shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


                        

أكذوبة التنافي بين قيم الاسلام وحقوق الانسان (2)

ابو يعرب المرزوقي

ابو يعرب المرزوقي: وهذا النوع من التشريع الذي هو وضعي من حيث آلياته الفنية ديني من حيث اسسه، لكونه مستندا إلى المبادئ الخمسة التي حددتها الرسالة المحمدية والتي نتجت عن جمعها بين الدين المنزل الاسمى (الاسلام) والدين الطبيعي الاسمى (الفطرة) : مبدآن موجبان هما الاستخلاف العام (كل إنسان خليفة) واكتمال الدين ، ومبدآن سالبان هما في نفي السلطان الروحي الوسيط بين الإنسان  والله ثم مبدأ جامع بين الوجهين هم ختم الوحي رغم ضرورة تواصل التشريع ، وبذلك يتبين ان اساس حقوق الإنسان  كلها يحدده الاسلام في مفهوم استخلاف الإنسان  وتكليفه وتحميله الامانة الشخصية وضعا للقيم الروحية السامية وتحقيقا لها بالآليات الانسب بحسب ما هو ميسر لعصر من تاريخ البشرية . وقد ناقش الغزالي كيفيات الاختيار فقبل باعتراض الامامي الذي يظن الاختيار غير ممكن لامتناع تحديد عدد تحكمي من المنتخبين ولامتناع تشريك الجميع لكن اختيار عدد تواضعي من الممثلين الذين ينوبون الأمة في اختيار سلطاتها كان ممكنا بالانابة ، إذ  البيعة انابة وتقبل ان تكون ذات درجات مختلفة ، ومشاركة الجميع صارت الآن  ممكنة كذلك لكون التقدم التقني جعل مشاركة كل المواطنين في الانتخاب أمرا ميسورا ، ومن ثم فهذه الحجة التي حار الغزالي في ردها باتت واهية ولم يبق الا الاتفاق على انسب رق الاختيار ومعاييره ومقاديره وكيفيات جعله ناجعا للحكم والجمع بين مصالح الدين والدنيا : فالديمقراطيات لا تختلف الا بهذا التنظيم الذي يحقق المعادلة السليمة بين الحرية والنجاعة السياسيتين ، ومن ثمرات هذا الجمع الحرص على احترام حقوق الإنسان  وكرامته لكون الله نفسه قد كرم بني آدم . وهذا التكريم تحدده الامة بحسب ما يراه ممثلوها الذين تنتخبهم بحرية واستقلال ارادة . وتلك هي الديمقراطية الحقة التي تمثل عماد حقوق الإنسان  فهل يقبل العلمانيون بالحل الديمقراطي كما يزعمون ؟

المسألة الثانية : أول حقوق الإنسان الحق في التشريع الحر

ولنات الآن  إلى المسألة الثانية ، فهل يبقى في حقوق الإنسان  ما يعارض الدين لو بحثت المسألة فعلا من منطلق الاسس التي تستند إليها  حقوق الإنسان  بما هي ثمرة للتشريع الوضعي ؟ وبعبارة أخرى  هل يجد المعارضون اللائكيون في فلسفة حقوق الإنسان  ما يجعلهم ينتهكون ما يعتبره البعض مصالح اخروية لحماية ما يعتبرونه هم مصالح دنيوية ، وهو المقصود بالعلمانية ؟ نقترح جوابا ينبغي الا يختلف فيه اثنان من ذوي العقل السليم . فالمعلوم ان مفهوم حقوق الإنسان  قد تطور في مدلوله السائد إلى ان صار المجال الذي ينسحب عليه متضمنا اجيالا ثلاثة من الحقوق . والمعلوم كذلك ان لهذا المفهوم ولتطوره عللا إذا  فهمناها على وجهها الصحيح اقتضت اضافة جيلين آخرين لاجيالها الثلاثة التي  صارت معلومة للجميع .

