
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
ندوة مالك بن نبي الالكترونية (02)
تواصلت ردود الآراء ي إطار الندوة التي أقامها كل من موقعي أصوات الشمال وموقع مالك بن نبي، وهي الندوة التي اترحها الأستاذ فارس بوحجيلة، ونعرض تباعا المداخلات المقدمة من قبل الأساتذة، نذير طيار، صاد العلي، عبد العزيز كحيل، العيد دوان والأستاذ بشير خلف.
المشروع النهضوي هو مشروع فكري اولا
نذير طيار
أوافق الأستاذ محمد عمر سعيد في الخطوات المطلوبة أولا قبل تحقق الفكر البنائي على صعيد الواقع، والمشروع النهضوي هو مشروع فكري أولا نعم،ولكنه يبقى مجرد حلم إن أغرق في الجانب النظري على حساب المشكلات الواقعية. وهنا أود أن أناقش هنا البعد العملي لأفكار مالك بن نبي،الغائب الأكبر عن دراسات كثير ممن تصدوا لقراءته، كما أنبه إلى أنَّ نسبة ازدهار دولة أو أمة ما إلى مفكر واحد، هو من باب الحديث عن فعالية أفكاره على صعيد الواقع، ولا يلغي كل المساهمات الأخرى، على أساس أننا لا نؤمن بالعامل الواحد في تفسير الحركة النهضوية. هذا من جهة. ومن جهة أخرى، بعض الأطروحات ورغم عمقها التحليلي، قد تتجنى على فكر مالك بن نبي من حيث لا يدري أصحابها، عندما توغل في الحديث النظري عن أفكاره بعيدا عن الأبعاد الواقعية، الهدف المركزي لكل مشروع فكري. هناك كثير من الدراسات التي تعزو فكر عصر النهضة مثلا إلى عقلانية ديكارت صاحب الدراسات الفلسفية المحضة، فهل يعني هذا أن ديكارت قدم مشروعا سياسيا تطبيقيا؟ مع العلم أن مالك بن نبي ناقش في معظم كتبه مشكلات التخلف وكان يتحدث عن المجتمع الإسلامي من خلال ما هو كائن لا من خلال ما يجب أن يكون، بمعنى أن مالك بن نبي لم يقدم قراءة فلسفية محضة في مشكلة النهضة. والسياسة شئنا أم أبينا هي ظاهر ما تبطنه الفنون والعقائد.
وتوضيحا أكثر لفكرتي أقول: عندما يتحدث روجي غارودي عن الأسس الفلسفية للحضارة الغربية يحصرها في ثلاثة افتراضات أولية:
1- الافتراض الأول لـديكارت..” يتعين علينا أن نصبح سادة الطبيعة ومالكيها”" مقال عن المنهج” عام 1637.
2- الافتراض الثاني لـمارلووِي..” أيها الإنسان، لتكن إلها بعقلك القوي.. وسيدا على كل العناصر” ” القصة التراجيدية للدكتور فاوست ( عام 1590 )”.
3- الافتراض الثالث لـآدم سميث: “إذا سعى كل منا لتحقيق مصلحته الشخصية، فإن ذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق المصلحة العامة، إذ أن هناك يدا خفية تحقق هذه النتائج” (”أبحاث طبيعية وأسباب ثروة الأمم” 1776 ).
وبعد خمس قرون من الهيمنة الأحادية، توصلت هذه الثقافة إلى نتائج تتناقض مع ما حددته لها هذه الافتراضات الأولية.. فقد انتهت- كما يقول غارودي- إلى:
1- تلوث الطبيعة وتلفها وإمكانية تدميرها تقنيا.
2- تزايد كبير للعنف البشري، فقد بات واضحا أن منطق السوق إنما هو منطق حرب يخلق نوعا من عدم التوازن المتزايد بين الشمال والجنوب، كما يخلق تباينات متزايدة في داخل الشعب الواحد، بسبب تراكم الثروات لدى أحد قطبي المجتمع وتراكم الفقر لدى القطب الآخر.
3- إن ادعاء تسيير العالم بدلا من الله، واستبعاد الإيمان بالقيم المطلقة، وجعل الفرد والأمة مركزا ومقياسا لكل شيء خلق نوعا من الغاب في المدينة، والدولة.. والعالم كله. (تصريح غارودي.. خلال الجولة الثقافية التي قادته إلى المشرق العربي.. بعد صدور كتابه” الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية).
وليس سهلا على القارئ البسيط، إدراك العلاقة بين تلك الأسس الفلسفية الثلاث.. وهذه النتائج الواقعية الثلاث. ويجدر بنا التنبيه مجددا، إلى أن نسبة تلك الافتراضات الثلاث إلى أولئك النوابغ الثلاث، لا يعني إطلاقا تحميلهم وحدهم مسؤولية ما حدث لاحقا، ولا حصر العقول الكبيرة التي أنتجت الحضارة الغربية في دائرتهم الخاصة.. ولا حتى إنكار ورود تلك الافتراضات لدى غيرهم من العباقرة ممن عاصروهم. كل ما هنالك حسب رأينا هو أن تلك الأفكار قد وجدت صياغتها الواضحة والدقيقة لدى هؤلاء الثلاثة أكثر من غيرهم.
ويرى روني ڤينون أن كل الفلسفة الحديثة تجد جذورها عند ديكارت، ولكن تأثير الرجل على عصره أولا، ثم على العصور اللاحقة، والذي لم يقتصر على الفلاسفة وحدهم، ما كان ليحصل لو لم تتوافق تصوراته مع الاتجاهات الكائنة مسبقا، والتي تعكس في مجموعها تصورات مجموع معاصريه وذلك لأن كل حركة، في أي مجال، هي دائما حصيلة نهائية وليست نقطة انطلاق حقيقية. وإذا كان ديكارت يمثل بشكل خاص – حسب ڤينون- الانحراف الحديث فهو بالتأكيد ليس المسؤول الأول ولا الوحيد عن ذلك، ومن الواجب الذهاب بعيدا لاكتشاف جذور هذا الانحراف. وحتى “النهضة الأوروبية” التي اعتُبِرت دائما التجلِّي الأول الكبير للفكر الحديث، قد أتمت القطيعة مع الموروث، أكثر من أن تكون قد أنجبتها.
لا يمكن لأي باحث في العالم العربي والإسلامي يتصدى لدراسة موضوع انهيار حضارة من الحضارات، ماضيا أو مستقبلا، أن يقفز على”نظرية الحضارة” عند مالك بن نبي ـ رحمه الله ـ كواحد من أكبر قادة الوعي الحضاري في العالم الإسلامي الحديث ، وصف أحد تلاميذه آثاره المرتقبة (الدكتور عبد اللطيف عبادة) في العلوم الاجتماعية بـ”الثورة الكوبرنيكية” قياسا على ما أحدثه كوبرنيك في العلوم الفيزيائية، حين تجاسر بجرأة العالم واعتنق رأيا جديدا مخالفا لما زعمته نظرية بطليموس، فذهب إلى أن الشمس ـ وليس الأرض ـ هي مركز الكون، والأرض والكواكب جميعا تدور حولها في مدارات دائرية، صححها فيما بعد الفيزيائي كبلر وقال إنها”بيضاوية” .إن تمحور تفكير مالك بن نبي حول الإجابة عن”سؤال النهضة” لم يدفعه إلى التقوقع والتعلُّب في إطار”تخلف المجتمع المسلم”، بل على العكس من ذلك فتح لنفسه آفاقا واسعة ومساحات رحبة، أهَّلته للغوص في سيرورة الحضارات وصيرورتها عبر التاريخ، في حركتها من الميلاد إلى الأفول، الأمر الذي مكنه في نهاية المطاف من طرح نظرية شاملة حول الحضارة تستوعب التاريخ الإنساني كله، في انفجاراته وسكناته، في انكساراته واستقاماته. مع العلم أن انشغال كثير من الباحثين بالإجابة عن”سؤال النهضة” استجابة لمتطلبات الظروف التخلفية الراهنة، قد دفعهم إلى تركيز قراءتهم للنظرية الحضارية عند مالك بن نبي على المرحلة الأولى من الدورة الحضارية، وهي مرحلة الميلاد التي خصص لها الرجل كتابا كاملا هو “ميلاد مجتمع”، وتحتل جزءا كبيرا من مؤلفه: “مشكلة النهضة”. وما تجدر الإشارة إليه أن مالك بن نبي قد انتقد مسلك الذين ينظرون إلى ظاهرة الحضارة منفصلة عن ظاهرة الانحطاط ويعلل نظرته النقدية هذه قائلا:«تأتي أهمية هذه النظرة من أنها تتيح لنا الوقوف على عوامل التقهقر والانحطاط، أي على قوى الجمود، داخل الحضارة إلى جانب شرائط النمو والتقدم، فهي تتيح لنا أن نجمع كلا لا تتجزأ مراحله..ومن الملاحظ أن التعارض الداخلي بين أسباب الحياة والموت في أية عملية حيوية “بيولوجية” هو الذي يؤدي بالكائن إلى قمة نموه ثم إلى نهاية تحلله» ثم يضيف :«في المجال الاجتماعي تكون هذه الحتمية محدودة بل مشروطة، لأن اتجاه التطور وأجله يخضعان لعوامل نفسية زمنية» .
