|
موقع الفلسفة في:
03/12/2011
موضوع من اقتراح الأستاذ فيصل خضر
" نحن لا نَخضع للرمز بل نُخْضِعُه " حلل هذا القول و ناقشه
* لحظة الفهم :
ينقسم الموضوع إلي قسم تحليلي و آخر نقدي,
القسم التحليلي:*
ينقسم بدوره إلي لحظتين,
لحظة النفي ( ينفي
القول سلطة الإخضاع التي تمارسها الرموز على الإنسان ) و
لحظة الإثبات ( و التي نكشف من خلالها
سلطة الإخضاع التي تمارسها الرموز على الإنسان ).
اللحظة الأولى:
لحظة النفي و هي لحظة موجبة تنفي خضوع الإنسان للرموز و
تؤكد عن مدى تحكم الإنسان في الرموز.
( الإنسان لا يخضع للرمز و إنما يخضعه ).
- ينفي القول أن يكون الإنسان خاضعا
للرموز , و بالتالي فالرموز ليست
سلطة تمارس على الإنسان
و تتحكم فيه و تخضعه , بما تعنيه السلطة من إكراه و نفوذ و تخارج , تكشف عن
تبعية الإنسان لها, لكنها سلطة للإنسان من خلالها
تحرر من خضوعه للطبيعة
و كسر قيود عجزه و جهله
" فالوسيط يسمح للعقل بان يصبح قوة " على حد
عبارة دوبراي و من هنا نتبين العلاقة الخلاقة بين الإنسان و الرمز .
- الرمز هو الذي يترجم و يقول و يصور , ما يمليه عليه العقل الإنساني, إذ ليست
الرموز إلا أفكار و أحاسيس تحاكي و تخبر عن ذلك العمق و الثراء الإنساني لتكون
الرموز وسيلة
الإنسان المثلى التي تعكس تحرره من وجوده المباشر و الحسي و تفوقه عن نزعتة
الحيوانية . إذ ليست التعبيرات الرمزية (
الأسطورة , الدين , الفن , الصورة, التقنية , النمذجة ... ) إلا
انتاجات
رمزية
إنسانية رافقت وجوده و ترجمت تجليات
عبقرية العقل كقوة محررة و منتجة.
- فالأسطورة مثلا ,التي تعلن وتؤرخ لبدايات الإنسان الرمزية و محاولة منه لفهم
العالم و الكشف عن العلة التي تكمن وراء الوجود و رغم التشكيك الذي واجهته من قبل
التصور الوضعي الذي , يرى فيها طفولة العقل البشري , ليست إلا جهد إنساني و قدرة
على الترميز تجاوز من خلالها الانسان بعض من سلطة مطلقة يمارسها الوجود الملغز على
الانسان و يقتلع من خلالها درجته الإنسانية و يتميز عن غيره من الكائنات بالقدرة
على الترميز " عندما تحكي الأسطورة على نحو مجازي و
رمزي , كيف حدثت الواقعة و لماذا , فإنها تعطي دلالة للعالم و للوجود الإنساني"
.
- على هذا النحو تكزن الأسطورة أولى محاولات الإنسان للإفلات
من الخضوع , ذلك الخضوع الذي ارتبط بالجهل و الحيرة و العجز , عجز الإنسان
أمام الطبيعة و ظواهرها, الذي دفع به إلي تأليهها و تنزيلها منزلة المقدس, لكن رغبة
الإنسان في التحرر هي التي مكنته من خلال "التقنية" و "العلم " إلي السمو فوق هذه
الظواهر و إخضاعها لإرادته.
- من خلال ما تقدم نتبين أن الرموز سلطة للإنسان لا سلطة عليه و هو ما تعكسه اللغة
, كقدرة رمزية , تجعل الإنسان الكائن الوحيد المتكلم في هذا العالم, حيث حول بها
الإنسان الوجود , من وجود محسوس إلي وجود ذهني متمثل, من وجود مباشر وجود شيئي إلي
وجود رمزي , يقول كاسيرير " ما دام الإنسان قد خرج من
العالم المادي الصرف فانه يعيش في عالم رمزي , و ما اللغة
و ما الأسطورة و الفن و الدين إلا أجزاء
من هذا العالم".
فمن خلال هذه الصياغات الرمزية تمكن الإنسان
من تحرير ذاته و تحرير العالم
من الغموض الذي كان يكتنفه , ليكون الإنسان هو السيد و الصانع بامتياز.
- بفضل الصياغات الرمزية تحول الإنسان من الوجود الطبيعي و من الوجود الغرائزي
الحيواني إلي الوجود الثقافي , لتكون الرموز انتاجات ثقافية تفصل الإنساني على
الحيواني , و هو ما تعكسه الصورة كقدرة على الإعلام و الإخبار و التحليل و الإبانة
, فالصورة تتمتع بقدرة على التوثيق و استحضار الماضي على نحو دقيق , ناهيك عن
قدرتها في كشف طاقات الإنسان الإبداعية في المجال الفني , و قيمتها في تحقيق تواصل
إنساني يختزل كما كبيرا من الكلمات.
كما يمكن أن نتبن الدور الذي تضطلع به الصورة اليوم رغم التعتيم و التشويه
المتواصل الذي تتعرض إليه هذه الأخيرة كنظام رمزي, حيث نجع الإنسان في تطويعها و
إخضاعها ليكشف من خلالها عديد الحقائق , كتلك التي تتعلق بالفقر و الجريمة و
الاعتداءات المتكررة على إنسانية الإنسان ( الصور التي تتعلق بأحداث التعذيب في سجن
أبو غريب ...). يقول دوبراي" الصورة هي التي
تصنع أسطورة العصر الحديث".
( التخلص )<>
تبينا من خلال هذا العرض السابق لعلاقة الإنسان بالرموز , قدرة الإنسان على إبداع
الرموز و إخضاعها لإرادته
و توظيفها وفقا لمتطلباته و انتظاراته ,
لكن ماذا يحدث حينما تتحول هذه الأدوات إلي سلطة على الإنسان , تمارس عليه شتى فنون
الإخضاع و الإكراه ؟ و إلي أي حد يمكن أن نتهم الرموز ؟ ألا يكون الإنسان هو
المسؤول عن توجيه وجهة الرموز التي لطالما تعلقت بغايات إنسانية ؟
اللحظة الأولى:
لحظة الإثبات و هي لحظة سالبة تدق نواقيس الخطر و تعلن
انزياح الرموز عن مسارها الإنساني
و تكشف عن
خضوع الإنسان لها.("
الإنسان يخضع للرمز و لا يخضعه ").
- رغم السيادة التي يمارسها الإنسان على الرموز , لكن لا يمكن أن نخفي أو نتجاهل
السيادة و السلطة التي تمارسها هذه الرموز على الإنسان . فما دام هذا الأخير لا
يفكر و لا يفسر و لا يتواصل و لا يتكلم و لا يبدع , إلا من خلال هذه الرموز فهو في
تبعية مطلقة لها و خضوعه للرموز هو قدر محتوم حتمته عليه طبيعته الإنسانية , كطبيعة
ثقافية. و هذا المشكل يبدو جليا في قول هيغل "
إننا نفكر من خلال الكلمات". و على هذا الأساس
لا يمكن أن نتصور الوجود الإنساني و هو وجود خال من هذه الرموز .
قد يكون هذا المستوى من الخضوع و السيادة التي تمارسها الرموز على الإنسان أمرا
مقبولا و مبررا , تبرره الحاجة إلي تحقيق هذا الأخير لمنزلته الإنسانية , لكن يمكن
أن نكشف عن مستوى ثان للسيادة و السلطة في غاية التخفي و الوحشية , يمثل تهديدا
مباشرا لما هو إنساني في الإنسان.
حيث تحولت هذه الوسائط التي أبدعها الإنسان إلي مصدر قلق باعتبارها قد عمقت من عزلة
الذات و أصبحت الذات مغتربة في هذا العالم. فالصورة
اليوم أضحت تضطلع بمهمة إيديولوجية , فهي
ترينا عالما يراد لنا أن نراه و تحجب ما لا يراد أن نراه. فهي تقنية التضليل و
التشويه , تقنية المسخ و النسخ , حيث يمكن من خلالها إنتاج و تطويع الذوات. فالصورة
في المجتمعات الاستهلاكية , ليست شيئا نراه و نكتشفه بل هي من يرانا من خلال ما
تمرره لنا من أنماط وجود و صيغ حياة , بفعل ما يحكمها من استراتجيات, استراتجيات
الهيمنة و الإخضاع , الاستغلال و التفقير, التشويه و التضليل. فالصورة قد نجحت في
تدجين الحاسة البصرية من خلال الومضات الاشهارية, و هذا التدجين يتنزل في سياق "
تعليب" الفكر أي إضفاء نوع من التماثل و القضاء على الفكر الحر و المبدع , فالصورة
التي اتخذت لها وجوها ثلاث( ايروسية و طقوسية و ترهيبية ) , نجحت في اختراق
اللاوعي الإنساني , و حولته إلي صورة من الصور المتحركة التي تبث على قنوات "
الكبار"؟
فالصورة كواسطة إيديولوجية تمارس
عنفا رمزيا , حيث حولت القتل إلي ملهاة مضحكة و الحياة إلي قيمة تافهة. يقول
دوبراي" الوسيط يحول فعل الفكر إلي عامل سياسي و
السلطة السياسية إلي عامل فكري ".
