shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                              نقف كــــــــــلام

فلسفة المرزوقي: استئناف مشروع الشهود الحضاري

 

الأستاذ: محمد شيدوقة                                

 26 /11/2008                                

مقدمة:

هذه خاطرة جديدة حول ما يمكن أن توحي به كتابات المرزوقي وأعتبرها خاطرة على طولها وكثرة التفاصيل فيها فالإلهام بحسب الملهم. أستأنف في هذه المحاولة الجديدة الحديث عن مشروع هذا الفيلسوف والذي وسمته "باستئناف مشروع الشهود الحضاري" والاستئناف مستمد من واقع قد يغيب أحيانا عن ذاكرة نخبتنا العربية وهو أن لهذه الأمة تجربة في الريادة الحضارية فهي بطلب النهضة اليوم لا تطلب موضعا جديدا عنها أو دورا غريبا بل هي تستعيده وهذا ما يلحّ عليه أبو يعرب في حديثه عن النهضة المطلوبة. وأقدم لهذا العمل بذكر الخطوط العامة المتضمن لها فسأهتم فيه بوصف وتحليل طريقة فيلسوفنا في التعامل مع التراث من ناحية ومع مدونتي الإسلامي (قرآن وسنة) من ناحية أخرى، أما الوصف فيتعلق بطريق العودة الذي سلكه المرزوقي في قصده والقصد هنا هو الهوية أو الماهية التي أسندها للمدونة الإسلامية من ناحية وللمقاربة التراثية من ناحية أخرى ولسنا في حاجة للتذكير بأننا نميز فعلا بين التراث من ناحية وبين المدونة الإسلامية من ناحية أخرى (فنسوس الشك باليقين ولا نسوس اليقين بالشك كما يفعل البعض)، ويتعلق الوصف بأبعاد الإحالة في مقاربة أبي يعرب للتراث وأسلوبه في اعتبار بعضه حائلا دون الوصول إلى ماهية القرآن فيستدعيه استبعادا وبعضه الآخر يعكس ولو جزئيا هوية وماهية المدونة الإسلامية فيستدعيه استبقاء واحتفاظا.

نعالج هذه المسائل متخذين من مبدإ "التفاعل بين التوقعات المحكومة بالمصالح وبين العلل المحكومة بالعقلانية النقدية" هاديا لاسترقام – بلغة أبي يعرب – أحد المسالك الهامة في مشروع قراءة التراث وفتح أحد مغاليق متن هذا الفيلسوف وهذا ما حملنا على اختيار الفعل أعلاه عنوانا للمقال ( مع التذكير لمن قلت مخالطته لفكر هذا الرجل أن ما نريد رسمه من معالم المقاربة مبثوث في كتاباته ولا يحتويه كتاب واحد وهذا ما سيعقد المهمة قليلا)، ونذكّر أن آراء هذا الفيلسوف تتقاطع مع الكثير من التيارات والفلسفات قديمها وحديثها وإن كانت تأتيه خادمة ولا يأتيها هو خادما وحتى لا أحمّل هذا العمل ما لا يحتمل ونفسي ما لا طاقة لها به أبادر فأقول إن القصد من وراء هذا العمل لا يتوجه إلى تلخيص رؤية أبي يعرب المرزوقي للتراث من حيث المضمون – فهذا عمل مازال في مرحلة الآمال نستدعي وسعه – بل هو موجه إلى سياسة أبي يعرب للتراث من حيث الهيكل العام الذي من خلاله تُقرأ ويمكن صياغة مطلبنا كالتالي:

1-    ما الغاية من دراسة المرزوقي للتراث (دون بحث في النوايا فنحن ندرس المُعلَن)؟

2-    ما الجدة في تعامله مع المدونة الإسلامية (قرآن وسنة) من ناحية ومع التراث من ناحية أخرى؟

3-    كيف حيّن المرزوقي التراث وكيف نقرؤه؟

وأنا على علم مسبق بأن القصد دونه عوازب الأحلام ولكنه يسني الطريق فنحن في ولائج غلف الأكمام وهذا مقصد نقف كلام.

 

