shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

 

 

نمو العلم في الحضارة العربية – الإسلامية  و الحضارة الغربية

دراسة مقارنة

د. محمد عزالدين الصندوق

 

Faculty of Engineering and Physical Sciences,

School of Engineering, CORA

University of Surrey, Guildford Surrey GU2 XH, UK

m.sanduk@surrey.ac.uk

 

 

1. المدخل

لقد عرفت الحضارة العربية الإسلامية في عهدها الذهبي (700-1000م ) حرية فكرية كبيرة ربما لم يعرفها العرب و المسلمون المعاصرون. حيث نجد الكثير من التيارات الفكرية و الدينية مثل حركة القرامطة نهاية القرن التاسع الميلادي و كذلك المعتزلة وإخوان الصفا و حتى الدهريين و الشعراء الماجنين. كما كان لأبناء الطوائف و الأديان الأخرى كالمسيحيين دور متميز و معروف في النهضة العلمية التي قادتها بيت الحكمة في بغداد. كما برز مفكرون يهود في عهد النهضة تلك سواء في الشرق العربي أو في الأندلس. لقد كان هناك غليان و نشاط فكري كبير شارك به الجميع ممن ملك القدرة الإبداعية. رغم أن الفترة تلك لم تكن بالبعد الزمني الكبير عن عصر الرسالة الإسلامية إلا أن التسامح الديني كان كبيرا و تقبل الاخر كان اكبر مما هو عليه الآن. و الدليل على ذلك هو وصول الكم الكبير من الانجازات التي لا تتفق و الفكر الإسلامي إلينا عبر هذا البعد الزمني. لم يعرف تلك الحضارة الردع و القيود الفكرية ذات الغطاء الديني كما عرفتها أوربا بظاهرة محاكم التفتيش. لم تعرف تلك الحضارة ظاهرة التكفير السائدة ألان. لاشك أن ظاهرة التكفير و تقييد الفكر نوع من الهيمنة الفكرية على الاخر وهي اقرب ما تكون الى محاكم التفتيش.  و رغم بدائية تلك الفترة بالمقارنة بما هو عليه نحن الآن إلا أن  تلك الحضارة استطاعت استيعاب أفكار و تجارب الشعوب الأخرى و أضافت و أبدعت انجازات أخرى.

مما لاشك فيه هو أن إفرازات و تأثيرات الحرية الفكرية تشمل كافة جوانب الحياة والنشاط الاجتماعي. و من أهم ما يتأثر بهذا المناخ المنفتح هو الإبداع العلمي.

على ذلك تحاول هذه الدراسة البحث عن تأثير هذه الحرية في ازدهار النشاط العلمي في تلك الحضارة الغابرة و متابعة هذا النشاط حتى بداية القرن التاسع عشر (700- 1800 م) . كما تمت مقارنة ذلك بالنشاط العلمي الغربي لذات الفترة. تحاول الدراسة تقديم دراسة كمية لظاهرة تاريخية لذا اعتمدت الدراسة المنهج الإحصائي في متابعة زمنيه للنمو العلمي خلال تلك الفترة. لقد تم اعتماد ظهور العلماء كدليل على النمو العلمي . لذا تمت متابعة  ظهور العلماء المشهورين خلال الفترات الزمنية المتعاقبة كمقياس للتطور العلمي في كل فترة. وقد تم اعتماد مراجع مختلفة للوقوف على اقرب دقة ممكنة لإحصاء العلماء [1,2,3,4].

2. طريقة البحث و النتائج

1-تهتم الدراسة بمتابعة التطور العلمي للفترة 700-  1800م . تقابل هذه الفترة فترة بداية الخلافة العباسية في بلاد ما بين النهرين (والخلافة الأموية في إلا ندلس) وحتى  القرن التاسع عشر.

2 – ركزت الدراسة على الاهتمام بعلماء  التخصصات العلمية مثل الرياضيات، الهندسة، الطبّ، علم فلك، الكيمياء، والفيزياء فقط. لقد  كان هؤلاء العلماء من أمم واديان مختلفة لكنّهم كانوا يعملون ويعيشون في الثقافتين المختلفتين.

3 – لقد تم رصد 163 عالما رصينا من علماء الحضارة العربية - الإ سلامية و372 عالم غربيا لهذا الفترة. لقد تم إحصاء العلماء الذين تم اتفاق المراجع عليهم .على أية حال إن هذه الإحصائية تقدم تقديرا مقبولا الى حد ما لعدد العلماء لكل مرحلة زمنية ضمن ما وصل لنا من أخبارهم.

4-تم اعتماد التوزيع التكراري لتصنيف العلماء حسب فترات ظهورهم.

5-رتبت البيانات في سلسلتين للعلماء العرب -ألمسلمين وللعلماء الغربيين.

يبين الشكل 1 النتائج التي تم الحصول عليها. يمثّل ألإحداثي الصادي عدد العلماء بينما ألإحداثي السيني يمثّل الزمن.

6- يمثّل المنحنى المتقطع توزيع العلماء العرب- المسلمين والآخر للعلماء الغربيين.

 

 

الشكل (1) منحني توزيع العلماء العرب-المسلمين و العلماء الغربيين خلال فترة زمنية تمتد من 700م الى 1800 م .

3. المناقشة

من ملاحظة الشكل يمكن أن تميّز فترتان في منحنى النمو في عدد العلماء العرب- المسلمين:

1 - فترة النمو: بدأ النمو بحدود 700 م و استمر لمدة ثلاثة قرون تقريبا حتى 1000م. بداية هذا التاريخ تقابل تاريخ دخول العرب للأندلس سنة 711م و بداية تكوين الخلافة العباسي سنة 750 م.  و لاشك في أن السبب الأساسي لهذا النمو هو الانفتاح الحضاري للعقيدة الإسلامية الجديدة  على الحضارات الأخرى. لقد كانت الحضارة الوليدة تتمتع بحرية العقل و تقبل الاخر لم يكن الإسلام دين قيود صارمة و لم يكن ليشكل فلسفة شمولية تحاول أن تستوعب كل شيء. لذا كان هناك من بناة الحضارة الوليدة ممن هم ليسوا بالمسلمين و ليسوا بالعرب كما هو الحال الآن في الغرب. كما تقبل الفكر الإسلامي الفلسفة اليونانية ذات الطابع الوثني. و هناك الكثير من مظاهر و دلالات الحرية الفكرية و الانفتاح الذي قاد الى هذا النمو و الذي هو مؤشر حقيقي على الازدهار العلمي. و لاشك في ان الفكر المعتزلي كان له دور كبير في هذه الفترة التي شهدت تأسيس بيت الحكمة في بغداد سنة 830م. كما تم تأسيس جامعة قرطبة سنة 970م و كذلك جامعة طليطلة. لقد كانت هذه المرحلة مشابهة لمرحلة النهضة الاوربيه (renaissance period). خلال القرن الحادي عشر الميلادي بلغ عدد العلماء ذروته. لم تكن تلك الحرية موثقة بدستور أو مبنية على أسس فكرية. بل كانت حرية بدائية بسيطة غير محمية. لذلك كانت هشة لم تستطع الصمود.  

2-بداية الانحطاط: خلال القرن الحادي عشر الميلادي ازداد بروز التيارات الفكرية المقيدة  ولم تكتفي بالتقييد الفكري بل لعب القتل و الاغتيال دورا في القمع مع ظهور الفكر التكفيري. كما حاولت بعض المقاطعات الصغيرة الاستقلال عن السلطة العباسية كما حدث الشيء ذاته في الأندلس . هذه المقاطعات الصغيرة حاولت رعاية العلماء و احتضانهم و لكنها في ذات الوقت كانت تضعف من سلطة الدولة المركزية إضافة الى المشاحنات و الحروب بعضها مع بعض. إضافة لذلك حدث ما بين 945 و عام 1055م ( الفترة البويهية) الانقسام الكامل مابين الشيعة و السنة [5] ليضيف شرخا رسميا للمجتمع بعد أن كان هذا الصراع فكري-سياسي و كان هناك خليفة واحد. حيث أخذت بالتكون دولتين لأول مرة في التاريخ الإسلامي. و ظهور خلفاء لكل طرف. أن هذا الشرخ الرسمي لعب دورا كبيرا في تعزيز الطائفية الدينية و التي قادت بلا شك الى نموا اكبر لظاهرة التكفير وهو المرادف الشرقي لظاهرة محاكم التفتيش في أوربا. بعد ذلك اخذ كل فريق بتعزيز مؤسسته الدينية على حساب النهضة العلمية و بالتالي ازداد التوجه نحو الدراسات الدينية و الفقهية مبتعدا عن الاهتمام العلمي الذي كان سائدا. كما اخذ العداء للفكر الفلسفي بالظهور خلال هذه الفترة ( الغزالي 1058م- 1111م) كذلك. لقد كان القرن الحادي عشر قرن بداية الانحطاط.  لاحظ في الشكل أعلاه بداية الهبوط في النمو العلمي بعد فترة الشرخ (945م- 1055م).

ظهرت تأثيرات تلك المشاكل جلية عام 1074م عندما خسر العرب طليطلة ثم صقلية عام 1091م . بعد ذلك بدئت الحروب الصليبية عام 1095م. لقد ظهر في هذه الفترة الفيلسوف ابن رشد (1126م-1198م) و لكنه عانى ما عانى . وسقطت قرطبة عام 1236م و من ثم تلتها  في عام 1258م  بغداد حيث سقطت بيد المغول. لم يكن سقوط الحضارة العربية الإسلامية بسبب هولاكو بل ظهر هولاكو بسبب سقوط هذه الحضارة. و في هذه الفترة تعزز الفكر التكفيري الإسلامي كثيرأ (ابن تيمية 1263م-1328م) وفي عام 1288م أخذت الدولة العثمانية بالظهور في هذا الجو الفكري المضطرب. ولكنها للأسف لم تستطع أن تنهض بالمجتمعات العربية الإسلامية الى المرحلة التي توفر لها حرية الإبداع التي سادت سابقا لذلك استمر الهبوط تدريجيا. و أخيرا في عام 1492م غادر العرب أخر معاقلهم في الأندلس (غرناطة). في عام 1501م ظهرت الدولة الصفوية لتلعب دورا مقابلا للدولة العثمانية و لكن هذه الأخرى لم تقدم شيء يذكر للتطور العلمي المستمر في تدهوره.  و هكذا استمر هذا  ألانحطاط  لفترة أكثر من ثمانية قرون و حتى الوقت الحالي. انه ولا شك انحطاط حضاري كارثي مدمر و هائل. و سبب كونه دمارا هائلا هو أن فترة الانحطاط الحضاري تلك هي نفسها الفترة التي بني على أساسها عصرنا الحالي و بالذات القرون الخمسة الأخيرة, لذا فان مشاكل المجتمع العربي حاليا تعزى أساسا للفترة تلك التي بنت مجتمعا لم يكن مهيئا ليعيش عصر الانفتاح الحضاري العالمي.

مما لاشك فيه أن الإقبال الهائل على الدراسات الدينية بعد ذلك الشرخ الكبير أدى الى العزوف و عدم الاهتمام بالعلم و الدراسات العلمية (كظاهرة اجتماعيه) كما أن كثرة تلك الدراسات و الاجتهادات ألدينيه و تراكمها أكسبت الفكر الإسلامي وجها أخر غير ما كان عليه في عصر النهضة. لم يعد الإسلام دين الفطرة و البساطة بل اخذ شكل الفلسفة الشاملة التي تحاول أن تسيطر على كل شيء. و بذلك أصبح رجل الدين هو من يملك زمام الأمور كلها.

أما في الغرب فيبدو أن الوضع  و كأنه كان  يسير باتجاه معاكس على ما هو عليه الحال في الحضارة العربية الإسلامية. لقد سبقت النهضة العربية الإسلامية التسلط الفكري و ما التسلط الفكري إلا احد أسباب الانحطاط الحضاري. في حين نجد أن الحضارة ألغربيه عانت من تسلط فكري سابق للنهضة و بالتخلص منه كانت النهضة وما تزال مستمرة و تتجدد. وما الحروب الصليبية إلا ناتج لتلك الفترة الأوربية المظلمة.

لقد بدء النمو العلمي في الحضارة الغربية بعد عام 1200م  و ما زال مستمرا و متراكما. على ما يبدوا ان الاضطرابات الاجتماعية و المشاكل السياسية و الحروب لم يكن لها نفس قدرة الإيقاف الحضاري كما في المجتمع العربي الإسلامي . حيث  لم يكن الغرب خاليا من المشاكل التاريخية الخطرة و الهائلة.

سبق وان نشرت دراسة تبنت نموذج مائع البلازما (غاز موئين)  لتشبيه المجتمع البشري [6] ومن ضمن ما طرحته هو ان التقدم الاجتماعي هو اضطراب ينمو أو يخمد مع الزمن بصوره مشابهة لاضطراب البلازما. و هناك محاولات اخرى وضعت نماذج رياضية لمحاكاة التطور الاجتماعي [7] .لقد استمر النمو العلمي في الغرب بصورته الطبيعة رغم تلك المعوقات و لقد وجدنا تطابقا كبيرا بين النمط الطبيعي للنمو و الإحصائية  التي توصلنا لها. ان معادلة النمو الطبيعي هي [7]:

حيت ان  عدد العلماء في كل فترة زمنية (سنة) و المقدار الأولي الذي يعتبر المصدر و تمثل معدل النمو أو الانحلال ( إذا كانت مقدارا موجبا فإنها تعني نموا وإذا كانت مقدارا سالبا فإنها تعني انحلالا). أن نمط النمو الغربي يتفق بصورة كبيرة جدا مع هذا النموذج النظري.

الأسباب الرئيسية وراء ذلك النمط  الطبيعي للنمو كانت:

1 - فترات عصر النهضة (Renaissance). لقد كانت هناك نهضتين الأولى في القرن الثاني عشر و التي كان العلم العربي الإسلامي مصدرها الرئيس.  و الثاني عصر النهضة  الايطالية في القرن الخامس عشر على اثر سيطرة العثمانيين على القسطنطينية(1453) وهروب علمائها الى ايطاليا.

2 – حصول تقدمان مهمان دعما حرية الفكر ألا وهما فصل الكنيسة عن الدولة. الخطوة الأولى كانت  لمارتن لوثر في 1517 في ألمانيا و الثانية لهنري الثّامن في 1530في انكلترا. ولا شك بان السبب الأساسي لهذا الانفصال هي سلطة الكنيسة المفرطة التي قادت الى محاكم التفتيش (1233م) و التي زادت سطوة في القرنين الخامس عشر و السادس عشر.

لاحظ في الشكل أعلاه التطور في النهضة العلمية الغربية بعد هذا التاريخ.

3- ازدياد الاهتمام بالنزعة الإنسانية في الفكر الغربي كان مترافقا مع الإبداع في كافة مجالات الحياة.

4. ألاستنتاجات

يتضح مما ذكر أعلاه ما يلي:

1-   ان الحرية الفكرية عامل أساسي في بناء النهضة العلمية لأي مجتمع.

2-  أدت الحرية الفكرية البدائية في المجتمع العربي الإسلامي الى نهضة علمية واضحة المعالم و لكن بسبب القمع و الإرهاب الفكري و كذلك الشرخ الديني الذي أدى الى تمحور الفكر الاجتماعي دينيا أخذت القيود الفكرية بالازدياد مما شكل عائقا ما زال فاعلا لوقتنا الحاضر. وهذا أدى الى انحلال النشاط العلمي و الذي استمر لثمانية قرون تقريبا.

3-  في الحضارة الغربية حصل العكس لقد كانت سلطة الكنيسة مفرطة لم تساعد على بناء نهضة علمية و شكلت عائقا أوليا أمام التوجه العلمي. نتيجة لفصل الكنيسة عن الدولة و ازدياد النزعة الإنسانية اخذ العلم مساره الطبيعي في النمو و ما زال مستمرا.

4-  على ضوء هذه النتائج نجد انه لا يمكن أن يكون هناك تطور علمي تكنولوجي معاصر ما لم يكون هناك انفتاح فكري واسع و تقبل الاخر.

المصادر

1- H. N. Abdul Rahman, Studies in Arab's History of sciences, Ministry of higher education and scientific researcher, Mosul University, 1977.

2- I. Badran and M. Faris, Encyclopedic Dictionary of Scientists and Inventers, The Arabic institute for research and publishing, Beirut 1978.

3- S. F. Mason, A History of the science, New York 1973.

4-The Concise Encyclopedia of Science & Technology, Edited by John-David Yule, Peerage Books, London 1985.

5-The Encyclopedia of World History, Sixth edition , Peter N. Stearns, general editor, Published by Houghton Mifflin company (2001).

6- M . I. Sanduk' Is it growth or instability?, Philosophica , No.2 Vol. II, p.3, 2000.

7- T. V. Fedorovich,' The Phenomenon of Science', Colombia University Press, New York, 1977 P.242.