من التناقضات أيضا أن هوة الانقطاع تحتد يوما بعد يوم فاتيقا الحوار انعدمت و تحولت
عبقرية اللغة إلى صخب ألفاظ لا ينصت فيه الواحد إلى الآخر فالكل يتكلم و لا احد
يقول شيئا. أليس عجيبا أن تستنفذ اللغة مستطاعها و امتلاءها بفراغ ينتهي فيه الجميع
إما إلى الصمت و إما إلى الصراع؟ لقد حدثنا الواقع الإنساني اليوم عن أعمق تمظهرات
الانقطاع تتحول فيه جدلية العلاقة بين الدال و المدلول إلى جدلية جديدة داخل الحياة
يذبح فيها الدال مدلوله.
تمارس الرموز عنفا , يتجاوز حدود الإخضاع , ويمكن وصفه بالعنف الأكثر تطورا و
الأكثر جمالا , الأكثر ليونة و الأكثر تتصلبا, فالإخضاع أصبح ميزة الانطمة الرمزية
, فهي تمارس فن صنع واقع آخر , غير الواقع الفعلي الذي يحياه البشر . فالرموز هي
الحجب
و الأقنعة التي يتخفى وراءها القمع و
العنف في شتى تجلياته النفسية و الروحية و الفكرية و الجسدية.
القسم النقدي:*
المزايا:
رغم كثرة الدعاوي التي تشهر بالأنظمة الرمزية و ترمي على عاتقها مسؤولية
انحطاط الإنسان و تجرمها , و تتهمها
بإخضاع الإنسان و تطويعه في شتى أبعاده ,
إلا أن هذه الاتهامات لا تتجاوز عتبة الادعاء و التجني , خاصة و أن الإنسان هو من
أوجدها ,. ليكون واضعها هو من يمارس فنون الإخضاع بواسطتها. فرجل الدين و المثقف و
الفنان و العالم و التقني ليسوا إلا مجرد أدوات لمزيد إخفاء القمع و رفع درجة
إيلامه , ليتحول بذلك العنف من عنف مادي مباشر , إلي عنف محجوب يوجه إلي الفكر و
الذوق و القيم باسم الرموز التي هي في حل وبريئة كل البراءة من فنون الإخضاع التي
يمارسها الإنسان على أخيه الإنسان. "
إن السلطة السياسية تؤثر من خلال الوسيط و السلطة
الروحية أيضا"
الحدود:
لم يتفطن القول إلي المنابع الحقيقة للخضوع , حيث بدا موقفا متسترا متعللا بالسلطة
التي تمارسها الرموز, و هي ليست في حقيقة الأمر إلا سلطة الإنسان على الإنسان.
إن السلطة التي تمارسها الرموز ليست سلطة إخضاع , بل هي سلطة ترتقي به إلي الدرجة
الإنسانية, حيث نتبين حاجة الإنسان القصوى من هذه الرموز.
صياغة الخاتمة:
*
إن العقل ( الإنسان ) الذي كشف عن الجليل و أكد على مدى شقاء الإنسان بدون اله , و
اخضع العالم و روض ظواهره و بسط سيادة الإنسان عليه , و حوله إلي لوحة تزدان إعجازا
و جمالا, و شيد فوقه مملكة الإنسان , هو نفسه العقل ( الإنسان ) الذي حول من
الإنسان كائنا مغتربا مهمشا, مستعبدا هشا و جاهلا , معتمدا نفس الوسائل ( الرموز )
التي كانت بالأمس القريب وسائل تحرره و سيادته.
صياغة الإشكالية:
*
هل الأنظمة الرمزية سلطة للإنسان أم أنها سلطة على الإنسان ؟ و إلي أي حد أخضعت
الرموز الإنسان ؟
صياغة التمهيد:
*
- يمكن الانطلاق من خلال التأكيد على
العلاقة التاريخية بين الإنسان و الرموز , التي تؤكد على القدرة الرمزية للإنسان و
هو ما دفع إلي اعتبار الإنسان حيوان رامز.
- يمكن الانطلاق من المفارقة التي
تؤكد من جهة على قيمة و ضرورة وجود هذه الرموز في الحياة الإنسانية و من جهة أخرى
تنذر بمخاطرها على التواصل حيث تحولت إلي أدوات لإخضاع الإنسان.
.لست أنت إلا أنت ,لست أنت إلا ما صنعت....
|