مناطق حقوق الإنسان  باجيالها المعلومة : فالجيل الأول  يتعلق بالحقوق السياسية والمدنية التي تحمي الشخص الإنساني من تسلط الجماعة السياسية الوطنية عندما تخل بواجباتها نحوه . والجيل الثاني يتعلق بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي  تحمي الشخص الانساني من تسلط الجماعة الاقتصادية الوطنية عندما تخل بواجباتها نحوه ، واذن فكلا الجيلين يتعلق بالحقوق التي  تخص العلاقة بين المواطن وذوي السلطان في بلد محدد ، حتى وان كان القانون المتعلق بها قد تدرج إلى ان اصبح ذا صبغة دولية على الأقل  من حيث آليات التقاضي . لكن الجيل الثالث الذي يتعلق بهوية الاقليات واهمها ما تميزه الخصوصيات الثقافية يتجاوز العلاقة بين المواطن وجماعته السياسية أو  المدنية . لكون الاقليات بجميع اصنافها مثل الاقليات الحائدة عن التقاليد السائدة كاقليات الشذوذ الجنسي قد تكون منتسبة إلى عدة دول أو  لكون الدولة الواحدة قد تتألف من عدة اقليات بهذا المعنى الثقافي أو  الجنسي أو  اللوني أو  العقدي الخ .. ولما كان الحفاظ إلى الخصوصيات في بعدها الاكثر تمثيلا اعني الخصوصيات الثقافية ، يتطلب شروطا وآليات لحمايتها ، ولما كان شرط الشروط هو استقلال القرار السياسي والاقتصادي ، بات من الضروري ان نستنبط لحقوق الإنسان  جيلين اخرين من جنس الاولين ، رغم كونهما يتصلان بعلاقة المجموعات بعضها بالبعض في المسرح الدولي بدلا من علاقة الافراد بالمجموعات القومية في المسرح الوطني ، إذ  حتى هذا المسرح فانه بصدد التحول إلى نوع من الرابطة الكونفدرالية التي  تجعل الدولة الواحدة متعددة الاجناس والاعراق والهويات الثقافية ، بحيث صار المستوى الدولي الثقافية ، بحيث صار المستوى الدولي والوطني من القانون متداخلين وصار بوسع المجموعة الدولية أو  من يمثلها تمثيلا شرعيا أو  دعيا له حق التدخل الانساني .

جيلان جديدان لحقوق الانسانية

فيكون الجيل الرابع الذي نقترح اضافته من جنس الجيل الأول  ، لكونه يتعلق بالحقوق التي تخص المجال السياسي والمدني . مع الانتقال من مستوى صلة الفرد بالمجموعة الوطنية إلى مستوى صلة المجموعات المستضعفة أو  مفهومة الحقوق بالمستحوذين على السلطانين السياسي والمدني الدوليين . ويكون الجيل الخامس الذي نقترح اضافته من جنس الجيل الثاني ويتعلق بالحقوق التي تخص المجال الاجتماعي والاقتصادي ، مع الانتقال من صلة الفرد بالمجموعة الوطنية إلى صلة المجموعات المستضعفة أو مهضومة الحقوق بالمستحوذين على السلطانين الاقتصادي والاجتماعي الدولتين . ذلك انه مثلما يمكن للجماعيتين السياسية والاقتصادية الوطنيتين ان تسلبا الافراد ، حقوقهم ، يمكن للجماعتين السياسية والاقتصادية الدوليتين ، عند الاستحواذ على القوة كذلك ، ان تحرما المجموعات الضعيفة من حقوقها ، وبذلك تصبح لحقوق الانسان خمسة اجيال : اثنان يتعلقان بعلاقة المواطن باصحاب القوة السياسية أو  الاقتصادية في الوطن الواحد ، واثنان يتعلقان بالامرين معا، أي بالخصوصية الثقافية اما في نفس الوطن أو  في العالم .

واذا كانت وظيفة الحقوق بجيليها الاولين هي تمكين الافراد من الاسهام الفعلي في الحياة العامة بفضل ممارسة الحقوق السياسية والمدنية مباشرة ، وبفضل ممارسة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية بصورة غير مباشرة (إذ  من دون هذه الحقوق لا يمكن للفرد ان يسهم فعليا في الأولى) . فإن  الامريكيون بالمثل بالمثل بالنسبة إلى الجيلين الاخيرين اللذين نقترح اضافتهما : لابد للمجموعة المستضعفة ـ في صلتها بالمجموعة الدولية قياسا على صلة الافراد بالمجموعة الوطنية ـ ان تسهم في التشريع الدولي بحرية واستقلال ، إذا اردنا لحقوق الإنسان ان تكون كلية حقيقية وليست مجرد أمر  واقع فرضه الاقوياء . ولا يمكن للمستضعفين ان يسهموا في التشريع الدولي من دون الشروط الدنيا للاستقلال السياسي والاقتصادي .

التناسب بين حقوق الإنسان والقانون الوطني والدولي: واذن فلحقوق الإنسان  مستويان : وطني ودولي ، اولهما يحدد حقوق الفرد أو واجبات المجموعة الوطنية ببعديها السياسي والاقتصادي والثاني يحدد حقوق الجماعات المستضعفة أو  واجبات المجموعة الدولية ببعديها السياسي والاقتصادي . فاما المستوى الأول  فغايته تحرير الفرد المستضعف (عادة) من تسلط أصحاب  السلطان السياسي أو  الاقتصادي أو  الاثنين معا في الجماعة الوطنية ، وذلك من خلال جيلي حقوق الإنسان  الاولين . واما المستوى الثاني فغايته تحرير المجموعات المستضعفة من تسلط أصحاب  السلطان السياسي أو  الاقتصادي أو  الاثنين معا في الجماعة الدولية ، وذلك من خلال الجيلين الاخيرين من حقوق الإنسان  : ومن دون ذلك لن تكون البشرية شعوبا وقبائل للتعارف بل سادة وعبيد ، خاصة والنخب المسيطرة في البلاد المستضعفة غالبا ما تتحالف مع النخب المسيطرة في البلاد المستقوية . اما الجيل الثالث فهو الجسر الذي ينقلنا من المستوى الأول إلى المستوى الثاني . والفضل الاكبر في بروز هذا الجيل يرجع إلى الصحوة الإسلامية  التي وفرت شرطه الموجب (ضرورة الابقاء على الاختلاف أو حق الاختلاف الذي يعتبره الاسلام اساس تحقيق القيم ، لكون التدافع شرطا في تحقيق القيم ومناسبة لامتحان الصادقين) وشرطه السالب (الصمود امام التنميط التغريبي الذي بات مميز المسلمين في العالم المعاصر لكون الايديولوجيا اليهودية المسيحية) . والمعلوم انه لا يمكن للاقليات أو  للمستضعفين ان يحافظوا على هوياتهم وخصوصياتهم الثقافية حفاظا حقيقيا إذا  هم حرموا من علامته الجوهرية ، اعني من التشريع الذاتي في كل المجالات ، وخاصة في مجال ترتيب القيم . فيمكن لامة من الأمم  ان تعتبر القيم الروحية الدينية فوق غيرها من القيم إذا  رأت ذلك . ويقتضي ذلك ان يتوفر لهم الاستقلال السياسي والاقتصادي . وانطلاقا من المناط الذي يربط الحقوق بالأساس الذي تستند إليه يمكن أن نقول ان تحديد حقوق الإنسان  في شكلها الحالي قد فرضته ارادة الاقوياء الذين استحوذوا على القوة السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية في المجال الدولي استحواذا مكنهم من جعل تشريعهم لانفسهم تشريعا لغيرهم مع حيف اكيد بحقوق هذا الغير اقتضاه ما للاقوياء من سلطان على النخب السياسية والاقتصادية والفكرية في العالم المستضعف : فالعالم محكوم بدكتاتورية الاقوياء سياسيا واقتصاديا وثقافيا ولا حقوق للانسان الا ما يرونه هم حقوقا لا غير .

أساس حقوق الإنسان  واولها

ولكن هبنا قبلنا بذلك اليس من المشروع ان نسأل عن اساس هذه الحقوق ما هو ؟ اليس أول  حقوق الإنسان  هو الحرية وان اولى علامات هذه الحرية هي الاسهام السيد في التشريع القيمي عامة وفي التشريع الحقوقي خاصة؟ الا يصبح عندئذ من الضروري ان نشترط تحقيق الجيلين الاخيرين ليتمكن المستضعفون من ابداء الرأي المستقل في الحقوق المنسوبة إلى الإنسان  لئلا تحصر انسانية الإنسان  في ما يتصورها عليه من شرعوا لهذه الحقوق وفرضوها . والمعلوم ان انسانية الإنسان  ليست الا ثمرة تقدم الإنسان  في معرفة ذاته وتحديد منزلتها ، ما دامت ليست فكرة اولية أو  عقيدة دينية . وبعبارة اوضح ، فإن  الحقوق عامة وحقوق الإنسان  خاصة ـ وكلها ينبغي ان تكون وضعية اعني من وضع الأمم  السيدة ـ بكامل الحرية ، لئلا يسلب شعب مستضعف حقه في التشريع لذاته وفي الاسهام الحر في التشريع الانساني العام . لذلك فانه ينبغي ان نستفتي المواطنين في كل ما يدور حوله خلاف من هذه الحقوق ، فإذا  رأوا ان بعضها اولى بالتقديم من التشريعات الدينية فلهم ما يرون بشرط ان يحصل ذلك بكامل الحرية وعلى لسان الممثلين الشرعيين اعني المنتخبين ديمقراطيا في انتخابات حرة ونزيهة . وكل مسلم ينبغي عندئذ ان يقبل هذا التقديم بكل رحابة صدر ، إذ ان الدين الاسلامي استعاض عن السلطان الروحي المعصوم بسلطان الاجماع المستند إلى مبدأ عصمة الأمة التي هي دون سواها لا تجمع على الخطأ . ما يرفضه المسلم الصادق ليس هو اذن حقوق الإنسان  بل هو فرضها من قبل النخب اللائكية المعارضة التي تقبل ان تكون في خدمة نظم غير شرعية زعما منها انها تدرا خطر الاسلاميين الذين ينفون هذه الحقوق ، فيصبح التخويف من الدكتاتورية الثيوقراطية الممكنة حجة كافية لتدعيم الدكتاتورية المافيوقراطية الحاصلة فعلا وللابقاء عليها إلى الابد .

الخاتمة

السؤال الوحيد الجدير بالعلاج هو : هل يمكن ان ندافع عن حقوق الإنسان  مع نفي أول  مبادئها اعني اساس الشرعية المتمثل في الوصول إلى الحكم بانتخابات حرة تمكن من يتكلم باسم هذه الحقوق من التشريع باسم الجماعة التي لها وحدها دون سواها حق التشريع دون ان ينفي ذلك حق الافراد والجماعات في التفكير الحر وتصور ما تراه احق من غيره بالاختيار بشرط السعي الديمقراطي لتحقيق تلك الخيارات لا فرضها بالتحالف مع القوى الاجنبية لاسقاط كل محاولة ديمقراطية في العالم الاسلامي بحجة الخوف على الديمقراطية وحقوق الإنسان؟ لذلك فانه يمكن القول ان العلمانيين الذين يريدون ان يبنوا حقوق الإنسان  على غير هذا الاساس فيفرضوها على الجماعة لا يختلفون في شيء  عن الاسلاميين غير المدركين لقيم الصحوة الإسلامية  ، اعني انهم مثلهم ينسبون السلطة التشريعية إلى الفقهاء بدلا من نسبتها إلى الامة .

والفرق الوحيد هو صفة الفقه الذي يزعم سماويا عند الاسلامي غير المدرك لاساس الصحوة (الاستخلاف والتشريع المنسوب إلى السلطة الوحيدة المعصومة اعني الامة مباشرة أو  بممثليها الذين تنتخبهم ) . وهو يزعم وضعيا عند اللائكي غير المدرك لاساس حقوق الإنسان  (الديمقراطية والتشريع المنسوب إلى السلطة الوحيدة اعني الشعب مباشرة أو  ممثليه الذين ينتخبهم) لذلك فاننا يمكن ان نعتبر تقدمية اللائكيين كاذبة لكونها صارت مقصورة على تعويض سلطان الفقهاء في خدمة الانظمة الدكتاتورية بسلطان الاديولوجيين من الحداثيين واغلبهم من القانونيين أو  الفقهاء الوضعيين في نفس الخدمة، تنكرا منهم لأول  حقوق الإنسان  : اساس السيادة والشرعية التي تستمد منها جميع الحقوق الأخرى، اعني الانتخاب الحر للسلطتين التشريعية والتنفيذية وحتى القضائية. ملاحظة: القسم الاول في الراصد 975

القدس العربي 15 / 8 / 2000