وإذا كانت نظرية التغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي تقوم على عوامل ثلاثة هي: عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأفكار..فإن الرجل ـ حسب بعض الدارسين ـ لم يهتم بتحديد هذه العناصر، بقدر ما اهتم بمعالجة حركتها، عبر تحليل شبكة العلاقات الاجتماعية. فهناك توازن ضروري بين هذه العوالم، وفي حالة وقوع طغيان أحدها على العنصرين الآخرين، فثمة أزمة حقيقة في مسيرة الحضارة تلقي بها خارج التاريخ، فريسة طغيان الشيء أو طغيان الشخص أو طغيان الفكرة. ففي البلد المتقدم ـ مثلا ـ وطبقا لدرجة تقدمه، يسيطر الشيء بسبب وفرته وينتج نوعا من الإشباع، ويفرض شعورا لا يحتمل من الشؤم البادي، من رتابة ما يرى حوله. فيولد ميلا نحو الهروب إلى الأمام، الذي يدفع الإنسان المتحضر دائما إلى تغيير إطار الحياة. أما في البلد المتخلف فإن الشيء يفرض طغيانه بسبب ندرته، وتنشأ فيه عقد الكبت والميل نحو التكديس الذي يصبح في الإطار الاقتصادي إسرافا محضا.
كل هذا يدلل بما لا يدع مجالا للشك على البعد الحضاري الشامل لأفكار مالك بن نبي.
نحن أمام فيلسوف اجتماعي من طراز فريد، توغل في عمق الحضارات، وانخرط في صميم المتابعة اليومية للأحداث السياسية، وجاهد بالفكر الراقي جدا لأجل مقاومة الهيمنة الاستدمارية، بكل أشكالها، ولعل هذا هو السبب الرئيسي الكامن وراء الحصار المضروب على فكره ماضيا وحاضرا.ندوة بن نبي الالكترونية … دالـــة الحضارة
صاد العلي
لست اعلم لماذا نمر دائما من الأروقة الضيقة و نستعمل المسالك الجانبية قليلة النافذية ونجتر دائما “العصف المأكول” و نمج الجمل الرنانة و كأننا لا نريد التقدم في الموضوعات أو التعمق في البحوث نحن كمثقفون أو أدعياء ثقافة لا نريد أن نشغل عقولنا بما يكفي و لم نقتنع بأن هذه العقول التي حبانا الله إذا لم تكن قادرة على إنتاج الأفكار فالكسر على جدران المطالعة قد يفيدها في الاعتراف بعجزها و هو أول مدخل نحو التغيير و هو نفس التغيير الذي رفعته جمعية العلماء المسلمين و روج له المفكر الكبير مالك بن نبي “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.”
قد يستغرب البعض الغرض من هذه المقدمة و لكنني أقدمها بين يدي الندوة التي بادر بها الأستاذ “فارس بوحجيلة” و تجاوب معها الإخوة و الأساتذة الأفاضل مشكورين و مأجورين إن شاء الله…, لقد تكلمنا جميعا و ساهمنا جميعا و اتفقنا كما كان متوقعا في الإشادة بعبقريته و تميزه و قصورنا و عجزنا عن مواكبته و تقمص مشروعه و الذي لا أعتقد أننا قادرون على صياغته صياغة تخرجه من النظرية للتطبيق و عدى ذالك لم ألحظ أي جديد في الموضوع هل المسائل الكبرى المطروحة في ديباجة الندوة قد تم استيفاؤها؟ و استسمح الإخوة الأفاضل لأقول بأنني لم المس ذلك ، فنحن لم نتحاور في هذه الندوة بل رحنا نعدد خصال الأستاذ مالك بن نبي و كأننا نُعرِفُ به في الوقت الذي يعتبر مالك أغني من أي تعريف و أشهر من أي وصف أظن أننا كنا نُعرِف بأنفسنا كمهتمين بفكره لا أكثر و لا أقل.
و لو يسمح لي الأخ المشرف على الندوة لطرحت مجموعة من الأسئلة أو المحاور التي تجعل للندوة اتجاه معرفي تثاقفي و للحديث وجهة منهاج و هدف.
- علينا أن نشرح أهم مميزات مشروع الأستاذ بن نبي الفكري
- أن نعيد قراءة الفكرة الأساسية في نتاجه و من ثمة النزول إلى الجانب العملي لكل فكرة
- علينا طرح الأسئلة المحورية في نتاجه و تفكيك المنظومة القيمية التي استند عليها الأستاذ و من ثمة النظر في مدى تطور المجتمع أو تخلفه و هذا يوصلنا للحكم العقلاني على مدى صلاحية الفكرة للزمن الراهن.
- إعادة صياغة مشروعه الفكري و فق لغة جديدة بما يستجيب للواقع الجديد
و باختصار أجده مخلا و قابلا للإثراء من طرف الجميع و حسب زعمي فإن مشروع الأستاذ مالك رحمه الله يتمحور حول بعث روح العقل و التدبر لدى الفرد المسلم و تحريره من قيد الجماعة و الإجماع و فكر الفرق الناجية…أي تجريده من هيمنة الموروث كمعوق للفعل النقدي الحر و تحرير الفكرة من المادة و العمل على تجريد الدين من العادة بأن نعيد صياغة المجتمع وفق آليات مبتكرة. فاللحظة العُقيلة التي جعلت الأكل على مائدة معاوية أفضل للدنيا و الصلاة خلف علي اضمن للدين و هي كما يصوره المنحنى الخاص بدورة الحضارة نقطة نضج برغماتية و هي لحظة انفصام شخصية المسلم الذي صار ينظر للمنظومة الفكرية بانتقائية مفجعة و هو ما نشهده اليوم مثلا مجسدا في التزاحم على الصفوف الأخيرة للجوامع قصد التسابق على الخروج بدل التنافس على حسن الاستماع و الإفادة من الوعظ بالتزاحم على الصفوف الأولى و كأن الخطاب الديني لم يعد يجذب أو يؤثر في النفوس فتحولت الجمعة إلى واجب شعائري ميكانيكي بدل أن تكون لحظة تأمل و تجدد رغم أن التقوى ليست في تولية الوجه شطر المشرق أو المغرب غنما الأعمال بالنيات فغابت حقيقة الفكرة المبنية علي العقيدة الراسخة في العقول و تحولت كل الجهود لإحياء الحركات و الطقوس- و إن كانت هذه الطقوس مهمة و واجبة الحفظ- …… و كذالك نحول الحج إلى سياحة و أوسمة و الزكاة و الصيام و….. علينا أن نعيد تموضعنا فوق منحنى “دالة” الحضارة لكي نعرف أين نحن من أفكار الأستاذ مالك بن نبي و مثله.
عندما أنتج بن نبي عوالم الأفكار و الأشخاص و الأشياء و تعرض للشيئية و شرح واقعنا على نحو متلائم مع تقسيمه كان يعيش لحظته … فهل لنا القدرة على قياس مدى جاهزية عوالم الأشخاص لتقمص و نقد و إنتاج عوالم الأفكار و إفراز أشياءنا الخاصة و أين نحن من الأمثلة التى ساقها حول الفكرة والصنم و حول التكديس الوظيفة و الموظف ثم هل نحن قادرون على صياغةٍ عمليةٍ تطبيقيةٍ لتجربة هذه الأفكار على أرض الواقع.
عندما تكلم الأستاذ مالك بن نبي عن السياسة و الأخلاق و عن المثقف و الثقافة و عن القابلية للاستعمار…كان ملما بمعوقات عصره.. هل نحن قادرون على إعادة صياغة واقعنا بما ينسجم مع منطلقات الفكر الخاص بحقبة الستينات و ما سبقها هل لازلنا نعاني من القابلية للاستعمار أم أننا نعاني من أفات و معوقات مستجدة ثم اين نحن من الأسئلة الكونية الكبرى للعولمة و المواطنة و قيم الحرية الفردية … هل قال الأولون كل ما يجب و لم يتركوا للمتأخرين شيئا …….
هل نحن فعلا قادرون و من منطلق الفكرة “البن نبوية” على الإجابة على تحديات الفكر الحداثي و المدارس الفكرية الناشئة هنا و هناك هل يمكننا أن نعيد صياغة التحدي و من منطلق أفكار بن نبي، لأفكار نهاية التاريخ و صدام الحضارات أو أفكار وحدة الأديان و التعايش السلمي مع الفكرة المسيحية الصهيونية المهيمنة..الخ أعتقد أن الحكم الجزافي و المبدئي المسبق بكوننا “الأكثر” و “الأول” فكر لا يعدو كونه مسكن و ملهاة شاغله عن إمعان النظر و مواجهة التحديات الحقيقية للحداثة و ما بعد الحداثة كمأزق إنساني عام لأننا لابد و أن ندرج أنفسنا في صيرورة التطور البشري العام و أن لا نتقوقع خلف اليقينيات القطعية المتعالية خلف النفاق الطوباوي أو الركون لحقيقة أن مالك بن نبي سبق عصره و لا داعي لنفكر فمالك قال كل ما يجب أن يقال….
