



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
مستنفرة القسورة
دكتور ع. المحمودي
ملاحظة:
هذا تمهيد لم يكن في حسباني لما كتبت ردي على تخريفك الأخير. لكنك بردك المتعجرف على أحد الشبان من خيرة من يتردد على موقعك أجبرتني على البداية به قبل أن أجيبك على التخريف المتواصل منذ أكثر من أسبوع للرد على من تسميهم زمرة المرزوقي: الرد المزين مثل الطاووس بكل الألوان باستثناء لون الصدق والأمانة العلمية.
غباء المستبدين
علامته كبت النجباء ببطانة من البلداء
لا طمع في أن تعود إلى رشدك فتجيب عن سؤال أحد المنصفين في موقعك أظنه يعبر عن بارقة النور التي كان أستاذي المرزوقي يؤكد عليها لإيمانه بأن شباب الأمة فيه الكثير الكثير من الخير مهما حاول المضللون تضليلهم. قال السائل الذي تستعجله بما يشبه التقريع ليهجم علينا مثلك: "السلام عليك. اعتدنا على أن تكون كتابات أصدقائنا في المنتدى في قبالة الوهابية لا تخلو من شدة عزوناها لقلة فهم الوهابية وسوء خلقهم ثم إننا نرى الآن كلاما مع مخالفين بنمط مختلف وإني أرى الأسلوب نفسه فهل هؤلاء المخالفين قليلي الفهم أم هم اقل درجة وعقلا من الوهابية ؟؟؟"
وبين أن صاحب السؤال يلمح بصيغته أنه لا يجهل الجواب وأنه لا يوافق على أساليبكم –لا مع من تعللون عجرفتكم معهم بجهلهم ولا معنا لكون هذه الدعوى لن يصدقها في كلامكم معنا إلا من كان لا يفهم حدود الدعاوى الزائفة ما هي- فضلا عن دلالة المقابلة بين نوعي من ترد عليهم: فالرد الواحد في الحالتين مع اختلافهما دليل على عدم التمييز وعدم الفهم وقلة الحيلة. وإني أتوقع طرده قريبا أو تهديده بالطرد كما حصل للعديد من قبله. ولعل إجراءات الطرد قد بدأت: فالتنبيه الثاني جاء مباشرة بما يشبه الأمر البات للجواب تقريعك وتقريع تابعك بلال لمن ساءه ما تفعلون. والبقية آتية لا ريب. وعلى كل فمثل هذه الطيور النبيلة -التي تشجعت فأدلت برأيها ليست إلا البداية- وهي تكفينا للدلالة على قدوم الربيع وعلى أن الدجل بدأ يفقد مفعوله.
وما نقمتم عليه أيها الثالوث المدنس (الديعس ومن لالب له والسارف بتعريف أخي حليم) إلا أنه دعاكم إلى التعقل وهو يعلم أن بضاعتكم التي ترد إليكم هي دأبكم مع غيركم بتعليل ذكرَه بما يشبه عدم الاقتناع به فهاجت هائجتكم وماجت مائجكتهم بدءا بالديعس تقريعا وتنبيها وتثنية بعديم اللب تصريخا وتوبيخا وختما بالسارف تسويفا وتحريفا لفرط إسرافه كعادته. فقد جعل الأستاذ المرزوقي داعيا للكفر بعد أن فتشت محكمته في ضميره فوجدت الوجودية والباطنية إلخ... من الأفكار الساذجة التي لا يدري معناها. ثم ذهب إلى حد معاملة صاحب النداء إلى التعقل وكأنه قاصر خوفا على دينه. لكأن الأستاذ ناصر أقل فطنة وإيمانا أو دراية بالإسلام من هذا الذي لا يميز بين لام الأمر وال التعريف في ما يرصف من تجديف. وكم أعجب من سخافات هذا المتناطق بزاد ابتدائي يريد أن يتعالم مع من لا تزال قبيلته يلغو صبيانها قبل الفطام بلسان مضر في الخضراء عاصمة الإسلام المغربي كله منذ عقبة إلى يوم يبعثون!
أما ذلك الذي يواصل لوم أمه على ما علمته إياه فهو لا يخرج من فيه الأرذل إلا ما يشبه ما يخرج من هيفه الأسفل. بئس النظم من كشخة الفدم ! ثم تواتر التقريع فشارك فيه حتى ذو العقل الخفيف وصاحب الرأي السخيف إذ يوهم بأنه عبد اللطيف وهو ليس إلا عبد الطبع العنيف. ولا بأس من تهنئته: فقد بدأ يقرأ ما يمكن أن يفتح مخه المتجمد ظنا أنه يبين عورات فكر الأستاذ فإذا هو يقدم الحجج لمن لم يطلع عليها من قبل على فدامة فكره وبلادة ذهنه! وقد كنت أظن بلال وحده يثبت عكس ما يريد فإذا هي عاهة الجماعة كلها: فيا أيها المتلاطف سل أي قاريء متوسط التكوين عله يشرح لك ما انتخبته من نص الأستاذ علك تدرك أنك تفقأ عينيك بما لا ترى.
أما أنت يا ديعس ! فلا تتصور قولي "أجب" الأستاذ ناصر-وقبله الأستاذ صهيب وغيرهما كثير وسيكون بعدهما أكثر إن شاء الله-أمرا ولا حتى طلبا فضلا عن أن يكون رجاء. فهذه الأصناف من الإنشاء لا يخاطب بها إلا من كان عاقلا يتروى في ما يسمع أو يقرأ فلا يعيش في حرب دائمة مع مهاجمين يختلقهم خياله. إنما هو معاجزة. فأنت لم تفهم قصد هذا الشاب النبيل. ظننته قد انحاز لنا. لكنه إنما أراد أن يوفر لك فرصة التروي كما فعل من قبله الكثير من الشباب الذين قلوا بعدها الموقع إما لأنك قرعتهم كالذي عيرته بأنه لا ينتصح رغم كونه من خيرة شباب الموقع لو كنت تدري ثم نهرته فهجركم غير نادم. ونعم ما فعل لأنه اختار سبيل العلم وتحرر من الدجل. وبقية القالين فهموا بأنفسهم أن الداء قد استفحل ولا علاج. فآثروا السلامة العقلية على الهوس الكلامي. قولي كان معاجزة. وإليك ما أعني.
فأنت لا تستطيع أن تجيب الجواب الملائم لأنك غير قادر على فهم القصد من أي خطاب. لا تحور لأنك لا تدرك معنى الحوار. تتصور نفسك في حصار فتخاف من العوار: فكما كنت انتظر لم تمر ساعة بعد سؤال الرجل حتى نزلت بنفس الإزباد والإرغاد لتوبخه وتعود إلى نفس الأغنية بأنك ترد الفعل. ولم يمر يوم حتى عبرت عن نفاذ صبرك على سكوت من أغضبك بموقفه. وبين أن كلامك يكذبك مباشرة. فأنت اعتبرت موقفه- كما أشار الأستاذ المرزوقي من البداية تأويلا لعنوان مقالك بالطليعة-اعتبرته يفتح ثغرة في قلعتك لأنك تتصور الأمر حربا معنا. ترانا أعداء مهاجمين قلعتك فصورت نفسك بهذا الجواب الأخير محاصرا تسعى لسد الثغرات التي سيهاجمك منها من تسميهم بزمرة المرزوقي. فاطمئن لست مما ننشغل به إلى هذا الحد.
يا رجل انتبه لنفسك فهوسك يكاد يقضي عليك وأنت في مقتبل العمر. وأعلم أن مثل هذا الهوس ليس له علاج إلا أن تفهم مبكرا ما فهمه فحول المتكلمين: أدركوا أن الكلام فعلا من أعراض زيغ القلوب وابتغاء الفتنة فتبين لهم الرشد من الغي. اسمع للنصحاء واترك المغررين بك. فأنت في جدل مفحم ولست في حرب: فإذا كنت حقا تؤمن بأن الدين بحاجة إلى من يدافع عنه فتعلم على الأقل الدفاع بأسلحة العصر ولا تركن إلى تخريف القرون الوسطى. وليس يوجد في العالم ما هو أكثر حداثة من أسلوب القرآن في الدعوة إلى الله: وهي الحداثة الدائمة لأنها أساسها العلم ببواطن النفوس من خالقها العلم الذي يطابق فيه الحديث الحدث دائما بسبب كونه عين سنة الحدوث.
فتعلم يا هذا! تحرر من مرض الزعامات المتخلفة التي تجعلك تنهر النجباء ثم تطردهم وتشجع البلداء ثم تحتضنهم لتحافظ على مركزك بينهم فتكون شيخ الأغبياء: كذلك يفعل جل المستبدين بأمر المسلمين في السلطانين الزماني والروحاني وذلك ما نهتم بعلاجه ليس لتنافس معك أو مع أي أحد آخر بل لأن ابن خلدون فسر بهذين الاستبدادين انحطاط الأمة. ونحن نواصل عمله ما استطعنا إلى ذلك سبيلا.
تزعم أنك تكتفي برد الفعل. وأنت صادق في الزعم شكلا. لكنك كاذب فيه مضمونا. نعم أنت لم تتجاوز رد الفعل في خططك الحربية ما دمت تتصور أمر الحوار معنا حربا. لكنك بدأت بالهجوم في ردك على مجرد وصف لداء لا نعتبرك علته بل أحد أعراضه. بل ومن ضحاياه ! فلتعد بهدوء إلى مقال الأستاذ المرزوقي الأول وستجد أنه قد رفع من مقامك إلى حد أنه نسب كل ما أشار إليه من أخطاء إلى مجرد السهو منزها إياك عن ارتكاب مثل هذه الأخطاء التي لا يقع فيها أبلد طلبته: ألم يصفك فيه بأنك شاب واعد ؟! أم تعتبر ذلك فيه حط من قدرك؟ أم تراك تريد للحرمص أن يصبح زبيبا ؟ لذلك فالجميع يعلم أننا لم نبدأ بالعيب والمقالات في متناول الجميع. لم يكن قصدنا الكلام في الأشخاص إذ لا أحد منهم يعنينا وليس لنا بهم معرفة أو بيننا وبينهم تنافس على شيء من أوساخ الدنيا. ما يعنينا هو ظاهرة مرضية فسر بها ابن خلدون (في المقدمة) وابن تيمية (في كل أعماله) وحجة الإسلام (في الإحياء) انحطاط الأمة.
إنما نحن نريد أن نخلص أمتنا من هذه الأدواء ما استطعنا إلى ذلك سبيلا دون أن ندعي زعامة ولا أن نكون جماعة بل نكتفي بطلب المعرفة ونشارك في الحوار الجماعي في شروط النهضة لا غير حول أزمة: التربية التي أنهت حرية الضمير والعقد وأرجعت ما حررنا منه القرآن أعني حراس العقائد من السلط الغشومة والغشيمة. ولما نبه أستاذنا إلى مضار الكلام فإنه لم يهاجم أحدا بعينه بل هو عمم فشمل كلامه كل المواقع التي أعادتنا إلى حرب الفرق. وما مخاطبته الأستاذ سعيد فودة إلا لظنه أنه أفضل من يمكن أن يبدأ معه الحوار العقلي حول الداء لعل ذلك يمكنه من مراجعة نفسه لتوسمه الخير فيه بعد أن رآه قد قرأ شروط نهضة العرب والمسلمين وعلق عليه فاعتبر ذلك من علامات انفتاح فكره حتى لو عارض رأيه في مسألة الكوجيتو.
ولعل بعض المحيطين بك قد أفسدوا عليك أمرك فضيعت الفرصة التي كان يمكن أن تكون بداية حقيقية للمراجعة كما حصل لجل المتكلمين بعد أن فهموا الطابع المسدود للطريق الكلامية. ولولا التوظيف لما ظننت بما لك من فطرة ظنناها سليمة أن تعتقد أنه في القرن الحادي والعشرين يوجد من يستمد عقده من نظريات الكلام الوهمية إلا إذا أعيد بفنيات التبليد الطائفي والخلع الباطني إلى عقلية القرون الوسطى حتى يسهل إخراجه من السنة. تلك هي العلة التي جعلتنا نتصورك قد أصبحت غير مالك لأمرك بعد أن تبين لنا من خضوع الموقع لسلطة خارجية توظفه لخدمة أجندة خفية: كالتشكيك في القرآن لغة ونصا وعلما أو كالتستر على تشييع المشرقين والمغربين.
صالت جماعتك التي أنت شويخها في الظاهر وجالت لكونك تركتَ العنان للسفهاء من حولك-بل وسعيت لتوسل سفيهين من تونس أو ثلاثة لإقحامهم في تخريفك-معتبرا ذلك ممهدا لك الطريق في ما سميته حربا بدأته بالطليعة وأنهيته بالمؤخرة. وفي كل ردودك كنت تلمح إلى تكفير الأستاذ المرزوقي إما مباشرة أو بنسبته إلى الفرقة الوهابية التي تكفر من تتصوره أصلها أعني ابن تيمية. أغفلت أن الأستاذ المرزوقي وهب حياته- قبل أن تولد وفي عقر دار أعداء الأمة لما له من علم بهم وبفكرهم من ينابيعه وليس من الترجمات الرديئة التي أفسدت ذوقك وفكرك-وهب حياته لنهضة الأمة وكان دائما يوجهنا للعلم أولا ثم للمشاركة المتروية في البحث عن شروط نهضة الأمة والعمل على علم أعني دون تعصب ولا جهالة.
أنت كفرته تكفيرا صريحا ولم تقف عند نفي انتسابه إلى الفرق الوارد في ردك الأول لأن ذلك كان منطلق الأستاذ في مقاله الأول ولا يزال من الرافضين للانتساب إلى أي فرقة فضلا عن كونه لا يكفر أحدا أبدا لكونه يعتبر الكلام أو الرد عليه غير قابلين لأن يؤسسا الموقف التكفيري إذ العقائد ليست عنده مادة لعلم موثوق فتكون حجة كافية للحكم على عقائد الناس: فهو لا ينتسب فعلا لأي فرقة ولا يقول بالعقائد المصوغة كلاميا لأن صوغها القرآني يكفيه. ومعنى ذلك أنه سعيد بما تعيره به: لا يريد أن يكون من أي فرقة لكونه يعتبر الفرق أيا كانت كلامية أو حزبية هي عين الداء الذي تعاني منه هذه الأمة التي فقدت السلطان على دار الإسلام وتراثه فصارت كرة تتقاذفها أوغاد الداخل والخارج. فافهم ! تنهر القريب فلا تسمع وتنابز البعيد فلا ترعوي ؟ متى ستعي ؟!
جواب قد يفهمك أنك فاقد للبصيرة
سبق أن أشرت إلى أن مجرد ردودك تكفي دليلا عليك لا لك. وكان بوسعي أن أضيف إلى إشارتي عبارة واحدة أذكر بها ثانية: وذلك ما كان علينا بيانه (بعينة السخف المعبر عن ذاته بكلامه). فمواصلتك الإرغاد والإزباد عرى كل الأوتاد في خيمة شيوخها من الأوغاد جعلوها قلعة هم فيها المستنفرة ترمح وتصك لأن الجرب يدفعها للتلذذ بالحك. فنابز بالألقاب من تشاء لن يأتيك أدنى صدى: كرة الثلج الهستيرية دبت في أوصال الشويخات يقودهم رئيس الجوق بنفسه بعد أن فقد نفسه.
ومشكلك كـ"جورو" الجماعة أنك لم تستطع أن تستفز الأستاذ المرزوقي فيرد عليك. كما لن يستفزني كلامك على التناقض بيني وبين أستاذي. فحتى لو حصل لكان عامل إثراء لفكرينا ولكان أول المرحبين به لإيمانه بالاجتهاد الدائم وبالاستقلال الفكري. لكن تخريفك لم يجد تناقضا بيننا في مسألة الدليل العقلي إلا لأنه تخريف عقل سخيف لو كنت أعلم أنه بلغ تدنيه إلى هذا الحد لما أبقيت ضمائر في ما يعتبر من المفروغ منه عند أهل الاختصاص. وحتى عند جمهورهم فضلا عمن هم من خاصة الخاصة كأستاذي. لذلك فسأهديك هذه الجميلات علك تعي أميتك الفلسفية.
فعندما يتلكم الأستاذ على الدليل العقلي ويقابله بالدليل الكلامي فهو يعني البرهان الذي هو الدليل العلمي يا صاحب الذهن الخرفان. وعندما يقابل البرهان العلمي بالبرهان الديني وكلاهما عقلي لا تعاقلي كالكلامي والجدلي فهو قد بين ذلك معرفا العقل من حيث هو نهى أو لب بالمعنى القرآني: وهذا طبيعي فأنت لا لب لك ولست من أولي النهى. لذلك فلا يمكن أن تفهم الفرق بين الحصاة التي تحصي وتنظم ولا تعلل Verstand والنهى الذي يدرك الغايات والبدايات معرفيها وخلقيها Vernunft كأنك لم تفتح في حياتك كتاب المحاسبي. لو كنت ذا حجى لأدركت أن تصفيق ما حولك من البلداء ليس إلا من علامات استبدادك بهم وليس دالا على اقتناعهم بتخريفك إلا إذا كان من البطانة الأغبياء.
فمن لا يفهم الفرق بين العقل والتعاقل ولا يميز بين الدليل المساعد في العقديات والدليل عليها من الطبيعي جدا أن يرى التناقض في ما لا يدرك لطائفه. كيف يمكن لمثل هذه "الثخانة" الذهنية أن توجد ذلك هو فعلا ما يحيرني ؟ كيف لم ينقرض إلى الآن هذا النوع من البلداء الذين لا يميزون بين الدلالة العقلية التامة والحجج المساعدة على تدعيم عقائد من تحير أو مجرد الرد بحجج من جنس ما يعترض به على تلك العقائد أعني وظيفتي الدليل الكلامي حصرا فيهما.
فذلك ولا شيء غيره هو ما لأجله أباح الغزالي الإبقاء المحدود لعلم الكلام الذي قال عنه إنه لا يفي بغرض من يطلب اليقين؟ وأي معنى لعقيدة ليست يقينية وهي لا يمكن أن تكونه بالعقل مهما تعاقلت؟ كيف يوجد من يعتقد أن الحجج الجدلية في الكلام دليل علمي وعقلي فيكون فهمه للأدلة فهما يرد به على الأستاذ المرزوقي في أجوبته على الأستاذ طوقان ؟ ولكن ذلك يقبل ممن يجعله سخفه يعيش على فضلات فلسفتنا الوسيطة دون فهم ثم يعيب على الأستاذ العلم بأصولها وفروعها من مصادرها الأولى والأخيرة بلغات أهلها زاعما ذلك تبعية للفكر الغربي ؟
لا أكاد أصدق أن مثل القدر من البلادة يمكن أن يوجد فضلا عن أن يغتر به شيخ يدعي القيادة بل والريادة بمثل هذه البلادة: لظنه أن نفخ صدره وتصعير خده أمام من يظنهم وهابية لا يفهمون (في حين أن قلة من شبابهم أفحموه هو فضلا عن جوقته كلها نقلا وعقلا فطردهم بتهمة إساءة الأدب أو عدم الفهم) يمكن أن يظل أمرا يصدقه غيره. فشتان بين حجة مقدماتها عقائد إيمانية مسلمة أو مفروضات جدلية ودليل علمي أعني عقلي بالمعنى الفلسفي المطابق للمقصود بالبرهان –أبودايكسيس إن صادف ففتحت في حياتك كتاب البرهان- مقدماته إما مفروضة لتحديد موضوعها المثالي (في الرياضيات) أو مستقرأة من موضوعها التجريبي (في الطبيعيات)؟ ففي النوعين الأولين القضية محصورة في الصورة الدالة على سلامة الحجة المنطقية لا على حجيتها العلمية. وهي في النوعين الثانيين ليست منطقية بصورتها فحسب بل هي علمية بمضمونها سواء كان مما يفعله العقل المبدع أو مما ينفعل به العقل المتبع. فأفهم أيها المتعالم والمتعاقل! وفي العقائد لا يمكن أن نبدع ونكتفي بأن نتبع: وما نتبعه ليس من الاستقراء العقلي بل هو من الوحي السماوي فهلا فهمت ؟
لذلك فحتى لو بلغت تراقيمك المليون فهي لا تدل إلا دلالة الأمارة على اعتمال تآكل داخلي مطحون. لكني لا أعتقد أن الأستاذ يرد عليك على الأقل بسبب ما بينت لك في الفقرات السابقة. وقد ندبت نفسي بديلا منه لبيان تخريفك للعام والخاص مكتفيا بما تمدني به من علامات وأدلة فتكونَ أفضل عونٍ لي عليك. لذلك فإني أعدك بأنه لن يرد عليك مهما فعلت أنت ومن هم أكلال عليك من المتشايخين: وكلما أدمنتم على الردود اتسعت أخاديد الجدار في قلعتكم فافتضحت عوراتها. ذلك أن الأستاذ أبا يعرب لن يوليك أي انتباه بعد أن فرغ من وصف أعراض الداء الذي نسب إليه ابن خلدون علل انحطاط الأمة (التربية المتعسفة التي تنفي حرية الضمير والمعتقد).
وأنت تعلم أنه قد اكتفى بما قدمه من نماذج على وهاء دعاواك في مسائل ثلاث ضربها أمثلة من تخريفك وخاصة في المسألة الوجودية التي جعلته لا يسند إليك إلا أدنى الدرجات فرسبت في الامتحان. وأنت تعلم كذلك أنها كلها أمثلة مستقرأة من أسئلة وجهها إليك بعض المستنجدين بعلمك الزائف حتى يكون الدليل عينة مما يجري في أذهانكم بوصفكم الفارين من القلعة التي كان آخر فضائحها ما بسبب اكتشافي له انفجرت قرائح الجماعة بما يحدد حقيقة أخلاق شيوخها: ولا تعتذر لتبرر وقاحاتكم لأن الناس سيراجعون ما كتبه أستاذنا وما كتبتموه وسيرون أن بعض الأصدقاء عاملوكم بأقل من مثل ما تركتم الرعاع من جماعتكم يتكلمون في ما لا يفهمون. راجع بنفسك ما قيل في مقاله الأول وسترى أنك فقدت التروي فنزلت إلى مهواة.
ولعل تخلي أصحاب هذه الأسئلة التي انتخبها الأستاذ المرزوقي تخليهم عن أجوبتك وعدم دفاعهم عنها دليل قاطع على أن كلامك لم يعد مقنعا لأحد ممن غررت بهم. لكنهم-إما لجميل خلقهم أو لخوفهم من سطوة المشائخ-ابتلعوا تخريفك في صمت. وها أنت ذا منذ أسبوع لم تقنع حتى نفسك بما تخرف به. لذلك تراك تواصل وتكرر ما خرفت به مرات ومرات مرددا فكرتين سخيفتين حول عدم قراءتنا للنشار الذي كان في ترحاله المغربي من مبتذلات تكوين أي متعلم في الثانويات فضلا عن الجامعات بعد أن يئست من الظهور بمظهر من يدافع عن القرآن زاعما أننا كذبنا إذ قلنا إن الله ينزل ويصعد بنص القرآن لخوفك من افتضاح أمر تأويلاتك التي تنفي الحركة عن الله. فهو عندك الواحد الأفلاطوني الميت الذي لا يتحرك ولا يفعل ولظنك أن الحركة لا تكون إلا بمعناها في مصطلحك الكلامي الأعرج. وأنت تتصور أننا سنمالئك فيرهبنا تخريفك فنتخلى عن القول إن الله حي يفعل ويتحرك وينتقل لكأننا نأتي بذلك من عندنا ولا نقرأ القرآن باللغة التي نزل بها مع حرز ليس كمثله شيء: نحن لا نعبد صنما تصوريا مثلك بل نعبد من لا يحده تصور ولا يتوهمه تخيل كما حدده لنا القرآن بصفات نعلم أن صاحبها ليس كمثله شيء ذاتا وصفات.
لو كنت تفهم في الجدل لعملت أن كثرة الاعتذار عن أساليبك لن يقنع أحدا وأن تضخم الهذر يخلي قولك من كل أثر فتبقى بتقازيخ تخريفك الملون تصيح في واد ولا مستقر إلا في القلعة التي جمعتك مع الببغاوات. ومهما أكثرت من التقازيح والخطوط المختلفة في ما تخط فإن ما تخرف به لن يزيد الناس اقتناعا إلا بأنك أنت نفسك غير مقتنع بتخريفك: لعلك تريد أن تقنع أصحاب الفضل الذين منهم من فضحي إياه في حربه على القرآن استفزك ففقدت عقلك وكل روية. مقالتان قصيرتان خاليتان من تقازيح الألوان والتسطير والحروف الغليظة أعني عاريتين عن الفنيات البدائية الدالة على ما في نفسك من خلل أنهت ما كنت تتظاهر به من توازن فصرت تهذي بما نبينه من حماقات لم تكتف بالاتصاف بها بل أردت أن تلصقها بالنشار المسكين: لأنك أبيت أن أبعده عن هذرك فلم تفهم سعيي لتبجيله ربما لصداقة بين أحد أقربائه وأستاذي لي بها علم.
فها أنت ذا تدعي إفحامي بتحليل مقالي الأخير مركزا بالتقازيح الهستيرية التي يصفها أخونا حليم محقا بألوان جلباب أبي سعدية ومستعينا بما بقي من تابعك حولك. وما أنجدوك لو كنت تعلم: فهم كل على مولاهم. وحتى المقال الذي استجاده موقع الفلسفة فنشره لم يكن لك بل عليك لو كنت تفهم: فهو يثبت عكس ما تتصور لأنه بين أن الكلام مقبول بشرط أن يكون تدعيما للعقائد وليس إثباتا لها لأنها ثابتة بالنص وبشرط ثان نضيفه لكونه لم يرد في النص المنشور هو شرط قل أن ينتبه إليه المتكلمون أعني ألا يكون الكلام إلا ردا على المعادي الأجنبي فيحيد في الصراع الداخلي الذي لا ينبغي أن يمس العقائد. ولعل ذلك هو السر الذي جعل الأشعري يصف كل الفرق بكونها من الإسلاميين (في مقالاته) دون أن يعتبر الكلام صراعا بينها. فلا تفرح بما في الديباجة من دعاء لك: فليس الشكل هو المهم بل المضمون فانظر بنفسك دون تسرع. ترو! فلا تواصلن الرفس والعفس رغم ما عرفنا منك من "غفص".
فكلامنا كله يدور على المذموم من الكلام إذا صح أن الممدوح يمكن أن يسمى كلاما لكونه يرفض مبدأ كل كلام: التأويل. والأقلام الحافية لن تجلب العافية: الخمسة الذين كتبوا معك في الرد علي أقلام تغلب على فكر أصحابها الفدامة والبهامة. فالجديع ليست له "جدعنه" بل هو مجدوع. وبلال الهجاء كلامه هراء. وفراس ينقصه المراس وهو بالتونسي الفصيح مهراس. أما أحمد إدريس فهو طبال وليس في مقاله ما يقال. لذلك فهم لا يمكن أن يعتد بهم في هذا المجال من الجدال لأنهم تعلموا التكر لا الفكر-هذه أيضا تونسية فأسأل التوكار- من شويخ دجال.
فماذا في وطابك تفحمني به ؟ إذا ما استثنينا زفرات الكمد في كلامك على الأستاذ المرزوقي لم يبق لك إلا الدفاع المزعوم عن القرآن بطرف شفتيك خوفا من عودة الكلام على المعتدي الأثيم والأفاق اللئيم الذي يمضي بالأشعري الصميم. فأنت تتستر على من شكك في لغة القرآن وتواتره ومضمون علمه. وأنت تتعامى على حملته التي يواصل خوضها ضد القرآن بأسلوب جديد. فتحت عنوان آخر غير مباشر بات يسأل عن وجود السحرة الذين يجدهم في القرآن ولا يجدهم في الدنيا قاصدا تكذيبه بما يشبه التساذج عن وجود السحرة في عصرنا: سل الأخت شفاء التي حاولت الرد بالكلام على وجود السحرة في الكثير من البلاد العربية وخاصة في السعودية.
وقصد المعتدي الأثيم الذي تخلى عن إمضائه بالأشعري الصميم واختار إمضاء الضحية التي هي عين البلية القصد هو طبعا : كيف يكون القرآن كلام الله وفيه كلام على السحر الذي هو وهم وخرافة ! وطبعا فسلسلة تكاذيبه للقرآن لن تتوقف. سيسأل لاحقا عن الجن ثم عن المعجزات ثم عن المطابقات التاريخية إلخ... إلخ...إلى أن يسلط على القرآن الكريم كل تخاريفه كعلماني متنكر أو بصورة أدق كرافضي متق. ولا خوف عليه ولا يحزن فهو في حماية الجورو الذي يحارب ابن تيمية وابن رشد وأبا يعرب وتلاميذه!
لم تطل الكلام عن اتهامي بالكذب عن القرآن لأنك تريد أن تنسي الناس هذه المسألة. لكنك أطلت الكلام على ما تزعمه كذبا على النشار لكأن النشار لو كان حيا يقبل أن يحاول سفيه ثرثار أن يزعمه علما فوقه نار في حين أن تواضعه-إذا كان عالما حقا-يجعله لا ينفي أنه مجرد راو للأخبار وخاصة إذا قورن بالكبار. وطبعا فأنت لم تأت بدليل واحد تثبت به دعواك. كل ما قدمته يبين عدم فهمك حتى لما يقول النشار فضلا عما قلتُ أنا عنه. أما القرآن فيكفيني أن أذكرك بأني لا أول بل أكتفي بأن أقرأ ما جاء فيه. فالله يَجي ويُجاء ويُجيء ويستجيء وأنه يقرب ويبعد وأن النبي عرج إليه وأنه كل يوم في شان "وأنه إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه".والحديث الشريف يقول أكثر من ذلك وهو من الوحي حتى وإن لم يكن قرآنا: ولست أنت أكثر تقديسا لله من نبيه الخاتم.
وكل ذلك يفهمه من يفهم العربية من دون أن ينسى ليس كمثله شيء إذا كان مؤمنا به. لذلك فالله عندي ينزل ويصعد ويغضب ويمسك بيديه ويخلق بهما ويراقب ما يصنع على عينيه كما قال في قرآنه العزيز مع العلم بأن ذلك لا يشارك ما نفهم من هذه الكلمات إلا بالاسم. فالله ليس كمثله شيء. فخرف كما تريد لن يضيرني ذلك. قد ترهب السذح الذي يصدقون أن لك علما بما يليق بالله أكثر من النبي ومن القرآن. القرآن يخاطبي بلغتي التي أفهمها كما تعلمتها بوصفي عربيا ولست أعجميا مثلك: عجمتك هي أنك تترجم القرآن بالمصطلح الكلامي لتحاكم الناس بما ينتج عن ذلك من تكذيب لله ورسوله إذ يصبح القرآن غير مبين والنبي غير أمين إذا صدقنا علمكم "الهجين". .
ولنأت الآن إلى تخريفك عن النشار. وسأكتفي بما أتيت به أنت من شواهد لأبين لك كم أنت سطحي إلى حد التفاهة. واعتمد ما أوردت أنت لعلتين حتى أترك لك حرية دحض نفسك أولا ولأن كتابات النشار لم تعد من المراجع المعتبرة عندي بعد الثانوية. تدعي أن النشار يتهم عقيدة ابن تيمية تهمة من جنس تهمك فيكون مكفرا إياه كما تفعل أو على الأقل محطا من شأنه لهذا السبب. إيتنا بنص صريح منه إن كنت صادقا. وقد بينت لك سابقا أن النص الذي قدمته كان من النشار أشبه بالاعتذار لابن تيمية عن الحدة منه بالتكفير ولا حتى بالتبكيت: أي إنك لم تفهم ما قصده النشار. فهذا هو نص الشاهد ولم أحذف منه إلا تقازيح بوسعدية وتعدد حجوم الخط التي هي من الأعراض المرضية في الكتابة الصبيانية:"ويبدو أن ابن تيمية قد آلمه أن ينكر ابن كلاب قيام الحوادث في ذات الله، وهو أصل آمن به هو وأخذه عن الكرامية، وأن إنكاره عند ابن كلاب أدى إلى إنكار الكلام المتعلق بالقدرة والمشيئة، لأنه إذا كانت الحوادث لا تقوم بذات الله، فكلام الله مع المخلوقين لا يقوم بذاته، ولكنه يتحقق في زمان ومكان، فهو ليس قديماً إذن، ولكن ابن تيمية بمزاجه الحاد يتناسى أن ابن كلاب يقول بقدم الكلام النفسي ويقول بقدم القرآن."انتهى
لم أشأ سابقا بيان تفاهة هذا الرأي الذي تنسبه إلى المرحوم النشار-ليس اتقاء لشيء قد ينجر عن إبداء الرأي في النشار- بل لأني لا أريد أن أذكر موتانا إلا بخير فاكتفيت بإبراز حسن نية النشار الواضح من شبه الاعتذار للشيخ بما يفسره بحدة الطبع. ولكن مادمت قد تماديت. فلننظر في رأي شيخك حتى أبين لك أنه ليس كلاما ذا أساس عقلي أو منطقي بل هو مجرد بادئ رأي يشبه عفو الخاطر لأنه لا يمكن أن يكون مما يبادر به من يمعن النظر في ما يقول.
فلا يمكن أن يكون هذا الحكم كلام علماء. إنما هو تفسير عديم التأسيس المنطقي والتعليل التاريخي لفكر ابن تيمية وعلاقته بالأشعرية. كيف يمكن لعالم أن يفسر موقف ابن تيمية في أمور جوهرية من العقائد بالألم والأخذ عن الكرامية وحدة الطبع فيعامل ابن تيمية في رفضه الفكر الأشعري بما لا يليق بالعلماء الناقدين والمنقودين على حد سواء: هل تعتقد النشار من خريجي موقع الأصلين ؟ لذلك فقد اعتمدنا على القصد الواضح فاعتبرناه من جنس الاعتذار لموقف ابن تيمية لعلمنا أنه يمثل أهم عناصر منظومته في ما يدعيه من سبق للمسلمين في المنهج العلمي. وما كان النشار يقول مثل هذا الكلام لو كان قصده محاججة ابن تيمية بهذه الدعاوى الأربع الواهية محاججة عالم لعالم حتى لو افترضناهما متكلمين. لكن يبدو أنك بحاجة إلى درس في فهم النصوص كيف يكون:
1-فهل يعقل أن يفسر النشار مواقف ابن تيمية العقدية بمجرد الالتذاذ والاستئلام ؟
2-وهل يمكن دون أن يتهم بالجهل أو التجاهل أن يخلط حقا رأي ابن تيمية برأي الكرامية ؟
3-وهل صار النشار يفكر تفكير أبي سعدية فيتصور أن ابن تيمية أثبت الحدوث في ذات الله حتى يثبت قدم الكلام ولا يرى ما يترتب على ذلك في كل الحالات ؟
4-وأخيرا هل يمكن أن يكون النشار جادا في هذا الرأي ثم يزعم أن ابن تيمية ينسى التمييز بين الكلام النفسي القديم والكلام اللفظي الحادث ؟
فابن تيمية وقف هذه الموقف من الفكر الأشعري بالذات لأنه يرفض التمييز بين وجهي كلام الله الذي تصورته الأشعرية حلا وسطا بين الاعتزال والسنة الحقيقية: فكيف يزعم النشار أنه ينسى ذلك بمعنى أنه لا يأخذه بعين الاعتبار ؟ كلام الله قديم معنى ومبنى بمعناه وبلفظه: هذا هو عقد ابن تيمية وعقدي كذلك وعقد كل من لا يكذب القرآن الكريم. وعدم الفصل بين الأمرين مما يؤيده العلم الحديث حتى بالنسبة إلى الكلام الإنساني. وإنه لمن العجائب أن يزعم الزاعم أن كلام الله القديم هو كلام الله النفسي من دون أن يكون ذلك متضمنا القول بأن لفظ القرآن عندئذ ينبغي أن يكون من صنع محمد عليه السلام. ذلك أنه إذا كان من صنع الله لن يبقى للفرق بين أن يكون في ذاته أو خارجها معنى (فضلا عن التناقض في القول بالخارج والداخل في الكلام الأشعري) إذا سلمنا بأن القائلين بهذا القول يعتبرون لفظ القرآن قديما كذلك؟ أفيكون القرآن في كلامه عن ذاته كاذبا عندما ينفي أن يكون مخلوق اللفظ وربما أيضا من تأليف محمد !
ثم كيف يكون موقف ابن تيمية من ابن كلاب الناتج عن الاستئلام من رأيه في الكلام مؤديا إلى إثبات الحركة في ذات الله لإثبات قدم القرآن فيكون علة رفض ابن تيمية لرأي بن كلاب ؟ ولماذا يمكن للحركة في ذات الله أن تكون قديمة ولا يمكن لها أن تكون كذلك خارج ذات الله ؟ لا بد للنشار رحمه الله ألا يكون أستاذ منطق إذا كان فعلا يأخذ هذا الكلام مأخذ الجد. فمعنى هذا الكلام لا يخلو من أحدى خليتين:
1-فإما أن الحركة قابلة لأن تكون قديمة سواء كانت في ذات الله أو خارجه ومن ثم فلا حاجة لإثباتها أو لنفيها للقول بقدم القرآن
2-وإما أن قدم الحركة يأتي من كونها في ذات الله فيكون نص القرآن فاقدا للقدم إذا لم يكن منه في ذات الله إلا وجهه النفسي.
فيكون النشار قد أثبت أن ابن كلاب يكذب القرآن الذي يقول إن القرآن دون فصل بين المعنى والمبنى كلام الله وقديم وليس حادثا أو كلام محمد. ومن لم يقل بقدم كلام الله مبنى ومعنى مكذب للقرآن دون أدنى شك. القرآن قديم بوجهيه المتلازمين واللذين لا يقبلان الفصل. وهذا يذكرني بحادثة حكاها لنا الأستاذ أبو يعرب حدثت مع قسيس قبطي في مصر سنة 2005 في بيت الأستاذ حسن حنفي. فهذا القسيس ادعى أن القرآن كمعان يمكن أن يكون إلهيا (تسليم جدلي منه !). لكن نصه العربي لا يمكن أن يكون إلهيا. فسأله الأستاذ المرزوقي. هل ترى أن المسيح إلهي بفكرته دون كيانه الذي هو من لحم ودم ؟ وهل الطبيعة لم يضع الله إلا أفكارها وغيره أعطاها أعيانها المادية ؟ فأفحم الرجل.
لكن الأشاعرة لا يفحمهم شيء وخاصة المتأخرين (خاصة إذا صدقنا حجة الرازي ضد الغزالي في دحضه للحسن الدجال): كلام الله نفسي أي أفكار من دون ألفاظ. والألفاظ إذا كانت من خلق الله لم يبق التمييز بينها وبين الكلام النفسي معنى إلا الخوف من التمثيل للظن أن الكلام يقتضي جهاز تصويت: لكن لماذا لم يخافوا من أن يقتضي الكلام النفسي جهاز تفكير أم تراهم رأوا كلاما نفسيا من غير دماغ ؟ وإذن فهم بذلك يعنون أن الكلام اللفظي ليس إلهيا بل محمدي. وإلا فإذا أمكن الاستغناء عن جهاز التفكير في الكلام النفسي فلم لا يقع الاستغناء عن جهاز التصويت في الكلام اللفظي ؟ ألا ساء ما يحكمون هم لا يميزون كيف يميزون ولا بم.
والنشار إذا كان كما أعلمنا بعض من درس عليه في المغرب لا يجهل تاريخ الفرق فإنه لا يمكن ألا يميز بين القائلين بالتجسيم الممثل بالمعنى الذي يقول به من يتصور الجسم هو الجرم ذو الأبعاد وبين نفاة التمثيل القائلين بأن كل صفات الله التي قد يفهم منها التجسيم لا علاقة لها بالجسم بهذا المعنى بل هي لا تشترك مع ما نعلمه من الموجودات المخلوقة إلا في الأسماء. فلا اليد ولا القدم ولا العين ولا السمع ولا الأصابع ولا أي شيء مما قد يوحي بالتجسيم له الدلالة الجسمية بالمعنى المعهود في العالم الحسي. فكيف يمكن بهذا المعنى أن يكون ابن تيمية أخذ شيئا عن الكرامية ؟
وأخيرا فإن النشار بتفسيره النفسي القاصر جعل ابن تيمية محكوما بالهوى أعني بالاستلذاذ والاستئلام في حين أن الجميع يعلم أنه كان أكثر الناس سلطانا على نفسه فضلا عن كونه من الزهاد الصادقين ومن المجاهدين وليس من القاعدين ولا من المخلفين وهم على بعد أمتار من المستعمرين يتلهون بمضغ التخامين. والتفسير النفسي عند ذلك الجيل كان طاغيا لسطحية ثقافتهم الفلسفية. ولما كان القصد هو محاولة الاعتذار لابن تيمية من منظور اشعري شبه رسمي فإن كلام النشار لا ينبغي أن يؤخذ بمعناه الحرفي لأنه إذا أخذ هذا المأخذ كان دالا على ما لا يليق به كعالم نجل جيله لسعيهم من أجل استعادة الثقة بالنفس ومحاولة الدفاع عن الهوية والاستقلال الروحي للأمة.
والشيء الثابت هو أن النشار لو كان حيا لكان أول من تصدى لقلعة فودة في حربها على ابن تيمية ولكان أول من سعى إلى فتحها-سواء كانت مكانا أو حالا-ليخرج منها من يراد له أن يصبح من بهائم الأنعام. ذلك أن ابن تيمية حتى وإن لم يكن أشعري فإنه ممن يفاخر النشار بدوره لأن ما يدعيه من سبق للفكر العربي جله إن لم يكن كله يعود إليه في مجال الفهم الحقيقي لشروط المعرفة العلمية المستقلة عن الميتافيزيقا المشائية.
ولننتقل إلى النص الثاني الذي تزعم أنك تثبت به أن النشار كان أشعريا بدليل العقل الذي أقنعه بأن الأشعرية هي الحقيقة الوحيدة في فهم الإسلام وليس مجرد اختيار بحجة أنه كان يعلم أن الأشعري يستدل. وهنا أيضا سنكتفي بشاهدك الذي لم تفهمه مع نفس الاحتراز على ما صبغته به من بوسعديات :" علم الكلام أو علم التوحيد أو علم أصول الدين، كما سبق تعريفه، علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية. وهذا العلم -فيما أعتقد- هو النتاج الخالص للمسلمين، وقد صدر هذا العلم عن بناء المجتمع الإسلامي، وقد كان بالبعض منه نزوات حيوية، وبالبعض منه ثورات حيوية، ثم تكون البنيان نهائيا، وصدر المسلمون فيه عن ذاتهم."انتهى. فهذا النص:
1-ينفي بقضيته الأولى كل مزاعمك بخلاف ما تتصور.
2-ويبين بقضيته الثانية حذر الرجل وتهورك وغفلتك منعتك من الانتباه للفرق.
3-ويدعي بقضيته الثالثة دعوى ليس عليها دليل وأنت صدقتها لفقدانك الروية.
4-ويقدم بقضاياه الرابعة والخامسة والسادسة تفسيرا لمسار الكلام لا يمكن أن يعتد في نظرية التكوينيات المعرفية لو كنت تفهم معناها من حيث هي سنن كونية.
5-وتعرض القضية الأخيرة حكما هو أفسد ما قيل في تاريخ الفكر العربي الإسلامي لأن المقابلة بين ما يدين به المسلمون للكلام دون سواه لو صحت لكانت خصوصية المسلمين هي الثرثرة الكلامية وليست الإضافات العلمية التي يعتد بها في تاريخ البشرية.
القضية الأولى: "علم الكلام يتضمن الحجاج على العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية". حلل هذه القضية وسترى أنك لم تفهم شيخك: فهذا التعريف يعني أن الكلام لا يثبت شيئا بالعقل بل هو يدافع عن عقائد يؤمن بها صاحبها قبل الاستدلال فلا يكون الاستدلال أصلا لها بل فرع عنها. فالحجاج على العقائد يعني التسليم بها ثم تدعيمها بالحجج العقلية التي لا تقنع إلا من يقبل تلك المسلمات العقدية. ليست العقائد إذن موضوع برهان بل هي موضوع إيمان يأتي الحجاج لتدعيهما ضد من يهاجمها لا غير. وإذن فالكلام ليس علما بل هو مرافعة دفاعية. لا غير. وذلك هو بالضبط ما يقصده ابن خلدون وكل الفحول إذا كانوا صادقين. وبهذا المعنى يتبين أن الكلام عديم الفائدة العلمية:
فمن آمن بالعقائد إيمانا حقيقيا يكون في غنى عن الحجج العقلية وهو مجرد احتياجه إليها دليل على بدء الشك فيها. فيكون الكلام بهذا المعنى تعبيرا عن الشك عند صاحبه وليس دليلا عقليا.
ومن لم يؤمن بالعقائد إيمانا حقيقيا لن يقنعه حجاج المتكلم. وإذا مال بفطرته إلى الإيمان فلا يكون المتكلم هو الذي أوصله إليه رغم وهم المتكلمين بل هوقد يشغب عليه فطرته.
القضية الثانية: "وهذا العلم هو-في ما أعتقد- النتاج الخالص للمسلمين". فالاعتراضية "في ما اعتقد" دليل على أن النشار يقدم رأيا ولا يدعي علما وعلى أنه حذر وليس متهورا كمن يدعي الدفاع عنه بتحميله وزر سوء فهمه. والعلم قابل للامتحان فضلا عن الرأي. وإذا امتحناه تبين أن الكلام الإسلامي ليس فيه شيء خاص بالمسلمين إلا عند من يجهل تاريخ الفكر الإنساني علما وأن تعدد نحله تنفي أن يكون أي منها أولى من غيرها بتمثيل هذه الخصوصية. فما فيها يعود إلى أمرين:
فأما الشكل منه أعني الأداة المنطقية وطريقة استعمالها فهذا ليس خاصا بالمسملين بل هو يعم كل الحضارات القديمة والوسيطة.
وما يخص المضمون أعني العقائد وطريقة بيانها فهذا أيضا ليس خاصا بالمسلمين بنص القرآن نفسه: فهو مشترك بين الأديان الكتابية على الأقل في الأساسيات لأن ما عداها هو من تحريف الدينين الكتابيين الآخرين.
فيكون الكلام من حيث شكله تراثا إنسانيا بامتياز ومن حيث مضمونه المشترك واحدا بين الأديان الكتابية الثلاثة بنص القرآن نفسه حتى وإن اختلفت الصيغ والتراتب بين المسائل تقديما وتأخيرا ومنزلة وتنزيلا. ولا أظن النشار من المكذبين بالقرآن ولا من الجاهلين بأن فنيات الاستدلال والحجاج كونية أو على الأقل مشتركة بين المسلمين ومن سبقهم وعاصرهم من الأمم توارثا لها بين المتوالين وتفاعلا بها بين المتساوقين.
القضية الثالثة: "وقد صدر هذا العلم عن بناء المجتمع الإسلامي". وهذه القضية لا تصح إلا إذا عكست وعكست ثمراتها أي أنها تصح لو قال النشار "وقد صدر عن هذا العلم تهديم المجتمع الإسلامي" لصدقنا قوله. فالمجتمع الإسلامي لم يصدر عنه الكلام حتى لو صح أنه علم لأن معنى ذلك بمبدأ التعدية يؤدي إلى أن الكلام صادر عن القرآن والسنة والتاريخ الناتج عن التربية المستمدة منهما في الممارسة الفعلية للمسلمين في حين أن القرآن يحرم أداته (التعاقل بدل العقل) ومبدأه (التأويل بدل الرسوخ): وهذا ليس صحيحا بدليل أن القرون الثلاثة الأولى خلت منه وكونت الإمبراطورية وهي بدأت تنهار بمجرد أن تفشى فيها سرطان الكلام وتناحر الفرق. ورغم أن الكلام والمتكلمين كانوا هامشيين في الأثر الإيجابي لبناء الحضارة فإن ما لهم من أثر سلبي زيغا للقلوب وابتغاء للفتن من الأسباب الأساسية لإفساد المؤسسة التربوية فضلا عن آثاره السياسية.
والأثر الإيجابي الوحيد الذي أسس علوم الملة المتقدمة كلها على الكلام مأتاه من العلاج العلمي لأدوات فهم القرآن والسنة أدواته العلمية ومن الفلسفة بدورها في تلك الأدوات وبدورها في العلوم الدنيوية التي هي شرط تحقيق الرسالة في التاريخ الفعلي. فيكون من كانوا يظنون هامشيين ومن ينفي دورهم هذا الفهم القاصر للنشار أعني الفلاسفة هم الذين أسهموا أكثر من المتكلمين في الإيجابيات الحضارية رغم أن هذا الدور لم يصدر عن حب المعرفة لذاتها بل لأن الفلاسفة كانوا بالإضافة إلى هذين الدورين المؤسسين يؤدون دورين رئيسيين عند أهل الحل والعقد في ذلك العصر:
الأول هو الطب ودورهم في علاج أبدان من بيدهم الحل والعقد
الثاني هو الفلك والتنجيم ودورهم في علاج نفوس من بيدهم الحل والعقد.
لذلك فلا معنى للقول إن المتكلمين أسهموا إيجابا أو نتجوا عن إسهام إيجابي من المجتمع في تكوين فكرهم الذي تقدموا به على الغرب كما جاء في هذا الرأي الذي يمكن أن يقبل شعارا تحميسيا لاستعادة الثقة في الذات عند أمة فقدتها في لحظة انكسار. لكن الحقيقة هي غير ذلك تماما وبناء المستقبل يقتضي القول بعكسها إذا كنا حقا نريد أن نسهم في التاريخ الكوني ولا نبقى عالة على غيرنا فنربي أبناءنا على الاقتتال عن كيفية جلوس الله على الكرسي في الوقت الذي يسعى غيرنا إلى غزو الكون نفاذا في أقطار السماء: المتكلمون قتلوا العلم ولم يسهموا فيه والنظام التربوي الذي أسسوه أتى على المعاني الإنسانية في التربية الإسلامية بلغة أبي زيد.
القضايا الرابعة والخامسة والسادسة: "بقية النص إلا القضية الأخيرة". هذا الرأي في التكوينيات العلمية من عجائب الخيال الكلامي. ولو سمعه الفارابي لمات ضحكا. وإذا أردت أن تفهم لم ذلك فلتقرأ البابين الأولين من كتاب الحروف. طبعا لا بد من الصبو إلى ما لا ينتسب إلى التقريب الجمهوري. فلا يمكن أن يتكون علم تفاخر به الأمم بالنزوات والثورات فيتم البناء. النزوات والثورات نعم هذا وصف صحيح لما كان عليه الكلام. لكنها لا تكون علوما وإنما تهدم أمما وتقتل معاني الإنسانية كما قال ابن خلدون.
ونأتي إلى القضية الأخيرة: "صدر المسلمون في الكلام من ذاتهم". هذا الكلام لا يصدقه عاقل له معرفة بتكون الفنون بمقتضى منطق التكوينية الفكرية الإنسانية. فالتاريخ الإنساني ينفيه والمتكلمون أنفسهم بما يتبادلونه من تهم يدحضونه. فبعضهم يتهم البعض الآخر بالمجوسية والبوذية والصابئية إلخ.. وكل ذلك ليس من ذات المسلمين. لكن هب هذه التهم من جنس ما تفعل أنت هنا عندما تتهمني باليهودية فإن التاريخ الإنساني ينفي أن يكون علم الكلام من حيث هو خليط من المعارف التي لا رأس لها ولا ذيل لكونها مصب لكل التهويمات البشرية من آدم إلى يوم يبعثون ثمرة جهد أمة واحدة خاصة إذا كانت متأخرة نسبيا في تاريخ تكون الحضارات البشرية أعني أنها نشأت في القرن السادس للميلاد. والجميع يعلم أن الكلام ليس هو إلا انحرافات العقائد السوية التي توجد إما في الكتب المنزلة أو في الاجتهادات البشرية المستندة إلى الفكر السوي أعني الفكر الفلسفي الذي يفهم براهين الرب التي هي الوحيدة المعتمدة في القرآن الكريم.
لكن الأهم من ذلك كله هو الزعم بأن المسلمين يتميزون بهذا من دون سواهم ومن ثم ففكرهم بحسب هذه القراءة لتاريخ الفكر يستثني المبدعات التي وضعها فلاسفتنا وعلماؤنا في الرياضيات والطبيعيات والمنطقيات والاجتماعيات والأخلاقيات. ولو كان المسلمون لا يملكون إلا خرافات المتكلمين لما كان لهم حتى الأداة التي تفاخر بها عندما تلتقي بعض التقليديين الذين لم يدرسوا الفلسفة فتفيش عليهم وتنتفش بفهلوات يضحك منها طلبتنا في الثانوية العامة. تباهي أمامهم ببعض ما علق بذاكرتك الضعيفة من طلاسم غير مفهومة أو من منجزات منطقية هي أولا وقبل كل شيء من ثمرات الفلاسفة وليس المتكلمون فيها إلا تلاميذ صغار عند الفارابي وابن سينا وابن رشد الذي بلغت بك الوقاحة إلى اعتباره بليدا !
وحتى الغزالي فهو لم يصبح مذكورا إلا بفضل ما تعلمه من الفلسفة وكذلك رازيك الذي يباهي بالسخرية من ثلاثة من أكبر شيوخ المذهب تماما كما تفعل أنت رغم كونك لا تصل إلى كعب الرازي فتتجرأ على شيخ الإسلام. وإذا كان أستاذي المرزوقي يفضل الغزالي على ابن رشد فليس لأن ابن رشد فيلسوف وبليد ولا لأن العزالي أشعري وذكي بل لأن الرجلين من طينة واحدة لكن حلول الثاني نقدية وحلول الأول مدرسية: وهي لم تكن نقدية لأنه أشعري بل لأنه ذو روح فلسفية لا غير مثله مثل ابن تيمية وابن خلدون. فحلوله أو بصورة أدق شكوكه كلها فلسفية لو عشت قرونا لما رقيت إلى مصافها لجهلك بمعنى الفكر الفلسفي ما هو. أما ابن تيمية فهو أكبر فلاسفة المسلمين على الإطلاق وبالذات لأنه الوحيد الذي أدرك علل تعثر الفكر الفلسفي والديني والعلمي العالميين وليس العربي الإسلامي فحسب بل هو قد حدد طبيعة وحدتهما العميقة لما قابل معيار التأويل الذي يؤسس تحريف الأشعرية بمعيار درء التعارض الذي يعيد وحدة العقل البشري: فأراد أن يخلصهما من العوائق التي هي بالأساس علم الكلام بذاته ثم بما في الفلسفة من مسائله الزائفة.
ولو كنت تفهم لما أتيت بهذه الشواهد لأنها جميعا عليك وليست لك ولا حتى لشيخك الذي أردنا أن نجله فأبيت إلا أن تذله. ومن لم يفهم مثلك هذا الكلام هذا الفهم الذي هو بين لكل ذي عقل حصيف فلا بد أن يكون ممن غلبت عليهم العجمة اللسانية والعقلية لأننا كما أسلفنا لا نميز بين الكلام النفسي واللغة.
وتزعم أن النشار كان يعلم أن الأشعري قد استدل وأنه قد بين شرعية الكلام بحجة أن القرآن هو نفسه يعتمد حججا كلامية لكأن مجرد علمه بذلك يلزم عنه أنه كان يرى فيه رأيك. وهذا يكفيني فيه التذكير بالحجة الدامغة التي وردت في جواب أستاذي أبو يعرب على سؤال الطالب المغربي. فلو كان المتكلم يعتقد فعلا أن القرآن يستدل كلاميا وكان حقا يؤمن بالقرآن كلام الله لكانت محاولة الإتيان بأدلة كلامية غير التي في القرآن دليلا على أحد أمرين:
إما أنه يتصور نفسه أقوى حجة من الله نفسه وأبلغ بيانا.
أو أنه لا يصدق حقا بأن القرآن كلام الله بل دعواه مجرد تقيه لتصوره إياه أساطير الأولين.
لكني أريد أن اختم تنظيف الساحة من التخريف بالتعليق على الشاهدين الأخيرين اللذين تبرعت بهما في دعواك أننا لم نطلع على فكر شيخك وأننا جاهلون بعلمكما اللدني.
المسألة الأولى: يقول شيخك النشار" وسنرى في نطاق علم الكلام: المذاهب الفلسفية الكبرى، وعمل المسلمين الباهر في تفسير الكون، واكتشاف القوانين الوجودية، وتوصلهم إلى مفهوم للوجود وللحركة وللعلة يخالف اليونان، ويسبقون به مفكري أوروبا المحدثين وفلاسفتها."انتهى.
من يقرأ مدونات المتكلمين لن يجد إلا نتفا من الدعاوى التي تدور حول موضوعات لا تقبل العلم بفرضيات لا تقبل التحقق منها إثباتا ولا نفيا. فكيف يدعي شيخك أنها علم باهر في تفسير الكون واكتشاف القوانين الوجودية؟ أذكر لنا قانونا واحدا اكتشفه متكلم من أولهم إلى آخرهم وخذ جائزة نوبل فتقاسمها معه ! فأبعدهم غورا إذا غاص في الافتراض الذي يمكن أن يشتم منه رائحة العلم لم يبلغ أدنى الفرضيات التي هي دون المقالة الأولى من أي كتاب من كتب أرسطو في أي علم أعني ما يخصصه عادة لمخض الفرضيات التي كانت سائدة في عصره لمحاولة غربلتها بهدف التأسيس.
من منهم وضع علما أي علم يمكن أن يعتد به بوصفه متكلما ؟ فلم يعرف عن النحاة والبلاغيين العرب أنهم كانوا متكلمين-اللهم إلا إذا تصورت كتاب الباقلاني في الأعجاز علما-ولم نسمع عن رياضي كبير كان متكلما (إذا ما استثنينا من يسخر منه شيخك الرازي وتريد أن تحاكيه فتكتب في الملل لتحدد عقيدتي. وهو لم يتعلم علم الحساب من المتكلمين وكان أشد الناس عليهم) . لعلك تفكر في الطوسي الرياضي وتنسى طنزه ضد الرازي المتكلم. أو قد تحسب الجرجاني صاحب الإعجاز متكلما. وما كانه ولو كانه لما استطاع أن يضع الأسس الحقيقية لبداية العلم بآليات المجاز والبلاغة. أما المتكلمون فلا قدرة لهم إلا على ما قال القرآن إنه داؤهم: زيغ القلوب وابتغاء الفتن.
المسألة الثانية: قال شيخك النشار: "وعلم الكلام بحث فلسفي؟ إنه حقاً يختلف عن الفلسفة المشائية الميتافيزيقية في كثير من أصولها، ويستمد من القرآن مادته، ولكنه كان في جوهره بحثاً ميتافيزيقياً". انتهى. كون الكلام بحثا ميتافيزيقيا ليس مما يفاخر به الناس. فكل كلام مهما شابه من تخريف عند جميع الأمم يعد بحثا ميتافيزيقيا أجوف لأن الميتافيزيقا لها دلالتان:
فهي يمكن أن تكون ما بعد علوم حقيقية طلبا لتأسيس نظرية موضوعها ونظرية منهجها فتكون نظرية معرفة ونظرية وجود.
وهي يمكن أن تكون ثرثرة كلامية من جنس محاولات الصوغ العقلي لتكبيل الأذهان والأرواح كما تفعلون.
كلتاهما ميتافيزيقا. لكن الأولى للتحرير والتنوير والبناء والثانية للتكبيل والتضليل والتهديم. والكلام الإسلامي الذي يختلف عن المشائية نوعان لا ثالث لهما. الكلام إلى بدايات الغزالي أعني ما يسمى بكلام المتقدمين. وهو لم يكن مشائيا لكنه لم يكن إسلاميا كذلك: لأن نظرية الجوهر بمعنى الجزء الذي لا يتجزأ والتي ينبني عليها الباقلاني كل أدلته ليست قرآنية بل هي من موروثات العهود اليونانية المنحطة لخلوها من الثمرات الرياضية التي يظنها النشار مناظرة للذرية الحديثة. والكلام بعد الغزالي أصبح مشائيا حتى لو لم يعترف بذلك لأن مجرد تطبيق المنطق الأرسطي يعني أن الجوهر لم يعد جوهر الباقلاني بل بات جوهر أرسطو المؤلف من مادة وصورة أو مزيجا منهما وهو في كلتا الحالتين ليس قرآنيا بل هو خليط سيء الهضم لبقايا المدارس المنحطة في الفكر الهلنستي.
الفكر الوحيد الذي سعى للتخلص من الفكر اليوناني ليس بنفيه بل بتجاوزه إلى ما يحل ما كان يعاني منه من مشاكل هو ما حاول صوغه شيخ الإسلام في فلسفة النظر خاصة لتجاوز أرسطو وابن خلدون في فلسفة العمل لتجاوز أفلاطون خاصة كما بين أستاذنا أبو يعرب وإن كان سعيهما مقصورا على السلب لأنه لم يكتمل بسبب ما كان فكرهما يعاني من تصد كلامي يتصور التخريف علما وينفي كل إمكانية لفهم القرآن الكريم بما طلب منا اتباعه لفهمه: ترك المتشابهات والاهتمام بعلم الآفاق (علوم العالم الطبيعي) والأنفس (علوم العالم التاريخي) شرطين لتحقيق الاستخلاف كما بين ذلك أستاذي أبو يعرب في بعض كتاباته شرحا لأفكار ابن تيمية وابن خلدون.
فخرف يا شيخ سعيد. واجمع المزغردات لأن واحدة لا تكفي. ولعل عدد المصفقين قد قل فاطلب النجدة. خض كما تشاء في ما تشاء فلعلك واجد بعض من يسمع لحكايات لم يعد يصدقها حتى الأطفال. تتصور أن رأيك في كرسي الله وفي كلامه وفي الأدلة عليه يمكن أن يعيرها الله اهتماما يوم الحساب ليحدد عقد المسلمين صحيحه من فاسدة بمعايير تخريفك وتخريف شيوخ الكلام أيا كانت منزلتهم عندك.
لن ينظر الله إلا إلى الأفعال كما قال وإلى النوايا كما وعد بمعايير حددها القرآن وسنة الرسول كما يفهمها المؤمن بفطرته ودون حاجة لأي سلطة بينه وبينهما لكونهما الوسيطين الوحيدين اللذين لهما العصمة ما صدقت نية متدبرهما حتى لو أخطأ في الفهم. ورأيي أن المرء يكون عند الله أقرب إذا اجتهد وأخطأ ممن يقلد بلداء المتكلمين وحتى أذكياءهم: ذلك أن القاعدة التي يؤكد عليها القرآن هي أن كل من توسط بينك وبين الله قد صار شريكا لله والله سيسأله عن قبوله أداء وظيفة الشريك دون أن يقبل عذر المشرك به. وأنت تعلم على الأقل ذلك دون شك. لذلك فأنت من الجماعة التي جعل القرآن الإيمان بالله مشروطا بالكفر بهم: جماعة الطاغوت. فاطغ في قلعتك. عفس ورفس.
وسأختم بدليلك العبقري على يهوديتي بالاستناد إلى رأي شيخك النشار: "لقد قلتُ من قبل إن اليهودية لم تدعُ من قبل إلى قيام فلسفة عقلية، كما أنه ليس في التوراة بذور مذهب فلسفي أو ميتافيزيقي يمكن عرضه من خلالها، إنما كانت اليهودية وكتبها المقدسة إعلانا عن مذهب ديني بحت، خلو من النظر العقلي، ولا شك أن هذا المذهب الديني يتضمن معرفة الله ....إلى أن قال...وشعروا أنهم ليسوا في حاجة أبداً إلى نظر عقليٍّ أو فكر فلسفيٍّ، وأمدتهم (غريزتهم الباطنية) و(حِسُّهم الداخلي) و (وخيلتهم الواسعة) بأن ينأوا عن التأمل والنظر الخارجيين."انتهى
إن كون اليهود أعداء لنا لا يعطينا الحق في ظلمهم. فذلك مخالفة لمبدأ معلوم من القرآن: العدل حتى مع الأعداء. وليس هذا الرأي الذي تنسبه إلى شيخك من العلم في شيء. ولا هو من العمل على علم. فهذا الكلام لا يقبل به أي إنسان له ذرة من عقل لعلتين فضلا عن عدم مطابقته لمضمون التوراة الذي يتحدث عنه بما لا يوافق أحد شروط الإسلام أعني الإيمان بكتبه ورسله إلخ.... ثم هو أولا كلام يكذب قصص القرآن: فلا أحد في القرآن الكريم أكثر جدلا واستدلالا وقياسا من اليهود حتى إن جل الجدل الديني فيه كان معهم ! ويكفي دليلا تلكؤ أصحاب البقرة. ولا أحد ينفي تاريخيا أنهم أول من أسس علم الكلام في الشرق اليهودي المسيحي قبل نزول القرآن بسبعة قرون: ففيلون الاسكندري منهم.
وأنت في تخريفك والنشار في تاريخه ومن حيث لا تعلمان ولمجرد كونكما أشعريين تمضغان فضلات فيلون دون فهم. ولأنك لا تفهم قدسية الحقيقة فستعتبرني أمدح اليهود. وبهذا المعيار ينبغي لك أن تنسخ جل القرآن الكريم. ويكفي دليلا على ذلك ما يدعيه النشار إذ يجعل العلم الإسلامي مختلفا عن اليوناني بكونه معتمدا المصدر القرآني. فذلك هو عين ما يقوله فيلون عن تأويل العلم بالمصدر التوراتي. ولما كان القرآن يقول إنه يمتح من نفس المعين الذي أتت منه كل الكتب المنزلة فإن هذا الكلام تكذيب صريح للقرآن الكريم لأن شيخك لم يقصر كلامه على ما في التوراة من تحريف بل ذكر التوراة دون تعيين ولم يميز بين يهود ويهود لكأن يهود القرآن الذين منهم أنبياء الله هم أعداؤنا وليس من خرج عن طوع الله منهم.
وهو ثانيا كلام عنصري. فليس لليهود طبيعة تجعل فكرهم ذا خاصية مميزة لمجرد كونهم يهودا فيتصف بصفة ما ولا المسلمين لهم طبيعة تخصهم فتجعل فكرهم ذا خاصية مميزة لمجرد كونهم مسلمين. ولو صح هذا المعيار لكان مجرد كوننا آخر الأمم على الأقل الآن دليلا على أننا عنصريا ينبغي أن نكون على ما نحن عليه الآن: فجل علماء العالم منهم وليسوا منا. فاتق الله يارجل واستح مما تقول أو على الأقل لا تقول شيخك ما قد لا يفسر بالعلم بل بمجرد رد الفعل الناتج عن صراع ظرفي في تاريخ البشرية لا ينبغي أن يصبح أصلا تستمد منه نظريات المعرفة وفلسفات التاريخ المعرفي بنظرية أشبه ما تكون لأرواح الشعوب الهيجلية. فقد انحط المسملون بسبب علل انحطاط فكرهم: والعلة الأولى في هذا الفساد كما بين ذلك ابن خلدون في كلامه عن التربية القسرية هي أنتم يا علماء السوء الذين أفسدتم النظام التربوي والفكري بتخريفكم الذي يعبر عن زيغ القلوب وابتغاء الفتنة حتى صرتم أعلم من النبي بخفايا الصدور رغم أن الله نبه نبيه الخاتم بأنه هو الأعلم بمن اهتدى وبمن ضل السبيل.
وقد كان اليهود منحطين فكانت حالهم كحالنا الآن. ولما تخلصوا من الدجالين صاروا رغم كونهم واحدا في المائة من تعداد البشرية غالبين على مليار ونصف من المسلمين لأن قادة الفكر عندنا صاروا من أمثالك يمضغون مثل هذا الكلام الذي لا طعم له ولا معنى ! واصل تخريفك فلعلك ستغلب كل فلاسفة العالم بعد أن تواصل كلام النشار الزاعم بأن الفلاسفة المسلمين لا يمثلون الفكر الإسلامي بل يمثله هذيان المتكلمين. فأنت أعلم من ابن رشد والرازي أعلم من الغزالي. أما ابن تيمية فهو مسكين أمام الفارين من القلعة في موقع تخريب الأصلين. يكفيك تآكلا ! ولتحذر الضعط !
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام