسان بالنسبة إليه كأئنا مصنوعا وجعل ادنى سموه صنعا لأنه يتعلق بالموجودات التي تستمد قيامها من الصنع الإنساني. أما هيدجر فيقسم الأشياء إلى Vorhandensein       Das و    Zuhandensein  Dasأي إلى الموجود المتقدم على كل توظيف فلا يعد من العدة وإلى ما يتحدد بالتوظيف في العمل الإنساني ومن ثم فهو من العدة أعني ما يتحدد معناه بالوظائف التي يؤديها في العمل الانساني ومن ثم باضافاته لنظام العدة والممارسات الاستعمالية في الأنشطة الاجتماعية. وبهذا المعنى فإن المتقدم على العدة ليس بمعزل عن الوجود الاستعمالي إذ هو منه سلبا بمقتضى ما يفرضه التجريد النظري من رفع الاستعمال والوجود الاضافي طلبا لما يمكن أن يكون وجودا متقدما على توظيف الإنسان له أو غير اضافي إلى الاستعمال إذا قبلنا بتقدم عالم الحياة العامية على عالم الحياة النظرية.

ونحن لا نسلم بتقدم العمل على النظر إلا باضافة لكونه ينتج عن مفاضلة نسبية بين ما يعد غاية وما يعد أداة من منظور دهري يحصر الوجود في الدنيا. لكن كل وجود عملي تقنيا كان أو خلقيا مهما كان عاميا لا بد أن يستنذ إلى مرجعية نظرية متناسبة معه بما في ذلك توهمات السحرة والدجالين في ممارسات الشعوب التي لم ينفصل فيها النظر عن العمل بدرجة تحدث بينهما القطيعة التي تعلل هذا الهم. ولولا ذلك لما كان فرق بين العمل المتروي والحركة الطبيعية للكائنات التي لا روية لها أو حتى للكائنات الجامدة فضلا عن وجود الجماعات التي تتقاسم العمل أو تنظم المجتمعات بحسب اختصاصات ووظائف مختلفة مهما كانت بدائية: النظرية متقدمة على الممارسة حتى عند الشعوب البدائية إذ حتى عند الشخص الواحد يمكن أن نعتبر الجزء التصوري الشارط للجزء الإنجازي في كل عمل قبلة وصحبته وبعده من هذا الجنس, حتى وإن تضاءل الفصل بينهما بمفعول العادة وتكرار العمل مع التسليم بأن النظريات السابقة تصبح تصورات عامية وتندمج في الحياة فتكون مقابلة للنظرية اللاحقة وكأنها غير النظري المتقدم على النظري[35].

لذلك فاللااضافة مؤقته لأنها إضافية إلى منظومة العلاقات النظرية التي ينضوي فيها الشيء من حيث هو في شبكة العلاقات النظرية بديلا من شبكة العلاقات العملية التي هي عملية بالقياس إلى النظريات الأرقى وكانت قبل ذلك نظرية لما تقدم عليها من نظريات تحولت إلى عمليات. لا شيء من أعمال الانسان يمكن أن يكون من دون أن يكون مسبوقا بنظرية ومصحوبا ومتبوعا بها أيا كان مستوى التجريد وأدناه التمييز بين أنواع الاداركات الحسية ( المرئيات والمسموعات والمذوقات الخ...). جسم الانسان نظرية تعمل لما فيه من أجهزة أدراك متمايزة وقابلة للمقارنة والمقايسة والتناقد المتبادل ( كأن أسمع صوتا وأريد أن أتأكد من أن سمعي ليس وهما فأنظر) يتأسس عليها أول تصنيف للموجودات من حيث هي مدركات بمعيار أنواع الإدراك. شبكة الجسم تشبيكا للكون هي أول مراحل التنظير في الوجود الإنساني حتى قبل العودة عليها لصياغتها نظريا بعد التعبير عنها لسانيا.

وكل تنظير خالف نقد للتنظير السالف إلى حد تمام التخالف إذ إن التنظير العلمي ينتهي في الغالب إلى تخليصنا من مراحل التنظير المتقدمة بابداع ما يسمو عليها في التجريد والقدرة على التفسير حتى إن التمييزات الادراكية الأولى تصبح من الكيفيات الثواني التي لا يرى لها العلم حقيقة تسليما بأن الوجود الموضوعي له قيام خارج إدراكه ويحصره في الكيفيات الأولية كما في العلم الكلاسيكي الذي تجاوزته النظريات العلمية المعاصرة لتعود إلى ما هو أقرب إلى النسبوية والتضايف التام بين الذات العالمة ( التي هي ليست الشخص بل الجماعة العلمية المختصة ككل ) والموضوع المعلوم ( الذي هو ليس المدرك الحسي بل شيء هو أقرب إلى العقدة الحاصلة من تلاق الخيوط النظرية في شبكة اقتناص  القوانين ). وقد حصر هيدجر هذه الشبكة في  شبكة البناء القضوي في الخطاب بوصفه هو بدوره عدة حصرا لا نسلمه إذ كما أشرنا في احد الهوامش فنحن نعتبر القدرة على التعبير الشرطي عن الممكن الحقيقي والانشائي عن الممكن غير الحقيقي أساسا للعلم الخبري الذي هو خبري مشروط أو ضرورة شرطية بلغة أرسطية ولايبنتسية.

هذا فضلا عن كون البناء القضوي ليس مقصورا على أرقى أشكال التعبير بل هو ملازم جزء من كل خطاب باللسان الطبيعي.  أما  النظر فهو ليس مقصورا على البناء القضوي حتى وإن كان التعبير اللساني عنه يكون أساسا بالبناء القضوي بشرط عدم حصر القضوي في الخبري. ثم يضاف إلى هذه القسمة الثنائية الغفلة ما يمكن أن يكون حصرا للاضافات المحددة لشبكة العلاقات الاستعمالية التي صارت تسمى ضروب الكشف وتعود صيغها اللسانية كلها إلى ما يمكن أن نرجعه إلى أنواع أفعال القول كما تحددها صيغ الاشتقاق والحروف في لغتنا وتكاد تقتصر على الحروف في اللغات الأوربية لفقر اشتقاق الصيغ الفعلية فيها.

وليس هذا إلا من التهويل الذي يطغى على هذا النوع من الفكر إلى حد يتجاوز فيه كم كلام صاحبه عن كلامه كم كلامه عن موضوع كلامه لفرط اعجابه بأوهامه. لذلك فهو قد ينسينا المشروع الأول لتحديد منظومة المقولات[36] وما يتصف به من بساطة القول العلمي لعدم الخلط بين الغرض المنطقي من البحث في المقولات  ( مصنفات المنطق الأرسطية ) والغرض الخلقي من البحث في مقومات السلوك الإنساني ( مصنفات الأخلاق الارسطية ) رغم اجتماع الغرضين في ما بعد جامع بين مابعد الطبيعة وما بعد التاريخ ما بعد صار يسمى بلسان ابن سينا الهيات. فأرسطو حدد هذه المقولات بمحاولة حصر الإضافات التي تقبل ان تحمل على الجوهر فكانت عنده تسع مقولات موازية تقريبا لأجناس الوظائف النحوية في اللغة اليونانية. ولعل أفضل مثال على فقر هذا الجدول هو حصر الفعل في وجهين هو أن يفعل وأن ينفعل في مقابلة بين متفاعلين متخارجين. لكن اللغة العربية تميز بين ما لايقل عن عشرة وجوه للفعل مع عدم حصر العلاقات في مقابلة زوجية بين متفاعلين متخارجين فضلا عن كونها ترفض أن يكون الرابط بين الفاعل والفعل فعلا من طبيعة مجهولة هو "فعل الوجود" الذي تستغني عنه لغتنا لأن كل فعل فيها يتصل مباشرة و بذاته بفاعله الذي ليس هو جوهرا يقوم بمعزل عن فعله فيحتاج إلى فعل من طبيعة مجهولة تصله به هو ما حاول فلاسفة الإسلام أن يقولوه ب"هو" و"موجود" الخ.. من المحاولات التي تدل على التطبيق السحطي لخصايات لغة على لغة ظنا أن الترجمة تقتضي نقل الدوال بدل الاقتصار على نقل المدلولات[37].

                              المسألة الثانية

           وهي ذات فرعين : شروط الفلسفة المبدعة.

 

وأول الفرعين نناقش فيه حصر هيدجر الفلسفة في بعدها الانطولوجي المحلل لعالم الحياة وحط المعرفة العلمية إلى منزلة التقنية والوعي العامي من خلال  حصر المنهج الفلسفي في المنهج الظاهراتي الذي يزعم العودة إلى الأشياء وراء النظريات المحرفة لصواب الرؤية الوجودية.

أما الفرع الثاني فنحدد فيه ضربي الابداع الذي تحتاج إليه الأمة لكي تستأنف دورها التاريخي المناسب لرسالتها: الإبداع النظري الذي يتعذر من دون أن يكون للانسان سلطان على العالم والابداع العملي الذي يتعذر من دونه أن يكون للانسان سلطان على نفسه. ومن دون هذين السلطانين لا يكون الإنسان جديرا بالاستخلاف[38].           

وبذلك فإننا سنخصص المسألة الثانية وبصورة سريعة- لكون المسألة أوسع من أن نعالجها هنا رغم صلتها المباشرة بالبحث الحالي- لمفهوم الفلسفة المناسب للحظتنا الحضارية من خلال التعليق على تعريف هيدجر للفلسفة تعريفه الذي اعتبر سوء تطبيقه الشكلي عند المتفلسفين من العرب من دون اعتبار المناسبة مع ظرفيتنا شديد الضرر على مرحلتنا التاريخية كما فتحناها بالتعليق على تعريفه الدازاين . فسنقبل جدلا الصحة الشكلية للتعريف في صيغته المجردة لأننا نؤمن بأن كل الاجتهادات الفلسفية لمجرد كونها محاولات العقل البشري للفهم تستحق أن تدرس وتدرس حتى يكون للأمة متخصصين في كل ابداعات ايا كان مصدرها. لكن الرهان يخص طبيعة الخيار الفلسفي المحدد لحاصل مجال القوى ذي التوجه المناسب لظرفيتها بحسب مسيرة الحضارة التي تبدعها الأمة الخيار الذي لا نراه تحكميا بل محكوم بخصوصيات الحضارة عامة وتنويعات الظرفية التاريخية خاصة.

لذلك فالمشكل ليس في هو في اختيار أحد حدود الفلسفة مجردا عن تعيناته فحسب بل هو في تعيين هذا الحد تعيينا يناسب المقومات الحضارية والظرفيات التاريخية. فإذا فبلنا مع هيدجر أن: " نظرية الوجود والظاهراتية ليستا فنين مختلفين يوجدان بجوار غيرهما من الفنون المنتسبة إلى الفلسفة بل كلتا التسميتين تمثل خاصية الفلسفة ذاتها من حيث موضوعها وطبيعة علاجها " وإذا كانت الفلسفة هي: " نظرية الوجود الظاهراتية التي تنطلق من تأويلية الدازاين تأويليته التي تثبت  فيها من حيث هي تحليلية الكينونة غاية الخيط الناظم لكل تساؤل فلسفي بوصفها مصدر التساؤل ومورده"[39].  فينبغي أن يقتضي التعيين المناسب لتحليلية الكينونة العربية الإسلامية الحالية الجواب عن السؤالين التاليين:

 1- هل نقبل بحصر الفلسفة في أحد مدلوليها التقليدين مستثنين العلوم منها فتكون مقصورة على نظرية الوجود ( ومنها فرعان ضروريان نظرية الحقيقة والقيمة ) قولا ما بعديا من دون شروطه النظرية والعملية التي تكاد تكون عديمة الوجود عندنا بسبب ما أدى إليه عصر الانحطاط وآل إليه الطابع المغشوش للنهضة العلمانية والصحوة الأصلانية ؟

 2- وهل نقبل حصر ضروب الكشف عن الوجود في أحدها هو الكشف الظاهراتي الذي يعلم كل من درس ثمراته في الفلسفة الغربية أنه لا يتعدى الكلام في المعلوم بعد وقل أن يكون قادرا على كشف ما لم يكشف في غيره من الفنون بحيث يكاد أن يتحول إلى فلسفة عامية لا تتجاوز اللاباليسيات (كما يقول الفرنسيون) مثل تأويلات الدجالين من العلماء الفاشلين الذين يجدون في تأويلاتهم السخيفة للقرآن الكريم كل الحقائق العلمية بشرط أن تكون قد اكتشفت من قبل غيرهم من العلماء الناجحين في الممارسة العلمية الفعلية ؟ 

 

                                    الفرع الأول: مفهوم الفلسفة المناسب لظرفنا التاريخي

 

وطبعا فلا أحد يشك في أن هذا التعريف الذي نقبله بعد هذه الاحترازات ولتيسير البحث لا ينطبق عينيا على كل الظرفيات التاريخية المتمايزة كيفيا حتى في نفس الحضارة فضلا عنه في الحضارات المختلفة. ذلك أنه لو انطبق لأصبح التعريف نفسه فاقدا لمعناه ولصار الفكر الفلسفي حتى عند هيدجر فكرا ميتافيزيقيا يطلب ماهيات بريئة من تأثير الزمان لخلوها من المضمون المتعين الذي للتاريخ الحضاري فيه التأثير الاول. والجواب السلبي هو الذي يعلل عملية المراجعة الجذرية لمصير الغرب كما يتبدى في تعريفات هذه العلاقة  في فكر هيدجر[40].

والسؤال الجذري هو: هل يناسبنا نحن الآن أن يكون تحليل الكينونة بدرجة من التعميم اللفظي الذي يجعل كل الكينونات متطابقة فيفقد كينونتنا تاريخيتها الذاتية بحيث يمكن تأويلها في ضوء مقومات الكينونة التي أدت إلى هذين التوحيدين فتكون الفينومينولوجيا من حيث هي تنكب عن التعاطي مع العالم بموقف الغزو العلمي وعودة إلى طلب معانية كما تتجلي في "عالم الحياة" ؟

هل المنهج الفينومينولوجي بحدي معناه الحاصرين لكل تقازيحه وتردياته[41]  أعني معناه عند هيجل ( ردا على التأسيس النقدي للمعرفة ومراجعة لموقف كنط من الميتافيزيقا ) ومعناه عند هوسرل ( ردا على الوضعية في علم النفس والمنطق ومراجعة لموقف الكنطية والهيجلية المحدثتين ) يمكن أن يوصل إلى فهم ما لم يكتشف بعد بحيث يمكن أن يكون ذا معنى في حضارة  لم تعرف هاتين الأزمتين وباتت عقيما لا تكتشف شيئا سواء انتسب إلى محيطها الطبيعي أو إلى ميحطها الحضاري فضلا عن الكشف عن ضروب  الكشف ؟ فالمعلوم أن مدى هذا المنهج كله لا يتجاوز تأويل المعلوم من عموميات العلم[42] والمقابلة بينها وبين المعتقدات الدينية التي فقدت علاقتها الصريحة بعلم الكلام فباتت ايديولوجيا عالم الحياة قبالة عالم النظرية. والمعلوم كذلك أن المعلوم قبل أن يصبح معلوما لا بد من اكتشافة حتى يصبح قابلا للتأويل الفينومينولوجي والمقابلة مع المعتقدات الدينية خفية كانت أو علنية. وذلك هو الفرق الأساسي بين المنهج العلمي الذي يمكن من الكشف عن العالم والمنهج الفينومينولوجي الذي هو أحد المناهج التي يمكن أن تمكن من تأويل ضروب كشف العالم.

ولعل المنهج الفينومينولوجي كما سنبين أقل هذه المناهج جدوى لكونه مشروطا بفلسفة الوعي فلسفته التي هي بالطبع فلسفة محدودة جدا في فهم موضوعات الوعي عاميا كان هذا الوعي أو علميا فضلا عنها في فهم وعي الوعي: فهو من جنس منهج التحليل النفسي الذي يؤسس لاساطير يسد بها ثغرات العلم بالآليات العضوية للأمراض النفسية بل هو دونه لأن التحليل النفسي يضيف بعدا في الوعي يستثنيه التحليل الفينومينولوجي باطلاق ما دام يحصر التكوين في العلميات الواعية للوعي: اللاوعي. فلو تم لنا وضع نظريات علمية تفسر عمل الفكر الإنساني في مستوييه الفردي ( المستوي العضوي النفسي) والجمعي  ( المستوى الرمزي الجمعي) لاستغنينا عن استعمال فلسفات الوعي خارج الوظيفة التعليمية لتعويد المتعلم على وصف مدركاته وتحليل معانيها جزءا من تحليل التصورات والنظريات في تعيناتها الموضوعية ( الأنساق الفكرية الموثقة وتطبيقاتها ). علم العقل (Science of Mind) يغني عن كل التفسيرات الوهمية التي راوحت بين حدين لا ثالث لهما وكلاهما ثيولوجي متخف[43]: نظرية العقول الفائض بعضها عن البعض في العصر القديم المتأخر والعصر الوسيط ثم نظرية الذات المتعالية في مرحلتي التصور الديكارتي والكنطي.

                        الفرع الثاني: شروط الابداع

 

من هنا ينبغ الفرق بين الوضعيتين الكينونيتين: الوضعية الموصوفة في حلول هيدجر والوضعية العربية التي نريد لها وصفا وحلولا بعد الجزم بأن الحلول المستعارة لن تجدي نفعا  ليس بسبب كونها أجنبية بمعنى كونها من حضارة أخرى بل لأنها ليست ملائمة للظرف حتى ولو انتسبت لنفس الحضارة كما هو الشأن في ما يستورده الأصلانيون من ماضينا دون احترام لها الشرط. فمن دون أزمة الميتافزيقا في الفلسفة الغربية أولا ( رد هيجل على كنط في التأسيس النقدي ) وأزمة العلم الغربي ( رد هوسرل على الوضعية في الدراسات النفسية والمنطقية ) وصلتهما بأزمة الوجود في فهمه الغربي بين الحربين الوجود الغربي الذي تعينت الظاهرتان في حدوثه الفعلي أعني المؤسسات والتقاليد أو ما يسميه هيجل بالروح الموضوعي ( الميتافيزيقا والعلوم ) وأزمتاهما اللتان كان البحث عن حل لهما عودة إلى الفكر الثيولوجي المسيحي وإن بتنكر لا معنى للمنهج الفينومينولوجي إلا إذا غيرنا التعين والمضمون تغييرا لا يبقي إلا على الحد العام والشكل[44].

فأي معنى للكلام عن أزمة الميتافزيقا أو أزمة العلوم في حضارة ليس لها بعد فلسفة حية أو علوم مؤثرة عدا دعاوى المتعالمين الماضغين لعموميات العلم التي تصيب بالعقم كل فعاليات الابداع العلمي لكونها دون عموميات المصنفات التدريسية. ما زلنا حضارة بلا فلسفة حية أعني فلسفة يكون فيها الموقف المعرفي نابعا من الموقف الوجودي والعكس بالعكس وهو المقصود بالتلاؤم بين الأمرين. أين العلم الفاعل أعني علما يكون فيه النظر مثال العمل الأعلى وهاديه الأمثل ويكون فيه العمل مادة النظر والروية كما هو الشأن في العمل من حيث هو جوهر كون الإنسان كائنا خلقيا يصحب فعله ويسبقة ويتلوه فعل تصوري هو الروية في حدود المستطاع ؟ لا أفهم الكلام عن أزمة الميتافيزيقا أو العلم فضلا عن الحاجة إلى العودة إلى الأشياء التي ما زلنا غارقين في تصوراتها السوقية إلى ما فوق شعر الرأس.

وإذا كان ليس بد من الأخذ فنحن احوج في العلاقة بالطبيعة إلى ما يكون جنيس تأملات ديكارت الميتافيزيقة منا  إلى تأملات هوسرل الديكارتية تسلميا بأن الأمم يمكن أن تقاس لحظاتها التاريخية بعضها على البعض. كما أننا احوج في العلاقة بالتاريخ إلى ما هو جنيس أخلاق نقوماخوس[45] منا إلى التشاؤم الوجودي في فلسفة هيجدر اليائسة من السياسة والهاربة إلى الشعر. ولنقرب المعاني بمثال نختاره من لحظتنا الوسطية التي لا تزال حسب رأيي المحدد الجوهري للحظتنا التاريخية الراهنة. فأزمة اللحظة الإسلامية الوسيطة كان فيها الفكر الفقهي[46]  في نسبته إلى عالم الحياة الإسلامية في نسبة الفكر العلمي إلى الحياة الغربية الحالية في لحظة أزمة العلوم الأوروبية ( هوسرل). لذلك فقد أدت الأزمة عندنا إلى الطريقين الوحيدتين للربط مع الحياة الدفاقة. وكلتا الطريقتين ذات وجهين متناقضين:

 1- طريقة الغرق في الصراع الدنيوي ووجهاه الارهاب والإباحية لأن الشعور الدائم بامكان الموت المفاجئ يؤدي إلى تنسيب المطلق من أجل أدنى لحظات الشعور بالإطلاق,

2- وطريق الغرق في الصراع الاخروي ووجهاه الاستبداد والتصوف لأن فقدان الشعور بامكان الموت المفاجئ يؤدي إلى إطلاق  النسبي  لنفس الغاية.

ولعل السمتين البارزتين في تاريخنا كانتا الإرهاب الشيعي المعارض واباحية عبادة الهوى ( انظر ما يقوله الغزالي في فضائح الباطنية وتهافت الفلاسفة ) والاستبداد السني الحاكم والتأويل الصوفي. تلكما هما السمتان اللتان كانت غايتهما نهاية شروط العمل والنظر بأدواتهما الممكنة من الحول الفعلي تماما كما يحصل حاليا لكوننا لم نخرج بعد من هذه اللحظة إلا بالشمول. فالارهاب والإباحية صارا شاملين لأنهما أصبحا مسيطرين على الشيعة والسنة على حد سواء. والاستبداد والتأويل صارا شاملين لأنهما متاضيفان مع العاملين الأولين مطلق التضايف ولأن الشيعة أسست هي بدورها خلافة أو إمامة تصرفت في الحكم تصرف السنة بل بصورة أدهى وأمر لأن الحكم فيها ليس مبينا على شرعية الاجتهاد والاختيار بل على شرعية الوصية والحق الالهي.

فالحياة حصرت عند الفرقتين الرئيسيتين في مظاهر الدنيا والعمل حصر عندهما في مظاهر السياسة  بعد أن انقلبت الآية فبات المسلم يقيس الآجل بالعاجل والباقي بالفاني مثل ظاهر الحضارة التي يتصور نفسه نقيضا لها في حين أنه صار بلا وعي منه يقاسم مظاهرها السطحية نفس النظرة الوجودية[47]. كل كلام عن التصدي للغزو الحضاري كلام. المتكلم باسم الشرقي بات مثل المتكلم باسم الغربي: كلاهما يؤله الإنسان ويكفر بالرحمان ولكن الشرقي يفعلها من دون حقيقة التأليه لفقدان شروط القوة ومن دون حقيقة الكفر لفقدان شروط الشجاعة اللتين لا تتوفران إلا للغربي. الإنسان الشرقي يؤله الإنسان بطغيان الحكم والارهاب ويكفر بالرحمن بجبن النفاق والظلم لذلك فإن الشرق اليوم بلغ سحيق الانحطاط الخلقي ومن ثم فتخلف الشرق ليس ماديا فسحب بل هو بالأساس فساد خلقي قد لا يكون منه مخرج من دون بحر من الدم في حرب أهلية تحسم كل الرهانات المؤجلة تماما كما حصل في تاريخ الغرب الحديث بعد الاصلاح.

ولعل أهم علامات صحة التناظر الذي نشير إليه فهم بعض السطحيين للحركة الصوفية التي يعتبرونها وجودية عربية اسلامية لكأن التصوف ليس ظاهرة عامة تعيشها كل الحضارات عندما توجد في نفس الظرفية التاريخية. وليس ذلك إلا لاقتصار الفكر السطحي على  التماثل الشكلي من حيث الالتفات إلى الذات وأحوالها. وفي الحقيقة فالأمران مختلفان تمام الاختلاف بل هما متقابلان تمام التقابل. فالموقف الصوفي بخلاف الموقف الوجودي ليس التفاتا إلى الذات بما هي عائدة إلى عالم الحياة الدنيوي بل هو هروب منه إلى عالم حياة هو عينه العالم الذي يهرب منه الوجودي بعد أن صارت التصورات العقلية والوجدانية تعتبر مجرد أوهام عملية تتنكر في شكل حقائق وعقائد ( نيتشه ) أو ذرائع وهندام معرفي تتنكر في شكل قوانين ( الذارئعية والوضعية ).

ومن ثم فالأولى بالموقف الوجودي الذي يتصور كل النظريات مجرد هندام للتعامل مع عالم الحياة الدنيا المسلوب عنها كل نظير أخروي أن يكون أقرب إلى ما يهرب منه الموقف الصوفي حتى وإن كان التماثل بين علاقة الفقه بالحياة وعلاقة العلم بها يؤديان إلى تماثل الموقف التأويلي مع تقابل النتائج في وجود الإنسان العيني. وفي ظرفيتنا الحالية يمكن القول إن أقرب المواقف مناسبة لحاجة الظرفية العربية الذريعية لا الوجودية ( لئلا يتحول المسلمون إلى القول بأولوهية الإنسان رمزا إليها ببنوة المسيح  الإلهية) هو الموقف الديكارتي أعني الموقف الجامع بين الإيمان والعلم والمؤسس لموقف " غزو العالم والسيادة عليه" بدل موقف الضيق " بالهندام العلمي والتقنيDas Gestell " كما يعبر عنه هذا مفهوم عند هيدجر. أي جشتل في مجتمع مختل؟ وحكم  منحل؟ ومكان  محتل؟ وزمان مستل؟ غير "العقل المعتل"! والإنسان فاقد الحيل إلى حد الشلل!

ونفس الأمر يمكن قوله بالنسبة إلى عمل الرموز الأدبية التي لا تقل أهمية من حيث الدور المؤثر في طبيعة سلطان الإنسان على العالم الدنيوي والأخروي ومن ثم في تحديد منزلته الوجودية تحديدا لا يؤلهه بنفي العالم المتعالي عليه لا بمعنى الآفاق اللامحددة في التحليلين الفينومينولوجيين تحليل موضوعات فعل العقل ( النووماتيكي= المعنوي أو تحليل المعنى من حيث هو موضوع فعل العناية ) وتحليل أفعاله ( النووتيكي= العنائي أو تحليل أفعال العناية التي يكون في غاية توجهها للموضوع معنى مقصود وليس بالضرورة شيء موجود: وذلك هو أصل مسألة شيئية المعدوم التي يقول بها المعتزلة حيث يعد كل معنى شيء والتي ينفيها الأشاعرة لكون المعنى لا يكون شيئا إلإ إذا كان له وجود في الخارج وإلا فهو معدوم معلوم وليس شيئا. والمعلوم أن موضوع القصدية عند صاحب النظرية هو موضوع الفكر المعدوم  الذي يضايف كل فعل من أفعال القصد النفسي بحيث يكون مميزا للظاهرات النفسيه)[48]. وكنا قد أشرنا إلى بعض هذه الأمور في كتاب الشعر المطلق والإعجاز القرآني[49].

فنحن اليوم أحوج إلى شعر يبدع الميثولوجيات واليتوبيات التي تبني الحضارات وتؤسس لمغامرة الابداع في كل مجالات القيم التي أشرنا إليها بدلا من ميثولوجيا الشكاكين ويتوباهم اللتين لا معنى لهما إلا في حضارة عاشت أزمة الميتافيزيقا وأزمة العلوم عيشا حقيقيا لا بمجرد السماع عنها وذلك بسبب ما تحقق لها من القدرة الرمزية على النقد المحرر من المحيط الثقافي ( ثورة النقد والنوير ) والممكنة من السيادة عليه والفعل به والقدرة التقنية على التغيير المحرر من المحيط الطبيعي ( الثورة التقنية والمعلوماتية ) والممكنة من السيادة عليه والفعل به إلى حد تعويض كل مطبوع بطغيان المصنوع تعويضا يضيع فيه "عالم الحياة".

لكن ابداعنا الادبي لا يخرج عن الواقعية المبتذلة والسخيفة مرتين.  فموضوعها هو الوصف السطحي لما تعتبره ضروب اختلال اجتماعي بالقياس إلى نمط اجتماعي آخر متحقق. لذلك فالمعيارالذي يقاس عليه الموقف الواقعي في الكتابة الأدبية التي من هذا النوع أعني النقد المبطن للواقع باسم مثال أعلى[50] هو القياس إلى وصف مبتذل من جنسه لنظام مقابل في تحقق واقعي آخر لا ندرك منه إلا معانيه العامية. وبذلك  يصبح كل الحاصل عندنا عدما لا يستحق الوقوع وكل الحاصل عند غيرنا- سواء كانوا من ماضينا أو مما هو بصدد المضي من حاضر الغرب- هو المثال الأعلي. وتلك واقعية معيارية سلبيه وظيفتها نفي واقع موصوف وصفا لا يدرك معانيه بل يقتصر على وصف عرضياته لتزكية الواقع المظنون مثالا أعلى. فيتحول كلا الوصفين إلى توهيم شامل من جنس السينما المصرية التي هي أحط أشكال الفن السينمائي على الإطلاق وخاصة ما استغل منها هذا النوع من الأدب[51].

نحن أحوج إلى أدب العمل الخيالي الذي يكون من جنس العلم الخيالي يخلق ميثولوجيا مؤثرة في المحيطين الطبيعي والثقافي وبالقياس إلى مثل عليا لا تستمد من أسطرة الماضي العربي الإسلامي أو من أسطرة الحاضر الغربي بل من الابداع الحقيقي للمثل التي توسع أفق البشرية بتصور المجهول تصورا لا يقتصر على المحاكمة السخيفة للادب الواقعي حتى في ما يظنه فكشن ( اصطناع خيالي ). أدبنا صار هو بدوره وصفا فينومينولوجيا سطحيا لتكرار ممجوج يعبر عن فهم سطحي للتعابير الغربية عن أزمة الشعور الوجودي في حضارة تعبر بصدق عن ازمتين حقيقيتين لانهما عين بنية الواقع الغربي في أعماقة الرمزية والفعلية. لكنها تتحول في وصف كتابنا إلى تعبير عن مظاهر واقع يعاش بالسماع فلا تكون ظواهر هذا الأدب ظواهر الواقع المرغوب عنه ولا ظواهر الواقع المرغوب فيه بل مظاهرهما. ومن ثم فكلاهما صورة مسيخة من اسطرة مرضية لواقعين ميتين[52]: واقع تاريخنا الميت عند الذين يستمدون المثال الأعلى من حاصل الماضي وواقع تاريخ الغرب الميت عند الذين يستمدون المثال الأعلي من حاصل حاضر الغرب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                              الخاتمة

وحاصل القول إن السبب الرئيسي في التأثر بفكر هيدجر إلى حد حصر الفكر في ظاهرة التشقيق اللغوي الغالب على فلسفة الأزمة الغربية وترجماتها ليس إلا ما تؤدي إليه صيرورة القول الفلسفي الذي فقد الصلة بالعلم صيرورته عديم الحول الرمزي والقوة التقنية. وتلك هي العلة الحقيقية لنقمة  أصحابه على النخب التي باتت سيدة حدي الابداع الإنساني المجردين ( الفني والعلمي ) وحديه المعينين ( التجربة الوجودية والتجربة العلمية ) لما لها من سلطان على أدوات الفعل الرمزي والمادي نظرا وتطبيقا ولاخراجها النخب المتفلسفة من دون ابداع فني أو علمي من اللعبة التاريخية الفعلية. فقد أفلس القول الفلسفي الذي تأدلج بسبب فقدانه الصلة الحية بهذه الينابيع الأربعة ( الابداع الأدبي والتجربة الوجودية والابداع العلمي والتجربة العلمية ) وبات افلاسه مصدرا لنقمة  المتفلسفين الذين باتوا يصرفون فنا جديدا يأخذ من هذه الحدود الأربعة بطرف لينتجوا ما يتصورونه "ما بعد أدب"  وهو في الحقيقة الأدب في أفسد معانيه كما عرفه نقاد العرب خلال انحطاط الابداع العربي. فهو ليس أدبا ولا علما ولا تجربة وجودية ولا تجربة علمية. وهذا أيضا مما نتصور فريق المجلة مدركا لمخاطره وساعيا لتجنبه.

 ومن علامات افلاس الفكر الفلسفي الغربي المعاصر الذي من هذا الجنس سوفسطائيته المحدثة التي حاولنا سابقا فحصها فبينا أنها التمهيد الفكري والتأسيس الضمني للمسيحية المتصهينة التي تمثل العمود الفقري للعولمة الأمريكية[53]. فمن دون  التحقير من الينابيع الأربعة ومصدرها الرئيسي أعني الحياة في أجل معناها  لا يمكن أن يعود هذا الفكر إلى الدين التوراتي البدائي ليكون ماوراء بديلا من التطابق بين النوير العقلاني والتنوير الوجداني في الرسالة الخاتمة. أما بفضلها فإن الخطاب الفلسفي يصبح قابلا للاقتصار على التعالي السلبي خطابا يمهد الأرض لدين شعب الله المختار. وذلك هو في الغاية مصدر قبول عتاة الفكر الصهيوني الفرنسي بالتشقيق الهيدجري ذي التخريجات اللسانية التي طالما أشبعنا كراتيل أفلاطون منها "اسخورة".

كيف يمكن أن تبلغ السذاجة بالبعض إلى القبول بالسخافة القائلة إن  معاني الوجود كلها التي من المفروض أن تكون بعدد التجارب البشرية التي لا تكاد تتناهي – تسلميا بأن منارة كشف هذه المعاني هي الدازاين - قد انحصرت في ما يسميه هيدجر مصير الغرب حسب تخريجاته اللسانية المستندة إلى الفيلولوجية التحكمية   التي يطبقها على الغة اليونانية خلال نقله إياها إلى اللغة الألمانية فيصبح طلب نظائر لبعض التعامقات الاشتقاقية والجناسات اللفظية غاية جهد المترجمين العرب الفكري الذي غالبا ما يكون بعد المرور بالغربال الفرنسية أو الإنجليزية علنا أو سرا؟

أليست أهم أسباب عقم فكرنا العربي المعاصر هو كونه لم يتخلص بعد من هذا الهاجس حتى عند من لم يمارس الترجمة وحصر الفكر في بعض التفريعات اللغوية ( مثل أصحاب المشروعات من مفكري المغرب العربي ) التفريعات التي هي دون المعاني الاشتقاقية في صرف أي لغة مهما كانت بدائية. ذلك أن الصيغ الفعلية العربية مثلا تتضمن كل أفعال القول التي نسبتها إلى أجناس وظائف الفعل مناظرة لنسبة أجناس وظائف الإسم وأجناس وظائف الحرف وأجناس وظائف أسم الصوت وأجناس وظائف أسم الفعل كما بينا في كتاب الشعر المطلق والاعجاز القرآني: وكلها معان لا بد أن تكون قد كانت غائبة عن بال المترجمين إذ يستنقصون من شأن اللسان العربي لتزكية جهدهم الترجماني في محاولة تعويض عمق المعاني بعجمة المباني.