I- القرآن أفق لفهم الزمان

سأفترض القارئ لهذه السطور مطلعا على المقاربات الحديثة للتراث لأني لن أعمد إلى المنهج المقارن في بيان جدة وطرافة وعمق ما يطرحه هذا الفيلسوف القدير مقارنة بغيره ولافتراضي هذا قيمته في الوقوف على ما سبق ذكره من أوصاف. إن أهمية تخلص هذا الرجل من الدغمائية والسذاجة الأيديولوجية منحته حرية في النظر إلى المنتوج الفكري للأمة ومن شأن مثل هذه الوضعية أن تُكسب صاحبها احتراما شديدا للمنهج وصرامة في البرهنة والاستدلال سابقتين ومتعاليتين عن الهدف الأيديولوجي الضيق وهذا ما لا تخطئه بصيرة المثقف من القراء، وأولى مزايا هذا الوضع حديث المرزوقي عن التراث باعتباره ردة فعل على فعل سابق آت من القرآن ومن فلسفة يونان ومن التوراة والإنجيل المحرفتين ومن أعمق ما في مثل هذا المنهج تحويله القرآن من مجرد نقطة زمنية مصدرية في الفكر العربي الإسلامي إلى نقطة حدية . ففترة نزول الوحي وتقرير السنة ليست مجرد بداية لهذا الفكر بل هي فترة تأسيسية له فقد كثر اللغط حول بلاغة القرآن التي جعلت منه كتابا حمال أوجه هذا اللغط جعلنا أمام قرآن لا وجه له - تقريبا - ويحتمل كل الوجوه إضافة إلى التأويل فقد اتجه بنا كل وجهة حتى أصبح القرآن – أو كاد – حاضرا بالشكل غائبا بالمضمون والمعنى وأوكلت مهمة فهم الدين للتأويل وليس للتنزيل رغم تصريح رب العالمين بأن كلامه مبين. ولسنا هنا في معرض رفض أو قبول التأويل فهذا حديث يطول ولكن نرفض تنزيل التأويل منزلة التنزيل وسأكتفي هنا بفكرة توثين الواقع التي ساقها أبو يعرب كعلة لهذا الفساد الفكري عند الأصلانيين كما عند العلمانيين، ومن مظاهر هذا الفساد حديث العلمانيين عن التراث مفصولا عن صورته الأولى وعكسه ما نجد عليه الأصلانيين والصورة يمكن أن نشاهدها كالتالي فالعارف منهم  بالتراث الفلسفي والعلمي نجده جاهلا أو شبه جاهل بالقرآن وعلومه والعارف بالقرآن وعلومه نجده جاهلا أو شبه جاهل بالفلسفة قديمها وحديثها وللأسف مازال مثل هذا الفصام يزداد استشراء فقد ورثته أجيال الأمة وهو فصام خطير. وحتى لا يأخذنا الشجن نعود فنقول: لقد استطاع المرزوقي بذكاء تجنب سلطة هذا الوثن – الواقع – كأيديولوجيا وجعل من القرآن نقطة حديّة له ماهيته المتعيّنة مما يوجب اعتماده معيارا وبحسب الاقتراب منه أو الابتعاد نحكم على مدى إسلامية الفكر أو يونانيته أو توراتيته... ومن نتائج هذا التصور العميق للقرآن وَضْعُ المرزوقي له موضع الأفق  لفهم الزمان على اعتبار التراث في معنى ما زمان للفكر.

من أكثر الإشارات دلالة في مشروع المرزوقي إيمانه العميق بالوحدة بين الفكرين الديني والفلسفي وهذه الوحدة – المصلحة الضائعة – كما نعتبرها الكشاف عن مسالك الطريق فهي عند صاحبنا غاية مرحلية لابد من إدراكها والعمل على استردادها (revendication) واستئناف بناء المشروع الحضاري في بعض خطوطه وفقها وقد استطاعت هذه الأطروحة – المتولدة عن الحرية – أن تضم هذا المنتوج الضخم لأبي يعرب إلى بعضه (والذي مازال نبعه يتدفق) لنعتبره نحن إحدى وسائل تحققها: هذا ما يمكن استنتاجه من قولنا القرآن أفق لفهم الزمان، فالأفق هو ما منه ننظر إلى الشيء – التراث – والفهم ضرب من الوجود وليس مجرد إدراك ودون إسقاط ساذج لمقولات الفينومينولوجيا أقول: إن ما يسعى إليه هذا الفيلسوف هو جعل المدونة الإسلامية تظهر بذاتها ثم بعد ذلك وضعها موضع الأفق ومن المسلمات الصعبة في رسالته "منزلة الكلي" وكتابه "شروط النهضة"... أن الوحدة بين الفكرين الديني والفلسفي هي الأصل في العلاقة بينهما وأن الفصام النكد طارئ عليها. إن وضوح الرؤيا عند صاحبنا ودقة وبلاغة التعبير وقوة الاستدلال حولت هذه المسلّمة إلى بديهية (وهذا ما نراه واضحا في الكتاب المعنون بهذا الشعار "وحدة الفكرين الديني والفلسفي") تعجب بعد ذلك كيف تاه الفكر الإسلامي والمعاصر منه خاصة فالفكر الديني ينتج عن النظر في الشريعة التي أنزلها الله والفكر الفلسفي ينتج عن النظر في الطبيعة التي خلقها الله والقرآن هو كلام الله المعبر عما خلق ومن تعبيرات المرزوقي عن هذه الحقيقة – بتصرف – "الشريعة هي علم الله الموجه لعمل الإنسان... والطبيعة هي عمل الله الموجه لعلم الإنسان..." فالله صاحبهما وأمر بإعمال العقل فيهما، ففي شأن الطبيعة خلقا قال تعالى: "ولقد خلقنا السموات والأرض" (ق38) وقال في شأنها تدبرا: "أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها" وقال تعالى في شأن القرآن تنزيلا قال تعالى: "نزّل عليك الكتاب" وقال في شأنه تدبرا: "أفلا يتدبرون القرآن" والنظر في الطبيعة هو موضوع التجربة العلمية الفلسفية والنظر في الشريعة هو موضوع التجربة العملية والطبيعي والشريعي التاريخي كلاهما مجال للاعتبار الروحي فهو يحصل بالطبيعة وبالتاريخ وهو سبيل العلم وغاية الإيمان فما حصل من انحراف – الفصام بين الفكرين – ليس من طبيعتهما وإنما هو نتيجة التفاعل الثقافي مع الآخر وتبقى الشريعة (الدين) كموضوعا للمعرفة متعالية عن العقل العارف لها ونفس هذا التعال ننسبه إلى الطبيعة إحياء للسؤال والمعلوم منهما كما يقرّ بذلك صاحب المشروع لا يخرج عن الاستثناء الإلهي في العلم والمعبر عنه بقوله تعالى: "إلا بما شاء" فالأمر أوضح مما نتصور.

إن الفكر الديني والفكر الفلسفي كلاهما اجتهاد لا مجال لجعله معبرا عن حقيقة الطبيعة أو الشريعة هذه حقيقة قرآنية انطلق منها المرزوقي لتحديد الموقع الإصلاحي للقرآن، فأن يكون كلام الله أفقا لفهم الزمان يعني أن هذا الفيلسوف القدير يجعل من المدونة الإسلامية وسيطا بيننا وبين التراث وعلى هذا الترتيب في العلاقة أقرأ مشروعه وأرى فيه الخيط الناظم لمقاربته العميقة للتراث وهذا معنى حدّية القرآن والحدّية ليست مجرد فهم بل هي اشتراع للوجود مادام المعنى هو المؤسس لعلاقتنا معه وعندما يكون القرآن هو الأفق في هذا الفهم فالمقام يصبح واضحا وقد عبر عنه القرآن بالاستخلاف كمقام أسنى والعبادة كوسيلة مثلى في الكدح نحوه "يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا" فالاستخلاف هو عنوان الشهود الحضاري لهذه الأمة والمشروع هو أن نتخذ من هذه الإمكانية المعروضة مقاما للوجود بعد تبصر (وهو عين ما ينبهنا إليه المرزوقي في كل ما يكتب) والتبصر هو فعل المعرفة هنا،  في هذا التقاطع نرى أبو يعرب المرزوقي يتمثل القرآن كأفق فيجعل من منهجه في علاقته بالكتب السابقة منهجا له في التعامل مع التراث والذي وسمه بالتجاوز بالعودة (وإن كنت أفضل تسميته بالاستدعاء النقدي) فمن أساسات فعل المعرفة في القرآن مبدأ فك الالتباس بين الحق والباطل في العلم بالخالق كما بالمخلوق واللبس بمعنى اختلاط الحق بالباطل ورد في مواضع كثيرة من القرآن المجيد وهو عنوان تحريف التوراة والإنجيل قال تعالى متحدثا عن أصحابها المزعومين: "ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون" والآية 18 من سورة الرعد تلخص وببلاغة متناهية عملية فك اللبس قال تعالى: "أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا" (هذا بالنسبة لأهل الريف) "ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله" (هذا بالنسبة لأهل المدن) "كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال" ومثل هذا اللبس وللأسف لم يسلم منه الفكر الإسلامي منذ فترة مبكرة من تاريخه ولأن القرآن لم يحرف فإن النجاة من هذا اللبس يسيرة المنال وفي كل آن إن نحن اتبعنا أحسن القول.

بمثل هذا الاستجماع (recollection) والاستذكار للقرآن وبمثل هذا الاستدعاء (invocation) للتراث نكون قد وصلنا إلى حدّي الإدراك (seuil de perception) والتمييز (seuil de différentiation) الموجهين لتعامل هذا الفيلسوف مع التراث والأول منهما هو ما به نتمكن من معاينة الرمز والثاني وبفعل التشابه بين الرموز هو ما به نتمكن من الحفاظ على حد أدنى من التغاير يسمح للقارئ بالتمييز بين النسخة والأصل. إن أبا يعرب المرزوقي باتخاذه مبدأ التجاوز بالعودة قانونا لفهم علاقة القرآن بما سبق من تحريف ديني وجاهلية عقلية يؤسس لمبدإ فك الالتباس في عملية المعرفة هذا فيما يخص المدونة فماذا عن التراث.

II- ضبط الوجود المعرفي للأمة:

بعد العزم والتوكل على الله نرسم الآن معالم الإجابة على السؤال الثالث وهو كيف حيّن المرزوقي التراث؟

ما نحن مقبلون عليه الآن هو إعادة ترتيب بعض أفكار هذا الفيلسوف وضمها إلى بعضها وفق تصور خاص يؤسس لعلاقة منطقية جديدة بينها بما يخدم المهمة المعلن عنها أعلاه والسؤال الذي نمحور حوله جهودنا نصيغه كالتالي: باسم ماذا يمكن أن يمنح الماضي الحق في التواجد اليومي؟

من أجل تحديد زاوية نظر تمكننا من رؤية واضحة لمشروع هذا الرجل ننبه إلى خط عام نسير عليه في التحليل وخلاصته: إن أبا يعرب المرزوقي يهتم برصد حركة الوعي في التراث العربي الإسلامي وليس بمضمونه فقط فهو كما يحلل الأفكار المقومة للمذاهب الكلامية والفلسفية فإنه أيضا يعتني وبدقة شديدة بالطريقة التي بنيت بها تلك الأفكار ولهذا وسمنا مشروعه بالتأسيسي فهو ليس مجرد جمع كمي لما قبل بل  ضمه إلى بعضه وفق تصور خاص به ومن المقولات التي انتظمت وفقها حركة الوعي والتي اختارها المرزوقي بعيدا عن الشعارات الأيديولوجية الرائجة مقولة تعقيل النقل وتنقيل العقل وهو في الزمان يتحدث عن مساءلة الوحي باسم الوحي من أجل تعقيل مضمون العلوم النقلية كما يتحدث عن مساءلة العقل باسم الوحي من أجل تنقيل شكل العلوم العقلية. أشار المرزوقي لهذه الحركة من خلال قضية شيئية المعدوم والمسألة التي تحرك ضمنها الوعي العربي الإسلامي وهو يتفاعل مع فلسفة يونان هي منزلة الكلي: فهل للأشياء حقيقة وقيمة في ذاتها سابقة عن الإرادة والفعل الإلهيين ؟ وهذا الرأي يعكسه القول بشيئية المعدوم، أم حقيقة الأشياء وقيمتها لاحقة للمراد وللفعل الإلهيين؟ وهذا الرأي يعكسه القول بلاشيئية المعلوم. إن منزلة الكلي كانت فرصة لفيلسوفنا يتخذ منها مجالا يدرك من خلاله مدى توسع خاصية الرؤية القرآنية في الزمن – التراث – ولقد اتخذ من الإسمية شعارا يعلم به حركته أو طريق عودته إلى التراث وجعل التخلص من العبودية للشريعة وللطبيعة كطريق للسيادة عليهما مقصدا لحركة العقل وسبيلا للوصول إلى ماهية القرآن (هو سبيل من جملة سبل أخرى).

إن حركة العلم والمعرفة في القرآن قائمة على الفصل بين العلم الإلهي المطلق والعلم الإنساني النسبي فالطبيعة في ذاتها مثلا حقيقة لا يعلمها إلا الله والإنسان يسعى إلى مزيد الكشف مع الإقرار أن إدراكها في ذاتها غير متاح له كذلك الأمر نفسه بالنسبة للشريعة: اتخذ المرزوقي من هذه الحقيقة مجالا يعبر من خلاله عن المهام الحضارية الكبرى التي ضمنها مشروعه ومنها طلب الوحدة بين الفكرين الديني والفلسفي، وللعلم فنحن الآن بصدد تفكيك مبدإ التفاعل بين المصلحة وبين النقد الذي جعلناه شعارا للولوج إلى مشروع فيلسوفنا، أما المصلحة فهي طلب الوحدة بين الفكر الديني والفكر الفلسفي وأما النقد فهو التخلي باسم الإسمية عن الواقعية في النظر كما في العمل وبصفة عامة إن التصور الواقعي الموروث عن فلسفة يونان يعتبر الكائن النظري والعملي عين طبيعة الشيء وقيمته مثل هذه النظرة حولت المواضعات – العلم – إلى طبائع وماهيات للأشياء وهذا ما يضفي الشرعية على نظرية المطابقة بين إدراكنا ومدركاتنا أي بين العلم والموضوع والمسألة كما أشار إليها المرزوقي في العديد من كتبه ومنها "مفهوم السببية" تعود إلى اعتقاد اليونان أن إدراك الشيء في ذاته هو الشرط الوجودي للمعرفة (condition onthologique du savoir) ويميل صاحب المشروع في هذه المسالة إلى المذهب الإسمي إحياء للسؤال فالعلم ليس إلا صياغة اجتهادية للأشياء وهو على عكس الواقعية التي تحول هذه الصياغة إلى تشريع. فالصياغات العلمية في المذهب الواقعي تشريع للأشياء تغني بذاتها عند البحث في هذه الأشياء ونفس الأمر في المسألة العملية فالقيم عند الواقعيين ظاهرات عقلية كلية والمفترض كما يذهب إلى ذلك الإسميون أنها اجتهادات وضعية تاريخية وليست طبيعية فالقيم في الرؤية التي يقرها المرزوقي هي من وضع الفعالية الاجتماعية القادرة على فرض إرادتها بحيث تصبح هذه الإرادة نظاما – وازعا – عاما للسلوك السياسي وما شابه والفعالية هي القدرة على فرض القيم – التشريع للعامة – فالقيم إذا ظاهرات تاريخية وشرط فرضها العصبية (عصبية الدم أو عصبية الولاء) فالعلم بالعمل – التاريخ – ليس علما بأمر طبيعي بل بأمر وضعي فهو معرفة بعادات الظاهرات ولا علاقة له بجوهرها (والاقتران بين هذه الظاهرات يدخل في إطار التجويز بلغة الغزالي وليس في إطار الضرورة كما يذهب إلى ذلك ابن رشد). إن الظاهرة الطبيعية كما يقر بذلك فيلسوفنا وإن اختلفت انطولوجيا عن الظاهرة الشريعية التاريخية(*) فهما ابستمولوجيا لا يختلفان فهذا البون الانطولوجي قاد فلسفة يونان ومن تأثر بهم إلى التمييز بين العلم النظري والعلم العملي. إن التعينات الوجودية هي مجالات الفعل النظري والعملي للعقل ويجب أن تفهم كخطاب إلاهي موجه لنا (آية) وتعامل العقل مع هذا الخطاب يعكس درجة فهمنا له ولا يعكس مدى المطابقة معه ودلالة صحة الفعهم كما يقول المرزوقي التناسق المنطقي نظريا والنجاعة عمليا. إن رد الطبيعة أو الشريعة إلى العقل – العلم المحدود بها – قتل للإبداع وللمعرفة وهو بدوره يصبح حائلا دون مزيد الاجتهاد وباختصار شديد إن العلم بالطبيعة أو بالشريعة يجب حسب المرزوقي أن يحمل على محمل الذرائعية لا على محمل الطبيعانية والقول بذرائعية العلم يعني أن الكائن النظري أو الرياضي والكائن العملي أو التاريخي هما مجرد اختراع عقلي نتذرع به للتعامل مع الطبيعي والشريعي من الأشياء.

إن العقل في مشروع أبي يعرب ليس مجرد مثال عقيم لموضوعه الطبيعي أو الشريعي بل هو قوة انتاجية لا متناهية لهما وصياغات هذا الإنتاج تظهر مثلا في الرياضيات والمنطق وفي السياسة والتاريخ، والمساواة بين الإدراك والمدرك هي إحدى صور العجلة المعرفية واللبيب لا يقر لهذه النظرة بالكفاءة.

وفي شبه خاتمة لهذه المسألة نقول: إن العلم ليس إلا محاولة للاقتراب من الموجود وهو ذريعة للتعامل معه والتأكيد على هذه الذرائعية في العلم سبيل أمثل للتوحيد بين الفكرين الديني والفلسفي فهما يقسمان نخبة الأمة نصفين يكادان لا يلتقيان وعدم التلاقي هو الذي عبرنا عنه بالفصام المفسد لجهود الأنام في تحقيق العمران المطلوب في القرآن فكلاهما يقيم نهضته على نقض بناء الآخر فهو يهدم ما يريد الآخر بناءه ويتصور ذلك نهضة وهو عين الوهم، ولا يخفي فيلسوفنا نصحه لهما ولا يدخر من أجل التصحيح وسعه دون ادعاء ولا افتراء ومن النصح ما قدمه بعض المصلحين من السلف (ابن تيمية – ابن خلدون) في زمانهم وهو أن يتخلى كل من الفكر الديني والفكر الفلسفي عن دعوى تمثيلهما لموضوعهما وأنهما يتطابقان معه فإدراك حقيقة الشيء وهم وإدراك العجز عن الإدراك هو الحقيقة وكما قيل العجز عن الإدراك إدراك. من مثل هذا النصح يستمد فيلسوفنا نقده فيشترط للوحدة بين الفكر الديني والفكر الفلسفي أن يتخلى كل منهما أولا عن التحويل القيمي (transfert) الذي يتم داخلهما وهو أن ترتدي العلامة قيمة الشيء المدلول ففيلسوفنا مثلا يرفض أن تتحول الصياغات الكلامية إلى مسلمات عقائدية فتصبح هي موضوع الإيمان وبمثل هذا النصح والنقــد

(*) الأولى من إرادة الله وصنعه والثانية من إرادة الإنسان وصنعه

من السلف كما الخلف يرتسم طريق جديد لحركة الوعي فنترك الحديث عن كيف يمكن للمعرفة أن تتحقق من موافقتها مع الأشياء في ذاتها وتدركها؟ لتتوجه حركة الوعي نحو شروط إمكان المعرفة فنحن بهذا نجرب التفكير ضمن أفق جديد فمن أجل استئناف مشروع الشهود الحضاري لا بد من استعادة القدرة على التفكير بالعودة مثلا إلى القرآن كحد للعقيدي ولا نتخذ من الصياغات مرجعا بدلا منه لتكون حائلا دون معرفة مطلوبه.  إن مثل هذا الوعي بقدر ما يكشف لنا عن حقيقة القرآن البديهية فإنه يمنح صاحبه القدرة على التمييز بين ما هو من القرآن وبين ما ليس منه فتتعين مواطن اللبس وفكهما عن بعضهما يصبح يسيرا ومن العسير بعد ذلك خداع مثل هذا الوعي – ولو طال أمد مثل هذا الخداع – سواء من طرف المتكلمين باسم العقل أو باسم الوحي ولنا في مثال استدعاء المرزوقي للمعتزلة والخوارج كفكر ظل يفعل في التاريخ الإسلامي خير شاهد على ما نقول: فبعد العلم بحقيقة القرآن وبعد وضعه أفقا للأفهام فإن التواصي الوارد في سورة العصر يصبح نافيا للعقل المزعوم التحلي به من طرف الاعتزال (فنعزله نحن بدورنا عنه) وللجهاد المزعوم التحلي به من قبل الخروج (فنخرجه نحن بدورنا منه) عملا بكلام رب الأنام الذي جعل في التواصي بالحق سداد النظر وفي التواصي بالصبر سداد العمل به والاعتزال كما الخروج تاريخيا جاءا صوتا نائيا عن التواصي فلا العقل حقق ولا الجهاد أقام بل الفتنة وهو ما نريد ويريد فيلسوفنا تجنبه اليوم.

III- فلسفة استدعاء التراث:(القصد والانتشار)

نأتي الآن إلى جوهر هذا العمل فسالف الكلام لن يكون له معنى إلا بما سيأتي منه الذي سنكون فيه أكثر صراحة في الجواب عن تحيين المرزوقي للتراث وسياسته له. من أجل ذلك سنرصد وبأكثر دقة كيفية انتشار أبو يعرب في التراث بحثا عن قصوده (وأستغل الفرصة هنا لأبدي إعجابي بهذا الفيلسوف القدير فمؤلفاته تضعك أمام فكر ملمّ بشمولية وعمق ودقة بالتراث وتوحي بأنه متابع دؤوب للفكر الغربي أصوله وفروعه متابعة تكاد صفة الاختصاص لا تفيه حقه) .

أعود فأقول وبالله أستعين: سأقترح في هذا العمل إطارا عاما يصلح منظارا نقرأ من خلاله المشروع الفكري الضخم لأبي يعرب المرزوقي وسأستفيد في رسم معالم هذا الإطار من جهد الكثير من المفكرين وعلى رأسهم صاحب المشروع ذاته ولا أرى حرجا في ذكر بعض الأسماء المعاصرة مثل مالك بن نبي والدكتور عبد المجيد النجار ومن الضفة الغربية هوسرل في قراءته لأزمة العلوم الأوروبية وبول ريكور في توليفته الطريفة بين الفلسفة والدين والأدب. إن مبدأ "التفاعل بين التوقعات المحكومة بالمصالح وبين العلل المحكومة بالعقلانية النقدية" يضعني أمام فيلسوف يريد أن يوقف الحرب الأهلية أو حرب الاستنزاف بين الأصلانيين والعلمانيين من مفكري هذه الأمة ويتخذ من مقولة الوحدة بين الفكرين الديني والفلسفي كأحد السبل إلى ذلك، وتبعا لهذه الإرادة فهو يطلب ويؤسس لاستعادة العقل قدرته على التفكير فيجعل مثلا من  الذرائعية ومن الإسمية شعارا لذلك. إن المبدأ السالف الذكر يضعني أيضا أما فيلسوف ينشد استئناف الأمة نهضتها والتحقق بالشهود الحضاري ومن أجل أن يكون هذا الاستئناف حقيقيا قدم النظر في عملية الإصلاح على العمل.  هنا حسب رأي يتنزل كل مشروع أبي يعرب والجدير بأن نغوص فيه والإفادة من ثمره إنه مشروع في فقه التحضر الإسلامي.

والتحضر صفة لحالة من الإجتماع الإنساني تظهر في الاستقرار المفضي إلى الإنجازات المادية منها (اقتصاد) والمعنوية (أدب وفنون) فالتحضر سلوك جماعي واع، والحضارة بمعنى ما هي تفاعل بين الإنسان والكون والحياة وأساسه الفكرة، فالفكرة هي الوعي على مستوى الفرد وهي في الفعل الحضاري الموحد للجهود المشتتة وكما قال ابن نبي إن حضارة ما هي نتاج فكرة (كتاب: "مشكلة الأفكار...") والفكرة هي الرؤية للوجود ولموقع الإنسان فيه وهي المحور مادام التحضر جهد جماعي واع، وقد تنشأ عن بيان ديني أو فلسفي أو اسطوري وهي كما تكون عامل إنشاء للحضارة – إلى جانب العامل الطبيعي والبيئي عموما – فهي تبقى الأصل الذي نرجع إليه في تقويمنا لهذا البناء الحضاري خلال امتداده الزمني خاصة إذا كان منشئ الفكرة دين سماوي. بمثل هذه الحساسية نقرأ مشروع المرزوقي فالقرآن وهو المنشء للتحضر الإسلامي يفترض فيه – بعد النشأة الأولى – أن يكون مكيفا للاحق الجهد والبناء بحسبه ولكن واقع الحال يقول غير ما افترضنا وهذا هو جوهر الإعاقة التي يعمل مشروع فيلسوفنا على كشفه. إن للتحضر أسبابا عامة تتوزعها الأمم بدرجات متفاوتة ولكل تحضر أيضا أسبابه الخاصة ومن الشعارات الملخصة لخصوصية التحضر الإسلامي شعار الاستخلاف، وبيانه كالتالي:

لقد نشأت بالقرآن فكرة جديدة عن الوجود وعن موقع الإنسان فيه وبأثر منها تبلورت رؤية جديدة للطبيعة وما وراءها وللتاريخ وما وراءه بهذه النشأة تشكل عماد التحضر وتأسست أسبابه في المجال الإسلامي ومنه كان الشهود الحضاري لهذه الأمة (ولو لفترة) هذه الفكرة حددها القرآن بجملة من المفاهيم على رأسها التوحيد المقيم للاستخلاف وأن عجائب الطبيعة كما عجائب القرآن لا تنقضي فهي آية من آيات الله لا نهائية في دلالتها وهي خامس خمسة التي خاطب بها الله الكائنات العاقلة وهي المسماة عند فيلسوفنا (وقد أخذ هذا من القرآن) آية الآفاق إلى جانب آية النفس... هذه الفكرة والتي رسمنا إحدى معالمها المرتبة لعلاقة الإنسان بالله خاصة وبالكون عموما أصابها في تصور المسلمين لبس بفعل علاقتهم مع فلسفة يونان والتوراة والإنجيل المحرفين فلم يعد القرآن وحده المنشيء للتفكير أو للعقل والمقوم له فقد تراجع دوره فتراجع دورنا وبذكاء الخبير ومنطق الواثق يربط المرزوقي بين اللبس في النظر كسبب وبين التراجع في العمل كنتيجة. إن الاستخلاف تصور للوجود ككل وهو رابط للإنسان به قائم على اعتبار الطبيعة والتاريخ آيتان للعلم وللاعتبار ويتأسف أبو يعرب عن غياب مثل هذا المعنى الذي أعطاه القرآن للطبيعة وللتاريخ من مناهج التعليم المؤسسة لعلاقتنا بهما فهذه المناهج وصف وتحليل للظواهر الطبيعية... خال من كل توجيه عقائدي يسمح للطالب اعتبار الطبيعة آية إلهية فالعناية منصبة على المادة: مكوناتها وتحولاتها...، لقد ضعفت الصلة بالقرآن إذا كمصدر للتأسيس الفكري وللتقويم واستدعاء المرزوقي له استدعاء لشرط التحضر الخاص بالمسلمين أما استدعاؤه للتراث فهو بيان للبس الذي أصاب تصوراتهم وتمهيدا لفكه هذا هو العائق الأهم المطلوب من فعل استدعاء التراث تجاوزه، إنه اللبس المغير للفكرة الأصل والمشوه لها.

تحتفظ المدونة الإسلامية (القرآن والسنة) عند أبي يعرب بقوة تفسيرية تفوق كل القوى الأخرى وتنزيل صاحبنا لها منزلة الأفق يدعم هذا الزعم، وفي علاقة التراث بالقرآن وعلاقة القرآن بالتراث يستقرئ  المرزوقي تاريخ الفكر العربي الإسلامي واضعا الأفكار والتيارات والشخصيات ضمن سلسلة زمنية سببية تغني عن التحليل الأيديولوجي وتعوض عن فجواته دون هروب من شرط العلم بالواقع وهذا ما رسمه فيلسوفنا مثلا في بداية رسالته "منزلة الكلي" وبالأساس في عنصر "ظرفيات النظر" فنظرة المرزوقي للتراث هي تأمل استدعائي (invocation) يقدم الفكر ضمن سلسلة سببية جديدة في منطقها وهذا ما يعطي حلقاتها مواقع زمنية مختلفة عما عليه في السائد (فهناك من يفسر  مضمون البنية الفوقية بالبنية التحتية... ونجد من يفسر مضمون البنية التحتية بالبنية الفوقية وبحسب كل تصور تختلف مواقع الأحداث سببيا) والمهم في هذا أن ما في الكلام وما في الفلسفة أو ما في التصوف وما في الفقه لا يستمد معقوليته من لحظته الخاصة كما يزعم أصحاب البنيوية التكوينية بل من لحظة الأفق (المدونة الإسلامية) المحددة للقصد ومثال على ما نقول ما نجده في موقف هوسرل من العلوم الأوروبية ففي فترة ما ارتفع شأن العلوم الإنسانية كثيرا بفعل التطور الذي حصل في بحوثها ومن مظاهر تطورها أن أصبحت مرجعا للحكم على شتى الأفكار الفلسفية والعلمية وغيرها فتفسر هذه الفلسفات والعلوم باعتبارها نتاج عوامل خارجة عن طبيعتها فهي تعود إما إلى عوامل نفسية أو اجتماعية... وأصبحت هذه العوامل هي المقررة لحقائق الفكر مادام ينتج بتأثير منها فحقائقه التي يراد لها الثبات ولو نسبيا ليست إلا تعبيرا عن علل خارجية. أصبح العقل إذا مشروطا بظروف خارجة عنه تملي عليه تقريراته بهذه الإشارة نجد أنفسنا وجها لوجه مع تفسير هوسرل لأزمة العلوم الأوروبية الحديثة والتي أراد من خلال الفينومينولوجيا أن تستعيد المعرفة استقلالها فعاد بها إلى أصلها المنطقي بدلا من الفرع البسيكولوجي أو... .

لا أريد من هذه الإشارة مناقشة المرزوقي على ضوء اطروحات هوسرل فالأمر عندي لا يستقيم خاصة وأن أبا يعرب قد رفض صراحة معارضة هوسرل لعلم نفس المعرفة واعتبره والفينومينولوجيا مرحلتين من مراحل الوعي والمعرفة لا يرى تعارضا بينهما فهما كما قال المرزوقي طورين في المعرفة غفل وعالمة (كما جاء في حوارية النظر والعمل) والمهم هنا أن هذا الفيلسوف قد ابتعد بأطروحته عن المضمون المتعالي في ذاته واتخذ من تدافع الأنساق أداة لرصد حركة الوعي في التراث واعتبر الفلسفة والعلم والتصوف والكلام ... أنماطا لظهور القرآن فهي تعبير زمني عنه أو لنقل تعبير إنساني عن المتعالي، والمعرفة بهذه الأنماط هي معرفة بالأطوار التي مرت بها حقائق المدونة الإسلامية. وما اجتهد فيلسوفنا في بيانه وأتعبنا في فهمه هو أن من هذه الأنماط ما تكثفت فيه الخصوصية القرآنية ومنها ما تلاشت فيه هذه الخصوصية  وكانت استمرارا جزئيا أو كليا للآخر. ينتشر أبو يعرب - وعلى درجة عالية من الفقه والوعي - في التراث ليرصد لحظات الاستمرار للخصوصية القرآنية وهي قليلة فيستدعيها استبقاء كما انتشر في التراث ليرصد لحظات التعبير عن الآخر والمعبر عن تلاشي الخصوصية القرآنية فيستدعيها استبعادا وبكل بساطة نقول إن الوحدة بين الفكرين الديني والفلسفي هي الأصل في العلاقة بينهما وهو ما تعكسه خصوصية عملية المعرفة في القرآن ولا يخفي فيلسوفنا قناعته بأن هذه الخصوصية قد توارت في الزمن وتلاشت جزئيا في بعض التراث وكليا في بعضه الآخر وهو في أطروحته يستدعي هذا المتلاشي (من الخصوصية) وهذا ما يجعل مهمة قراءة مشروع هذا الفيلسوف القدير عسيرة للغاية فقد أتى بقول أغفلناه فهو يستقرب ما طال استبعاده ليبقيه ويستبعد ما طال استرابه ليزيله ويتخذ من ابن تيمية وابن خلدون محطتين للترحيل والاستدعاء كما مارسه المرزوقي نقصد به أن شيئا ما من القرآن ظل مستمرا فيعمل على التواصل معه وبعكسه الاستبعاد. إن استبقاء تراث دون غيره هو إرادة توسيع ماهية القرآن لتمتد في الزمان  فالماضي نستحضره باسم القصد المرسوم في الحاضر وهو استئناف مشروع الشهود الحضاري ومنطلقه إيقاف الحرب الأهلية بين الأصلانيين والعلمانيين إذ كلاهما يؤسس نهضته على تهديم ما يبنيه الآخر والمبدأ في ذلك البيان الجلي لوحدة الفكرين الديني والفلسفي وفي هذه النقطة بالذات يشهد مشروع أبو يعرب تطورا عظيما خلاصته أن الاهتمام عنده يتحول من إرادة إظهار القرآن أو المدونة الإسلامية بذاتها إلى إرادة جعلها شرطا لظهور فكر ما دون غيره فيحل تراث مكان تراث وهذا من أعمق ما في أطروحة فيلسوفنا.

هكذا حيّن أبو يعرب التراث باستدعاء ما وافق منه خصوصية المدونة الإسلامية من أجل النهضة واستبعاد ما خالف هذه الخصوصية تجنبا للإندراج الحضاري الذي لا يليق بأمة المسلمين طبعا هذا الاستبقاء وهذا الاستبعاد مسبوقان بعملية بيان واسعة وعميقة ودقيقة للخصوصية القرآنية مضمونا وشكلا ليتم الترحيل منها وإليها على بينة بعيدا عن الأيديولوجيا والمصالح الضيقة وقد بينّا إحدى جزئيات هذه الخصوصية ضمن العنصر الثاني (ضبط الوجود المعرفي) وإنني أفضل الآن أن أنهي هذه الخاطرة لأترك الحديث عن المضمون الاستدعائي والاستبعادي إلى لاحق الخواطر إن شاء الله تعالى.

 

 

 

 

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام