shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


                        

 

نموذج لفهم منطق التأويل كما استخرجه ابن خلدون من التفسير والكلام (1)

 

                                                                  ابو يعرب المرزوقي


تمهيد:
لن نقتصر على تحليل ابن خلدون التكوينية التاريخية للتفسير بل سنعمق العلاج لنحدد طبيعة أدوات تحليل الشكل التي استعملت لفهم النص القرآني ببعديها السطحي والعميق وأداوات تحليل المضمون التي استعملت لتأويل معانيه في ضوء النظريات الفلسفية والتجارب الصوفية التي عرفها المسلمون حتى وإن لم يصوغوها بالنسقية التي نبرزها في هذه المحاولة. ويهدف هذا البحث في الغاية إلى بيان التماثل الوظيفي بين المناهج المستعملة في علاج مآثر ثقافة الكتاب كما تلخصت في الثقافة الإسلامية التي يقر نصها بأنها ثمرة التجارب الأربع التي عرفتها حضارة ملتقى القارات الثلاث الغالبة في التاريخ الحالي ووريث التجربتين الرئيسيتين المتقدمتين عليها واللتين حددتا معالم التاريخ القديم بأبعاده الأربعة كذلك(1): آسيا وافريقا وأوروبا أو الهلال المحيط بالحوض الشرقي من الابيض المتوسط والذي يمكن اعتبار ملتقى القارات الذي يكاد يطابق الوطن العربي في حدوده الحالية مع تركيا مركز ثقله الجغرافي إلى أن صار مركز ثقله التاريخي بمجيء الاسلام(2).
ولا يزال الأمر على ما هو عليه بل هو سيزداد إذا علمنا كيف نستفيد من الموقع الجغرافي والتاريخي. فلسنا أمة الوسط بالمعني القيمي فسحب بل إننا أمة الوسط الجغرافي والوسط التاريخي. جغرافيا نحن الآن وكما كنا وكما سنظل إلى الأبد- ومعنا أوروبا الغربية بوصفها الغرب الادنى المكمل للشرق الادنى الذي هو نحن والتي هي آيلة إلى الاسلام لا محالة في مستقبل منظور- الجسر بين الشرق الأقصى المنبعث (الصين والهند) والغرب الأقصى الآفل (الولايات المتحدة). وتاريخيا نحن الجسر بين الحضارات القديمة التي ماتت والحضارات الحديثة التي تتماوت لاننا سنكون ما بعد ما بعد الحداثة: أي المستقبل المفتوح إلى الأبد.
المسألة الأولى
الإطار العام لنظريات التفسير والتأويل
فالتفسير والتأويل اللذين عرفتهما هذه الحضارات وواصلتهما الحضارة الإسلامية هما فن قراءة النصوص وفهمها باستعمال الأداتين الشكليتين بعمقيهما (اللغة وعلومها والنظام المنطقي وعلمه ثم الأثر وعلم التاريخ ونظام القص وعلمه) والأداتين المضمونيتين بعمقيهما (أصول العقيدة والالهيات الفلسفية وأصول الشريعة والتصوفيات الفلسفية ): بل إن اكتشاف هذه الأدوات كان بفضل هاتين الغايتين المضاعفتين بنظائرها العكسية كتابة النصوص وقراءتها وتأليف النصوص وفهمها.
إن اكتشاف الكتابة والقراءة والتأليف والفهم كلها انجازات ثورية حصلت في هذه الرقعة وخاصة في الأرض العربية الحالية. وهذه الاكتشافات تحدد آليات التفسير والتأويل بل إن التفسير والتأويل الحقيقيين هما السبيل التي أوصلت إلى هذه الاكتشافات التي هي حقيقة التفسير والتأويل بمعناهما العميق وأدواتهما في نفس الوقت. وقد بينا ذلك كله في كتاب الابستمولوجيا البديل (لبيان العلل) وكتاب الشعر المطلق (لبيان الآليات) فمن أراد مزيدا من التوضيح فليعد إليهما. يكفي أن نشير إلى أن التأويل المنهجي السليم لا يكون في أفضل حالاته إلا عندما نتخيل وكأننا نقرأ النص في اللحظة التي لم تكتشف فيها التحديدات العادية للدوال والمدلولات فنتخلص من التأويل الذي يطلب ما نتصوره موازيات معلومة في مجال آخر لنفرضها على ما نتصوره موازيات مجهولة فيه.
ذلك أن مثل هذا الطلب يحول دون التأويل وحقيقته فلا يكون اكتشافا لحقيقة النص بل هو يصبح صبا لحقيقة فيه وكأنه وعاء خاو من حقيقة ذاتية له. أما من اخترع الكتابة والنحو أو ما بعد اللغة الذي هو جوهر كل علوم اللغة بالترتيب الذي وصفه الفارابي في كتاب الحروف مرحلة أولى قبل أي علم أو عمل آخر فإنه قد تخيل النظام المستنطق للمواد التي صيرها دوال بما بدا له فيها من نظام مدلولات غير مسبوقة في نظام يمكن ان يفرض على تلك المواد.
وطبعا فذلك كان لا بد أن يحصل بعملية تأويل معرفية وعلمية ليست دوالها ولا مدلولاتها محددة مسبقا: فكان تأويلا استكشافيا وكشفيا فاكتشافا للمجهول. التأويل الحقيقي هو التأويل الذي يعود بالمادة التي يؤولها وأدوات تأويلها إلى هذه الوضعية البكر قدر المستطاع إذ من دون ذلك لا يمكن لحصول ما يحصل أن يكون في صلة مباشرة مع وجدان واجده فيصيب البصيرة شيء من عمى حصر الرؤية في المعتاد. وذلك هو الرين الذي يعمي البصائر فلا تنفذ إلى الضمائر ولا تغوص إلى السرائر وعلامتها فقدان السؤال الحائر في الحضارات التي تموت فتدفن نفسها في متردمات الغوابر.
ذلك ما قصده الرسول عندما دعا لاحد الفتية قائلا: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل"(3) قاصدا تأويل الأحاديث كما في سورة يوسف سواء كان الأمر المؤول خبرا عن حدث أو حدثا فذلكما هما معنيا الحديث في العربية وهما ثمرة الفقه في الدين جزء المطلوب الأول في هذا الدعاء. والملكة المحققة لذلك هي الحكم الذي قرنه القرآن بالكتاب واشترطه في النبوة: تلك هي أهم صفات يوسف عليه السلام إلا في ما يتعلق بالغيب الذي لم يؤوله إلى أن تأول بذاته لما تم حصوله أمامه في آخر السورة.
المسألة الثانية
النموذج النظري لفهم تأويل النص الديني:
ويمكن تصنيف التأويل تصنيفا يشبه الصياغة النسقية الجامعة المانعة بين كل ما حدث في التطور التاريخي الإسلامي وما توصل إليه العقل البشري في لحظته الراهنة برده إلى صنفين حدين وصنفين مؤلفين من تفاعلهما في اتجاهي التفاعل من أحد الحدين إلى الحد الآخر ثم العكس وصنف أصل جامع بينها أربعتها لأنها جميعا تعد فروعا عنه:
الصنفان الحدان:
1- التأويل اللساني للنصوص أو شرح النصوص بصرف النظر عن الذات المعبرة به. ولنسمه التفسير بفقه اللغة Philologische Auslegung . وطبعا ففقه اللغة يتضمن المعلومات التاريخية بمعنيين: المعلومات التاريخية حول اللغة نفسها إذ هي نظام تاريخي الافادة والمعلومات التاريخية حول مجال تداولها لتحديد دلالاتها. وهذا النوع من الممارسة ملازم للإبداع الأدبي في المعنى المقصود عند العرب عند الكلام عن الشعر ديوان العرب بمعنى سجل تاريخهم وكل خصائص ثقافتهم. وهو الجزء الأهم من تذوق الأدب ونقده.
2- التأويل الوجودي لصاحب العبارة. ولنسمه بفينومينولوجيا وجود الذات المعبرة أو بمصطلح هيدجر:Phenomenolgie der Existenz des Daseins . ويتضمن هذا التأويل التاريخ الشخصي والتاريخ الجمعي بوصفهما مجال تمظهر الدازاين المعبرة عن كل ما وعته الذات من تجاربها في الحياة. وهذا النوع ملازم لرمز البطل في الأصل ثم يصبح ملازما للذوات التي يجعلها التمحض للإبداع الرمزي أكثر المدركين لتجاربهم الذاتية فيكون تابعا للصنف السابق من خلال علاقة النص المبدَع بصاحبه أو من خلال البطل بأعماله كما تظهر في ما يدور حولها من إبداع أدبي يتحول إلى أساطير.
صنفا التفاعل بين الصنفين الحدين:
3- أثر 1 في 2: ولنطلق عليه اسم التأويل الربوبي(4) حيث تقرأ العلاقة بين وجود الله ووجود الإنسان النظري والعملي في ضوء النصوصTheologische Hermeneutik . وهو محاولة للإرتفاع بالأمرين السابقين إلى علاقة مجردة بين ذاتين متراسلتين علاقة “ذات-ذات” فرديتين ينتشر وجودهما في ممارسات الجماعة وفي العالم.
4- أثر 2 في 1 ولنطلق عليه اسم التأويل الصوفي حيث يقرأ النص في ضوء العلاقة بين وجود الإنسان ووجود الله : Mystische Hermeneutik. وهو نفس المحاولة السابقة ولكن بسلبها أي بجعل علاقة الذاتين علاقة خصوصية وحميمية خارج الجماعة والعالم. لذلك فهي تتعلق بما لا ينقال Das Unsagbares من التجارب غير القابلة للتعبير عنها بالكلام Unaussprechliche Erlebnisse.
الصنف الأصلي وهو أصلي بمعنيين:
5- فكل واحد منها يرد إليه في الغاية وكل صنف تحضر فيه بقية الأصناف الأخرى حضور الخلفية فينتأ عليها نتوء الصورة على خلفيتها. لكن هذا الصنف الخامس متردد تعينه الفعلي في تاريخ الأساليب بحسب ميله إلى الحد الأول أو إلى الحد الثاني. فهو متردد بين أسلوبين يحددان طبيعة القطبين الرابطين بين هذه المستويات ما بعدا لكل واحد منها وأصلا جامعا أي ما بعدا لفقه اللغة وفينومينولوجيا الدازاين والتأويل الكلامي والتأويل الصوفي وهما أصلها جميعا من حيث تضمنهما بذرتها فتكون كلها فروعا لهما:
1- قطب الإبداع الأدبي المطلق وهو الوجه الأول مما سميناه بالشعر المطلق صعودا من 4 إلى 1
2- وقطب الإبداع الفلسفي المطلق وهو الوجه الثاني مما سميناه بالشعر المطلق نزولا من 1 إلى 4.
وأفضل جنس إبداعي تلتقي فيه كل هذه العناصر هو النص المقدس عند كل الجماعات البشرية ذات النصوص المقدسة التي هي غاية الشعر المطلق بوجهيه. ففيه يتعادل التجاذب بين القطبين. لذلك فهو أدبيا سيرة ذاتية ربوبية في وجهه الأول Autobiographie Gottes’ لأنه قص الرب ذاته وأفعاله في الوجود. وهو فلسفيا تحليلية دازاين الرب في وجهه الثاني: Analytik des Daseins Gottes’ لأنه طلب للصفات الأساسية للذات الالهية في تمظهرها الفعلي كما تتعين في الاسماء الحسنى. لذلك كان الأسلوب الغالب على القرآن الكريم متضمنا كل أساليب الترجمة الذاتية وتحليليات الدازاين من منظورين:
1- ففيه السيرة الذاتية الربوبية وتحليل دازاينه من خلال علاقته بدازاين الانسان والعالم: وبهما تفهم مقومات العقيدة في أصول العقيدة(القرآن المدني) التي تدنت إلى كلام وفي أصول النظر (القرآن المكي) الذي تدنى إلى ميتافيزيقا.
2- وفيه السيرة الذاتية الرسولية وتحليل دازاينه من خلال علاقته بدازاين الله والعالم: وبهما تفهم مقومات الشريعة في أصول الشريعة (الحديث العادي)التي تدنت إلى فقه وفي أصول العمل (الحديث القدسي)الذي تدنى إلى تصوف(5).
المسألة الثالثة
مدلول الهرمينوطيقا العلمي
ولا بد من توضيح علة اختيارنا بعض المصطلحات من الألمانية بالذات وخاصة المصطلح الذي يقابل التفسير بمعنى التأويل المحمود إذ الجميع يعلم أن منهجية الفهم والتأويل قد بلغت صياغتها الغاية في الفكر الألماني خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. فمزية Auslegung ومعناها بكامل الدقة "استخراج عناصر الشيء وعرضها في العراء" أنها تتضمن معنى التأويل المحمود أو التفسير ومن ثم فهي تستثني المعنى المذموم منه أو المعنى الذي يمكن تسميته Umdeutung أو تحريف المعنى بتفسير مخالف لما يقتضيه قصد صاحب النص كما يمكن أن يستخرها فن تفسير العبارة Hermeneutik بمقتضى قواعده العلمية.
لكن هذه المعاني ضاعت في العربية فلم يعد المرء يدرك الفرق بين التفسير والتأويل وبات مصطلح التأويل مرادفا للهرمينوطيقا عند أغلب الكتاب الذين يخلطون بين الأمرين. فالهرمينوطيقا في مدلولها الفلسفي منهج علمي يستهدف تجنب التأويل المذموم بإزالة العوائق التي تحول دون التفسير الذي هو التأويل المحمود لئلا يصبح التأويل تحكما لا يضبطه ضابط كما هي حال التأويل عند الباطنية التي كشف الغزالي تحكمها التأويلي في الفضائح.
فالهرمينوطيقا قد صارت بالتدريج جزءا لا يتجزأ من ممارستين نظريتين احداهما نابعة من الفكر الفلسفي والثانية نابعة من الفكر الادبي. إنها أصبحت أولا تابعة لأجزاء المنطق الثمانية في التقليد الارسطي الذي ظل مؤثرا في الفكر الديني وفي النقد الأدبي إلى الآن حتى وإن كان المنطق بمعناه الحديث قد انفصل عن هذا التقليد بسبب اقتصار مباحثه على الجزء الضئيل منها أي على ما ليس منها تطبيقا للمنطق على مجالات مخصوصة مثل الجدل والخطابة والشعر ودحض الأغاليط السوفسطائية إلخ... وطبيعة هذه التبعية بينة: فهي من جنس تبعية الخطابة للمنطق أي إنه يحلل صور الاستنباط فيها. ثم هي أصبحت ثانيا تابعة لأجزاء علوم اللغة الأربعة التي هي من العلوم الأدوات في تقليد العلوم الدينية: اللغة بمعنى فقه اللغة والنحو بمعنى النحو والصرف والبيان بمعنى علوم البلاغة الثلاثة والأدب بمعنى كل ما سبق بمضمون جامع لكل محاولات التعبير عن حياة شعب من الشعوب). ونوع التبعية هو من جنس تبعية الفقه لعلوم اللغة: أى إن علوم اللغة هي أدواتها الاساسية في تحليل النصوص.
وينتج عن التبعية الأولى المباشرة تبعية الهرمينوطيقا للمنطق تبعية ثالثة غير مباشرة. فكل العلوم العقلية تصبح ذات دور أداتي فيها لأن صورة الإستنباط في علوم الفلسفة التقليدية ليست صورة خاوية بل هي مبنية على نظرية الحقائق الأولية التي تحدد مضامين معينة تأويلا أوليا للجوهر الذي تعبر عنها صور الإستنباط. وينتج عن التبعية الثانية المباشرة تبعية الهرمينوطيقا لعلوم اللسانتبعية رابعة غير مباشرة. فكل العلوم النقلية تصبح ذات دور أداتي فيها لأن أدوات تحليل التعبير في علوم الدين التقليدية ليست أدوات مجردة بل هي مبنية على نظرية التاريخ الأولي المقدس الذي يحدد مضامين معينة تأويلا أوليا للمعاني التي تعبر عنه النصوص الدينية المقدسة.
فيكون فن الهرمينوطيقا فنا جامعا لكل أدوات الفهم والتفسير الشكلي والمضموني الأدوات التي كانت علوم الفلسفة وعلوم الدين تستعملها في فهم تراثها السابق وفي التواصل المتساوق بين العلماء وفي التأليف العلمي في مجالات اختصاصها. وبذلك يتبين أن للهرمينوطيقا ضربين من العلاقة بالعلوم العقلية وبالعلوم النقلية:
1- تبعية صورية أو شكلية وتتعلق بأدوات العلاج التي يمكن ردها إلى المنطق واللغة
2- وتبعية مادية أو مضمونية وتتعلق بغايات العلاج التي يمكن ردها إلى علوم النظر والحقيقة الوجودية وما بعدهما وعلوم العمل والحقيقة التاريخية وما بعدهما.
وطبعا فإن ذلك يقتضي أن يتحد الكل في مبدأ جامع للوجهين الشكليين والوجهين المضمونين في نص جامع هو عند جميع الأمم نصها المقدس بوصفه ما بعد آدابها التي هي التعبير عن علمها وعملها وما بعدهما بالتعبير عن مناظيرها الوجودية الأسمى. وتلك هي منزلة القرآن عند المسلمين سواء عند المؤمن به منهم أو غير المؤمن. ذلك أن العلمانيين أنفسهم في موقفهم الرافض لقدسية القرآن لم يخرجوا عن هذا لأن القرآن هو المحدد الرئيس لكل فكرهم وإن بمجرد كونه علة موقفهم السلبي منه حتى إن المرء يمكنه أن يزعم أن فكرهم أكثر انتسابا إلى الفكر الديني من فكر المتديينين السويين إذا قسنا الإنتساب بدرجة الحضور في الخطاب: وطبعا فهذا لا يصدق إلا على الصادق منهم في طلب الحقيقة حتى بنفيها لان الكافر الصادق أفضل ألف مرة من المؤمن المنافق.
ومن ثم فإن المعنى الحقيقي للهرمينوطيقا يمكن من تجنب معنى التأويل المذموم لأنه يخلص محاولة الفهم من فرضية اعتبار ترميز النص المقدس مثل ترميز الأحلام يخفي المعنى بدل كشفه. وحتى تعبير الأحلام إذا اعتبر مادة للفهم الهرمينوطيقي فإنه يستخرج المعنى المقصود بتحرير نظام الترميز من التحريف الذي يستعمله الحلم كما تعسكه حكايه صاحبه له حكايته التي يمكن اعتبارها ترجمة أو تأويلا أوليا يقوم به صاحب الحلم لنقل أحداث حلمه التي تخفي مقاصده من طابعها الحدثي إلى صيغتها اللسانية في الحكاية أو الأحاديث بلغة سورة يوسف.
ذلك أن حكاية الحلم ليست لغة هدفها البيان إذ هي تترجم لغة هدفها الكفران. وإذن فالحكاية من التأويل المذموم الذي تجعله الهرمينوطيقا تأويلا محمودا بتقويم تحريفه الكافر لما كان ينبغي أن يكشف بالرموز المعبرة. ومن ثم فالحكاية تحتاج إلى التأويل الذي يقوم التحريف بتحريف مقابل كما نفعل عندما نقوم قضيبا معوجا فيصبح التأويل عندئد محمودا لانه تحريف التحريف أو إن شئنا تقويم التحريف. ولكن إذا استعملنا هذا المعنى عند الكلام على النص المقدس فكأننا ادعينا تسوية نص محرف هدفه الكفران لا البيان فيكون الضمير اعتبار الرسول قاص أحلام وليس هادي الأنام !
إن الفرق بين نظام الترميز الذي تستعمله الأحلام ونظام الترميز الذي تستعمله النصوص المقدسة هو كالفرق بين الترميز الهادف إلى البيان (النصوص المقدسة تظهر المعنى) والترميز الهادف إلى الكفران (الأحلام تخفي المعنى). ويمكن اعتبار النصوص الأدبية جامعة للجنسين. فبعضها كاشف للمعنى وبعضها مخف له. ومن ثم فبعضها بيان من جنس النصوص المقدسة وبعضها كفران من جنس أحاديث الأحلام. وذلك هو المقصود في سورة الشعراء. والبعض ممن لا يؤمن بالوحي يعكس فيعتبر النصوص المقدسة جامعة بين نظام الترميز في الآداب ونظام الترميز في الأحلام. وفي الحقيقة فإن القرآن لا ينفي ذلك جملة وتفصيلا بل هو يميز في الأحلام بين الأضغاث الكاذبة والرؤى الصادقة. فيكون النص المقدس فيه هذا المعنى عندما يكون القصد بالآداب ما حمد من الشعر في سورة الشعراء (أجمل الشعر أصدقه بخلاف مبدأ النقد العربي التقليدي لأن المعيار فيها هو تطابق الفعل والقول) وبالأحلام ما صدق من الرؤى.
المسألة الرابعة
حد الإنسان بين العاقل والمبين
ولعل تفسير هيدجر لمفهوم القول المرادف عنده للظهور (وهما المفردتان اليونانيتان اللتان تتألف منهما كلمة فينومينوولجيا) في الوجود والزمان خلال تعريف الفينومينولوجيا يساعد على فهم القصد:" إن القول(=الكلام) إبانة "ابو.." مقولِه منه ذاتِه. ففي القول (أبوفانسيس)إذا كان قولا حقيقيا ينبغي أن يكون ما يقال مستمَدا من المقول بحيث يكون البلاغ القائل مبِينا في ما قاله حول مقوله فيجعله من ثم في متناول الآخرين. تلك هي بنية القول من حيث هو أبوفانسيس (=الابانة الدالة أو المشيرة إلى الامر الذي يقال ).لكن ضرب الكشف هذا بمعنى الابانة الدالة ليس متحققا في كل قول".(6)
فالقول Logos يترجمه بالبيان أي اظهار المعنى أو جعله مرئيا بخلاف الترجمات المعتادة التي اعتبرته عملية عقلية تقع في الذهن وتصل بين موضوع ومحمول كما هو شأن فعل الحكم. من ذلك أن تعريف الإنسان بالحيوان الناطق دون تعريفه بالحيوان المبين دقة وعمقا. فالمعنى الأول ليس إلا إحدى ثمرات المعنى الثاني الدي هو أشمل وأدق كما في سورة الرحمن التي تعرف الإنسان بالبيان وهو ما يساعد على فهم مدلول تعليم الله آدم الاسماء كلها كان الحجة الحاسمة في رمز تعليل استخلافه ردا على حجج الملائكة(7).
فيكون التأويل المحمود تفسيرا يكشف ضروب البيان ويكون التأويل المذموم معاملة ضروب البيان وكأنها ضروب الكفران التي في الأحلام أو في تعابير اللاوعي. لذلك فاستعمالنا المعنى المذموم خلال كلامنا عن القرآن يفترض أننا نعتبره من جنس الكفران الذي يخفي لا من جنس البيان الذي يكشف: وتلك هي علة تكفير الغزالي نفاة البعث الجسدي لان نفيهم يعني أن نصوص القرآن لا تبين الحقيقة بل تكفرها. فيكون النص المقدس أدبا أو حلما وليس وحيا لم يأت إلا ليبين للناس لا ليغالطهم. أما التأويل بمعنى حصول الأمر الخفي أو تحقق الحدث المخبر عنه فهذا يفيد تعين المعنى العام في الحدث الفعلي. وهذا ليس المقصود بالتأويل من حيث هو فن منهجي لفهم النصوص أو الأحداث بل هو تحقيق فعلي لما في النصوص ليصبح أحداثا وجودية وليس مجرد تفسيرات نصية. وهذا ليس فنا أو منهجا بل هو فاعلية الخلق نفسها(8).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التجارب الأربع الوريثة لما تقدم عليها قبل أن يرث المسلمون جميع حضارات العالم المؤثرة عصرئذ والتي كانت ما تزال حية في حيز نزول القرآن المكاني والزماني تنقسم إلى اثنتين سندهما طبيعي واثنتين سندهما منزل: والأوليان هما اليونانية واللاتينية والثانيتان هما اليهودية والمسيحية. وتلك هي الوضعية التي وجدها المسلمون قبلهم. لكن هذا الرابوع ليس هو إلا فروع جدولين قديمين هما محصلة التجربة التي تحققت في ملتقى القارات الثلاث في صيغة النيل وفي صيغة ما بين النهرين. فمنهما تفرعت السنتان الكتابية المنزلة مع عقيدة تقديم العمل والوحي على النظر والعقل (وهذا بين لا يحتاج إلى تدليل) والكتابية الطبيعية مع عقيدة تقديم العلم والعقل على العمل والوحي (وهذا بيناه في كتاب الابستمولوجيا البديل لأن العلم اليوناني انبنى على العلم المصري والبابلي ولان حضارة اللاتين من دون التراث اليوناني ليست إلا عسكرية وبنحو ما قانونية). والقرآن بقصصه يبين أنه يحاول غربلة كل هذه السنن ليستنبط منها ما هو كلي بمعيار التصديق والهيمنة. وذلك هو موضوع التجربة العربية الاسلامية التي جمعت بغربال التصديق والهيمنة كل هذه السنن لتواصل الحضارة البشرية مبدئيا وليس فقط بحكم ضرورة الاعتماد على السانح من المعطيات: وذلك بين لا جدال فيه في نظرية تواصل الرسالات السماوية حتى إن من شروط اسلام المرء الايمان بها جميعا.
(2)ففي هذه الرقعة اكتشفت الكتابتان اللتان آلتا بالتدريج إلى كتابة الدال بدل المدلول أعني الاكتشاف الثوري الذي تعتمد عليه جميع أبجديات العالم. ومنها كذلك نبعت النصوص الدينية الثلاثة لثلاثة أرباع البشرية الحالية. كما أن أهم الثورات في فهم النصوص الدينية التي يحيا عليها الفكر الغربي فضلا عن الفكر الاسلامي تحددت فيها نشأة (وهذا لاجدال فيه) وتطويرا سواء قبل الاسلام (في الافلاطونية المحدثة الهلنستية التي هي المعين الاساسي للمثالية الالمانية) أو بعده (بتأثير الفكر الاسلامي الذي هو المعين الاساسي لفكر الغرب النهضوي مع الفكر اليوناني دون شك). فالتراث اليهودي والمسيحي لم ينشآ فيها فحسب بل هما تطورا بفضل أحداث تاريخية وفكرية حدثت فيها. ولعل أهم هذه الاحداث حدثان اثنان: 1- اختلاط الفكر اليوناني بالاديان الشرقية قبل الاسلام بفضل الغزو المقدوني 2- ثورة الإسلام التي مكنت اليهود من صوغ تراثهم وعلومهم الادوات حتى إن نحوهم وشعرهم وفقههم وكلامهم يمكن اعتبارها كلها نسخا منسوخة من نظائرها الاسلامية. أما التأثر المسيحي فلا حاجة لمحاولة اثباته يكفي أن نعلم أن ما يسمى بالاصلاح مجرد نسخة مشوهة من الفهم الاسلامي لامرين أساسيين: 1- التحرر من وساطة الكنائس للاتصال المباشر بالنص تواصلا مع كلام الله, 2- والصلح بين الحياة الدنيا وقيم الدين ومن ثم نفي الرهبانية والاقبال على الحياة. وإذا كان السطحيون من من مفكرينا لا يقرآون فليس ذلك بحجة إلا عليهم: كل التراث الكلامي والفلسفي المسيحي في القرون الوسطى وخاصة بعد تكون الجامعات في منتصف القرن الثالث عشر ليس إلا تفسير نصوص لمفكرينا مسلمين اعتبرت وسائط ضرورية لفهم نصوصهم الدينية والنصوص الفلسفية اليونانية صراحة أو ضمنا إلى حدود لايبنتس.
(3)حديث شريف: "حدثنا حسن بن موسى حدثنا زهير أبو خيثمة عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على كتفي أو على منكبي شك سعيد ثم قال اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (مسند أحمد- مسند أبي هاشم 2274).
(4) استعمل "ربوبي" بمعنى ثيولوجي تجنبا لـ"علم كلام" كما في الترجمة العربية لكتاب "ثيولوجيا أرسطو" المنحول ب"قول في الربوبية". فهذا أفضل من علم الكلام لما سبق فبينا من فساد أصاب علم أصول العقيدة الذي انحط فصار كلاما وتلك هي علة النكير على أصحاب الكلام عند من أدرك ما يترتب على هذا الانحطاط. وهو نكير كثيرا ما يتهم أصحابه بمعارضة العقل في حين أن المعنى الحقيقي هو الدفاع عن العقل برفض تحويل علم أصول العقيدة إلى دعاية مذهبية لتأويلات تحكمية تفرض على معاني القرآن الكريم المتعلقة بأهم موضوعات الفكر النظري الديني والفلسفي.
(5)وفي القرآن الكريم أمران آخران يصعب أن يقبلهما ضيق الحوصلة الغالب على الفكر الاسلامي الحالي. ففيه حواران بين الله والرسول جيئة وذهابا. فأما أحدهما فصريح لان المتكلم له اليد العليا أمرا ونهيا. وأما الثاني فيمكن استنتاجه من الاول لانه ضمني في وجهه الأساسي وليس صريحا إلا في وجهه الثانوي. فمن حيث هو دعاء واستنجاد يكون كلام الرسول صريحا على لسانه أحيانا وهو جزء من الامر الالهي في الخطاب الاول أحيانا أخرى. لكن الشكوى والاحتجاج من الاستجابة للدعاء والاستنجاد يوجدان ضمينا في النهي والتحذير مما يمكن للرسول أن يتعرض له من اتباع فتنة من أرسل إليهم في حالات تشبه اليأس من العون الالهي وخاصة لعدم القدرة على الرد عند المعاجزات التي يعرضه إليها العرب من منطلق عملي وجودي (امتحان لقدرة الرسول المادية) واليهود والنصاري من منطلق نظري لاهوتي (امتحان لمعرفة الرسول الدينية) فضلا عن اغراءات الحلول السياسية التي يقتضيها علاج الوضعيات الحربية أو الدبلوماسية عملا بحتمية الخداع في الحرب مع ما قد يذهب إليه الخداع إلى حد التنازل على المبادئ الاساسية بقصد أو بغير قصد.
فيكون القرآن بذلك متضمنا خمسة ضروب من الخطاب: 1- ترجمة الله الذاتية 2- وترجمة الرسول الذاتية 3- وعلاقة الله بالرسول أمرا ونهيا في أداء الرسالة 4- وعلاقة الرسول بالله طلبا من الله وجدلا معه 5- والخطاب الجامع هو الدراما الكونية التي تمثلها التجربة الديينية كما يعيشها الرسول تلقيا وبثا وتصورا وانجازا في مشروع تاريخي رمزي واستراتيجية تاريخية فعلية لتحقيق الرسالة بكل أدوات التربية والسياسة النظرية والعملية بما في ذلك الحرب. وهذه التجربة هي ما يمكن أن نطلق عليه استكمالا لنظرية المجاهدة ذات المراحل الثلاثة المرحلتين المكملتين واللتين لا تكفي فيهما إرادة المرء بل لا بد فيهما من الاصطفاء هذا فضلا عن كون مجاهدة الكشف هي بدورها اصطفائية في أغلبها لانها من جنس الرؤى الصادقة التي هي لبعض الصديقين.
فبالاضافة إلى: 1- مجاهدة التقوى 2- ومجاهدة الاستقامة 3- ومجاهدة الكشف. لكن الرسول لا يكون الرسول إلا إذا اكتملت عنده مجاهدة الكشف فبلغت الذروة التي يمتنع اكتسابها بالرياضة. لا بد أن يمر بمجاهدتين اخريين خاصتين بالمصطفين: 4- مجاهدة النبوة 5-ومجاهدة الرسالة. والأولى هي درجة الاصطفاء للكشف التام والثانية هي درجة الاصطفاء للابداع الرمزي تعبيرا عن الكشف التام والفعلي تحقيقا للقيم المتعالية في التاريخ. وقد كان موسى عليه السلام عاجزا عن الابداع الرمزي فاضطر إلى التأييد بهارون. لكن محمدا صلعم جمع بين الامرين فكان الرسول التام ومن ثم فهو الخاتم ضرورة. وتعريف الرسالة هذا يعممه القرآن على كل الرسالات السابقة ليقيس مقدار نجاحها في تحقيق كل الابعاد التي تمت في الرسالة الخاتمة. فيكون الرسول محمد صلعم هو الوحيد الذي حقق فعلا كل أبعاد الرسالة من حيث هي مشروع رمزي (القرآن) واستراتيجية فعلية (الأمة الحاملة للرسالة من حيث هي مشروع سياسي كامل بكل مقومات الدولة المؤثرة في التاريخ). ومن ثم فالتاريخ الفعلي والتاريخ الرمزي في الاسلام متطابقان: كل الاديان الاخرى يصعب أن تعرف ما هو التاريخي فيها أذ أغلبها من نسخ الاساطير إلا الاسلام لان تاريخه الحي في الشأن الدنيوي هو عينه تاريخه الحي في الشأن الديني.
(6)انظر: Martin Heidegger, Sein und Zeit, Max Niemeyer Verlag Tuebingen, 2001
“Die Rede laesst sehen’apo..’ von dem selbst her, wovon die Rede ist. In der Rede (apophansis) soll, wofern sie echt is, das, was geredet ist, aus dem, worueber gerede wird, erschoepft sein, so dass die redende Mitteilung in ihrem Gesagten das, worueber sie redet, offenbar und so dem anderen zugaenglich macht. Das ist die Struktur des logos als apophansis. Nicht jeder Rede eignet dieseer Modus des Offenarmachens im Sinne des aufweisenden Sehenlassens.”. ص. 32.
(7)تعليم آدم “الاسماء كلها” من الأمور التي تحتاج إلى الشرح. فلا ينبغي أن نفهم من "كلها" جملتها لأن ذلك مستحيل وهو يؤدي إلى أن آدم أصبح ذا علم محيط. لذلك فهذا التعليم يدور بين خليتين. فإما أن يكون المقصود أن آدم أعطاه الله القدرة على تسمية كل الاشياء التي هي من مجال ما هو ميسر له أن يعلمه فيصبح المعنى "علم الله آدم تسمية كل الاشياء في حدود علمه المحدود ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء )" أو أنه أعطاه "القدرة على ادراك الكليات فوق الاعيان". والمعلوم أن المعنى الثاني شرط المعنى الاول. لذلك أجدني أميل إلى الفهم الثاني لعلتين: أولا لأن هذا فضلا عن كونه شرط ذلك هو من شروط الوظيفة التي لأجلها استخلف الانسان. فلا يمكن أن يكون الخليفة قادرا على القيام بوظيفة رعاية الكون على علم بقوانين الخلق وأحكام الامر إذا كان عاجزا عن العلم. ولا علم من دون القدرة على ادراك الكليات استقراءً بعديا من الاعيان على وجه الملاحظة الفعلية أو وضعا قبليا لتصنيفها على وجه الفرض. وكل استقراء مسبوق دائما بالكلية الفرضية للمجال المستقرأ مع توسيع أو تضييق لماصدق الكلية بحسب ما يتوصل إليه الاستقراء. فيكون الاستقراء بهذا المعنى من جنس شبكات صيد الاسماك. فكأننا نرمي شبكة تصورية على مجال معين نفترضه منتظما بكليات الشبكة ( فروجها التي تحدد حجم السمك المقتنص) ثم نوسع الفروج أونضيقها في عملية الاستقراء كما نفعل في الصيد: عمل في مجال الماصدق لتدقيق مجال المفهوم.
وثانيا لأن تسمية الاعيان بأسماء المعرفة تغني عنها الاشارة في التخاطب الحي بين الناس-والآية تبدو وكأنها تقصد أسماء الجنس لا اسماء المعرفة المشيرة إلى الاعيان. ثم إنها لا يمكن أن تتكون منها جملة تقبل الوصف بالكل إلا إذا حصرناها في كمية محدودة ومعدودة وتقدم على القيام العددي للاعيان معنى الجملة النوعية: وهذا أول معاني الكلي. والاشياء ليست معدودة حتى لو تصورناها محدودة فضلا عن كون حصر التسمية في المعارف يؤدي إلى أن يصبح عدد الاسماء بعدد المسميات فيتضاعف الوجود ويمتنع التواصل. ذلك أن المزية الوحيدة للرموز وما بفضلها يكون التواصل ممكنا هي في كون الرموز دون المرموزات عددا حتى تكون قابلة للحفظ والتذكر بسرعة. فلو كان عددها بعدد ما ترمز إليه لصار وجودها عبثا إذ المرموزات تكون عندئذ مغنية عنها بنفسها ولا حاجة لما ينوبها في التواصل.
ثم إن الاسماء معرفة كانت أو نكرة نوعان. فالاسماء الحقيقية هي من جنس أسماء الله فلا يكون بينها وبين مسماها فرق: وهذا ما كان يقول به الفكر السني إلى أن نقضه الغزالي. والقرآن لا يرى مانعا في أن يدعى الله بأي أسمائه لانها عين المسمى. أما الاسماء التي يسميها المشركون -من نوع إن هي إلا اسماء سميتوها أنتم وآباؤكم- فإنها لا مزية فيها ولا يمكن أن تكون مقصود الآية. فيكون المقصود في مرموزة الاستخلاف إذن الاسماء الحقيقية أي علم الاشياء الحقيقي. ذلك هو ما علمه الله آدم ليكون جديرا بالخلافة. ذلك ما جهلته الملائكة المحتجة على استخلافه. وعندما تكون الأسماء عين المسميات تكون علما حقيقيا. والله أعلم.
(8)ويمكن استعمال معنى التأويل هذا عند الكلام على تطبيق العلوم سواء كانت طبيعية أو إنسانية: نؤول نظرية عندما نحقق نموذجا منها في الواقع الفعلي أو نعين واقعا فعليا تتحقق فيه القوانين التي وضعتها النظرية. ومن جنس هذا التأويل ما يفعله الفقيه عندما يطبق نصا شرعيا على نازلة بعينها. وهو ملازم لعملية الوصف الشرعي للنازلة: لا بد أن يجد فيها القاضي صفات مناط الحكم حتى ينطبق عليها الحكم. وهذا هو النوع الوحيد الذي نقبل فيه القياس الفقهي: إذ هو شرط تطبيق الاحكام. أما تحويل ذلك إلى تشريع يحلل ويحرم فلا. ندخل النازلة في الحكم لان ذلك أمر لا مفر منه لتطبيق أحكام الشرع. لكن لا نحول ذلك إلى نص شرعي. إنما هو تطبيق على عين فلا يتحول إلى قاعدة لئلا ينقلب اجتهاد القضاة والفقهاء تشريعا سماويا.