لست هنا في صدد جلد الذات او “شيطنة’ الجهد كما قد يتهمني البعض لكننا كأدعياء ثقافة لا يجب أن نتوقف عن إعادة النظر و إيجاد التناقض و خلخلة اليقينيات و زعزعة المسلمات من اجل التحيين المستمر لمنظومتنا الفكرية بما تحمله من مرجعيات مهمة فوحدها الافكار الكبرى من يقبل التناقح و التلقيح و العقم هو سمة الافكار الراكدة في المياه الأسنة “للأنا المنتفخة” الراضية بوضعية المفعول به الحضاري.ثقافة الأزمة وأزمة الثقافة
عبد العزيز كحيل
عرف الأستاذ مالك بن نبي _ رحمه الله _ أن معاناتنا تنبع أساساً من الثقافة فجعل مشكلة الثقافة محور فلسفته وعنوان أحد أهمّ كتبه وخاض في الكدح المعرفيّ لطرح القضية بجلاء ومن كل جوانبها ،والتمس الحلول المناسبة على أكثر من مستوىً، ومازلنا مع المشكلة بل لعلّها زادت حدّةً بسبب انحباس التفكير والسلوك في ثقافة الأزمة ، فقد تهنا منذ دخول الاحتلال الغربي إلى اليوم بين الانفتاح المجنون الّذي يؤدّي إلى اللاهويّة وبين الانغلاق الغبيّ الّذي لا يحسن سوى التكرار بلا ذاتية، فكادت الثقافة تموت عندنا لأنّها قليلة التفكير، وفقدنا المعالم وسادت ثقافة الإلغاء والاستبعاد ، فكلّ كاتب أو متكلّم لا يرى سوء فضاءٍ ضيّقٍ واحد حكر عليه لا يتّسع لصاحب رأي مخالف أو طرح مغاير فانتفخ الأنا وأصبح الآخر هو العدو و هو الجحيم، ومن أراد أن يعترف له أحد بوجوده فليكن فقط إمّعةً وليرتدِ لباس الخدم فسيعيش مستريحاً لكنّه لن يتحرّك إلاّ بإشارة السيّد الأوحد الأعلم الأقوى ليقول ما يرضي هذا السيّد وينثر حوله البخور، لهذا لا تعرف دنيانا نحن – في الغالب - سوى ثقافاتٍ باردةٍ هابطةٍ متحجّرةٍ بينما ينعم آخرون بثقافات حارّةٍ صاعدةٍ منتشرةٍ، وهذا ما يصنع الفرق بيننا وبينهم… إن ثقافة الانحطاط مازالت راسخةً في نفوسنا وهي الّتي جعلتنا لا نطيق بعضنا ولا نرى إلاّ الأبيض والأسوَد ونلغي باقي الألوان باسم الدين أو التاريخ أو الجغرافيا أو بذرائع أخرى، ولما كنّا عاجزين عن مواجهة من هزمونا أصبحنا نتفنّن في موّاجهة بعضنا باللعن والتكفير والانتقاص والتهديد بالإبادة السياسيّة والثقافيّة، ولو تشرّبنا ثقافة الحرّيّة لما حدث هذا لكنّنا قرّرنا ألاّ نحتملها لأنّها ببساطة ثقافة النقد والرأي والدخول في عالم الآخرين من غير إقصاءٍ ولا تهديدٍ ولا نرجسيّةٍ، نعم، نتكلّم عن محاسبة الذات وننقد الآخر وحده، ونتكلّم عن حرّيّة الرأي بشرط أن يوافق الرأي السائد، ونتكلّم عن الآخرين لكنّنا لا نرى إلاّ أنفسنا،،، ويبلغ الأسى مداه حين نزعم أن هذا ما يأمرنا به الإسلام أو هذا ما تقتضيه الحداثة، وقد قرّر سدنة معبد الاستبداد وحرّاس الخطأ من قديم أن لا حرّيّة لأعداء الحرّيّة فشاعت النمطيّة والتحنيط ولم ينج منها إلاّ أصحاب الأفكار الحيّة المنعشة في حين غدت من ثوابت المتشبثين بالأفكار الميتة والقاتلة لأنّهم استصغروا الفكرة فبرز عندهم الصنم في صورة زعيم أو شيخ طريقة أو حداثيّ ” ملهم ” أو أحد منتجات الحضارة الغربية، وقد غاب عن ساحتنا المثقّف القلق وفرشت الزرابي للمثقّف المستريح الّذي يحسن اقتحام الأبواب المشرعة ويتفادى ما وصّد منها لأنّه وعى الدرس وقنع ببذل أقلّ الجهد لتبقى له بطاقة المثقّف في أصقاع استسلمت فيها الثقافة للسياسة لأنّ الأولويّة للبقاء على قيد الحياة والتقاط فتات الموائد في انتظار النياشين والجوائز التقديريّة وصكوك الغفران… وكيف نتساءل بعد هذا عن التخلّف الحضاريّ والقحط العلميّ وانتشار الأمّيّة الفكريّة بنسبة مطردة مع انتشار الشهادات الجامعيّة؟ من بين الإحصائيّات الدوريّة لمختلف مجالات النشاط تمنّيت أن تخصّص واحدة لمعرفة عدد المثقّفين المعارضين والمعترضين، وما من شكٍّ أنّه عدد قليل بسبب الخوف من المغامرة، فالوظيفة الحكوميّة أفضل من الترحال في أوديّة الإبداع وابتغاء الجديد والبحث تحت القشور والغوص في لجّة المجهول، وقد أدرك الحكماء أنّ المثقّف الّذي يستحقّ هذا الاسم يحتاج إلى عاملين ضروريّين متلازمين هما الصمت والحرّيّة، لكنّ العربيّ أو المسلم اليوم مرغم على الثرثرة والهتاف بشعارات المتغلّب حتّى لا يلاحقه تقرير مخابراتي، ثمّ هو يتغنّى بالحرّيّة مع مطلع الشمس ومغيب النجوم ليعفى منها ومن تبعاتها، فما أسهلها على القلم الأصمّ وما أصعبها في دروب الحياة منذ افترق السلطان والقرآن ! وليتأكّد الإنسان من ذلك فما عليه إلاّ أن يحصيّ من ثبتوا مع سعيد بن جبير، أمّا من اصطفوا مع الحجاج بن يوسف فلا يأتي عليهم العدّ، ومع ذلك تمسّكت ثلّة من المثقّفين بالمبادئ في زمن المصالح فلم تستوحش من قلّة السالكين ولم تغترّ بكثرة الهالكين، ولولا هؤلاء ما دبج يراع كلمات جريئةً ولا خطّت ريشة لوحة خلاّبة ولا بقيّ مجال للقصائد العصماء في مدح عبد الله بن الزبير والحسين بن علي وأحمد ياسين.
إنّ ثقافة الكلمة _ أي القراءة والكتابة _ الّتي حطّمت الخرافة في العقل العربيّ قبل تحطيم أوثان مكّة قادرة على تجاوز عقبات الأنانيّة والغطرسة لتبني الإنسان الحر المتجاوب مع الكون ومن فيه وما فيه إذا استندت إلى التوحيد وكفرت بالشيطان أي شيطان، فالثقافة الإسلاميّة استبعدت الشعراء الضالين والغاوين ولم تستبعد الفنّ، وسوء الفهم مصيبة كبرى، والمتتبّع لتاريخنا الثقافي يمكنه أن يلاحظ كيف جمّدت ثقافة القرآن وثقافة العقل وبرزت منذ أمد بعيد “ثقافة الإمارة” فوسّد الأمر إلى من بيده السلطة والمال فكسّر كثير من المثقّفين مغازلهم وأقلامهم واختاروا المنفى في القصور أو الكهوف أو السجون، وتستطيع أن تلمس اختيارهم وأنت تقرأ ما أنتجوه من شعر أو قصص أو كتب سياسيّةٍ أو علميّةٍ أو عالميّةٍ… وتستطيع أن تقرأ ما لم يكتبوه في قسمات وجوههم وتعبيرات صمتهم، ولهم بعض العذر، فثقافة السلطة تقهر المثقّف الحرّ بالوظيفة أو الاستعباد أو النفي أو التكفير أو المال، ومع ذلك فالخدمة الوحيدة الّتي تقدّمها هذه الثقافة للحاكم هي خداعه والهمس وراء ظهره، وهذه مأساتنا… فما أحوجنا إلى المبدع الّذي يحبّب إلينا الثقافة حتّى نكون من جمهور القلم لا من جمهور السيف، ولن يكون هذا إلاّ إذا حلّ الإبداع والنقد محلّ التقليد والاستهلاك ألاجتراري الّذي تشجّعه وزارات الثقافة في بلادنا لتحمينا من داء الحرّيّة، هذه الوزارات الّتي تطبع بالمال العام كتباً مسيئةً للنظام العام أو تشتري وتوزّع كتباً لا يقرأها أحد…
ولكن هل للمثقّف ما يغري به جمهوره؟ فرافع لواء الدين يعد جمهوره بالجنّة والسياسيّ يعدهم بالرخاء، فماذا بقي للمثقّف؟ بقيّ له أن يعلّمنا كيف نسمع ونفهم ونقول كلّ شيء، وبقيّ له أن يعلّمنا التركيز على الاختلافات والتنوّع لنواجه العولمة. ..إن الثقافة أصبحت شفويّة جداريّةً شاشيّةً فتراجع دور اليد واللسان لصالح العين والأذن فضاع استعمال جميع الحواس في التثقيف - وإذا حدث ذلك ضاع الفؤاد وذلك من جحود نعم الله تعالى - وهذا تحدّ آخر يواجهنا ويكاد يسحقنا، أما الحداثوية المسمومة فجعجعتها صاخبة وجدواها قليل ولا يمكن أن تثوب إلى رشدها أو تواريّ عوراتها إلاّ إذا اشتغل الإسلاميون بإنتاج المعرفة الراقيّة العميقة العاليّة أكثر من اشتغالهم بالسياسة.الشعب الجزائري: هل له قابلية للاستعمار؟؟
العيد دوان
القابلية للاستعمار مصطلح كثيرا ما وظفه العالم الجزائري مالك نبي رحمه الله في دراساته الحضارية ضمن شروط النهضة. وقد شيد على أساسه نظرية يصعب ردها، إذ دعمها بأفكار يستحيل إنكارها. غير أن الذي استعصى فهمه على الكثير من الدارسين، أن هذه القابلية ليست حتمية يستحيل التخلص منها، بدليل أنه ينفيها عن نفسه. فعندما أقر أن الشعوب الإفريقية الأسيوية لها قابلية للاستعمار، كان يشير إلى ما توفر لديها من استعدادات نفسية ودينية هيأتها لذلك، وأطمعت المستعمر الذي عمل على تكريسها فيها لتسهيل عملية الاحتلال والسيطرة.
فكما أن الاستعمار خاصية عند الإنسان عند شعوره بالقوة، فالقابلية للاستعمار ظاهرة ثابتة فيه في مرحلة الضعف. فهي تتراوح بين القوة والضعف بحسب الظروف النفسية والاجتماعية والدينية وحتى السياسة لأي مجموعة بشرية. فكلما قويت وتوفرت لها الشروط عند قوم، كلما تمكن الآخر من الاستحواذ عليه. وبما أن الرغبة في عمارة الأرض فطرية في الإنسان، اقتضت الضرورة أن يبحث على الأساليب التي تساعده على تحقيق هذا الهدف. إلى جانب هذه الخاصية الفطرية، ينمو حب السيطرة على الآخر عند الآخر للاستحواذ على الأرض. والمجتمع الجزائري مثل غيره، لم ينج من هذا الداء الحضاري. فقد أبدى على امتداد التاريخ، استعدادا لتمكين الآخرين من نفسه، فكان أن استعمر لفترات طويلة لم يتوقف خلالها عن ممانعة ومغالبة المستعمر الذي سرعان ما يغير من سلوكه بعد احتلاله للأرض.
فمالك بن نبي يرى إن القابلية للاستعمار مسبوقة بعدة عوامل جعلن الأفراد تسودهم مشاعر السلبية والاستسلام والخضوع لمفاهيم جعلته يميل إلى السهولة في التعامل مع القضايا واستحالة النظر إلى حلولها. في هذه المرحلة لا يتعذر التدين في المجتمع ولكن تدينهم فردي، مما يجعلهم يفتقدون التماسك الاجتماعي مكونين بذلك أرضاً خصبة تشجع المستعمر وتغريه. فهذه القابلية للاستعمار هي التي تستدعيه وتمكن له. “فالتدهور والفساد الروحي، هو الذي يجلب على نفسه عوامل الانهيار التي يجلبها عليه غزو خارجي تماماً كالمنتحر الذي اعتدى عليه خصم له، عقب شروعه في الانتحار، فجاءت وفاته نتيجة ما أصاب به نفسه لا ما أصابه من خصمه، إن أقصى ما يفعله الغزو الخارجي هو توجيه ضربة قاضية إلى مجتمع يلفظ أنفاسه الأخيرة”، كما أوضح ذلك أحد الدارسين.
لقد جاء في كتاب “العبودية المختارة” للكاتب “إتيين دي لا بواسيه” عام 1562، إن أثينا أرسلت رسولين إلى فارس، فلما دخلوا الحدود، استقبلهم الوالي هناك فأطعمهم وأكرمهم، ثم قال لهم: لماذا لا تتحولون إلى عبيد سيدي الشاهنشاه. فنظر الرجلان بتعجب لعرض الفارسي الذي قدمه بكل حرص وسخاء. وقالا له: إنك لم تذق طعم الحرية بعد. ولو ذقتها لقاتلت عنها بأظافرك وأسنانك. وكل شرح لشيء لم تذقه لا يقربك من المسألة إلا بعدا عنه.
وهذه اللقطة، إنما توضح سيكولوجيا الاستعمار والمستعمر معا. وهي تشرح لنا استعباد طاغية بغداد لأهل بغداد وإذلال أهل المغرب للمغاربة وهلم جر. هؤلاء يسميهم مالك بن نبي “أناس ما بعد الموحدين”، أي ما بعد الانحطاط. والقابلية للاستعمار ينعتها الباحثون بمرض عام يتخلل كل المستويات والطبقات الاجتماعية والجنس والعمر. وهنا يحضرني شرح بارع لهذه الظاهرة: “يظهر ذلك بين الموظف ورئيسه، والمرأة والرجل، والطفل والأستاذ. ومنظر الشرطي وهو يصفّر لقائد السيارة وكيفية اقترابه منه في مشية “الغوريلا” مباعداً بين رجليه رافعاً بطنه للأمام ورقبته للخلف وقائد السيارة المضطرب الممتقع الذي يتزلف بالكلمات والرشوة والحلف بأغلظ الأيمان يفتح عيوننا على الواقع الاستعماري اليومي.”
القابلية للاستعمار عند الشعوب كما سبق لي أن قلت ليست حتمية. فهي تشبه القابلية للانكسار في الزجاج. لقد رسخ في عقول البشر أن الزجاج من خصائصه الانكسار ولكن صناعيا، أمكن تصنيع زجاج غير قابل للكسر بتغيير مواده الأساسية بطرق صناعية. فكذلك المجتمع، قد يكون قابلا للاستعمار ويمكن، عن طريق التربية، أن نوفر فيه ما به يرفض الاستعمار. ومما لا بد منه في هذا السياق العمل على تحرير الوعي وإرجاع الإنسان من الموت إلى الحياة. جاء في القرآن الكريم: « أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها”.
مما يحكى عن حسني الزعيم أحد الشخصيات الانقلابية في سوريا، إن وفدا من أعيان دمشق أراد زيارته للتحاور معه في بعض الشؤون السياسية، فدخلوا عليه وهو يصيح في التلفون: “إذا لم يمتثل للأمر فقوموا بإعدامه فورا. ثم التفت إليهم وقد ابيضت وجوههم من الخوف. وقال: أهلا وسهلا وألف ألف مرحبا، ماذا أستطيع أن أفعل لكم؟ قالوا: عفوا، نحن جئنا لنبارك لك العهد الميمون ونتشرف بلقاء شخصك العظيم. قال لهم: شكرا لكم ارجعوا إلى قومكم موفقين. ثم التفت لمن حوله بعد انصرافهم وهو يضحك ملء شدقيه: “شعب مثل هذا يناسبه حاكم مثلي”.
مما سبق يتبين أن ظاهرة القابلية للاستعمار موجودة في الإنسان وهي شرط أساسي في عملية الاحتلال. من علاماتها ما عندنا من مشاعر الانهزامية والتبعية ولغة التخاذل التي أصبحت تتخلل خطابنا على العموم.
وهنا نطرح سؤالا: لماذا فشل أو - بالأحرى- تأخر الفيلسوف مالك بن نبي في الإفهام والإقناع وإيجاد المناصرين لفكرته في أوساط المسلمين: والجواب إنه طرح الفكرة متقدما على زمانه لتخلف المجتمعات الإسلامية ثم لأنه كان يخاطب الناس بلغة غير لغتهم، إذ ترجمت أفكاره خطأ. يضاف إلى كل ذلك أن المسلمين لا يقرؤون في العصر الحديث.مداخلة لأستاذ بشير خلف
أستاذنا الفاضل الباحث فارس بوحجيلة
إنني لشاكرٌ لكم هذا الجهد المتميّز في إلقاء الضوْء على شخصية من شخصياتنا المتميّزة، والذي لم ننصفْه ونعطه حقّه ومكانته إنْ في حياته، وإنْ بعدها ولا شكّ أن مبادرتكم هذه التي أعادته إلى الساحة الفكرية في عقْر داره لجديرة بالثناء والشكر لكم ولمجلة” أصوات الشمال ” الرائدة ومنْ يشرفون عليها.
إن أفكار مالك بن نبي لم تمت، ولا أحسب أنها ستختفي ضمن زوايا التاريخ، وحتّى وإن لم يقيض لها من يتبنّاها في مرحلتنا هذه، فإنها تأكيدا سيأتي منْ يدافع عنها ويعمل على بلورتها عمليا وفق مرحلة تطبيقها.في اعتقادي الشخصي، أن كاتبا ومفكرا وفيلسوفا إسلاميّا في مرتبة مالك بن نبي في زمنه، وحتى بعده أحقّ بأن ليس فحسب تُدرس كتاباته، وتفهم آراؤه، وتحلل أفكاره، وتتخذ مسلكا في البناء الحضاري الشامل..بل أن تُوجد نخبٌ في العالم الإسلامي تدافع عنها وتسعى مخلصة من أجل تنفيذها. لقد مضى على رحيله ما ينيف عن الربع قرن، غير أن كتاباته لا تزال تحمل في طيّاتها نبض المشكلة الإسلامية التي هي بمثابة أمراض تفشّت، ومظاهر سلبية، وسلوكات منحرفة تأصلت فيه.. يراها المفكر مالك بن نبي في عناصر قيّدت الإنسان المسلم ولا تزال منها :
1 ـ التسامي المتدين.2 ـ التعالم .3 ـ اللا فعالية .4 ـ الانفصالية.5 ـ ذهان السهولة.6 ـ ذهان الاستحالة.7 ـ التكديس.8 ـ الحَرفية( من الحَرْف).9 ـ اللفظية.10 ـ الفخر والمديح.
إن هذه الأمراض لا يسمح المجال بالتوغّل فيها تباعًا، إلاّ أنها لا تزال تسود أفكارنا وسلوكاتنا في حيواتنا، وإنها لعمري ما تغيّرت منذ أن كان هذا المفكر بين ظهرانيّنا ولا أظنها ستتغيّر ونحن على ما نحن عليه من الذلّ والهوان، و( القابلية للاستعمار) بالمفهوم المعاصر للاستعمار.
وإذا اعتبرنا الإطار العام لفكر مالك بن نبي هو ” مسألة الحضارة ” فإنه عنْـون جميع مؤلفاته تحت شعار كبير هو” مشكلات الحضارة” ، حيث الصراع الدائر في العالم صراع حضارات بالدرجة الأولى، فالأمم صارت تُقاس بمدى نجاحها،وتفوّقها في مختلف المجالات، لا بمدى استهلاكها لمنتجات غيرها، وهذا هو واقع العالم الإسلامي اليوم سيّما الأمة العربية وهو ما يطلق عليه مفكرنا بـ ( التكديس).
إن تلكم الأمراض التي ذكرناها آنفًا والتي لا تزال متفشية بنسبٍ كبيرة وبدرجات متفاوتة في عالمنا الإسلامي لا تسمح البتّة للإنسان المسلم كي يتحرّر، وينطلق مساهما وبفعالية في ولوج الفعل الحضاري منتجا، وليس مستهلكًا، ولا أعتقد أن الإنسان المسلم يجهل أسباب الإقلاع، إنما هو اللافعالية، وذهان السهولة، وذهان الاستحالة،والتكديس، واللفظية هي من أسباب السقوط، والعجز عن الإقلاع.
إن الأسئلة الثلاث التي طرحتموها أستاذي الفاضل لمهمّة، وشخصيا أرى أن الفشل لا يعود إلى الأفكار في حدّ ذاتها بقدر ما يعود إلى :
1 ـ البيئة السياسية والاجتماعية، وحتى ( المجتمعية) وأقصد المجتمع الجزائري ما كانت مهيّأة لمثل هذه الأفكار، فما بالك بتطبيقها.
2 ـ النخب التي تولّت التسيير والقيادة في جزائر ما بعد الاستقلال نُخبٌ مفرنسة، ومستلبة فكريا وأصلاً هي معادية لكل ما هو إسلامي، تمفصلها في كل دواليب الدولة سمح لها بإحباط كل مسعى يصبّ في هذا الاتجاه.
3 ـ إن الإيديولوجية الاشتراكية التي تبنّتها البلاد، والكثير من النخب سيّما السياسية منها كانت ترى أن كل فكرة، أو رأي يتفق مع أفكار مالك بن نبي، أو غيره، أو يُشتمّ منها رائحة روحانية لهي في رأيهم ” إسلاموية ” وتعادي الثورات الثلاث التي كان شعارها مطروحًا يومذاك.
4 ـ إن مفكرنا الكبير كان مُحارَبًا ومضايَقًا ممّا لم يُسمح له بأخذ مكانته في الجامعة الجزائرية بعد الاستقلال، كأستاذ مؤثر تتلمذ عليه الكثير من الطلاب الذين سيأخذون أماكن حسّاسة فيما بعد ضمْن دواليب الدولة حتى يتمكّنوا من تجسيد أفكاره عمليا، فأغلب تلاميذه هم الذين كانوا يحضرون ندواته طوْعًا خارج الجامعة.
5 ـ والغريب أن الذين يدافعون عن أفكاره منذ أن كان على قيد الحياة، وحتى بعد رحيله سواء أكانوا في الجزائر أم خارجها لم يتمكّنوا من تولّي مناصب حسّاسة بإمكانها تنفيذ ولو القليل من هذه الأفكار، إلاّ حزبًا واحدا عندنا في الجزائر برز أثناء التعددية الحزبية في أوائل التسعينيات كانت أفكار مالك بن نبي تتغلغل في برنامجه الثقافي أثناء الاستحقاقات الانتخابية، وبرزت أكثر أثناء ترشّح رئيسه للانتخابات الرئاسية، وسرعان ما غيّبت بغياب هذا الحزب من الساحة الوطنية.
6 ـ غياب النخب الثقافية العقلانية النقدية التي تؤمن بالرسالة التنويرية التي توازن بين المادة والروح، وتعطي الأولوية للجانب الروحي كمحفّز، وكـمُلهمٍ ..حيث هذه النخب غير متواجدة في المواقع الاستراتيجية، واتخاذ القرار السياسي العملي في الميدان..فالموانع التي أعاقت المفكر مالك بن نبي في حياته هي نفس الموانع التي وقفت في وجه المفكر والمثقف العربي في الجزائر حيث أُبعد وأبقي عليه إلاّ فيما لا يشكل خطرا عل النخب المستلبة، والتي بيديها كل شيء ..ولا نعدم البتّة تواجد بعض النخب في مواقع مهمّة إلاّ أنها دُجّنت، أو دجّنت نفسها بفعل مغريات المنصب، وبريق الامتيازات، فآثرت السكينة، و” يا جبل ما يهزّك ريح”.
في الحقيقة وبناء على ما تقدم فإن الفشل في إحداث التغيير لا يعود إلى الأفكار في حد ذاتها إنما يعود إلى أسبابٍ بعضها مذكور آنفًا وبدرجة كبيرة، وبعضها يعود إلى عوامل إقليمية وعالمية هي بالمرصاد دوما لكل مشروع إسلامي عقلاني، حضاري..
إن مشروع ابن نبي يجد صعوبة تطبيقه توًّا في خذلان الإنسان المسلم الذي استكان، وسلّم أمر قيادته لقوّى تكالبت على العالم الإسلامي، وصارت تستهدفه، بمبرّر وغير مبرّر، إذ كل ما يرمز إلى الإسلام هو حرْبٌ وإرهابٌ ضدّ الآخر هذا من ناحية، كما أن أفكار مالك بن نبي في قرارة نفسي لا تزال صالحة لبعث وثبة حضارية إذا ما راعت المستجدات المحلّية، والإقليمية والعالمية، وإذا ما قُيّض لها رجال يؤمنون بها، وبفعالياتها، ويتمفصلون في مواقع القرار المؤثر..وما عدا ذلك فهي صرخات في وادٍ، لا تسمن ولا تغني من جوع.
وفي كل الحالات فإن مالك بن نبي المفكر والفيلسوف يبقى مفخرة للجزائر والعالم الإسلامي، مثلما هو العلامة ابن خلدون، وأفضل ما ننهي به مداخلتنا هذه ما قاله فيه المرحوم الأستاذ أنور الجندي في كتابه : ( الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقي) :
"مالك بن نبي يختلف كثيرا عن الدعّاة المفكرين، والكُتّاب، فهو فيلسوفٌ أصيلٌ له طابع العالم الاجتماعي الدقيق الذي أتاحت له ثقافته العربية والفرنسية أن يجمع بين علم العرب، وفكرهم المستمد من القرآن والسنّة والفلسفة، والتراث العربي الإسلامي الضخم، وبين علم الغرب وفكرهم المستمدّ من تراث اليونان، والرومان، والمسيحية."القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي، قراءة جديدة
نذير طيار
جاء في أحد النصوص الأساسية لحزب جبهة التحرير عام 1964: «إن الآراء القائلة بالطابع الضروري للاستدمار، وقابلية الخضوع له لدى الشعب الجزائري، تشكل تضليلا وقحا..»[1] وكان المقصود بهذه العبارة هو مالك بن نبي ونظريته عن”القابلية للاستدمار”. هل يعقل أنْ يصل سوء الفهم إلى هذا الحد؟ هل كان ابن نبي يرى أن الاستدمار ضروري لإدخال الشعوب المتخلفة والهمجية في الحضارة، كما بقول جول فيري السياسي الاستدماري الفرنسي مثلا؟.
وهذا الرئيس الجزائري الأسبق أحمد بن بلة، ورغم سعة ثقافته وفكره، يقول[2]:«أنا أرفض استعمال نظرية القابلية للاستدمار باعتبارها تخدم النظام الاستدماري الغربي في الأساس، وتحمل العنف في طياتها، نحن في الجزائر عانينا من الاستدمار، ولم نقبل ثقافته وليس لدينا قابلية للاستدمار»
وواضح أيضا أن ذلك النص أعلاه من هذا المعين، إذا دققنا في تاريخ صدور النص.
إن مكمن الاختلاف الفكري بن الرجلين، حول هذه النقطة، في اختلاف اللحظة التي يتحدث عنها كل واحد منهما. فالرئيس بن بلة يتحدث عن لحظة المقاومة التي قادت إلى النجاح في التحرير، أما شاهد القرن فيتحدث عن لحظة الاحتلال الفرنسي للجزائر.
إن الوعي بضرورة التخلص من المستعمر، لا يكفي لحصول الاستقلال والتحرر. إذ يجب النجاح في تحويل ذلك الوعي الفكري إلى خطة عملية مدروسة، تستوعب قدرات المستدمِر والوسائل المتاحة لدى المستعمَر.
ويعتقد أحد تلاميذ شاهد القرن أن كتاب”شروط النهضة” هو الذي سبَّب له مشاكل مع الحركة الوطنية لأنه انتقد فيه بعض مواقفها، وهي التيارات ذاتها التي قادت البلاد أثناء الاستقلال، وفي ذلك نوع من الانتقام من الرجل[3].
إنَّ كثيرا من الساسة في عالمنا العربي، يريدون مثقفا تابعا، غير مستقل في تحليلاته السياسية، يوافق على كل شيء ولا ينتقد، ومالك بن نبي الذي انخرط في مشروع الإصلاح والنهضة، لم يكن ليسكت عن قول كلمة الحق في مواطن كثيرة.
ولكن انتقاد بعض مواقف الحركة الوطنية ليس سببا مقنعا للحصار المضروب، فقد انتقد مالك بن نبي جمعية العلماء، عندما سلَّمت القيادة في مؤتمر 1936، إلى من أسماهم بـ”الزويعمات”، انطلاقا من قناعته بضرورة تصدر العلماء لكل حركة تغييرية، ولكن رجال الجمعية لم يناصبوه العداء أبدا، ولم يسيئوا فهم نظريته عن القابلية للاستدمار، وهذا الدكتور عبد الرحمان شيبان يقول :«فشلت الثورات التي سبقت الثورة التحريرية الكبرى في 1954، في تحقيق النصر الحاسم لوجود ظروف عالمية مناهضة للتحرك الاستقلالي، ولكن الخلل الأكبر كان ذاتيا داخليا، تمثل في تدهور البنية الاجتماعية، وهو ما أسماه بن نبي بـ”القابلية للاستدمار”»[4]
لبْسٌ آخر، نحب دفعه عن ذهن القارئ، وهو نفي الشيخ يوسف القرضاوي لفكرة القابلية للاستدمار عن الإبداع البنَّابي، فقد سبقه إليها –على حد تعبيره- الشيخ الحكيم الداعية محمد الغزالي في أحد كتبه المنشورة مع بداية الخمسينات. يقول:
«عندما كنت في الجزائر وبعض الإخوة من تلاميذ الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله يتكلمون عن فكرة الأستاذ مالك عن القابلية للاستدمار، قلت لهم: إن الشيخ الغزالي سبق إلى هذه الفكرة، قالوا: كيف وأين؟ قلت: في كتابه “الإسلام والأوضاع الاقتصادية” قال: إن الأمم تكون عندها استعدادات للفساد والاختلال، ويؤدي هذا الاختلال إلى الاحتلال، واستدل على ذلك بآيات سورة الإسراء عن بني إسرائيل حينما أفسدوا في الأرض أدى إلى إصابتهم بالاستدمار والطغيان استعمرهم البابليون والفرس والرومان.. الخ»[5]. والحقيقة أن ما ورد عند شيخنا الغزالي لا يرقى إلى مستوى النظرية المفصَّلة في كتب مالك. ولن نبالغ إذا قلنا إن ضرورة انطلاق عملية التغيير من الأنفس، هي فكرة قرآنية صاغها كل مؤلِّف وفق أسلوبه الخاص، ومنهجيته في التفكير، ولكن الطرح الجديد اصطلاحا وفكرة وعمقا، لم ينطلق إلا مع مالك بن نبي.ويقول الشيخ يوسف القرضاوي أيضا: «أعتقد أن حالة الضعف والعجز والخلل والتخلف هذه هي التي سماها مالك بن نبي (القابلية للاستدمار) وإن كان في النفس من هذه التسمية شيء؛ لأنها توحي بقبول الاستدمار والرضا عنه، والتهيؤ له، ولا أحسب هذا مقبولا ولا صحيحا بحال، وإنما هو الفساد والاختلال الذي يمهد للغزو والاحتلال»[6].
وهذا يكشف عدم التوغل في فهم مضمون الفكرة عند مالك بن نبي. ولا يعقل أن ننسب فكرة القابلية للاستدمار إلى الدكتور علي شريعتي، مثلا، لأنه قال بضرورة تحديد أي ذات نعود إليها، عند تقريرنا العودة إلى الذات، وهي الفكرة التي تشترك مع أطروحة القابلية للاستدمار في تفاصيل كثيرة. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الفيلسوف محمد إقبال وغيره.
مفهوم القابلية للاستدمار
علينا أن لا ننشغل كثيرا بالاصطلاح، ولنتوغل في مضمونه، كما أراده صاحبه.
لن نعيد هنا، النقاشات الساخنة المعاصرة، حول أيِّ المصطلحات أنسب للتداول، استحمار أم استكبار أم استدمار أم استخراب أم استعمار..إلخ. فالقابلية للاستدمار، عند مالك بن نبي، مضمون دلالي قبل أن تكون شكلا لفظيا.
ولكنَّ ما قد يثير الشك لدى البعض، هو عبارة لمالك بن نبي يقول فيها :«قد يكون الاستدمار أثرا سعيدا من آثار تلك القابلية، لأنه يقلب حينئد التطور الاجتماعي الذي أوجد المخلوق القابل، فهذا المخلوق لا يدرك قابليته للاستدمار إلا إذا استعمِر، وعندئد يجد نفسه مضطرا لأن يتحرر من صفات أبناء المستعمَرات، بأن يصبح غير قابل للاستدمار. وبهذا نفهم الاستدمار باعتباره (ضرورة تاريخية)….»[7].
ومفهوم عبارة مالك بن نبي واضح جدا، فالقابل للاستدمار بحاجة إلى منبِّه يسمى الاستدمار كي يكتشف حالته المتردية.
وما يزيل اللبس هو قول مالك :«ليس معنى هذا أن المستدمِر يفد إلى المستدمَرات ليحرِّكها، وإنما يجيء ليشلَّها، كما يشل العنكبوت ضحية وقعت في شباكه، ولكنه في نهاية الأمر يغيِّر ظروف حياة المستعمَر من جذورها، فيساعده بذلك على تغيير نفسه….كون المسلم غير حائز جميع الوسائل التي يريدها لتنمية شخصيته، وتحقيق مواهبه: ذلك هو الاستدمار، وأما ألا يفكر المسلم في استخدام ما تحت يده من وسائل استخداما مؤثرا، وفي بذل أقصى الجهد ليرفع من مستوى حياته، حتى بالوسائل العارضة، وأما ألا يستخدم وقته في هذه السبيل، فيستسلم – على العكس- لخطة إفقاره، وتحويله كما مهملا، يكفل نجاح الفنية الاستدمارية: فتلك هي القابلية للاستدمار»[8].
فالضرورة التاريخية هنا، مقدَّرة بقدرها، محصورة في الزمان والمكان، «لأن التاريخ لم يسجل مطلقا استمرار الواقع الاستدماري، إذ أن قوى الإنسان الجوهرية تتغلب أخيرا على جميع ضروب التناقض».
لقد كان مالك منشغلا بالحركة التاريخية، وتحليله لها قاده إلى نتيجة فحواها، أن هذه الحركة لا تبدأ بالاستدمار، بل بالقابلية له، فهي التي تدعوه.
ومن يطالع بعض عبارات مالك بن نبي عن القابلية للاستدمار والأفكار الميتة المرتبطة بها، وعن الاستدمار والأفكار القاتلة (المميتة) الصادرة عنه، يكتشف شيئين مهمين:
1- توازنا منقطع النظير في تحليل الظاهرة الاستدمارية.
2- سبقا رائعا وعمليا لما يعرف اليوم بالبرمجة اللغوية العصبية. وكيفية استعمالها للتخلص من الأفكار الميتة. فقد تحدث في وقت مبكِّر عن ذُهان السهولة وذُهان الاستحالة…وقد قام هذا الأخير في الجزائر على قواعد ثلاثة، يحصرها مالك في الآتي:
- لسنا بقادرين على فعل شيء لأننا جاهلون.
- لسنا بقادرين على أداء هذا العمل لأننا فقراء.
- لسنا قادرين على تصور هذا الأمر لأن الاستدمار في بلادنا.
يقوم مالك بن نبي لاحقا بمواجهة هذه الاستحالات المزعومة، بعبارات هدفها البرمجة الإيجابية للإنسان المستعمَر، فنحن جاهلون - هذا واقع – وهو أثر من آثار الاستدمار. ولكن ماذا تفعل الدوائر المثقفة في بلادنا..؟ ما تفعل بثقافتها وهي السلاح الأساسي العاجل ضد الأمية العامة..؟… وأسطورة الفقر ليست بأقل خطرا (من أسطورة الجهل)، لقد زاد أغنياء المسلمين عن فقرائهم في العطل برغم ما يملكون من ثروات…لا يهتمون بتبني طفل… ولا رعاية عمل ذي فائدة عامة…أو تشجيع للثقافة إنه التسابق إلى الإسراف المخل…وأسطورة الاستدمار وعلتها ذاتية هي القابلية للاستدمار[9].
وعندما يقول مالك بن نبي :«للفرد بصفته عاملا أوليا للحضارة قيمتان: الأولى طبيعية، والثانية اجتماعية. أما القيمة الأولى فهي موجودة في كل فرد من الأفراد في تكوينه البيولوجي، وتتمثل في استعداده الفطري لاستعمال عبقريته وترابه ووقته. وإذا نظرنا إلى المسلم الجزائري مثلا من هذه الزاوية، فإننا نراه مزوَّدا من ذلك بأطيب زاد، فإن التاريخ يشهد بكفاءته وعبقريته في هذا الشأن، إذ أنه سطَّر من مظاهر هذه العبقرية كثيرا، ما بين عهد القديس أوغستين البوني إلى عهد ابن خلدون»، فهو يذكِّرنا بأحد الافتراضات الأولية للبرمجة اللغوية العصبية والقائل: “«يوجد عند جميع البشر في تاريخهم الماضي كافة المصادر التي يحتاجونها لإحداث تغييرات إيجابية في حياتهم»[10]، والأهم من كل هذا أن مالك يتحدث عن مشكلة حضارية تخص أمة بأكملها، وليس عن مشكلة نفسية فردية فحسب. وعندما يتحدث مالك بن نبي عن الأفكار الميتة وضرورة القراءة الجيدة للمشكلات، هو يذكِّرنا بالمبدأ الأول للبرمجة اللغوية والعصبية والقائل:«الخريطة ليست المنطقة»[11]
(The map is not the territory)
والذي يعني أن الإدراك يخالف الواقع أحيانا، وإذا أردنا تغيير حياتنا علينا أن نغيِّر إدراكنا لها. فالاستدمار نتيجة وليس سببا، والحضارة بناء وليست تكديسا، والثقافة قيمة أخلاقية مجسَّدة وليست فلكلورا ومعلومات فحسب، والدين مركَّب للحضارة وليس عدوا لها…إلخ.
لقد سعى مالك بن نبي إلى تعديل أساليب التفكير في المشكلات، وتغيير طرق التفسير للوقائع، فهناك تفكير سلبي قاتل مميت، وهناك تفكير إيجابي محرِّك فاعل. وهذا ما يمثل الطريقة المثلى، المعتمدة حديثا لتحقيق الصحة النفسية الفردية، والنهضة الحضارية الجماعية.
الاستدمار في نفوسنا
خلال محاضرته القيمة التي ألقاها في إطار أشغال ملتقى “الإسلام والتقدم التكنولوجي الحديث” المنعقد في بداية العام 1990 بقسنطينة، استمعت إلى د. عبد السلام الهراس من المغرب، وهو أحد الأصدقاء المقربين من المفكر مالك بن نبي، وهو يسرد أمورا كثيرة بالغة الأهمية، تتعلق بشخصية وأعمال مالك بن نبي، قبل وبعد طرد فلول الاستدمار الصليبي من الجزائر، كما أثار قضايا أخرى نجهلها نحن الجزائريين، ويمكننا أن نتخذها دليلا قويا للرد على بعض الأطروحات الفكرية الحديثة، التي ترى مالك بن نبي مصابا بمرض الشك، إلى الحد الذي جعله يضع علامة استفهام على أصدقائه وأقرب الناس إليه، بل إن هذا الشك – كما يقول أصحاب هذه الأطروحات – انعكس سلبا على كل نتائجه الفكرية، التي أعطت للاستدمار حجما أكثر من حجمه الحقيقي، ولم تكتف بذلك، بل جعلت له موقعا استراتيجيا في نفوسنا، أطلقت عليه هذه النتاجات الفكرية مصطلح” القابلية للاستدمار”.
ومن الأمور التي تحدث عنها - د.عبد السلام الهراس– مقالة يصفها بـ “الرائعة” كان قد قرأها في سنة 1956م، بمجلة “روز اليوسف” المصرية، وبقلم الأديب – إحسان عبد القدوس – تحت عنوان ” الاستدمار في نفوسنا” أفاض صاحبها في الحديث عن لقاء جمعه بكاتب جزائري مجهول – كما يقول عنه – لم يعره أدنى اهتمام في البدء، ولكنه لم يلبث أن تملَّكه العجب والحيرة من شدة قوة أفكار هذا الكاتب المجهول، وعبَّر عن حالته بصدق قائلا: “وغاص الرجل في الأعماق وتركني أسبح على السطح”، وبعد اللقاء مباشرة انطلق الأديب المصري يسأل عن هذا الكاتب في أوساط الطلبة الجزائريين بمصر، ولكنه عاد بخيبة أمل، إذ وجدهم يجهلونه جميعهم عدا واحد قال: ” إنه سمع باسمه”.
إن كلام إحسان عبد القدوس يعبر تعبيرا صادقا، عن مرحلة حرجة مر بها مالك بن نبي – الشخص، حيث عاش خلالها مجهولا في الأوساط المقربة إليه والمرشحة لاستيعاب طروحاته الفكرية ألا وهي “الأوساط الطلابية”، وإذا كان هذا الجهل المطبق، بمفكرنا في ذلك الوقت، يمتلك مبررات عدة، أقلها “الظرف الاستدماري”، فإن ما لا يستسيغه عاقل إطلاقا، أن يحدث هذا بعد طرد فلول الاستدمار من الجزائر، وفي ظل انتعاش نسبي للثقافة تشهده الجزائر.
ولا نبالغ كثيرا إذا قلنا، إنه لولا مجهودات بعض تلاميذ وأصدقاء – مالك بن نبي – الأوفياء، وبعض الجمعيات الحضارية والصحف والمجلات الرسالية[12]، لظل فكر هذا الرجل مجهولا منبوذا لا يهتم به أحد ولا يلتفت إليه بشر. ولقد أحببنا أن نتعرض إلى هذه القضية، لأننا نعدها أساسية من نواحي ثلاث:
الناحية الأولى:
كونها شغلت حيزا كبيرا في تفكيره، وشكلت المحور المركزي في تحليله للظاهرة الاستدمارية.
الناحية الثانية:
ارتباط القضية ارتباطا وثيقا بواقعنا المعاصر، خصوصا في ظل عودة الاحتلال الغربي لأراضي عربية بدعوى نشر الديمقراطية.
الناحية الثالثة:
وجود بعض الاقتراحات الفكرية الداعية إلى تجاوز فكر مالك بن نبي كلية وخصوصا بالنسبة لهذه القضية، وذلك لأن أصحاب هذه الاقتراحات يرون: أولا: أن أفكار مالك بن نبي بخصوص هذه القضية، كانت وليدة مرض الشك الذي كان يعاني منه. وثانيا: لأنهم أصبحوا لا يجدون في أفكاره شيئا جديدا.
فهل تجاوز الزمن فعلا المفهوم الحقيقي الذي عناه مالك بن نبي من وراء إطلاق مصطلح” القابلية للاستدمار”، بحيث أصبح اللفظ فاقدا لأيِّ مضمون واقعي؟ وبعبارة أخرى: هل أضحى مصطلح “القابلية للاستدمار” لا يعبر تعبيرا دقيقا عن النقلة النوعية الكبيرة التي وقعت في نفوس شعوب دول العالم المستضعف، خصوصا بعد تحرِّرها – شبه الكلي – من السيطرة الاستدمارية المباشرة؟
وإجابة عن هذا السؤال في صيغه المختلفة نقول: إن مالك بن نبي يعتبر الاستدمار معلولا لعلة هي”القابلية للاستدمار”، وإذا أراد الإنسان المستعمر أن يتحرر من”أثر” الاستدمار، يجب عليه أن يتحرر أولا من” سببه” المتمثل في”القابلية للاستدمار”. يقول مالك بن نبي :«الاستدمار .. ليس هو السبب الأول الذي نحمِّل عليه عجز الناس وخمول عقولهم في مختلف بلاد الإسلام، ولكي نصدر حكما صادق في هذا المجال ينبغي أن نتقصى الحركة الاستدمارية من أصولها، لا أن تقف أمام حاضرها، أي أن علينا أن ننظر إليها كعلماء اجتماع لا كرجال سياسة، وسندرك حينئذ أن الاستدمار يدخل في حياة الشعب المستعمر كعامل مناقض يعينه على التغلب على قابليته له، حتى أن هذه القابلية التي يقوم على أساسها الاستدمار تنقلب إلى رفض لذاتها في ضمير المستعمر، فيحاول جهده التخلص منها…
… وكلما حاولنا تصنيف مختلف الأسباب التي تعرقل ضروب النشاط في العالم الإسلامي الحديث والتي تشد تطوره على نسق متلكئ، والتي تزرع القلق والعجز، وأخيرا الفوضى في حياته، وجدنا أن الأسباب الداخلية التي تنتج عن “القابلية للاستدمار” هي الأسباب ذات الشوكة والغلب… ولما كان وضع إنسان ما بعد الموحدين هو وضع الفرد المسلم المستعمر والقابل للاستدمار، فإن العلاقة بين الذات والموضوع هنا هي علاقة الفرد - باعتباره مستعمرا – بذاته، باعتباره قابلا للاستدمار، وليست علاقة بين مستعمِر ومستعمَر»[13].
ويظن بعض الذين لم يقرأوا كتب مالك ابن نبي، أنه لم يتحدث إطلاقا عن الاستدمار كغدة سرطانية مغروسة في جسم الشعوب المستعمَرة، والحقيقة خلاف ذلك، يقول مالك بن نبي :«..وهكذا يحدق بحياة المستعمر من كل جانب، ويوجهها توجيها ماكرا لا يغفل أتفه الظروف، وأدق التفاصيل، ومن الواضح أن الاستدمار بصورته هذه يعتبر عنصرا جوهريا في فوضى العالم الإسلامي، فهو لا يتدخل فقط بمقتضى العلاقة المباشرة بين الحاكم والمحكوم، بين المستعمر والمستعمر، وإنما يتدخل أيضا بصورة خفية في علاقات المسلمين بعضهم ببعض… إن الاستدمار ذو منهج، ويخرج أعماله كلها إخراجا فنيا خداعا، بحيث يصبغ البلاد المستعمرة بصبغة استعمارية، وهو يذلل أية عقبة تعترض طريقه مستخدما في ذلك علمه ومقدرته، ومن أصول الفن لديه أن يقصي صفوة الناس عن أماكن القيادة، لأنهم هو الذين يمثلون أسمى فضائل شعبهم، ثم يستخدم لتحقيق مآربه طائفة من خلصائه، اصطفاهم ليمثلوا الشعب المستعمر، كذلك نجده يحول بين الشعب وبين إصلاحه نفسه، فيضع نظاما للإفساد والإذلال والتخريب يمحو به كل كرامة أو شرف أو حياء»[14].
علاقة” الاستدمار” بـ” القابلية للاستدمار”
وقد نلحظ بوضوح نظرة مالك بن نبي – للعلاقة القائمة بين “الاستدمار”، و”القابلية للاستدمار” في ما كتبه سنة قبل وفاته، في خاتمة كتابه “بين الرشاد والتيه” تحت عنوان” الصراع الفكري”، حيث يقول: «حسبي هنا أقول كلمتين كخلاصة لخبرتي في الموضوع: أولا: إن الصراع الفكري، تجري عليه قاعدة الشيء المركَّب من أشياء، فإذا أجرينا على تركيبه عملية تحليل، وجدنا فيه عناصر تعود إلى الاستدمار وأخرى تعود إلى القابلية للاستدمار، لكنا إذا تتبعنا العناصر هذه كلها، في نطاق عملها في حياة المجتمع الإسلامي، فسوف نجد أن العناصر الأولى لا تؤثر، ولا تستطيع التأثير إذا لم تساعدها “القابلية للاستدمار” وبعبارة أخرى، فالاستدمار وحده لا يستطيع شيئا»[15]… إلى أن يقول:«والآن، فإذا سمح لي أن ألق على هذه الحقيقة بشيء من تجربتي الشخصية ككاتب أقول أنه ما أصابني الاستدمار بأذى يعطل نشاطي، إلا عن طريق هيئة دينية إسلامية، أو سلطة في بلاد عربية” ويريد مالك بن نبي أن يقول في هذه الفقرة : “إن الاستدمار في كل تحركاته الحثيثة لأجل تعطيل نشاطه، لم يكن ليحقق شيئا يذكر، لولا “القابلية للاستدمار” المتمكنة من بعض النفوس الضعيفة والعاجزة عن التحرر منها” وهنا نقف وقفة لابد منها نطرح من خلالها هذه الأسئلة:
- هل بإمكان الدول الاستكبارية في العالم أن تستنزف وتسخر مقدرات الشعوب المستضعفة لمصالحها، لولا وجود خدم طيعين لها داخل تلك الشعوب؟
- من استدعى القوات العسكرية الأجنبية إلى دولنا ومياهنا؟
- كيف عجزت دول استكبارية عن ضرب دول إسلامية بطريقة مباشرة، بينما حققت غرضها عندما أوكلت الأمر إلى دول إسلامية أخرى؟
- إن المتغيرات التي شهدها العالم بعد وفاة مالك بن نبي، مع الثورة المعلوماتية، جعلت “القابلية للاستدمار” شيئا ملموسا ومجسدا في سلوكات كثير من رجال سياسة والإعلام في البلدان الإسلامية، بعدما كانت في أغلب تحليلات مالك بن نبي حالة نفسية يعيشها الإنسان المستعمَر ثم تنعكس على كل سلوكاته.
- ومن هنا يظهر تهافت رأي من قال، بأن نظرة مالك بن نبي للاستدمار كانت وليدة مرض الشك الذي كان يعاني منه، لأن النظرية لا تزال محتفظة بجدتها وحداثتها رغم مرور أكثر من 50 سنة على طرحها.
إن نظرة مالك ابن نبي هذه، موضوعية إلى أبعد حد، بل تشكل وسطا ذهبيا بين نظرتين متطرفتين كلتاهما مذمومة.
الأولى: تحمِّل مسؤولية الواقع المتخلف الذي يعيشه الإنسان في العالم الثالث لمؤامرات الأعداء ومخططاتهم. كما ترفع – في الوقت ذاته – كل مسؤولية في ذلك عن كاهل هذا الإنسان، وقد وجدنا هذه النظرة تترسخ في بعض الذهنيات من خلال الدراسات الإسلامية التي راحت تفسر كل أحداث التاريخ بـ “العامل اليهودي”، وقد وجدنا أن بعض الحركات تعتمد “نظرية المؤامرة”كأساس لكل تحليلاتها السياسية”.
الثانية: تنزِّه الاستدمار عن كل شر لحق بالشعوب المستضعفة، بل وتجعل هذه الشعوب المسؤول الوحيد عن أزماته التي يتخبط فيها.
وكلا التفسيران له مضاعفاته على ذهنية الإنسان ونفسيته، ذاك الذي يعيش التخلف بأشكاله المختلفة، إضافة إلى مجانبتهما حقيقة الواقع كلية، فبينما يؤكد الأول حالة الضعف والانسحاق أمام القوى المستكبرة، يرسخ الثاني فكرة أن الاستدمار قد كف عن مناصبتك العداء، ومن ثم عليك أن تخرجه كلية من حساباتك وأنت تخطط للخروج من تخلفك.
والنظرة الواقعية تقتضي أن نقول: إن الاستدمار سيظل يخطط لأجل استخدامك لتحقيق مصالح شعوبه، إلا أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا وحده، بل وفي مقدورنا مواجهته بنقاط القوة التي تختزنها مواقع ضعفنا لنضرب بها نقاط الضعف المختزنة في داخل مواقع قوته، على أساس أنه لكل موقع قوة نقاط ضعف، كما أنه لكل موقعِ ضعفٍ نقاط قوة، كما يقول عالم ومفكر لبناني كبير.
دعوة لكشف الأساليب الجديدة للاستدمار
إن المتأمل في كتاب” الصراع الفكري في البلاد المستعمرة” يرى بأم عينيه كيف يعري مالك ابن نبي أساليب الاستدمار ومخططاته تعرية، من خلال تجربة شخصية غنية بالمواجهات مع الفكر الاستدماري، ويقول د.عبد السلام الهراس بأن التحركات الدعوية، التي قام بها بصحبة مالك ابن نبي وآخرين معه، كانت مراقبة بدقة من طرف المخابرات المصرية، دون أن تنجح في مسهم بأذى يذكر، لأن الأمور – كما يقول – كانت محكمة، وألطاف الرب العظيم كانت تحيط بهم، في وقت لم يكن يمر على سماء مصرٍ طائر. وفي الصدد ذكر نكتة، ملخصها، أن أحد المترددين على مالك بن نبي سئل من طرف أحد العيون ، عما يتحدثون فيه خلال لقاءاتهم، فأجابه: نتحدث عن الحضارة، فقال الرجل: ألا تتحدثون عن الإسلام، فأجابه قائلا: أنا نصراني فبهت الرجل.
وهذا دليل آخر نقدِّمه، لمن يقول إن مالك ابن نبي، قد أعطى للاستدمار حجما أكبر من حجمه، ونحن نعتبر الوقوف عند الحدود الفكرية التي وصل إليها مالك بن نبي، في عطاءاته المتدفقة، تجاوزا خطيرا في حق عقولنا وواقعنا، وفي نفس الوقت نعد كل دعوة تصر على نبذ فكره وطرحه كلية، بدعوى مجاوزة الزمن له، محاولة تظلم كثيرا مدرسة خاصة ومميزة في عرض الإسلام والدعوة إليه، كما يقول الشيخ الغزالي عن مالك ابن نبي .
وما ندعو إليه، هو العمل بجدية لتنضيج وتطوير فكر مالك ابن نبي، في عصر عولمة المعلومات والاتصالات، هذا الفكر الذي يكشف الواقع، يوما بعد يوما، حاجتنا الدائمة إلى الالتفات إليه، والنزول به إلى ساحة الجماهير، خصوصا ونحن نعيش وضعا محليا وإقليميا ودوليا جديدا، كما أن الأساليب الاستدمارية لضرب الشعوب المستضعفة وهوياتها الثقافية، قد تطورت وتغيرت كثيرا، منذ وفاة مالك ابن نبي، مما يستلزم بذل الجهد واستفراغ الوسع في كشفها وتعريتها.
[1] أسبوعية الهلال (الجزائرية) ص11. عدد09. 01 نوفمبر 1994.
[2] أسبوعية رسالة الأطلس (الجزائرية) ص12.عدد472. 26 أكتوبر2003.
[3] نورالدين بوكروح. أسبوعية رسالة الأطلس (الجزائرية). العدد 472. ص07.
[4] من محاضرة ألقاها بالمركز الثقافي ابن باديس قسنطينة، يوم 01 نوفمبر 1991. أسبوعية”النور” عدد 31. 04/11/1991. وكان حاضرا خلالها الشيخ أحمد حماني الذي عاتب سكان قسنطينة على إهمالهم “كلية الشعب” التاريخية، منطلق أنشودة “شعب الجزائر مسلم”. وأضاف : “لو كان هذا المكان عند أمة أخرى لكان مقام خير..إنه لا أفضل من قسنطينة إلا مكة والمدينة”.
[5] الشيخ يوسف القرضاوي . الشيخ الغزالى كما عرفته.. رحلة نصف قرن.
[6] من مقدمة كتابه “نحن والغرب”.
[7] مالك بن نبي. وجهة العالم الإسلامي. ترجمة عبد الصبور شاهين. ص102. دار الفكر (بيروت)
[8] المصدر السابق. ص104.
[9] المصدر السابق. ص97-98-99.
[10] د.إبراهيم الفقي. البرمجة اللغوية العصبية وفن الاتصال اللامحدود. ص33. المركز الكندي للبرمجة اللغوية والعصبية.
[11] المصدر السابق.ص23.
[12] اعتادت كثير من الأسبوعيات والدوريات الجزائرية الاحتفال بذكرى وفاة مالك بن نبي عبر نشر ملفات وحوارات تدور حول فكره .
[13] المصدر السابق. ص103.
[14] المصدر السابق. ص121-122-123.
[15] مالك بن نبي. بين الرشاد والتيه. ص197. دار الفكر.2002.