وإذا كان التشقيق اللساني زبد الفكر المتفاني فإنه قد يناسب صالونات العاطلين من أكاديميي الأمم الباذخة الذين فقدوا وظيفتهم في فعاليات العمران الغربي بسبب انتقال السلطان من رجال الدين وورثتهم من الفلاسفة إلى الأدباء والعلماء وكل المبدعين من خلال العيش الفعلي  للتجربة الوجودية والعلمية الحيتين فإنه لا يمكن أن يحقق ما نصبو إليه من فكر فلسفي عربي نريده مسهما في النهضة اسهام فكر الغرب الفلسفي عندما كان ذا صلة بهذه الينابيع أعني قبل انحطاط الفكر الديني والفلسفي الذي ورثه بعد الإصلاح في الحضارة الغربية. لا بد من فكر في العلوم ذات العمود الفقري  ( الطبيعية والإنسانية وتطبيقاتهما على العمران البشري والاجتماع الإنساني ) وفي الفنون ذات الأثر الوجداني فكر يناظر الفكر الذي حقق النهضات عند الغرب قبل وصوله إلى ترف التشقيق اللساني وتخريف علم الكلام المتنكر في ما يشبه الخطاب الوجداني والعودة بالفكر الإنساني إلى بنى اللسان اليوناني والجرماني اللذين يتصورهما هيدجر ومدرسته غاية البيان والعرفان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

[1]  لا بد من التمييز بين ضربين من التزود المعرفي. فالضرب الأول هو التزود المعرفي الأصيل. ويكون باكتشاف المعلوم من خلال فحص المجهول الذي يحدده ادراك قصور الحاصل من المعلوم بالقياس إلى الممكن منه بحسب تحديد الممكن من الحاصل تحديدا منطقيا ( بحسب قواعد المنطق المشتركة بين العقول ذهابا من الحاصل إلى شروطه التي هو تاليها أو إلى نتائجه  التي هو مقدمها) أو تحديدا توارديا ( بحسب قواعد التوارد النفسي التي يقبل المشترك منها الحصر التقريبي بردها إلى كل آليات المجاز مع فضالة لا تقبل الرد إليها وهي أقرب إلى آليات عمل اللاوعي والانفعالات). ومن ثم فهو يقتضي التمكن من الحاصل من المعلوم لتبين الثغرات والتناقضات ومن ثم لسلوك مسالك الامكان العلمي المؤسس. ويوصف هذا الضرب الأول بكونه أصيلا لعلتين: أولا لأنه يوجد في ذورة البحث أو في حاضره المطل على المستقبل ومن ثم فهو بالضرورة بحث طليعي وليس فيه تقليد وثانيا لان الزاد الحاصل من المعلوم من حيث هو زاد حاصل بات تراثا انسانيا كونيا شارطا لتجاوزه فلا يعد تعلمه تقليدا بل سعي للتحرر من التقليد. أما الضرب الثاني فهو نقيض النوع الأول في كل الخصائص. فهو تقليد في تقليد. وتلك هي حال تزودنا المعرفي الحالي في كل المجالات. حالنا حال المتعلم في المرحلة الابتدائية والثانوية المتعلم الذي لا يزال دون تحصيل الحد الأدنى من الحاصل. لم نصبح بعد في مرحلة التعلم الجامعي الثانية أعني تجاوز التحصيل إلى البحث العلمي الذي يكون فيه التحصيل فعلا نقديا للحاصل من أجل ادراك قصوره والاضافة إلى التراث البشري.

[2]  لا يخلو النظر من غائية عملية بمعنى العمل الخلقي والتقني. لذلك فليس المقصود هنا الغائية العملية الملازمة للنظر بالذات بل التوظيف الذي يجعله مباشرة في خدمة أغراض تقنية (التوظيف الاقتصادي للنظر) أو خلقية ( التوظيف الثقافي للنظر أو الإيديولوجي ) محددة تختارها أمة من الأمم بوصفها ما يلائم أهدافها العليا المحددة بظرفها التاريخي. ذلك هو القدر من التوظيف العلمي الذي ينبغي أن يكون النظر متحررا منه حتى يتمكن الانسان من المعرفة الخالصة. أما الغائية العملية الذاتية للنظر فهي له من حيث هو عمل انساني حتى وإن كان لا يهدف إلى العمل مباشرة. لذلك عرفنا النظر بكونه عملا مؤجلا أو ذخيرة لخطط العمل الممكن بحسب تحديد مقومات المعادلة النظرية بقيم عينية يقتضيها الظرف التاريخي في مستوى الغايات الخلقية والأدوات التقنية الضرورية لقيام الأمة في المعترك الوجودي. ولعل مشكل المشاكل بالنسية إلى المسلمين أنهم لا يزالون محجمين عن مثل هذا التمييز فيقصرون الفكر على العملي المباشر ويهملون النظر الباحث عن الحقيقة بصرف النظر عن العمل المباشر. فيجتمع عندهم الفكر الذريعي المبتذل والفكر الفقهي المرتجل. والسبب هو فقه سد الذرائع: ظنوا الفلسفة والعلوم النظرية التي هي ثمرات الفكر الفلسفي الذي يطلب الحقيقة لذاتها ظنوه من ذرائع الكفر لمجرد كونه فكرا في كل الأمكانات العقلية وغير مقصور على خيارات بعينها حتى وإن كان لا يستثني هذه الخيارات كما نبين في هذه المحاولة.  فسدوا الذريعة معتبرين الفلسفة والعلوم النظرية وكل العلوم التي يعرفونها بالوظيفة المنهجية أو العلوم الادوات مجرد اهتمام بما لا ينفع في الدنيا والآخرة. أما العلوم ذات النفع البين فحصروا البحث فيها في النفع المباشر (كالطب والهندسة والحساب العمليين). ولعل أهم العلامات على مثل هذه التصورات ما نراه في جامعات الخليج العربي التي لا تهتم إلا بالمعارف التطبيقية ذات الفائدة المباشرة وترفض كل محاولة للسؤال الفلسفي خوفا من التشكيك في ما يتصورونه حقائق نهائية يضرها الشك والتشكيك لكأنهم لم يقرأوا القرآن الذي يتذرعون به ولم يدركوا أنه مثل كل التجارب الوجودية الصادقة مليء بالسؤال والحيرة والشك. فلم أر في حياتي نبيا يذهب في السؤال الفلسفي إلى حد التشكيك في كل شيء دون أن يكون ذلك قادحا في إيمانه مثل النبي محمد (صلعم ), إذ إن هذا الشك ليس دليلا على عمق طلب الحقيقة فحسب بل هو كذلك أكبر دليل على صدق الإيمان الناتج عنه وعن طلب الحقيقة في العمق.

[3]  وبذلك يتبين أن الجمع بين الطلب النظري مطلق الحرية والانفتاح على كل الممكنات العقلية والطلب العملي الذي يصبح ممكنا بفضل ذلك أعني أن النظر روية مطلقة تجعل الخيار العملي يكون على علم هو الشرط الضروري والكافي لحيوية الامم الحضارية. والأمم التي يصبح خيارها العملي ملغيا لانفتاحها النظري يتحول العلم فيها إلى تقاليد ميتة لا تتغير إلا بمقتضى العوامل الخارجية التي تحول الفكر إلى مجرد تكيف مع الخارج باستعارة ما يوفره فكر غيرها من الحضارات كما هو شأن المسلمين والعرب اليوم. ظلوا نائمين على تقاليد وخيارات لم يثقفها البحث المساعد على الاصلاح المتواصل إلى أن باتت هذه التقاليد العائق الأساسي للوجود الحر القادر. وعنذئذ تختلط الأمور فيصبح مجرد التعلم الخارجي بديلا من الخيار العملي الناتج عن الحوار الجمعي الذي هو الروية في مستوى الجماعة ومن ثم شرط العمل المبدع. فيكون الوجود الحضاري للامة مثل الوجود التكنولوجي في المجتمعات العربية الحالية مجرد استيراد للمتوالي من أشكال التقنية في النوع المستورد كالسيارات أو الأسلحة أو الملابس أو الأغذية ولا شيء من ذلك يتم ابداعه بتطور ذاتي للشكل السابق في الممارسة الأهلية.

[4]  اختيار هيدجر التحكمي لكلمة "دازاين" التي تعني الوجود العيني عامة أو الإنية بالمقابل مع الماهية ليفيد بها الوجود العيني المميز للإنسان ليس له من تعليل إلا التحكم الهيدجري في الاصطلاح. ذلك أن هذا التخصيص لا يمكن أن يكون مصدره الزاين المشار إليه من الدازاين ولا الدا الإشارية منه ولا حصيلة الوصل بينهما.  لذلك اعتبرها الاصطلاح القويم في اللسان الفلسفي قبل هيجدر دالة على العين المشار إليها ومن ثم على الإنية أيا كان الشيء المتأنن. وكنا نفهم التخصيص بالإنسان لو كان حرف الإشارة يقتضي بالضرورة أن المشار إليه هو عين المشير بحيث تصبح دالة على الصحبة الدائمة بين العينية ونسبة ما للذات لها دون سواها نسبة دائمة (Steteges Charakter der Jemeinigkeit). لكن ذلك لا أثر له في المؤلف دازاين  من "دا" و "زاين". لذلك فكل تهويل من هذا المفهوم ومحاولة التمييز بينه وبين ما فهم منه المترجم الأول للنص إلى الفرنسية عنيت المستشرق كوربان عندما ترجمه ب "الوجود الإنساني" استنادا إلى شرح صريح لهيدجر نفسه في الزمان والوجود ليس إلا من باب التحكم. والحقيقة أن الفهم العميق لدلالة هذه الكلمة يعود إلى مفهوم "الكلمة" بالمعنى المسيحي الكاثوليكي الذي ينطلق منه هيدجر في ما يحاول اخفاءه من لاهوت لم يتخلص منه اطلاقا مهما حاول. ولعل اهتمام الكنيسة عامة والكاثوليكية بصفة خاصة بفكره ليس لمجرد الطلب الفلسفي. فيكفي أن تربط بين الزاين والدازاين حتى تعلم ان العلاقة بينهما هي العلاقة بين الأب الذي ليس له المشارية لاطلاقه (المشار إليه في الوجود العيني الخارجي) والإبن الذي يتعين في مشاريته زاين أبيه. فيكون الدازاين وحدة الأقانيم الثلاثة الأب (الزاين) والإبن (الدا) والروح القدس الجامع بينهما بصلة هي ما يحاول هيدجر صياغته بتنكر دائم تارة برعاية الدا للزاين وطورا بنسيانه كما يمثل لذلك الزاين المشطوب. فيكون مدلول الدازاين هو مدلول  الإبن أو الكلمة بالمعنى المسيحي الذي استقر منذ العهد الهلنستي عند كل من له دراية بهذا التاريخ. يكفي إذن أن تقرأ المفهوم في دلالته الهيدجرية المنتقلة من قراءة تشطب الأب إلى قراءة تعيد إليه دوره حتى تفهم الفهم الكورباني الصحيح في ترجمته بشرط عدم نسيان أن الوجود الإنساني المقصود هو ابن الرب أو الكلمة التي  "تعطي كل شيء خلقة ثم تهدي". والفهم الذي يحاول أن يتجاوزه بقراءة تراجعية تبحث عن التناسق بين ما تقدم على ما يسمى بالمنعرج عامة أو بالمنعرج اللساني خاصة وما تلاه  ليس إلا محاولة لإخفاء ما في الهيدجرية من هيجلية ضمنية. فالوجود الإنساني هو تعين الوجود الإلهي أو الروح الكلي الذي صار لحما ودما في الدازاين الشخصي ( الروح الذاتي ) المطابق للدازاين الجمعي مطابقة تجعله قادرا على أن يكون لسانه الناطق بالفكرة التي يزول فيها الفاصل بين الزاين والدا ليكون الدازاين (الروح الشخصي المعبر عن الروح الموضوعي لحضارة أو شعب بعينه  أعني محل الروح الكلي). وكل محاولات نفي الذاتوية عن المعنى الثاني تقابل محاولات استرداد دور الاب. فكأنما الإبن سأم اليتم بعد أن ثكله الأب.

 ولعله من المناسب هنا أن نناقش اختيار مركب "هوذا" (في محاولة الاستاذ موسى وهبة الواردة في العدد الاول من مجلة فلسفة المشار إليها في الهامش الموالي ) للدلالة على الدازاين. ف"هو" من "هوذا" ليست دالة على فعل الوجود كما حاول استعمالها فلاسفتنا قبل اقرار كلمة "موجود" بديلا اجمعوا عليه بل هو ضمير يحيل على المقصود في سؤال مقدر. فعندما يسأل أحد أحدا عن أحد ويراه المسؤول دون السائل قادما يقول مجيبا: هوذا فلان. ولكن هبنا قبلنا أن "هو" يمكن بالمواضعة أن نعيد إليها الدور الدي سعى إليه الكندي ولم يقره عليه فلاسفة العرب من بعده. فهل "ذا" تؤدي معنى "دا" من دازاين,  أعني مدلول  " التحيز الفعلي" للهو المشار إليه كما في دا أو فعل الإشارة نفسه؟ في "دا" الألمانية كما هي في هذا التأليف المعنى المقدم هو "هناك أو هنا " على فعل الإشارة إليهما  لئلا يكون دا الزاين إضافة إلى ذات مدركة. ومن ثم فكلمة دازاين تعني الوجود المتحيز هنا أو هناك أو الحي المتعين القائم بنفسه والملقى في واقعة هذا القيام هنا. في حين أن "ذا" العربية لا تعني التحيز أصلا بل الإشارة إلى المشار إليه بمعنى ملاحظة حضوره من قبل غيره دون تحديد حيز أو جهة ضرورة. فيكون اختيارها جاعلا من الزاين زاينا لأن الغير لاحظه وليس زاينا بذاته أو بكونه حاضرا بأفعاله وامكاناته بصرف النظر عن ملاحظة حضوره من قبل غيره. ولا أتصور أن دازاين تعني كون الزاين مشارا إليه من قبل غيره ملاحظة لحضورة بل هي تعني كونه بذاته قائما هنا أو هناك أي متحيزا عينيا مثوله حاصل سواء لاحظة غيره أو لم يلاحظه فضلا عن كونه ليس مجرد ماهية هي الزاين بل هو إنية بمعنى حصري على الإنية التي ينكشف لها الوجود فتفهمه وتقوله بتأويله بما يتبدى في سلوكاتها بكل ضروبها من مشروعات وتحقيقات. ومن ثم فمكونا "هو- ذا" لا يؤديان معنيي مكوني "دا- زاين" المقصودين بالتخصيص. ويمكن إذا قبلنا بنهج القيس على لغة النص أن اقترح مؤلفا من كلمتي "هنا" و"أيس". ليكون الدازاين "هنيس" تأليفا يعمل بقاعدة النحت العربية (كل المنحوتات العربية تتكون على قاعدة انتخاب مادة فعل رباعي من أصوات الكلمات المنحوتة بشرط أن يستسيغ الذوق العربي هذا الانتخاب) علما وأن سيبوية يعتبر "ليس" كلمة منحوتة تتألف من حرف النفي "لا" ومن اسم الوجود " أيس". وقياسا عليها يمكن تكوين هنيس وهليس.

[5]  لعل أفضل عينة من فكر هذا النوع من النخب ما تضمنه العدد الأول من  مجلة "فلسفة" التي تصدرها ببروت جمعية تعاونية اللقاء الفلسفي العدد الأول خريف 2003

[6] وهذا هو المعيار الذي نحدد به نسب أي فكر. ويمكن أن نحلل هذا النسب على النحو التالي مراوحين بين فلسفة نيتشة وهيدجر وبعض معاني القصص القرآني الذي أهمل مدلوله الفلسفي. فوحدة موضوع الخطاب لا تكفي لتحديد نسبه الحضاري بل لا بد من وحدة ما يمكن تسميته بالقصد الوجودي الجامع بين معاني التاريخ الثلاثة في وظيفتها الحيوية كما صاغها نيتشة ( تأملات غير مناسبة: وهو نص نقلناه مع نص كنط في التنوير ما هو؟ نقلناهما إلى العربية منذ نهاية السبعينات ) ووحد بين أبعادها هيدجر ربطا للمعاني الثلاثة التي أشار إليها في جدل التلازم بينها تلازما يكون الوعي به هو جوهر عزم الأمور بمعناه القرآني (Die Entscholssenheit ولكن بمعنى خال من القلق الوجودي غير السوي الناتج عن الشعور بالذنب لما نعلم من تحرير القرآن الإنسان من عقدة الخطيئة): 1- التاريخ المعلمي, 2- والتاريخ المتحفي, 3- والتاريخ النقدي, 4- والصلة بينها ثلاثتها, 5- والالتزام الواعي بكون هذا الترابط بينها هو الهوية الحضارية الحية وأصل النسب الحضاري لأي فكر أصيل.

 فالموقف المتحفي عرفان منفعل بالماضي دون انتخاب. والموقف النقدي عرفان فاعل أضفى على ما في الأول من ولاء ما فيه هو من اصطفاء. لذلك فكلاهما لا معنى له من دون التاريخ المعلمي الذي يجد في الوفاء للماضي بالإيجاب والسلب المعين الذي لا ينضب المعين الذي تنبع منه مشروعات المستقبل إيجابا بما حققه هذا الماضي من شروط مبادئه التأسيسية ونتائجها وسلبا بما لم يحققه منها. ذلك أن الانفعال والفعل يكون أولهما انفعالا بما في التاريخ من المعالم التي يعتبرها كلها نموذجية وموجبة ويكون ثانيهما فعلا بما فيه من المعالم التي يقيسها بحاجات قوة الأمة الحيوية الفعلية والحالية ليصطفي منها النماذج. وأهم ثمرات هذا الموقف توسيع مفهوم الامكان من خلال تحرير طاقة الإنسان بتحريك الزمان ( إطار التزمن الإنساني الممكن والمفتوح على كل البقاء ) والمكان (حيز التمكن الإنساني الممكن والمفتوح على كل الفضاء) وأثر الزمان في المكان (التاريخ الحي) وأثر المكان في الزمان (الجغرافيا الحية ) ومن ثم اكتشاف مفهوم الإرادة المؤثرة ترجمانا للحرية في التاريخ.

لذلك اعتبرنا كلا الوجهين إذا ترابطا أولا وارتبطا ثانيا بالوجه الثالث ارتباطا ملتزما بمقدماته ونتائجه عرفانا بل ذروة العرفان. وذلك هو مخمس العلاقات المحددة للهوية من حيث هي نسب حضاري روحي كما عرفها القرآن الكريم في مفهوم عزم الأمور بما هو علاقة نقدية متحررة من الشعور بالذنب طبقها على التاريخ الديني في قصصه الذي لم ينل حظه من التحليل الفلسفي. وبهذه النسبة يتحدد نسب كلا المشروعين اللذين اعتمدت عليهما الصحوة والنهضة ( مشروع ابن خلدون في اصلاح الشريعة ومشروع ابن تيميه في اصلاح العقيدة) بخلاف ما آل إليه أمرهما في تطبيقهما النهضوي تطبيقهما الذي افسدهما. فالمشروع الأول من حيث هو تنوير ديني ينقد الخرافات والتوثين الشعبي للعقيدة لا يقاس بمآله في الوهابية العربية التي هي شكله الفاسد ونسبتها إليه هي نسبة التطبيق الستاليني إلى الفلسفة الماركسية ( في مجال النقد النظري والروحي ) والمشروع الخلدوني من حيث هو تنوير علمي ينقد الخرافات والتوثين الشعبي للشريعة لا يقاس بمآله في العلمانية العربية التي هي شكله الفاسد ونسبتها إليه من نفس الجنس ( في مجال النقد العملي والسياسي).

أما الفكر الذي لا يؤمن بتاريخ الأمة من خلال الجرأة الجهلاء على معالمه فضلا عن الالتزام الوجودي بما يترتب عليها وعلى جدارة الانتساب إليها فلا يمكن أن يعد منتسبا إلى هذا التاريخ سواء كان صاحب موقف متحفي أو صاحب موقف نقدي تسليما جدليا بكونه بهما داريا وجزما يقينينا بكونه لا يمكن أن  يكون فيهما صادقا لغياب الموقف المعلمي والصلة بين المواقف الثلاثة فضلا عن الالتزام الوجودي بثمرات الابعاد الأربعة السابقة. لا يمكن لمثل هذا الخطاب أن يتجاوز المتاجرة في بضاعة صارت مطلوبة في أسواق الفكر الغربي. إنها من الوسائل للحصول على "كريسي" في سلائل الكنيسة من الجامعات الغربية التي تهتم بتدريس عموميات ما يسمى بالأسلامولوجيا.

من لم يعد مؤمنا بأن للحضارة الإسلامية رسالة كونية مستقبلية فضلا عن الالتزام بها سواء كان من العرب والمسلمين بالوراثة أو من المستشرقين لا يمكن أن يكون لموقفه النقدي ولا لموقفه المتحفي أي معنى عدى مضغ سطحيات فكر لم يفهم منه حتى العناوين المنهجية التي يعد بتطبيقها وعدا لم يله وفاء فكان كالغثاء. لا اتصور المسلمين اليوم في حاجة للنصائح المنهجية التي لا ترقى لأدنى الدراسات الاستشراقية. ولا اتصورهم لم يتسغنوا بعد عن التعاطف مع قضايا الأمة التعاطف إلذي كان مدخل كل مستغفليهم من لورانس الذي ضحك على ذقون أمراء العرب إلى ماسينيون الذي تلاعب بشحطات عشاق الرب.

[7]  لا يعني قولنا بنظرية الحمية الحضارية التسليم بنظرية الحقيقة البراغماتية التي تحولها إلى الكذب المفيد. تعريف نيتشه للحقيقة متناقض. لا معنى للكذب المفيد إذا لم يكن متقدما عليه مفهوم الكذب المقابل لمفهوم الحقيقة. التضايف بين الصدق والكذب بين لكل ذي عقل. كل أوهام قلب القيم عند نيتشه مستندة إلى وهم البديل من الأفلاطونية بقلبها على رأسها. وفي الحقيقة فالأمر كله يرد إلى ما سنفحصه في القول بالثنائية  ماهية وجود وجوهر وعرض بداية ونفيها غاية. فنظرية التطور ترفض المقابلة بين الماهية ( الصورة الجوهرية أو الوظيفة ) والوجود            ( التعين في مواد عرضية للصورة النوعية  أو الاعضاء ) لكنها تتناقض بمجرد اعتبار التوافق بين الأعراض الاتقاقية ( الذاتية للنوع المتطور والخارجية لمحيطه وللانواع الاخرى التي يصارعها من أجل اسباب الحياة ) علة كافية لحصول ملاءمة أكبر تتمثل في زوال ما ليس ملائما وبقاء الملائم. فهذه غائية متخفية مضاعفة: غائية ذاتية للنوع لأن ما يجعل بعض أفراده لهم خاصية ما تجعلهم أكثر قدرة على التكيف وربح الحرب لا بد أن يكون وسيلة لغاية هي هذا النجاح وغائية خارجية للنوع وذاتية للحياة ككل لان ما يجعل بعض الأنواع تبقى وبعضها يزول يؤدي وظيفة مفيدة للحياة ككل. ومن ثم فإن الفرق بين أفلاطون وأرسطو القائلين بثقات الأنواع وداروين القائل بتطورها ليس فرقا إلا في دور الزمان في العلاقة بين الغاية والوسيلة. فالغاية مزامنة للوسيلة وحاصلة ومن ثم فهي تجعل نسبة الوسيلة إلى الغاية نسبة حكاية في حين أن نسبتها عند داورين هي نسبة تحقيق فعلي وليست نسبة حكاية. الغاية ليست سابقة التحقق على تحقيقها. لكن التطور في منحاه بما يزيل وبما يضيف مسار غائي حتى عند داروين. ومن ثم فلا معنى لوصف ذلك بالكذب النافع إلا إذا بقينا نقيسه بحقيقة في ذاتها. العرض المفيد في التطور ليس كذبا نافعا بل هو حقيقة بدليل نجاحه في الصراع. والصراع وسيلة لتحقيق الغاية بمنطق القرآن الكريم نفسه: إذ هو وضع أن التدافع في التاريخ هو الشرط الضروري والكافي لتحقيق القيم. لكن ذلك التدافع يعني أن القيم موجودة في ذاتها وأن الإنسان بكتمل بالسعي إليها بسحب سنن الله التي لن تجد لها تحويلا. وبذلك يتبين أن داروينية نيتشه فكر قاصر لانه لم يحلل نظرية التطور تحليلا موضوعيا بل اكتفى باستعمالها للدفاع عن موقف غاضب من فكر عصره ورد فعل متجن على الافلاطونية والمسيحية المحرفتين.

[8]  ولعل أكثر الفلاسفة وعيا بهده المسألة هيجل الذي أدرك التزاحم على الوظيفة "التربوية" بين الفلاسفة ورجال الدين. بل إن كنط نفسه في معركة الكليات يعالج هذه المسألة ويحاول أن يثبت فيها حق القول الفلسفي في أداء الوظيفة التي يحاول رجال الدين حصرها في الكلية اللاهوتية. لكن مهرب الفن والسياسة بوصفهما مستعصيين على العلم لن يجدي نفعا: فاستعصاؤهما على العلم لا يعني قابليتهما لقول يمكن أن يكون بديلا منه تزعم الفلسفة تقديمه. لا يوجد بين الدين والأدب من جهة والعلوم من جهة ثانية من علاج مفيد للتجربة الحية سواء كانت طبيعية او خلقية يمكن أن يزعم التعالي على هذه الضروب الثلاثة من العلاج عدا الترجمة الذاتية أو الروية الخلقية الشخصية في تعاطي المرء مع تجربته الخلقية والحياتية مراوحا بين العلاجات الثلاثة السابقة فيكون أديبا ومتدينا وعالما.

[9]  وطبعا فنحن لن نناقش مناسبة ذلك لحاجة اللحظة التاريخية الأوروبية التي بالاضافة إليها تم هذا التحديد. فليس هذا من همومنا. همنا أن نبحث في مناسبة ذلك أو عدمه للحظتنا التاريخية لأننا نتصور الفكر قادرا على أخذ موقع الموقف المبدع بمجرد تحديد المناسب لظرفه التاريخي تحديدا يجعل ما يحصل فيه موضوعا له وما يسعى إليه عملا في ذلك الموضوع متطابقين أقصى ما يمكن للتطابق بين الوعي ووعي الوعي إذا استعملنا استعارات فلسفة الوعي أو الدال والمدلول إذا استعملنا استعارات المنعرج اللساني.

[10]  ولما كنا ننتسب إلى أمة فعلها المؤسس يعرفها بكونها شاهدة على العالمين بمعيار التصديق بمعنيي اعتباره صادقا والالتزام به (قبول ما تراه حقا عند الآخرين ) والهيمنة بمعنيي الائتمان عليه والسلطان على من يسعى إلى تحريفه (من منظور قيم الاسلام دينا كونيا يتميز عن الشرائع والمناهج المتعددة بتعدد الملل ) فإن الشهادة تعني أنها لا يمكن أن ترضى بحمية تتنافي فيها الخصوصية والظرفية على الكلية والبنية ما يعني أن الخصوصية والبنية اللتين تسعى إليهما ينيغي أن يحررا من كل خصوصية وظرفية منافية للكلي والبنيوي. لذلك فنقاشنا للمسألتين المضاعفتين نقاشا يركز على دحض الخصوصي والظرفي كما حددهما هيجدر للوصول إلى الحمية التي تحتاجها الأمة أعني الأساس الاعمق الذي تتحدد بمقتضاه صلة الخصوصي والظرفي بالكلي والبنيوي في التاريخ البشري ليناسب ذلك خصوصية تجاوز الخصوصيات: الفطرة هي الكلي المشترك بين الأمم رغم تعينه الخصوصي بالعرضيات التي ينبغي أن تحافظ على الأخوة البشرية. ويقتضي ذلك دحضا نسقيا لتصوري هيدجر الأساسيين أعني مفهوم الزمان وتحديد الوجود بالإضافة إليه من خلال الإضافة إلى الإنسان. وإذن فينبغي أن يوصلنا هذا الدحض إلى نقاش مسألتين أخريين مضاعفتين هما بدورهما عنيت مسألة الزمان عامة والزمان من حيث صلته بالإنسان خاصة ثم مسألة الوجود عامة والوجود الإنساني خاصة. وبذلك تكتمل الدراسة التي تعيد فكرنا إلى موقعه من تاريخ الفكر البشري ليسهم فيه من جديد. المسألة الأولى وهي ذات فرعين: نظرية الزمان باطلاق ( الفرع الأول: الزمان والفرع الثاني: الزمان الإنساني)  المسألة الثانية وهي ذات فرعين: نظرية الوجود باطلاق ( الفرع الأول: الوجود والفرع الثاني: الوجود الإنساني). لكن ذلك لو تم في هذه الدراسة لصار استطرادا تأسيسيا لها. لذلك فسنرجيء هاتين المسألتين لمناسبة اخرى ونقصر بحثنا على المسألتين المشار إليهما في الخطة. 

 

 

 

[11]  هيجلية هيدجر يغلب عليها المنحى الشيلنجي والهولدرليني وتلك علة انفصالها عن المدرسة الهسرلية تغليبا للهموم العملية على الهموم النظرية. لكن المجال هنا لا يسمح لبيان هذه الدعوى رغم أن التحليلات الموالية ستثبت الكثير من حججها تأسيسا على مقدمة رئيسية نقرأ بها الفكر الغربي الحديث أثبتناها في مقالين بالفرنسية أولهما خصصناه لديكارت ( الذي أثبتنا بالدليل النقلي فضلا عن العقلي أن مشروع الإصلاح كان لغايات دينية بالأساس ) والثاني لكنط . وهذه المقدمة هي: الفكر الفلسفي الغربي استبدل ما بعد الطبيعة بما بعد التاريخ أساسا للنظر وفلسفة الوجود والعمل وفلسفة القيمة ومن ثم فهو قد انتقل من المضمون الفلسفي التقليدي إلى المضمون الديني التقليدي ومن الشكل الديني التقليدي إلى الشكل الفلسفي التقليدي. بات الفكر مستندا إلى الثيولوجيا الخلقية بعد اليأس من الثيولوجيا الطبيعية بمعنيي المصطلحين عند كنط. والمعلوم أن ثورة شيلنج وهولدرلن بالنسبة إلى هيجل هي في التوحيد بين الميثولوجيا اليونانية والغاز علم الكلام المسيحي في فهم الثيولوجيا الخلقية واستبدال ما بعد الطبيعة التي باتت مستحيلة بعد النقد بما بعد التاريخ الذي أسسه النقد حيث أوجد عالما عمليا متعاليا على العالم النظري وإليه ترد كل أسرار الوجود المتعالي الذي لا قيام له إلا في عقل الإنسان. ولما كان الوسيط بين العالمين أو السلم الناقل من الأول إلى الثاني هو مجال النقد الثالث أو مجال نقد ملكة الحكم فإن لدور الفن عند هولدرلن وشيلنج وعلاقته بالمدرسة الرومانسية ما يفهمنا كل مضامين فكر هيجدر.

[12]  وهذا النقد قد يكون مفيدا إذا كان القصد منه  تذكير العلم بما استثناه مؤقتا لتحديد مقومات موضوعه المناسبة للعلاج العلمي دون أن يعني ذلك أنه ينفي ما استثناه من حقيقة أو وجود. فعندما يحدد العلم الطبيعي قوانين الحركة في فرضية الخلاء التام النظرية لا يمكن أن يكون العلماء غافلين عن أن الخلاء التام مجرد فرضية نظرية لتحديد القوانين دون أن يتصوروها مطابقة لما ندركه في الوجود العامي الذي ندركه بحواسنا. كما أن العلماء الحقيقيين تجاوزوا وهم الزعم  بأن ما يدركه العلم هو حقائق الاشياء في ذاتها فينفون بذلك كل قيمة عن مداركنا العامية. فعلماء الفلك لا يجهلون أن الفلك الذي تدركه حواسنا غير الفلك الذي تصل إليه النظرية الرياضية والتجربة العلمية. لكنهم لا يزعمون أن حقيقة الفلك مقصورة على الفلك العلمي. لذلك فتذكير العلم والعلماء بالمستثنى في النظريات مهم. لكن إذا كان الهدف استبدال هذا بذاك أو ذاك بهذا فإن الدلالة تصبح خطيرة عند الأمم التي ليس لها بعد معرفة علمية. فتكون دلالة الدعوة إلى المدارك التي في عالم الحياة دعوة إلى العزوف عن المعرفة العلمية باسم معرفة فلسفية أتم وأشمل لا معنى لها إلا بالقياس إلى تلك المعرفة العلمية إذا توفرت. فالمعرفة الفلسفية تكون  أتم وأشمل إذا كانت تذكيرا بما أهمل في التجريد العلمي عند ذوي العلم. اما عند الأمم التي ليس لها بعد علم فإنها تصبح دعوة إلى الجهل: لذلك فهي تصبح فلسفة لفظية عديمة المضمون العلمي. وبذلك يتبين أن نفس الأمر في الظاهر له دلالات متقابلة في الباطن بحسب النسبة إلى الظرف التاريخي. ومن هذا الباب كثرة الثرثرة الابستمولوجية عند عرب المغرب العربي من دون علم: لست أفهم الكلام في علم العلم وما بعدالعلم في جامعات لا علم كلام النابسون به علمهم لا يتجاوز التحصيل العلمي في المدارس الثانوية. لذلك فأقصى ما يمكن أن تجده في متكررات كتاباتهم تلخيصات مشوهة لنظريات أكل الزمان عليها وشرب. وكان يمكن أن تكون مقبولة لو كان النابسون غير متجاوزين لقدرهم فاقتصروا على التعليم المدرسي العارض للموجود عرضا أمينا. ذلك أن شرط هذا العرض الأمين مفقود هو بدوره: فلا يمكن لمن يريد أن يتكلم في نظرية أي علم من دون  أن يكون عالما بذلك العلم. الفيزيائي وحده مثلا يحق له أن يتكلم في نظرية علم الفيزياء. أما فلسفة الفيزياء من غير فيزياء فهي ثرثرة وهذيان لا يحتاج اثباته إلى مزيد بيان.

[13]  Das‘Wesen’ des Daseins liegt in seiner Existenz. Die an disem Seienden herausstellbaren Charaktere sind daher nicht vorhandene ‘Eignenschaften’ eines so und so ‘aussehenden’ vorhandenen Seienden, sondern je ihm moegliche Weisen zu sein und nur das. Alles so-sein dieses Seienden ist  primaer Sein. Daher drueckt der Titel ‘Dasein’, mit dem wir dieses Seiende bezeichnen, nicht sein Was aus, wie Tisch, Haus, Baum, Sondern das Sein.” ( Heidegger, Sein und Zeit, Max Niemeyer Verlag, Tuebingen, 2001 s.42)

 نضيف الترجمة الانجليزية لمن يريد التحقق من الترجمة العربية التي نقدمها هنا إذا كان ممن يجهل اللغة الألمانية وسنعتمد ترجمة: Martin Heidegger, Being and Time, translated by John Macquarrie and Edward Robinson, Oxford, Basil Blackwell, 1978 .

“The essence of Dasein lies in its existence. Accordingly those characteristics which can be exhibited in this entity are not ‘properties’ present-at-hand of some entity which ‘looks’ so ans so and is itself present-at-hand; they are in each case possible ways for it to be, and no more than that. All the Being-as-it-is [So-sein which this entity possesses is primarily Being. So when we designate this entity whith the term ‘Dasein’, we are expressing not its ‘what’ ( as if it were a table, house or tree) but its Being.”( p.67)

[14]  وخاصة في المقالة الأولى من التحليلات الثواني وأسئلة العلم الأربعة الرئيسية. وللعلم فإن التحليلات الثواني بمقالتيها مع المقولات تمثل بداية حقيقية لما يمكن أن يعد منطقا متعاليا أعني علم شروط الوصل بين الصورة العقلية والمضمون الحدسي استكمالا للمنطق العام في العبارة والتحليلات الأوائل. وهو قد بدأ بالبرهان والتصديق في المقالة الأولى قبل الماهية والتصور في المقالة الثانية ما يعني أن نظرية العلم الأرسطية تقدم المؤلفات وحساب القضايا على البسائط وحساب المحمولات.

[15]  ويمكن أن نعتبر علاقة التقديم والتأخير بين مابعد الطبيعة ما بعد التاريخ المميز الرئيسي بين الفكر الفلسفي والفكر الديني بالتناظر مع تقديم النظر والطبيعة أو تأخيرهما على العمل والتاريخ.  والمعيار الرئيسي لتحديد تأثير أحدهما في الآخر يتبين من تبني احدهما لشيء من موقف الآخر مع غلبة أحد الترتيبين على الفكر الإنساني ككل. ففي العصرين القديم والوسيط كان الترتيب الغالب هو تقديم ما بعد الطبيعة على ما بعد التاريخ وفي العصرين الحديث والمعاصر انعكس الأمر. وهذا يعني أن مميز الفكر الديني بات السمة الرئيسية للفكر البشري: العمل والتاريخ وتصور الوجود علاقة إرادات قبل النظر والطبيعة وتصور الوجود علاقة عقول.

[16]  أين يقوم الفكر الانساني عندما يميز بين الممكن والممتنع والواجب في الوجود؟ ما المشترك بين الجهات حتى تكون جهات وجود ثم تنقلب أصلا لكل الأدلة على أجناس الوجود فتنقلب الجهات ( التي من المفروض ان تكون أحكام عقل لا حقائق وجود حسب الغزالي ) إلى أجناس وجود ينقسم بمقتضاها إلى وجود لا يقبل الوجود لأنه لا يقبل التصور من غير تناقض ووجود لا يقبل العدم لنفس العلة ووجود يقبلهما معا ومن ثم يحتاج إلى مرجح ينقله احداثا من الامكان إلى الوجود أو اعداما من الامكان إلى العدم؟ أليس ذلك يقتضي أن يكون الفكر الانساني غير الوجود الموجه وغير الجهات حتى يعلو عليها ليراها فينزلها في أحياز تحدد بالتضايف فيما بينها؟ المهم هو أن الفصل الوجودي بين الماهية والوجود أتى بسؤال طبيعة الفكر إلى الصدارة. وتلك هي العلة التي بات فيها علم النفس السينوي أهم أجزاء نظرية المعرفة والوجود أو إن شئنا البرزخ الاساسي الرابط بينهما ربطه بين النظر وما بعده ( المدخل الفلسفي ) والعمل وما بعده ( المدخل الديني ) ومن ثم تجاوز الحرب بين الثقافتين الفلسفية الطبيعية والدينية التاريخية .

 [17]   "يكمن جوهر هذا الموجود في استعداده إلى أن يكون. ف"مائية" ( ايسانسيا ) هذا الموجود ينبغي- إذا صح أصلا لنا أن نتكلم عن مائية ننسبها إليه - أن نتصورها من منطلق وجوده ( اكزيستنسيا). والمهمة الانطولوجية المباشرة هي أن نبين أننا عندما اخترنا أن نسمي وجود هذا الموجود ب"اكسيستنس" فإن مدلول هذا العنوان ليس الدلالة التي لمصطلح "اكزيستنسيا" الوجودية في الموروث أو التي يمكن أن تكون له فيه. ف"اكزيستنسيا" تعني وجوديا في دلالتها الموروثة ما يعنيه "المثول" الذي هو ضرب من الوجود لا يلائم جوهريا موجودا له خاصية الدازاين المييزة. وإذن فإننا نتجنب اللبس باستعمالنا العبارة التأويلية "مثول" مقابلا للاسم "اكزيستنسيا" وحصر استعمال "اكسيستنس" من حيث هي حد وجودي للدلالة على الدازاين "

“Das ‘Wesen’ dieses Seienden liegt in seinem Zu-sein. Das Was-sein (essentia) dieses Seienden muss, sofern ueberhaupt davon gesprochen wierden kann, aus seinem Sein ( existentia) begriffen werden. Dabei ist es gerade die ontologische Aufgabe zu zeigen, dass, wenn wir fuer das Sein dieses Seinden die Bezeichnung Existenz waehlen, dieser Title nicht die ontologische Bedeutung des ueberliferten Teminus existentia hat und haben kann; existentia besagt nach der Ueberliferung ontologish soviel wie Vorhandensein, eine Seinsart, die dem Seienden vom Charakter des Daseiens wesensmaessig nich zukommt. Eine Verwirrung wird daduch vermieden, dass wir fuer den Title existentia immer den interpretierenden Ausdruck Vorhandenheit gebrauchen und Existenz als Seinsbestimmung allein dem Dasein zuweisen.” ( S.u.Z., s.42

The ‘essence’ [Wesen] of this entity lies in its ‘to be’ [Zu-sein]. Its Being –what-it-is [Was-sein] (essential) must, so far as we can speak of it at all, be conceived in terms o its Being (existentia). But her our ontological task is t show that when we choose to designate the Being of this entitiy as ‘existence [Existenz], this term does not and cannot have the ontological signification to the traditioanal  term ‘existentia’; ontologically, existential is tantamount to entities of Dasein’s character. To avoid getting bewildered, we shall always use the Interpretative expression ‘pesence-at-hand’ for the term ‘existentia’, while the term ‘exitence’, as a designation fo Being, will be allotted solely to Dasein”( p.67)

[18]  وهذه المقابلة التقريبية قابلة للنقض من مدخليها وبذلك فهي لا تتعدى المعرفة الغفل التي يراد لنا أن نعود إليها خلطا بين شروط العمل العادي في الحياة الخلقية السوية وشروط الحقيقة العلمية التي تتجاوز المقابلات الغقلة إلى ما يمكن من معرفة قوانين الظاهرات لعلمها أولا وللنقلة من العلم العادي إلى العمل على علم, وكلاهما ضروري للحياة السوية رغم اختلاف المستويين. ولنبدأ بالمدخل الأول: فلا شيء من مدخل الحرية والإنسان يثبت الحرية والإمكان غير الشعور الذاتي والنسبي عنده  بكونه حال العمل العادي يستطيع الخيار بين امكانات متعددة وأن العلم بهذه الامكانيات يوسع الامكان فيكون العمل على علم أسمى من العمل العادي رغم استغنائه عن فرضية الحرية النافية للقانونية في الظاهرات التي هي موضوع العلم. ومن ثم فلا وجود لدليل أسمى على الحرية من هذا الشعور بالحرية والقدرة على توسيعها رغم اخضاعها للقانونية العلمية. وحينئد فمن يدرينا فلعل لكل الكائنات في ذاتها نظير هدا الشعور إذا كان ليس عليه دليل خارجي يمكن ان يمدنا بدليل مغاير للشعور الباطني به. ولاشيء من مدخل غير الإنسان يثبت الضرورة غير مجرى العادات التي لا ندري هل هي صفة للشيء الذي ننسب إليه العادة أم للفكر المدرك للعادة. ومن ثم فالمقابلة من وجهيها مقابلة نسبية إلى علم الإنسان ( العمل على علم ) وشعوره   ( العلم العادي ). لذلك نفى الفكر الأشعري الحاجة إلى المقابلة من المدخلين:  شكك في اطلاق الحرية دون نفي الشعور بها ( ضد المعتزلة ) وشكك في الضرورة دون نفي الشعور بها ( ضد الفلاسفة ). لم ينفهما في مستوى الشعور العادي بل في مستوى المعرفة العلمية ورفض أن يبني عليهما فلسفة في الوجود تؤله الإنسان وتشيء كل ما عداه من الموجودات.

ولولا التواصل بين البشر لاستحال تعميم الشعور الذاتي بالحرية ومقابلته بالشعور بالضرورة بل وحتى تعدد الشعورات أصلا. ومن ثم فالشعور أي شعور شكلا ومضمونا لا يكون ذا وجود موضوعي إلا بفضل التعبير عنه والتعبير عنه أمر يتعين في ظاهرات طبيعية هي حوامل الرموز بدوالهما ومدلولاتها.  وهذه الدوال والمدلولات التي تحملها أمور طبيعية ( الصوت والاشارة والرسم الخ...) ليست أمورا مقصورة على دواخل الشعورات بل هي ظاهرات حضارية تتوسط بين الشعورات في عملية التواصل ويكون التعامل معها مثل التعامل مع الظاهرات الطبيعية إذا جعلناها مادة للمعرفة: لذلك فلا وجود لتواصل مباشر بين الشعورات بل التواصل لا يكون إلا بتوسط حوامل الدوال والمدلولات وأولها وأسماها هو جسم الإنسان نفسه. ونحن لا نعلم شيئا من الكون إلا إذا تصورنا الظاهرات الطبيعية حوامل لدوال ومدلولات هي دوال النظريات العلمية ومدلولاتها النظريات التي تعبر عن قوانينها. ومن ثم فنحن مضطرون للتعامل مع كل شيء بقياسه على نوعنا لاننا نتصور الطبيعة وكأنها ناطقة بلغة نقولها بديلا منها هي اللغة التي نصوغ بها قوانينها ثم نقيس نوعنا عليها من حيث كونه مثلها له هذا النوع العميق من اللسان كما يحكي القرآن عن بيان كل الكيان في الحوار مع الرحمن يوم الامتحان. والطبيعة تحاورنا في تجاربنا عنها المقصود منها العفوي. فكلما نجحت الفرضية النظرية كان ذلك بمثالة الجواب الموجب من الظاهرات الطبيعية على أسئلتنا الموجهة إليها وكلما فشلت فرضياتنا كان ذلك جوابا سالبا فنعيد صياغة السؤال وننتظر الجواب بنفس الأسلوب. والفرق الوحيد أن الإنسان في سؤالنا الموجه اليه يجيب ضربين من الأجوبة كلاهما ناطق: يجيب بلساننا الطبيعي ويجيب بلسان العلم. وطبعا لو قبلنا بجوابه الأول لكان علينا أن نقبل بجواب الطبيعة الأول أعني بالتجربة الغفل التي لنا عن العالم والتي هي لغة الطبيعة الطبيعية فيكون الفلك الغفل حقيقة الكون بديلا من علم الفلك. عيب التخاريف الفينومينولوجية عندما تستعمل في حضارة لا علم لها هو تحولها إلى نكوص إلى ما قبل العلم من دون الوصول إلى عصر العلم ومن ثم بقاء في الحياة الغقل للعلم اللفظي الذي من جنس الخطاب الديني المتخلف في حضارتنا منذ عهد الانحطاط لكون علماء الدين عندنا صاروا بتصورون أحكام الأمور الشرعية بديلا من قواينيها العلمية وليست قيما لها تأتي بعد تحصيلها: شرح للالفاظ وتلاعب بالأشكال البلاغية دون علم حقيقي.

[19]  هل يمكن أن يبقى الفصل المنطقي من طبيعة غير وجودية من دون اخراج المنطقي من الوجود ؟ إذا سألنا هذا السؤال ألا يصبح الفصل المنطقي هو بدوره فرعا من الفصل الوجودي أو درجة من درجات الفصل الحقيقي بين الماهية والوجود؟ لكن عندئد كيف يمكن حسم الأمر من دون تحديد طبيعة الموجود الذي يتحيز فيه هذا الضرب من الوجود تحديدا يتجاوز تخريف النظريات القائلة بالتناظر بين العالمين الكبير والصغير التي غاتيها نظرية الإنسان الكامل والحلول بحدية الأقصيين: وحدة الوجود الفلسفية والحلول الصوفية اللذين يكاد القول الفلسفي الحديث ينحصر فيهما وإليهما ترد الانسوية والذاتوية الحديثة علما وأن ما بعد الحديث منها يرد إلى استبدال دور الفرد بمنزلة النوع في التطور الدارويني وبمنزلة الموروث الثقافي في نسبوية التصور البراغماتي. سؤال ابن سينا الجوهري نقل المسألة من: سؤال كيف نفهم الفصل بين الماهية والوجود إلى سؤال كيف نفهم الفصل بين الوجودي والمنطقي. فبات كل سعي لتحرير الوجود من الماهية سعبا لتحرير الوجود من المنطق ومن ثم نفيا للفارق بين الفكر والوجود أو بين العلم والمعلوم في نظرية وحدة الوجود بضربيها  الماهوي  و الوجودي.

[20]  وهو لعمري معنى لوكان أصحاب الرشدية العربية المحدثة يفهمونه لاقتشعرت ابدانهم مما يقولون عن البرهان والعرفان والبيان لان قولهم يبين أنهم يتكلمون في ما لا يعلمون فضلا عن الخلط بين عصور الفكر البشري لكأن علم اليوم يقول بالبرهان بهذا المعنى وليس هو منظومة شرطية من الفرضيات الذريعية التي أصدق تعبيراتها هي الهوليزم الكوايني. لذلك فعندما ركز ابن تيميه على نفي المقابلة الأساسية بين المقوم وغير المقوم وبين العرض الذاتي وغير الذاتي قلنا إنه قد أنهى عهد الميتافيزيقا القديمة والوسيطة وأسس لفلسفة وجودية جديدة لم يفهمها الفكر العربي إلى الآن لمجرد كونه قد تصور ابن تيمية ينحصر فكره في استعمال الوهابية لبعض تصوراته الفقهية غير المفهومة.

[21]  الدين الإسلامي اصلاح بالنقد واعادة البناء مربع الأقطاب السلبية من أجل غاية ايجابية هي ختم الأديان المنزلة والطبيعية واستبدالها بالاجتهاد والجهاد المتواصلين في مجالات القيم الخمس كما حددناها في غير موضع. فهو نقد نسقي بمعيار التصديق والهيمنة للدينين المنزلين كما وردا في التوراة والإنجيل (أعني التاريخانية وما بعد التاريخ). وهو نقد للدينين الطبيعين كما وردا في أساطير اليونان واللاتين ( أعني الدهرية وما بعد طبيعة العود الأبدي أو الزمان ). والسورة الجامعة لهدين النقدين هي آل عمران التي تناقش مفهومي التحريف ( لشكلي الدين المنزل الغالبين رمزا إليهما باليهودية والمسيحية: ظاهر الشريعة وباطنها أو نصها وروحها) والجاهلية (لشكلي الدين الطبيعي الغالبين رمزا إليهما بالصابئة والمجوس: ظاهر الطبيعة وباطنها أو حدثها ومعناها ). للمزيد يراجع مقالنا The Islamic Recurrent Crisis: The Relationship Between Cultural Heritage and Social Progress,  الذي صدر  في ألمانيا بمجلة Chakana, Missionswissenshaftliches Institut Missio e.V. العدد: 3 (2005) 6 بعنوان جامع  Gesichter des Islam  ص 7-26.

[22]  وقد بينا في كتاب وحدة الفكرين الديني والفلسفي أن هذه الوحدة تقتضي التخلص من الدلالة الثابتة  لمبادئ العقل. فلا يمكن أن نحافظ على مبادئ العقل الثلاثة في دلالتها الميتافيزقية  تطبيقا على الطبائع والضرورة (الفكر الفلسفي) إدا أردنا أن نعطيها دلالة ميتاتاريخية تطبيقا على الشرائع والحرية (الفكر الديني). والتناقض إذن ليس مصدره الجمع بين الفكرين بل المحافظة على دلالة المبادئ كما كانت قبل الجمع.

[23]  من السخف القول إن العقل الحديث قد اكتشف أسباب القلق لما تخلص من الأوهام التي كانت تخدر الإنسان فلا تمكنه من فهم منزلته الوجودية الحقيقية. ذلك أن التخدير يمكن أن يكون ذا جنسين: التخدير الذي يزيل القلق والتخدير الذي يولد القلق. فإذا كان الإيمان المطلق مجرد مخدر كما يزعم نفاة تصوره لما يحرره من القلق الوجودي فإنه يمكن القول بأن الشك المطلق مجرد مخدر كذلك لما يحرر من الأمن الوجودي. الفرق بين الأمرين هو أن التحرر من القلق الوجودي يؤدي إلى العمل المتفائل والتحرر من الأمن الوجودي يؤدي إلى العمل المتشائم. فيصبح ما يزعم ثورة وحرية في الحالة الثانية موصلا إلى العمل بمعنى عمل المحكوم عليه بالأعمال الشاقة الأبدية. أما ما كان يزعم استسلاما وعبودية فإنه يصبح موصلا إلى العمل بمعنى الاطمئنان إلى العالم والعيش السوي فيه. ومعنى ذلك أن الفرق بين الموقفين لا يغير من أمر طبيعة علمنا بالوجود شيئا: فالايمان والشك كلاهما يبقى فرضيا بحكم طبيعة مسلمات السؤال عن الأسس التي يتسند إليها علمنا في صلته بالمعلوم الوجودي موجبا كان الجواب عن هذا السؤال أو سالبا. فالذي ينفي أسس العلم ينفيها لتصور فرضي عنده عن شروط العلم ماهي. والذي يقبل بها يقبل بها بنفس الشرط. وكلا التصورين يتعلقان في العمق باحوال العمل وأولها قبول الحياة أو رفضها لا بطبيعة النظر: أي احوال أفضل لعمل لا بد منه لكون البديل عنه هو الانتحار. والشكاك الصادق جوابه الوحيد هو الانتحار: لكنه ينبغي أن يسلم بأنه ينتحر باختيار تحكمي. والمؤمن الصادق جوابه الوحيد الحياة الحرة الملتزمة: لكنه ينبغي أن يسلم بأنه يحيا باختيار تحكمي.  والمفاضلة بين الخيارات التحكمية لا يمكن أن تكون اختيارا تحكميا: وذلك هو الرهان الوجودي الذي نتجت عنه الأديان والفنون والفلسفات وكل الحضارة.

[24]  تعريف أرسطو للزمان كما هو معلوم يجعله عدد (منفصل) الحركة (متصل) من حيث السابق واللاحق أو المتقدم والمتأخر (احدى ما بعد المقولات الخمس). وبذلك فإن هذا التحديد بخلاف ما يتصور الكثير لا يزال غير محلل بالدقة اللازمة.وليس هنا محل البحث في عمق التصورات الأرسطية التي نعلق على الكثير منها في الهوامش لنفيه حقه فلا ننسب إلى كنط ثورات وهمية. يكفي أن نشير إلى جمعه بين الانفصال والاتصال واخضاعه لما بعد مقولة المتقدم والمتأخر وطبعا ما بعد مقولة المساوق يجعله مفهوما ذا مستويات ثلاثة: مستوى المعلوم من الموجود (المنفصل) واللامعلوم منه (ما لا يقبل القول بالمنفصل أو الأصم) وما بعد الأمرين (الترتيب الطبيعي الذي يعبر عنه التوالي الزماني في مجرى الحركة).

[25]  انظر ما يقوله هيجل في خاتمة " علم ظهور الروح"  محددا هذه العلاقة:" فغاية الطريق التي يسلكها العلم المطلق أو الروح الذي يعلم ذاته بوصفها روحا يعلم هي تذكر الارواح ( الجزئية) كما هي في ذاتها وكما حققت تنظيم ملكوتها. فأما حفظها من حيث وجه وجودها الظاهر والحر والعرضي فهو التاريخ ( فلسفة التاريخ) وأما حفظها من حيث وجه انتظامها المفهومي فهو علم المعرفة الظاهرة  (فينومينولوجيا الروح ). والأمران معا أعني التاريخ المفهوم والذكر التكويني يمثلان الذكر والمعلم الذهني للروح المطلق أو الواقع والحقيقة ويقين الروح من عرشه الذي كان من دونه لا يكون إلا وحيدا ميتا".

Das Ziel das absolute Wissen, oder der sich als Geist wissende Geist hat zu seinem Wege die Erinnerung der Geister; wie sie an ihnen selbst sind und die Organisation ihres Reichs vollbringen. Ihre Aufbewahrung nach der Seite ihres freien, in der Form der Zufaelligkeit erschinenden Daseiens ist die Geschichte,  nach der Seite ihrer begriffenen Organisation aber die Wissenschaft des erscheinenden Wissens; beide zusammen, die begriffeneGeschichte bilden, Erinnerung und die Schadelstatte des absoluten Geistes, die Wirklichket, Wahrheit und Gewissheit seines Thrones, ohne den er das leblose Einsam vaere” ( Hegel, Phae. Des Geistes, Werke, stw. 8, s.592)  وهذه هي الترجمة الانجليزية للمقارنة:" The goal, which is Absolute Knowledge or Spirit knowing itself as Spirit, finds its pathway in the recollection of spiritual forms ( Geister) as they are in themselves and as they accomplish the organization ot their spiritual kingdom. Their conservation, looked at from the side of their free existence appearing  in the form of contingency, is History; looked at from the side of their intellectually comprehended organization, it is the Science of the ways in which knowledge appears. Both together, or History ( intellectually) comprehended ( begriffen), form at once the recollection and the Gogotha of Absolute Spirit, the reality, the truth, the certaingy of its throne, without wichi it were lifeless, solitary, and alone.” (Hegel, Pheno.Translated, with an introduction and notes by J.B. Baillie, Harper &Row, Publishers, New York, 1967, p.808).

[26]  بينا بصورة واضحة في عدة مواضع ( شروط النهضة ووحدة الفكرين مثلا ) العلاقة الوطيذة بين المثالية الألمانية والافلاطونية المحدثة وخاصة أعمال أفلوطين بداية وبرقلس غاية كما استعملهما اللاهوت المسيحي في المشرق العربي قبل بدايات الكلام في المسيحية الغربية وبتوسط القديس المغربي اغسطينوس جسرا بين الكلامين.

[27]  الوعي بالزمان متجدد. إنه يحدث بعد أن لم يكن. لذلك  فحدوثه الاول من حيث هو بدء مطلق لن يتضمن مستقبلا ولا انتظارا لغير ما يجري لحظة جريانه بل هو سيتضمن وعيا باتصال الحاضر الذي يمضي تسليما بأن الوعي ليس مقصورا على زمن واحد بل متواصل بين زمانين. وبذلك يكون أول أشكال الوعي بالزمان الوعي بالمدة من حبث هي جريان حاضر متواصل أو وصل بين زمانين يتحاضر فيهما الشخص مع نفسه بتحاضره مع موضوع وعيه الذي يدخل الانفصال على امتداد المدة بتبدله. فيحصل في المدة الانفصال الأول بين ما لا يزال مؤثرا من الحاضر بحضوره وما بدأ يفقد الأثر بشروعه في الغياب ويدخل غيهب النسيان. عندئذ  يبدأ التمييز بين الحاضر من المدة والماضي منها ثم يتكرر الأمر في المدد المتوالية التي قد يكون لتقطع الزمان الموضوعي دور في الفصل بينها سواء كان سبب الفصل تقطعات الحاجات العضوية نفسها (كالنوم) أو التنافس في موضوعات الاهتمام على شغل مساحة الوعي الحاضر. فيصبح الحاضر بالقياس إلى الماضي الذي تراجع وكأنه أصل للحاضر الذي تقدم. فيكون الحاضر مستقبلا إذا نظر إليه من الماضي. وهذه القدرة على النقلة من غاية المدة الحاضرة إلى بدايتها بعد انفصالهما إلى حاضر وماض هي الأمر المدهش الذي من دونه لا معنى للزمان. فهي تتضمن الفصل شرطا للتعدد القابل للترتيب والوصل شرطا في وجهة الترتيب بمفهوم المتقدم والمتأخر كما في مصطلح أرسطو. عندئذ تتولد فكرة المستقبل الامكاني لا الحصولي. فكيف يمكن أن نتصور المستقبل الامكاني قبليا وهو مفهوم مستنبط من الحاضر الذي يعد مستقبلا بالقياس إلى الماضي إذا عدنا إليه ونظرنا منه إلى حاضرنا. ولن يدخل مفهوم الإمكان على المستقبل إلا عندما يبين لنا الحاضر الموالي أن قياسنا نسبته إلى الحاضر الحالي على نسبة الحاضر الحالي إلى الحاضر الذي مضى غير مطابقة لأن ما كنا ننتظره لم يحصل في حين أن الحاضر الحالي لم يكن منفصلا إلى منتظر وحاصل (في فرضية التكوين الأول). فنميز عندئذ بين المنتظر والحاصل فتتولد فكرة الامكان الملازمة للاستقبال. لكننا لن نطيل في تحليل هده التصورات لاننا سنخصص بحثا للمسألتين الأخريين اللتين اشرنا إليهما في المقدمة: أعني الوجود بمعنييه العام والخاص والزمان بمعنييه المطلق والإضافي. ويكفي أن نختم بملاحظة مهمة تتمثل في تصور ذي وجهين.: الوجه الأول هو الحاضر يبقى دائما مدة تمتد من أول نتذكرها من ماضينا الشخصي ومن ماضي ما نعلم من الحضارة البشرية علما فعليا أو علم امكان. والوجه الثاني هو اطلاق هذا الحاضر من منطلق توسيع الممكن إلى المطلق فيتولد مفهوم الدهر سواء بمعناه عند الجاحدين أو بمعناه الذي نهى النبي عن سبه لكونه يمكن ان يعد أحد أسماء الله بمعنى الحياة والقيومية أو علم الله علمه الذي هو فوق كل زمان.

[28]  ولعل شرط الشروط في كل هذه العلميات التي يتولد عنها تصور الزمان هو قدرة الإنسان على غير الخبر في النطق. فلو لم يكن للانسان القدرة على الشرطية الإنشائية لاستحال تصور الماضي متضمنا امكانات لم تحصل في الحاضر. فنفرض الأحداث على هيأة اخرى أو معانيها على صفة أخرى ثم نستنبط منها ما كان يمكن ان يكون بخلاف ما كان أو بخلاف ما لم يكن فتصبح لحظات الماضي المتوالية في مستوى معانيها على الأقل لا في مستوى احداثها وكأنها مستقبلات ممكنة بحسب التأويلات اللامتناهية لقراءتنا لدلالة الأحداث في ما نريد أن نواصله منها أو أن نقطع معه بحسب المواقف الحاضرة من أحداث الماضي المواقف التي تحدد معانيها.

[29]  لا شيء من وجود الشخص أو الجماعة يمكن أن يتحقق إذا كان قلبا لا يقر له قرار. المشروع أيا كان لا يتحقق إلا بالتثبيت. أما أداوت التحقيق ووسائله فهي تتغير بالضرورة لتحقيق الغاية الثابتة. ولولا ذلك لما تحقق عمل في الحياة. ومن ثم فخلافا لما يتصور الغافلون المستقبل يتحدد بالغايات الثابتة وليس بالمشروعات القلب. الماضي وحده يقبل تعدد الفهوم وتغيير التأويلات. أما المستقبل فيقتضي توحيد الفهم وثثبيت التأويل. وفي الحقيقة فإن تأويلات الماضي وتغييراتها كلها هدفها تحقيق الخيار الثابت للتحقيق في المستقبل: التأويلات المتعددة للتكيف مع وسائل التحقيق وليس مع الغاية التي هي حصيلة تثبيت الخيار ليكون قابلا للتحقيق.

[30]  انظر أبو يعرب المرزوقي شروط نهضة العرب والمسلمين  دار الفكر والفكر المعاصر دمشق وبيروت 2001 (المقالة ألأولى والثانية).

[31]  انظر  تعريف رورتي للطبعانية :" أعرف "الطبعانية" بكونها المنظور الذي يرى كل شيء قابلا  لأن يكون بخلاف ما هو عليه وأنه لا يمكن أن توجد شروط غير مشروطة. فالطبعانيون يعتقدون أن كل تفسير ينبغي أن يكون تفسيرا للواقع بالعلل وأنه لا يوجد شيء يكون شرط امكان غير معلول "Richard Rorty, Wittgenstein, Heidegger, and Language, in Essays on Heidegger and Others, Philosophical Papers, vol.2, Cambridge University Press. 1991 p.55 “I shall define ‘naturalism’ as the view that anything might have been otherwise, that there can be no conditionless conditions. Naturalists believe that all explanation is causal explanation of the actual, and that there is no such thing as a noncausal condition of possibility.”

[32]  سورة آل عمران نقد منهجي للآليات التي تؤدي إلى توظيف الدين من أجل تحقيق سلطان الوسطاء في الرزق الروحي لخدمة الوسطاء في الرزق المادي فتعود البشرية إلى الحلف بين هامان وفرعون ما يفهمنا أن شرط الإيمان بالله تقدم عليه في آية تبين الرشد من الغي والحرية الدينية ( البقرة 256)  الكفر بالطاغوت أي الكفر بهذا الحلف بينهما. كما أن ذم الرهبانية والتركيز على الاندراج في الحياة العامة والعناية بالذات بدنيا وروحيا وتحرير الجنس ولذات الحياة الدنيا من الموقف المرضي للرهبانية كل ذلك يعد من أكبر التصورات الثورية في القرآن الكريم مثله مثل تحرير الخطأ من الإثم واعتبار الاجتهاد صادق النية والقصد مشروطا بهذا التحرير وجديرا به .

[33]  وحجتنا في الاصطلاح هنا هي أن اسم الفاعل واسم المفعول في العربية يفيدان نسبة معنى مصدر الفعل إلى المشتقات منه بصورة مطلقة أعني غير محددة بالزمان وبالحصول الفعلي. فعندما أقول الإنسان مائت أو كما قال الشاعر "على خشبة محمول" فإني لم أقصد زمانا بعينه أو حصولا وقع بل أعني أن ذلك من خصائص الإنسان أو من محدداته الوجودية لئلا أقول من المقولات التي تنطبق عليه لكون المحددات الوجودية هي ما يناظر المقولات عند الكلام عن الإنسان في عرف هيدجر.

[34]  فضلا عن كون العلوم بدأت في محاولاتها المتدرجة لمعرفة الإنسان وشروط وجوده بدأت تثبت ضعف التصورات التي تقابل بين الإنسان الطبيعي والإنسان كما  تتصوره بعض النظريات الدينية التي أصابته بالفصام من خلال حربها على كل ما هو طبيعي فيه. ولما كنا ننتسب إلى دين متهم بكونه كاد يزيل الفارق بين التصورين الطبيعي والمنزل للانسان توحيدا بين الأديان الطبيعية (التي يشير القرآن إلى اثنين منها هما الصابئية والمجوسية) والأديان المنزلة (التي يشير القرآن إلى أغلبها مع التركيز على اثنين هما اليهودية والنصرانية) في مفهوم الفطرة التي أغنت عن كل تنزيل جديد فختمت الوحي وأنهت انتظار الأنبياء والمتنبئين بعد الاسلام فإن المسألة تصبح بالنسبة إلينا مسألة البحث في دواعي تأسيس الفصام فلسفيا بعد التخلص منه دينيا. فالفصام الذي أسس له كنط فلسفيا أعادنا إلى الفصام الديني المسيحي باطلاق المقابلة بين الإنسان الطبيعي والإنسان ما بعد الطبيعي. وهذا الفصام لا يزال مهيمنا على الفكر الفلسفي كله حتى وإن بدا مفهوم الدازاين ثورة عليه. فكون الإنسان كائنا عالميا (في العالم علما وأن العالم في المفهوم القرآني تعني الانسان من حيث هو المقيم في العالم كما في رب العالمين) لا يعني تخلصا من الفصام الكنطي بل هو مجرد توكيد له. ذلك أن هذا الإنسان ليس كائنا عالميا بصورة طبيعية بل هو كائن عالمي بمعنى يجعل العالم عديم المعنى من دون الإنسان الوسيط بين الوجود وفهوماته المتوالية التي هي ليست شيئا آخر غير الأرواح المتوالية بالمعنى الهيجلي للكلمة حتى وإن لم يصرح هيدجر بذلك لان ما ينتظره الدازاين من الزاين في أعصاره الوجودية ليس شيئا آخر غير هذه الارواح الجزئية أو تيعناته التاريخية (والزاين هو الروح الكلي والدازاين هو الروح الجزئي فرديا وجمعيا). ويكفي بيان العلاقة بين فكر هيدجر وفكر هيجل حتى نعلم العلاقة الخفية بينهما وبين المسيحية المتنكرة.

[35]  ما طبيعة الفصل بن النظر والعمل ؟ هل هو نظري أم عملي؟ الجواب يمكن أن يكون احدى الفرضيتين ويمكن أن يكون كلتا الفرضيتين ويمكن أن يكون لا واحدة من ذلك جميعا. فهو نظري لانه يستند إلى محاولة علم الفرق بين وجهي الفعل الانساني وجهه التصوري ووجهه الانجازي. وهو عملي لأنه يستند إلى تحديد الموقف المناسب لكلا الفعلين خلال القيام بهما. وهو كلا الأمرين لأن العلم نفسه عمل وإن كان معموله هو النظرية وليس موضوع النظرية. وهو لا واحد منهما ولا هما معا لأنه يتعلق بعين مقومات الفعل الأنساني من حيث تقدم غرض التأثير في موضوع ادراكه على التأثر (العمل) أو من حيث تقدم غرض التأثر على التأثير. ولما كان الأمر ينعكس بعد حصول النظر والعمل بحيث يصبح النظر أكثر تأثيرا من العمل إذ هو يصبح الشرط الذي يستمد منه العمل تأثيره للفرق بين العمل من دون علم والعمل على علم وكان  التأثر والتأثير في موضوع الادراك ليس مقصورا على النظر والعمل حاولنا البحث عن أصناف العلاقة بالموضوع فحصرناها في ما سميناه مجال القيم:  التأثر والتأثير الذوقي الذي نعتبره أصل لكل أصناف التأثر والتأثير ثم التأثر والتأثير الرزقي ثم التأثر والتأثير النظري الذي هو مشروط بالأولين وقادر على اعطائهما فاعلية ليست لهما من دونه ثم التاثر والتأثير العملي ويستمد فاعليته من الثلاثة السابقة عليه ومن ذاته وأخيرا التأثر والتأثير الوجودي الذي هو من حيث القيام هو عين المستويات الأربعة السابقة لكنه متعال عليها تعاليا يجعله متخلصا منها ومؤسسا لها: إنه التأثر والتأثير الوجودي الذي نحاول تعريفه في نقاشنا خلال هاتين المقدمتين. فإليه ننسب التمييز الحقيقي بين النظر والعمل والذوق والرزق ووحدة الكل فيه بوصفه منبع حيوية الحضارة ومصدر كل ابداع عند أصحابها وذلك لأنه ما بعد المجالات القيمية الأخرى: ما بعد الذوق والرزق والنظر والعمل وحتى الوجود لكونه منعكسا على ذاته بأسلوبي الفكر الديني والفكر الفلسفي المتحدين بالجوهر حتى وإن اختلفا بالاسلوب.

[36]  تمكن هيجل من التوحيد بين المنطق والميتافيزيقا بعد أن أدرك طبيعة العلاقة بين المنطق المتعالي ( الذي تعد التحليلات الأواخر الأرسطية ارهاصاته الأساسية بحثا عن شروط سلامة القول العلمي المادية ) والمنطق العادي ( الذي تعد التحليلات الأوائل الارسطية ارهاصاته الأساسية بحثا عن شروط سلامة القول العلمي الصورية ) فألغى الحاجة إلى التأسيس النقدي بشروط الإمكان مكتفيا بالتكوينية التاريخية لشروط حصول المعرفة العلمية في مفهومها الفلسفي التقليدي. وما حاوله هيجل في مستوى العلاقة بين المنطقي والميتافزيقي حاول كذلك أن يضع نظيرا له في مستوى العلاقة بين الخلقي والميتاتاريخي . أما المابعد المطلق الجامع بين مابعد التاريخ وما بعد الطبيعة فبدايتة السؤال عن مدلول الفصل بين المنطقي والوجودي بعد افتراض الفصل بين الماهية والوجود وجوديا وليس معرفيا فحسب. لكن هيدجر يريد أن يتخلص من الاساسين  (ما بعد الطبيعة وما بعد التاريخ)  ليكتفي بثمراتهما من دونهما: فالزمان والوجود ليس إلا حصرا للفلسفة في ما يماثل أغراض أخلاق نيقوماخوس من دون العلم الحقيقي الذي تتميز به محاولة أرسطو تأسيسا للمقابلة بين النظر والعمل وتحديدا لخصوصية الوجود الإنساني في الضربين من حيث هما علاقة بالموجود الماثل  (العالم من حيث هو طبيعة وجماعة مادية) وبالموجود العدة (العالم من حيث هو ثقافة وجماعة              بشرية ). لذلك فإن تحليلات الوجود تعد عندي دون تحليلات أخلاق نيقوماخوس للانسان العامل لاستغنائها عن كل مقابلة جوفاء بينه وبين الإنسان الناظر أو زعم تقدم احدهما على الآخر من غير التأسيس ما بعد الطبيعي وما بعد التاريخي عند هيجل وفشت وشلينج وقبلهم جميعا كنط نتيجة حتمية للقول بما يقول به ابن سينا من فصل وجودي بين الماهية والوجود كما أثبنتا في غير موضع.

[37]  ولعله من الضروري أن نحمد الله أن فلاسفتنا لم يكونوا مترجمين ومترجمينا لم يدعوا التفلسف. فالفصل بين الوظيفتين ضروري لئلا يصبح ما قد يحول العادة المهنية إلى انحراف مهني عند كلا الصنفين يحول دون كلا الاختصاصين والقيام بمهمته. فانحراف اللغة الفنية عند الفلاسفة كان سيحول دون اللغة الفلسفية العربية والاستفادة من مخيال التسمية العربية الأوسع المخيال الذي من المفروض أن يكون أفق عمل المترجم الدائم. وانحراف الأمانة للدوال عند المترجمين كان سيحول دون المدلولات الفلسفية والدقة المصطلحية دون تشقيق لساني زائد عن اللزوم. لكن الانحرافين اللذين ليس من اليسير التخلص منهما يمكن عند الفصل بينهما أن يصلحا بعضهما البعض. ولعل هذا هو السر في استقرار المصطلح الفلسفي العربي وثرائه ومطواعيته وهي أمور تعد معجزة عندما نعلم أن اللغة العربية ليس لها قبل هده المحاولة  غير النص القرآني الذي لم يكن بالوسع فهم مضمونه من دون المحاولات الخمس الأساسية في بناء الفكر الرفيع عندنا عنيت الفكر اللساني والفكر الفقهي والفكر الكلامي والفكر الصوفي والفكر الفلسفي من خلال تعينها جميعا في الفكر النظري وتطبيقاته وتنظيراته وفي الابداع الأدبي وتطبيقاته وتنظيراته.

[38]  منزلة الاستخلاف هي المنزلة التي تحررنا من حط الأنسان إلى بعده الطبيعي ونفي بعده المتعالي على الطبيعة ومن رفعه إلى بعده المتعالي ونفي بعده الطبيعي. وقد ظن القائل بالحلول  من المتصوفة في تأويلهم لمرموزة استخلاف آدم أن ابليس كان على حق عندما رفض السجود مدعين أنه لا يريد أن يشرك بالله أحدا وواصفين ذلك بأنه فتوة ابليس. لكن المرموزة لا يمكن أن يكون مدلولها ما فهم منها هذا الفكر لان الآمر بالسجود أعلم من المأمور بالشرك ما هو. حجة ابليس موجودة في الآية نفسها: فهو رفض أن تسجد النار للتراب. وهذا يعني في الفيزياء القديمة ونظرية العناصر والمكان الطبيعي أن حجة ابليس هي الحتمية الطبيعية قبالة الحرية الخلقية التي كان يمكن ان تنتج عن طاعته الامر لو فعل. عملية الاستخلاف هي عملية تأسيس القانون الخلقي من حيث هو تحرر لا من القانون الطبيعي بل من الاحتجاج به لعدم القيام الجهد الضروري للتحرر مما قد يؤدي الخضوع إليه من خروج عن القانون الخلقي. وذلك هو مدلول الاستخلاف: أن يكون الإنسان عابدا بفعل حر أو طوعا لا كرها وذلك هو مفهوم الكسب في دلالته العميقة التي يدعي الكثير من المتحذلقين أنه غير مفهوم وسطا بين الجبرية والقدرية.

[39] S.u.Z., s. 38 und 439:”Ontologie und Phaenomenolgie sind nicht zwei verschiedene Disziplinen neben anderen zur Philosophie gehoerigen .Die beiden Titel charaketerisieren die Philosophie selbst nach Gegenstand und Behandlungsart. Philosophie ist universale phaenomenologische Ontologie, ausgehend von der Hermeneutik des Daseins, die als Analytik der Existenz das Ende des Leitfadens alles philosophischen Fragens dort festgemacht hat, woraus es entspringt und wohin es zuruckschlaegt

 “Ontology and phenomenology are not two distinct philosophical disciplines among others. These terms characterize philosophy bitself with regard to its object and its way of treating that object. Philosophy is universal phenomenological ongology, and takes its departure from hermeneutic of Dasein, which, as an analytic of existence, has made fast the guiding-line for all philosophical inquiry at the point where it arises and to which it returns”( p.62)t

[40]  أليس هيدجر نفسه هو القائل في الفقرة الأخيرة من مدخل الزمان والوجود :"يقتضي تحصيل تصور الوجود الأساسي ورسم ما يتطلبه من التصورية الوجودية وتغيراتها الضرورية نظاما هاديا متعينا. ذلك أن كلية تصور الوجود لا تناقض خصوصية البحث أعني الولوج إليه عن طريق تأويل مخصوص لموجود معين, تأويل  ,الهنيس, تأويله الذي ينبغي أن يستمد منه أفق الفهم والتأويل الممكن للوجود. لكن هذا الموجود هو ذاته موجود تاريخي بحيث إن الإنارة الوجودية الذاتية النافذة إلى أعماق هذا الموجود لا بد أن تنقلب ضرورة إلى تأويل ,تأريخي,"

Die Gewinnung des Grundbrgriffes ’Sein’ und die Vorzeichnung der von ihm geforderten ontologischen Begrifflichkeit und ihere notwendigen Abwandlungen befuerfen eines kondreten Leitfadens. Der Universalitaet des Begriffes von Sein widerstreitet nicht die ‘Spezialitaet der Untersuchung-d.h.das vordringen zu ihm auf dem Wege einer speziellen Interpretation eines bestimmten Seienden, des Daseins, darin der Horizont fuer Verstaendnis und moegliche Auslegung von Sein gewonnen werden soll. Dieses Seiende selbst aber ist in sich ‘geschchtlich’, so dass die eigenste ontologische Duchleuchtung dieses Seienden notwendig zu einer ‘historischen’ Interpretation wird.” S.und Z. s. 39.

“If we are to arrive at the basic concept of ‘Being’ and to outline the o,tological conceptions which it requires and the variations which it necessarily undergoes, we need a clue which is concrete. We whall proceed towards the concpt of Being by way of an Interpretation of a certain special entity, Dasein, in which we shall arrive at the horizon for the understanding of Being and for the possibility of interpreting it; the universlity of the concept of Being is not belied by the relatively ‘special’ character of our investigation. But this very entity, Dasein, is in itself ‘historical, so that it is own-most ontoloigcial elucidation necessarily becomes an ‘historiological’ Interpretation’”( p.63)

أليس هو الذي قسم مراحل المراجعة النقدية الو التفكيك الفينومينولوجي لهذه الفهوم التي هي تاريخية بالطبع إلى ثلاثة قبل حله ذكرها بصورة تراجعية من الأخيرة إلى الأولى وقصرها كلها على ما يسميه بتطور المصير الغربي أو  الميتافيزيقا في القسم الثاني من الكتاب: مرحلة "الشيماتيسموس الكنطي" درجة أولية لاشكالية الزمانية ومرحلة الأساس الوجودي ل"أفكر أوجد" التي لديكارت والتي استرجع بفضلها نظرية القرون الوسطي في الوجود من خلال "الشيء المفكر" وعلاج أرسطو للزمن من حيث هو مميز للأساس الظاهراتي لنظرية الوجود القديمة ولحدودها ؟ ففي أي منها يمكن تنزيل منظورنا للوجود إن سلمنا بكونية هذا التصنيف وسعينا للاندرج فيه ؟ هل نقبل بما يقوله هيجل في تاريخه للفلسفة إذ يزعم أن العرب لم يضيفوا شيئا ذا شأن فلسفي لما هو  فلسفي  إم إنه علينا أن نشكك في التصنيف بل وحتى في اطلاق التاريخية وحصر الوجود في اشكالية الزمانية لنكتشف طبيعة الظرفية الوجودية التي يتحدد بها زمننا التاريخي الحالي في صلته بلحظاته المفيدة من هذا المنظور إفادة تختلف تماما عن مفهوم التاريخية عند هيجل اختلافها عن مفهوم التاريخية عند هيدجر إلى مفهوم الفطرة بوصفه مفهوما يخلصنا من المقابلة بين الطبيعي والتاريخي وجوديا ومعرفيا إلى ما يتعالى عليهما بوحدتهما الشارطة لتفاعلهما كما حاولنا بيان ذلك في كتاب وحدة الفكرين الديني والفلسفي ( دار الفكر والفكر المعاصر دمشق بيروت 2001). 

[41]  ومن هذه التقازيح  والترديات حدا ا لوجودية الفرنسية أعني د فينومينولوجية مارلو بونتي وفينومينولوجية سارتر. فهما شكلان منحطان من خليط بين فينومينولوجيا هجيل وهوسرل بتوسط فهم مبسط لخلطهما في فكر هيدجر. فلولا التأملات الديكارتية ودروس كوياف عن هيجل لما حصل في الفكر الفرنسي هذا الخلط العجيب بين هيجل وهوسرل وهيدجر للتعبير عن ثقافة دينية سلبية تتخفى وتعبر عن نفسها بخجل  لا ينطلي على أحد.

[42]  إذا كان مؤدى هذا المنهج وصف أفعال العقل ومفعولاتها كما تتبدى للوعي القائم بها بات الأمر كمن يريد أن يفهم جهاز الكمبيوتر من غير العلوم الرياضية والمنطقية والفيزيائية الضرورية للعمل الجاري فيه مكتفيا بما يراه في المدخلات والمخرجات ومتجاهلا ما يحدث بين الادخال والاخراج في الجهاز. لا شك أن أي إنسان مهما كان أميا يمكن أن يتعلم الحركات البسيطة لوصف عملية الادخال وعملية الاخراج لكن المشكل هو في ما يجري في الجهاز وعلل حصوله. وقد يكون للمتفلسف الغربي بعض العزاء في كون المدخلات والمخرجات هي بدورها معقدة وتجري بما يشبه ما يجري بحسبه العمل الداخلي للجهاز بحكم تعقيد الحضارة وتنظيمها. لكن مجتماعتنا مدخلاتها ومخرجاتها عامية ولا تساعد على فهم ما يجري في الجهاز. فنكون ككل الذي مكنتهم الثروة السائلة السريعة من بيع المواد الخام من اشتراء كل التجهيزات واستعمالها دون علم بحيث بات المجتمع نفسه بحاجة إلى مشغلين مستوردين كاستيراد الأجهزة. ويكفي أن تمر بأحد مطارات البلاد العربية المعتبرة غنية حتى تفهم الظاهرة. وأهم أخطار هذه الظاهرة الاستخفاف بجدية البناء الحضاري وعسره: تصبح ذروة البداوة في تعاملها مع ذروة الحضارة بمواقف خارجية يمكنها منها استراد مشغليها أهم أمراض هذه الأمة المسكينة. جل النخب تتعامل مع النظريات تعامل أغنيائنا المزيفين مع لعب الغرب التكنولوجية: يستوردونها ويتسعملونها وعندما تتعطل يستوردون الجيل اللاحق منها دون نفاذ إلى أغوار أي منها بدليل عدم المشاركة في صيرورتها ما هي ومآلها إلى ما يأتي بديلا منها بعدها.

[43]   نحاول أن نفهم هذا البعد الثيولوجي من منطلق المنزلة التي تعطى للانسان ليس بمعنى المقابلة الحديثة بين الموضوع والذات أعني الدور المعرفي للانسان بل دور ذو دلالة دينية مسيحية كما نبين في هذه المحاولة. يقول هيدجر:" سبق فأشرنا في المقدمة أن التحليل الوجودي للهنيس يقتضي بالتلازم مهمة ليست أقل الحاحا من مسألة الوجود: على تحرير القبلي ( كشفه أو تعريته) القبلي الذي ينبغي أن يكون بينا أن بكون فادرا على مناقشة مسألة "ما الانسان؟" نقاشا فلسفيا. فالتحليل الوجودي متقدم على كل علم نفس وعلى كل علم أناسة و هو بكل توكيد مقتدم على علم الحياة بالذات. وفي تحديد اشكاليتنا لتمييزها عن هذه البحوث الممكنة في الهنيس يمكن أن يتضمن غرض التحليل الوجودي كذلك تحديدا ألطف. فيزداد بذلك بيان ضرورة هذا التحليل عمقا" :” In der Einleitung wurde schon angedeutet, dass in der existenzialen Analytik des Daseins eine Augabe mitgefordert wird, deren Dringlichkeit kaum geringer is als die Seinsfrage selbst: Die Freilegung des Apriori, das sichtbar sein muss, soll die Frage, ‘was der Mensch sei’, philosophish eroertert werden koennen. Die existenziale Ananlytik des Daseins liegt vor jeder Psychologie, Anthropologie und erst recht Biologie. In der Abgrenzung gegen diese moeglichen Untersungen des Daseins kann das Thema der Analytik noch eine schaerfere Umgrenzung erhalten. Ihre Notwendigkeit laesst sich damit zugleich noch eindringlicher beweisen.”

(s.45)

” In our introcuction we have already intimated that in the existential analytic of Dasein we also make with a task which is hardly less pressing than that of the question of Being itself- the task of laying bare that a priori basis which  must be visible before the question of ‘what man is’ can be discussed philosophically. The existential analytic of Dasein comes before any psychology or anthropology, and certainly fefore any biology. While these too are ways in which Dasein can be investigated, we can define the theme of our analytic with greater presicion if we distinguish it from these. And at the same time the necessity of that analytic can thus be proved more incisively.” (p.71)   

 تبدو الترجمة الانجليزية قد ابتعدت عن النص ابتعادا غير مفهوم العلة فضلا عن كون النص الانجليزي يجعل كلام هيدجر فاقدا كل معنى لأنه لا يمكن أن يكون قصده بعلاج مسألة ما الإنسان شيئا آخر غير علاج الأساس القبلي أعني تحليلية الوجود المتقدم على العلوم التي يعتبرها هيدجر متأخرة عنها. فالنص الالماني يقول: " على تحرير القبلي الذي ينبغي أن يكون بينا أن يكون قادرا على مناقشة مسألة "ما الانسان؟" نقاشا فلسفيا ". وذلك هو التحليلية الوجودية أعني أن الجواب الذي تقدمه التحليلية هو عينه الأساس القبلي. لكن الترجمة الانجليزية تقول: " إن  مهمة تحرير الاساس القبلي ينبغي أن تكون بينة قبل ان نناقش مسألة ما الانسان نقاشا فلسفيا" فتجعل مناقشة ما الأنسان نقاشا فلسفيا غير التحليلية الوجودية فلا تكون مسألة ما الإنسان الخيط الهادي الذي يعتبره هيجدر وسيلته لتعيين المسألة الكلية التي هي مسألة ما الوجود.

بعد هذا التعليق على الترجمة الانجليزية نعود إلى مبحثنا. فما نطلب فهمه هو طبيعة هذا العلم المتقدم على العلوم الثلاثة التي ذكرها ما هي؟ ما لم يتحرر الفكر الفلسفي من هذه الأوهام التي تتكلم عن علم مختلف عن العلم ببعديه الموجب والنقدي لن يكون للفلاسفة من دور غير الدور الديني المتخفي والدور الايديولوجي المنتقش الذي يدعي علما متعاليا على العلم الوحيد الممكن للبشر أعني الخبرة الحاصلة عن مجاري العادات التي ندرك خلالها سلوك موضوع العلم. فهذه العلوم الثلاثة التي تدرس الإنسان لا تزعم أنها تستوفي كل أبعاد الإنسان أو أنها علم نهائي ومطلق بل هي تقدم ما هو ممكن للعلم الموضوعي للانسان من حيث هو موضوع معرفة تحصل بالتدريج. أما الزعم بأنه يوجد علم قبلي للانسان غير حصيلة الخبرة البشرية بالتدريج حول الكائن البشري في مستويات ظهوره الشخصية والجمعية فإن ذلك مجرد وهم إذا لم يكن فهما خاطئا للتصورات القيمية التي للانسان عن نفسه في الفكر الديني والخلقي.  ولما نحلل ما يرد في محاولات هيجدر فإننا نجده قابلا للرد إلى مبتذلات نتائج هذه العلوم التي يؤخرها وبعض الحكم الشعبية والمعتقدات المسيحية التي صاحبها يستحي أن يعلن عنها تماما كما هو الشأن في تعامق المتصوفة في كلامهم عن تحليل أحوال النفس البشرية المصاحبة لوهم الخلط بين فاعلية العقل الإنساني في تكوين مضمونات فكره الفاعلية التي يمكن أن نقبل بها بتحفظ وفاعلية العقل المزعومة في تكوين نظائر هذه المضمونات في العالم الخارجي رفعا لقدرات الإنسان إلى ما يضاهي قدرات الله. وهذا هو المضون الثيولوجي المتنكر الذي نريد أن ننبه إليه في علاجنا هذه المسألة. ذلك أن تمسيح العالم يجري أمامنا بطريقتين:

 1- طريقة علنية هي طريقة التبشير المستند إلى استغلال نقاط الضعف البشرية وخاصة نتائج السياسة العسكرية والاستعمارية التي يأتي المبشرون صحبتها في الأغلب أو قبلها للتحضير إليها  بزعم علاج أحوال المستعمرين الفاقدين لكل الحقوق.

2- وطريقة سرية كانت تبدأ بالعلمنة الماركسية لنزع المعتقدات الصامدة اعدادا لارضية التبشير تماما كما يحدث في البناء الدي يشترط تمهيد الأرض وتهديم البناء السابق ثم صارت تبدأ بالمسحنة ما بعد الحداثية المسحنة التي هي الوجه الثاني لعملة التنسيب العقلي إلى حد النسبوية المطلقة في السوفسطائية المحدثة أو ما يسمى بفكر ما بعد الحداثة. وهذه الفنيات درس الغزالي نظائرها عند الباطنية درسها بتعمق في كتابه فضائح الباطنية.

وكل مسلم غني عن تمييز الانسان عن الموجودات الأخرى تمييزا يؤلهه فيجعله مصدر  معنى الأشياء لأن كل المخلوقات عند من يفهم الإسلام جديرة بنفس التكريم لأن استخلاف الإنسان تكليف برعاية ما يحتاج إليه منها في قيامه وليس تأليها له أو جعله بديلا من الله. أما أن نجعله الوسيط بين الوجود وكل الموجودات بوصفه عين ضروب تعينه وتجلياته فهو بالضبط مفهوم الكلمة وابن الله الخ.. من المعتقدات المسيحية في الإنسان معتقداتها التي يقدمها هيدجر بصفة العلم القبلي المتقدم على العلوم التي هي المعرفة الوحيدة الممكنة للبشر عن البشر ( أعني علم النفس والانثروبولوجيا وعلم الحياة والاجتماع والتاريخ ). لذل فزعمه تحقيق الثورة على الذاتوية الحديثة وانهاء الميتافزيقا واللاهوت لا تنطلي إلا على من يكتفي بدعاوى المؤلف. أما من يعلم أن تأليه ابن الله هوالأساس الحقيقي لهذه الذاتوية والإنسوية القاتلية التي اتت على العالم الطبيعي والخلقي فإن ذلك أمر لا يجهله  إلا متجاهل أو غير مطلع على تعريف هيجل نفسه للداتوية والحداثة من حيث هما عين المسيحية وبنوة الإنسان للرب فهما منه للتاريخ بعقيدة التثليث التي صارت ما بعد تاريخ وما بعد طبيعة في نفس الوقت.

[44]  وبهذا ندرك القصد بقولنا إن المعرفة الحية هي المعرفة التي يكون فيها مضمونها معاصرا لشكلها أعني أن تكون موضوعا لذاتها. فالمعرفة عندما تكون معرفة بحق ليست كلاما بل هي الوجود الفعلي لحضارة من الحضارات في تحققها الرمزي بكل درجات هدا التحقق من أدنى              (الأساطير منبعا للتاريخ) صياغات الادراك إلى أسماها (الفلسفة مصبا للتاريخ). ومن ثم فعند الأمم السوية ليس الفكر إلا درجات عودة الحضارة على نفسها لفهمها ونقدها وتجديدها المتواصل. وقد حاولنا في غير موضع بيان مجالات هذه العودة المتواصلة على الذات فحصرناها في خمسة ضروب من التبادلات القيمية: 1- القيم الذوقية (كل الفنون) 2- والقيم الرزقية ( الاقتصاد) 3- والقيم النظرية ( كل العلوم)                4- والقيم العملية (كل السلوكات ) 5- والقيم الوجودية ( أصل كل القيم السابقة وجودا وعلما ) التي تعد أصل الأصناف الأربعة السابقة من القيم. وبفضل وصف هذه المجالات يمكن تحديد الظرفيات المصيرية في تاريخ أي حضارة لمعرفة التعبير الفلسفي الممثل لحاصل مجال القوى المؤثرة في مسيرتها. والمعلوم أن النوعين الأخيرين من رتبة مختلفة عن النوعين الأولين لأنهما يعدان قيم القيم. فالقيم العملية بمعناها السياسي أو الخلقي هي قيم القيم الرزقية أساسا (تحديدا لقيم غاياتها أو الأخلاق ولقيم وسائلها أو السياسة). والقيم الوجودية بمعناها الفلسفي أو الديني هي قيم القيم الذوقية أساسا ( تحديدا لقيم غاياتها أو الدين ولقيم وسائلها أو الفلسفة ). أما النوع الأوسط من القيم فهو معلق بين النوعين المضاعفين فمن حيث هو وسيلة يكون تابعا للنوعين الاولين ومن جنسهما ومن حيث هو غاية يكون تابعا للنوعين الاخيرين ومن جنسهما.

[45]  كل تعامقات هيجدر في ما يسمى بالتحليل الوجودي تبقى بكل المعايير دون النظريات الأرسطية في تحليل الوجود الإنساني تحليلا لا يقابل بين العلم والأدب بل هو يتجاوز الجنسين إلى معرفة لا تعاني من أزمة العلوم الغربية المعاصرة ولا من اليأس من الميتافزيقا بميتافيزيقا ليست دونها وثوقية حتى وإن اتخذت شكل الفكر السكاكي والسوفسطائي.

[46]   ولسوء الحظ لا يزال الفقه مسيطرا على حياتنا سواء كان القصد الفقه الشرعي أو الفقه الوضعي الذي استحوذ متطرف منظريه  على الحياة العامة إلى حد تحويلها إلى جدل قانوني حول استبدال المجتمع المدني الذاتي بما يتصورونه مجتمعا مدنيا كونيا أعني المجتمع المدني الغربي. أما المنطلق الحقيقي للإصلاح الديني في حضارتنا فإني اتصوره ثمرة دينامية ذاتية للحضارة الإسلامية نفسها. والبديل من هذا التطور غير السوي لعلمينة الصحورة والنهضة لا بد من فهم منطق الاصلاح في الحضارة الاسلامية. فمباشرة بعد وفاة الرسول الكريم بدأت الحرب الأهلية الإسلامية. حول الخيارات السياسية والمدنية وهي لا تزال جارية لأن الثورة الإسلامية كانت سابقة على ظروف تحقيقها التاريخي. وسآخد مثالين لئلا أطيل. فأما المثال الأول فيخص بداية الحرب الأهلية الإسلامية ( بين السنة والشيعة ) وأما المثال الثاني فيخص استئنافها              ( بين الأصلانية والعلمانية عند كلا الفريقين وبينهما ).

والمثال الأول هو دوران الحرب الأهلية حول مسألة الفقة الأكبر أو الفلسفة السياسية الجوهرية من حيث علاقة الدين بالدنيا: ما أساس الشرعية السياسية هل هو الوصية أم الاختيار؟ والمثال الثاني هو دوران الحرب الاهلية حول مسألة الفقه الأصغر او الفلسفة ا لعملية الجوهرية من حيث علاقة الدنيا بالدين: ما أساس الحقوق والقوانين هل هو الشرع المنزل أم الشرع الموضوع؟ والغريب أن جواب السنة في مسألة الأصل الثاني ( تقديم الشرع المنزل )  أغناهم عن تحقيق جوابهم  في مسألة الأصل الثاني (ايجاد مؤسسات الاختيار) فصار ذلك مصدرا للحرب الأهلية الذاتية للسنة في الغاية . كما أن جواب الشيعة في مسألة الأصل الأول (الوصية ) أغناهم عن تقديم الحل في المسألة الثانية ( إيجاد مؤسسات التشريع )  فصار مصدرا للحرب الأهلية الذاتية للشيعة في الغاية.

وهكذا تضاعفت حرب المسلمين الأهلية. لم تعد حربا بين السنة والشيعة فحسب بل باتت داخل كلا الحزبين: كيف يتخلص السني من تجميد الشرع السني ليطابق ذلك مبدأ اختيار الإمام وكيف يتخلص الشيعي من ولاية الفقيه ليطابق ذلك مبدأ تحريك الشرع الشيعي. مشكل الشيعي هو دور سلطة المراجع الروحية في السياسة. ومشكل السني هو دور سلطة الفقهاء الروحية في القانون. ومن دون تقديم الحل لهذين المشكلين يستحيل تحقيق الإصلاح الممكن. وطبعا فليس هنا مجال التطرق لهذا الموضوع. لكننا عالجنا بعض وجوهه في عملين يمكن الرجوع إليهما. الأول هو العرض النقدي لكتاب الأستاذ خاتمي في الاستبداد والثاني هو مقال مفهوم الفقة ووظيفة الفقهاء الذي صدر بمناسبة بلوغ الشيخ البوطي سن الستين.

ومما يثبت أهمية المعادلة الإسلامية في التاريخ الكوني هو أن الحرب الأهلية الإسلامية لم تزامن الصراع الكوني في لحظة أفول إحدى امبراطوريتيه السائدتين (فارس والاتحاد السوفياتي ) واستفراد الأخرى بالسلطان العالمي (بيزنطة وأمريكا ) بل هي كذلك زامنت أزمة الإنسانية كلها في مجالي الإصلاح الذي قدمته اللحظة المؤسسة من تاريخنا (لحظة الصدر ) وساءلته لحظة المراجعة الجذرية منه (لحظة ابن تيمية وابن خلدون) . ففي الحالة الأولى كانت الأزمة حول ارهاصات الفقه السياسي المؤلف بين الحل اليهودي المسيحي (الحق الإلهي) والحل اليوناني اللاتيني (الحق الطبيعي) من منطلق الثورة الإسلامية وعدم ملاءمة الظرف الإنساني لها ما ادى إلى إعادة تأسيس سلطان الوسطاء بين الإنسان والله. وفي الحالة الثانية نرى الأزمة متعلقة بارهاصات السياسة الفقهية المؤلفة من الحق الوضعي والحق المنزل  في شكل حقوق الإنسان الطبيعية فلسفيا والفطرية دينيا.

وقد لا أجانب الصواب إذا قلت إن الفرج آت لا ريب فيه. وذلك لعلتين: فالتطابق بين هذين التلازمين اكتمل في الحدث التاريخي. وبدايات الحل في المستوى الفكري والمؤسسي نجدها عند السنة في تجاوز تجميد الفقه الأصغر والأكبر من خلال ثورتي الفكر الإسلامي السني . تطور علم أصول الفقه جعل  نظرية المقاصد منطلق الربط بين الشرعي المنزل والشرعي الموضوع لما حول النص إلى مصدر أخلاق القانون بعد أن أماته اعتبار الفقهاء له مصدر نص القانون. وتطور علم أصول الدين جعل نظرية المصالح العامة منطلق الربط بين الفقه الأكبر المنزل والفلسفة السياسية الوضعية لما بين التلازم بين أحكام الوجود العمراني وأحكام الشرع الرباني في مقدمة الفيلسوف الحضرمي اليماني.

كما نجدها في الفكر الشيعي لأننا نرى أن مدار الحرب الأهلية الصامتة في إيران هو بالذات مسألة ولاية الفقيه التي ليس يمكن للجمهورية الإسلامية أن تكون جمهورية أولا وإسلامية ثانيا من دون التخلص من هذا التصور الذي يكنس الإسلام فيجعل له سلطانا روحيا بابويا لم يأت به الله من سلطان. وبذلك تتنهي أسباب بداية الحرب الأهلية الإسلامية وغايتها فتعود إلى الأمة وحدتها المذهبية وتتجاوز أسباب فرقتها الإثنية ليعود المسلمون إلى التعاون بدل التهاون فيكون الشرق الأوسط الأكبر بداية العودة إلى شعار الله أكبر في العالم كله وتنتهي اسطورة الطاغية المستكبر.

[47]  هل يمكن أن نزعم أننا فهمنا أعماق الحضارة الغربية مع عدم قدرتنا على الابداع في أي مجال من مجالات الحياة ؟ ففي مجالات القيم الذوقية والرزقية والنظرية والعملية والوجودية لا يزال فكرنا مترددا بين الدعوة إلى تقليد الماضي الإسلامي والدعوة إلى تقليد ما صار ماضيا من الحاضر الغربي رادين المثل العليا التي هي أفق كل ابداع مستقل بشرط كونها مثلا عليا إلى الوجودين الميتين اللذين تعينا في هذين الماضيين. وقد بينا في غير موضع أن عدم الفهم هذا ليس جديدا. فمباشرة (ولسنا في وضعنا الراهن وفي تعاملنا مع الحضارات المحيطة بأفضل من جدودنا كما حاولنا حاولنا بيانه في كتاب شروط نهضة العرب والمسلمين دار الفكر والفكر المعاصر دمشق وبيروت 2001) بعد الثورة الإسلامية تعاملت النخب التي انضمت إلى الدولة الإسلامية مع المحافظة على ثقافة الحضارات المحيطة بها تعاملت مع الحضارة اليونانية اللاتينية والحضارة اليهودية المسيحية بوصفهما مثالين أعليين فصيرتهما نسختين باهتتين وجعلت تاريخنا حربا أهلية بينهما أو بينهما وبين الجاهلية العربية والشعوبية.  لم تتكون نخب تعمق رسالة الخطاب القرآني بفهم شروط كونه ما هو ونتائجه وتحقيق الشروط والنتائج في الوجود الفعلي مؤسسات ومعايير. لم تفهم نخبنا نقد القرآن للحضارتين بمعيار التصديق والهيمنة من أجل تجاوز ما به تتقابلان ليصل إلى الكلي في كل حضارة انسانية تحت مسمى الفطرة التي تنهي الصراع بين الدنيوي والأخروي وبين الديني والسياسي وبين المتعالي والمحايث لتكشف ضربا جديدا من الابداع الحضاري مبني على العلم بمعيار الاجتهاد المستند إلى التواصي بالحق وعلى  العمل بمعيار الجهاد المستند إلى التواصي بالصبر فكان خاتما للاديان منزلها وطبيعيها بمعنى مخلص الإنسان من أساطيرها لبداية جديدة في التاريخ يكون فيها الديني والسياسي متلازمين: الأول رامزا للغايات والمثل والثانية رامزة للوسائل والوقائع في تحاققهما اللامتناهي. ويكفي لفهم هذا التوجه دراسة موقف القرآن من المعجزات رفضا لمناقشة ما تؤمن به الأديان المتقدمة عليه لئلا يدخل في صراعها مع متقديها ورفضا لإدعاء تقديم أي معجزة من نوعها مكتفيا بتحقيق نموذجا من هذا النوع الجديد من الوصل بين الديني والسياسي من خلال تحقيق شروطه كما تتضمنها النصوص الأربعة: القرآن مكيه ومدنية والحديث قدسيه وعاديه.

[48]  فرانتز برنتانو, علم النفس من المنظور التجربي:"كل ظاهرة عقلية تتميز بما يطلق عليه مدرسيو القرون الوسطى بعدم الشيء القصدي (أو العقلي ) وما قد يحق لنا أن نسميه رغم عدم خلو ذلك من اللبس بالاحالة إلى مضمون أوبالتوجه إلى موضوع ( دون أن يكون القصد هنا أن يفهم بأن الموضوع يعني شيئا  موجودا خارج الذهن ) او الموضوعية المحايثة لفعل العقل. كل ظاهرة عقلية تتضمن أمرا ما بوصفه موضوعا في داخله رغم أن الظاهرات العقلية لا تتضمنه كلها بنفس الكيفية....وهذا العدم القصدي يميز بصورة حصرية الظاهرات العقلية. ولا تظهر أي ظاهرة طبيعية مثل هذا الأمر. لذلك فإنه بوسعنا أن نعرف الظاهرات العقلية بالقول إنها الظاهرات التي تتضمن موضوعا في ذاتها موضوعا قصديا"F. Brentano, Psychology from an empirical Standpoint, pp.88-9, cited in Understanding Phenomenolgy,  Michael Hammond, Jane Howarth, Russel Keat, Ed.Basil Blackwel Ltd Oxford, UK 1991, p.62:” Every mental phenomenon is characterized by what the Scholastics of the Middle Age called the intentioanal ( or mental ) inexistence of an object, and what we might call, though not wholly unambiguously, reference to a content, direction toward an object ( which is not to be understood here as meaning a thing), or immanent objectivity. Every mental phenomenon includes something as object within itself, although they do not all do so in the same way. …This intentional enexistence is characteristic exclusively of mental phenomena. No physical phenomenon exhibits anything like it. We can, therefore, define mental phenomena by saying that they are those phenomena which contain an object intentionally within themselves

[49]  أبو يعرب المرزوقي, الشعر المطلق والاعجاز القرآني دار الطليعة بيروت 2000.

[50]  ينبغي أن  نميز بين واقعيتين: الواقعية الثقافوية والواقعية الطبيعوية. والأولى حركة تنتسب إلى الفكر الاشتراكي بالأساس. أما الثانية فهي حركة تنتسب إلى كل الثائرين على القاليد والمواضعات الاجتماعية وتنتسب إلى الفوضوية في معناها السامي أعني حركة العودة إلى الطبيعة من غير اخضاعها للتقاليد والمواضعات. لكنهما تشتركان في نقد الواقع الموصف باسم واقع مرفوع إلى المثال الأعليز غير أن الفرق الجوهري هو أن الواقع المثال في النوع الثاني هو الفطرة الطبيعية ومن ثم فهو ليس من جنس الواقع المنقود وغير محدد لذلك فهو يمكن أن يكون معينا لا متناهيا للمثال. أما والواقعية الادبية التي هي الطبعانية. أما الواقع المثال في الحالة الأولى فهو إما الوهم الميتافيزيقي الاشتراكي أو الواقع الغربي الحالي أو الماضي الإسلامي. وفي الحالات جميعا هو واقع ثقافي يتميز العرضية والتحكم الذي يتصف به الواقع المنقود.

ويقابل هذين النقدين الواقعيين بالمثال الثقافي أو الطبيعي نقدان آخران هما هما أصل النقدين اللذين وصفنا في البداية ولكن بعد انحطاطهما :

 1- النقد الأفلاطوني بالعقل المبدع للمثل التي تتصف بالشروط المؤسسة لما يمكن أن يضفي مميزات المعقول على اللامعقول ومميزات المعلوم على المجهول وذلك بابداع الميثولوجيات الرمزية والنظريات العلمية وكلا الأسلوبين حاولهما أفلاطون في محاوراته بل هو قد جمع بينهما فيها جميعا. ومن ثم فهو أول القائلين بأن الابداع العلمي من جنس الابداع الأدبي: كلاهما ابداع ميثولوجي يتوبي مؤثر إما في العالم من حيث هو خاضع لما يمكن أن نطلق عليه أسم القوانين الطبيعية (الضرورة شرطا للنظر والابداع العلمي) أو في العالم من حيث هو خاضع لما يمكن أن نطلق عليه اسم القوانين الخلقية ( الحرية شرطا للعمل والابداع الفني ). وإلى هذا النقد في صورته المنحطة يمكن أن نرجع الواقعية الثقافوية .

 2- النقد الأرسطي وإليه بعد انحطاطه يمكن أن نرجع الواقعية الطبيعوية. ويتمثل هذا النقد في اعتبار الفن مواصلا للطبيعة وعاملا بحسب قوانينها. والانحطاط الذي وصفنا به النوعين الأولين من الواقعية هو تحويل التصور الأفلاطوني والأرسطي إلى إيديولوجيا ثقافوية تنفي الطبيعة أو طبيعوية تنفي الثقافة. لذلك اعتبر ابن خلدون كل مهمة ثورته القيمية قابلة للحصر في قاعدة واحدة: كيف يمكن للعمران البشري أن يوفق بين الطبيعة والثقافة بحيث لا تتحول الثانية إلى أداة لقتل الأولى علما وأن الثقافة عنده مقصور دورها على الوسائل والطبعية هي المعين الوحيد للغايات والدوافع كما يتبين من نظريته التحررية في التربية والحكم والاقتصاد والفكر.

[51]  فكل المسلسلات والأفلام المستوحاة من الأدب المظنون واقعيا يصح فيها قول أفلاطون في نقده الشعر: تحويل مظاهر  الواقع غير المفهومة إلى مثل عليا تربى عليها الامم فيتحول الأدب الذي يقصد أصحابه نقد الواقع به لإصلاحه الوسيلة المثلى لتركيزة وتوطيده. لذلك فإن أهم ما يؤثر اليوم في أخلاق الشعب المصري خاصة والشعوب العربية عامة هو هذا الأدب المنحط الذي جعل الواقع المنحط المنقود والواقع المنحط المنقود به مثالا أعلى للشعوب الكسلى. وتلك هي المهمة الرئيسية لمسلسلات التلفزة التي حولت الوعي الشعبي إلى سفاهة جماعية.

[52]  لا يتصورن أحد أننا نصف اللحظة العربية الإسلامية ببعديها الحدثي والمعنوي بل نصف الوعي الفاسد بهذه اللحظة. وغرضنا تحرير اللحظة من هذا الوعي الفاسد حتى نتمكن من جعل فكرنا معاصرا للحظتنا بحدثها ومعناها فيكون الفكر بذلك في موقع القابل لأن يصبح مبدعا. وإلى أن يحصل ذلك لا بد من مواصلة التعلم النقدي من الذات والغير سعيا إلى ابداع أحداث ومعاني تتعالى على الذات والغير إلى أفق انساني أوسع يجعلنا من جديد قادرين على تحديد قبلة الإنسانية.

[53]  والواقع أن هذا التفكير هدفه الخفي هو نهي الشعوب المغلوبة على شروط القيام الحر. فهذا التفكير عندما يطبق عندنا يصبح جنيسا للإيديولوجيا التي يقاومون بها ما يسمونه ارهاب الأمم التي تحاول أن تقاوم الاحتلال وما يسمونه أسلحة الدمار الشامل أعني ايديولوجية ثقافة السلم والتسامح. هم يتسلحون بكل الأنواع الفتاكة وينشرون ثقافة ارهاب الآخرين واغتصاب حقوقهم ثم يمنعون ذلك على من عداهم بأكذوبة ثقافة السلم والتسامح. والمعلوم أن أساس القوة التي هي شرط الارادة الحرة هو العلوم. فإذا باتت الفلسفة ايديولوجيا تعتبر العلم بحد ذاته أمرا مفسدا للوجود الإنساني يصبح من الواجب أن نشك. ففي مجتمع تجاوز حد التمكن من العلوم يمكن أن يكون مفهوما أن تنهى الفلسفة عن تحريف العلم بالبحث في أخلاقيات العلماء. أما إذا اعتبرت نخب الشعوب المغلوبة  ذلك فلسفة مع غياب الشروط الدنيا للدفاع عن النفس – وهي أمر ممتنع من دون الابداعين- فإن الكلام يصبح من جنس الكلام عن ثقافة الاستسلام لسلطان محتكريهما للاستفراد باستغلال الطبيعة والثقافة وفرض العولمة بمعناها المؤبد لسطانهم على كل البشر.

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام