



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
(I)
ربي زدني علما
أبو يعرب المرزوقي
كنت أتصور مداخلتي الأخيرة ستكون في حلقة واحدة لتكون آخر ما أدلي به في هذا النقاش اللطيف حول علاقة العلم بالدين. لكن ما علمني إياه الأستاذ دخيل -لسعة معرفته بالنظريات الفلسفية-فتح الشاهية للاستزادة من العلم فطالت المحاولة. لذلك فسأسمح لنفسي بالنظر في المسائل الثلاث التي وردت في مقال الأستاذ الأخير لعل ذلك يمكنني من مزيد الفائدة أعني:
1-العلاقة بين المعرفة والمعلومة.
2-منهج النقلة من المعلومة إلى المعرفة وحدة وتعددا.
3-الفرق بين مسلمات الدين ومسلمات العلم.
وسأضيف مسألتين استطراديتين أولاهما أوحى بها ما نسيته حول تاريخ وفاة بتراند رسل أبدأ بها والثانية أختم بها القسم الأول من مداخلتي وتتعلق بتحديد قصدي من المشاركة في هذا الحوار.
الحمد لله فقد ذُكرت بتاريخ وفاة رسل
لو كنت أعتقد أن النظريات يؤرخ لها بحيوات أصحابها لاعتبرت الكلام على ابن خلدون فضلا عن أفلاطون وأرسطو وجميعهم قد ماتوا قرونا قبل أن يولد براترند رسل من الأدلة الكافية على أني غير مؤهل لفهم المسألة الجوهرية مما قاله الأستاذ دخيل حول علاقة العلم بالدين فضلا عن مناقشته بل إن ذلك قد يفهم القارئ علة لجوئه إلى تفهيمي ما لم أفهم في ثلاثية مستأنفة.
كنت أظن تاريخ النظريات غير متطابق مع التاريخ الفلكي. فتصورت على غير صواب أنه يمكن لعالم متقدم في الزمان أن تكون نظرياته أكثر معاصرة لنا من عالم متأخر سواء كان ميتا أو حيا. فليس صحيحا أن الكثير من العلماء يبدعون نظريات تظل مجهولة أو متجاهلة ثم تصبح بعد قرون أهم ما توصل العقل الإنساني إلى الاقتناع به. فهذا أمر لم يحصل أبدا في أي مجال من مجالات المعرفة الإنسانية. كما لم يحصل أبدا أن يكون المتأخرون في الزمان قائلين بآراء أكل عليها الدهر وشرب. لذلك فالأستاذ دخيل محق في اعتراضه. ولا معنى لما يمكن أن نضربه من الأمثلة حتى لو تعلقت بالمسألة الزمانية. فنظرية مركزية الشمس في نظامنا الشمسي لم توجد عند أحد فلاسفة القرن الرابع قبل الميلاد. وهي لم ترفض. ولم تصبح مقبولة بعد ثمانية عشر قرنا. كل ذلك وهم. ونظرية الأعداد الحقيقية أو نظرية اعتبار ما لا يقبل الرد إلى الأعداد الطبيعية في الرياضيات القديمة لم تتقدم عند العرب على عصر التسليم بها عند الأوربيين بقرون.
من هذا المنطلق فأنا مخطئ لما تصورت أنه يجوز لي أن اعتبر نظرية رسل في وحدة العلم أمرا تجاوزه التاريخ مع الاستناد إلى نظرية خلدونية في تعريف ضروب المعرفة كاستراتيجيات عملية. كيف يمكن أن تكون نظرية أرسطو أو ابن خلدون التي تنفي هذه الوحدة أقرب إلى ما تؤيده نظرية المعرفة الحالية التي أتت بعد نظرية رسل وفي حياته قبل مماته؟ لعل الأستاذ دخيل غير جاد: وإلا كيف يخلط بين زمانية الفلك لأعمار العلماء وزمانية التاريخ العلمي فيحتج بمثل هذا الكلام ؟!
هل نحن نترجم للعلماء؟ حياة رسل لا تعنينا بل حياة نظريته في وحدة العلم. وأظن الفرق بينا يا أستاذ دخيل: نظرية ابن خلدون في العلم من وجه تعدد المناهج وكونها إستراتيجية لإيجاد المعلومة أقرب إلى الصحة من نظرية رسل رغم الفارق الزماني الذي أشكرك على تذكيري به. لكن لا بأس فخطئي قد سمح للأستاذ أن يذكرني بتأخر وفاة رسل المتأخر عن وفاة ابن خلدون فجزاه الله خيرا. فقد كنت أظن ابن خلدون مات بعد رسل !
العلاقة بين المعلومة والمعرفة
لا يحتاج رأي الأستاذ دخيل لتوضيح مفارقة أن يدرك المرء ما لا يوجد التي ينسبها إلي. وهي مفارقة لا أتبرأ منها بل أزيدها توكيدا بالانطلاق مما زادها توضيحا أعني ضربه أمثلة ليبين ما يظنه خلفا. طبعا هو يخلط بين الإدراك الغفل والعلم وإلا لما قال ما قال. وهذا لا يحتاج إلى تعليق خاصة ونحن لا نريد المشاحة في الاصطلاح: نعم الإنسان يعلم ما لا يوجد ليوجده بعلمه إذا كان علما بحق حتى وإن كان لا يدرك بالإدراك الغفل إلا ما يوجد لأنه لا يحتاج إلى إيجاده ولا ينشغل بوجوده الذي يدركه العلم. لا بد لي إذن من شرح ما قصدت من أن المعرفة هي التي تنتج المعلومة دائما وليس بصورة جدلية كما يريد الأستاذ دخيل أن يبين لكي يقبل بعض ما قلت ويوصل قوله الحالي بما قال به في المرة الأولى: هو يعتبر المعرفة تنطلق من المعلومات المعطاة أو من معطيات معلومة ومتقدمة الوجود على علمها. وأنا أزعم المعرفة العلمية لا تنطلق من المعلومات المعطاة بل من النظريات التي توجد المعلومات لتصبح معلومة وربما موجودة بعد أن يمكن العلم من صنعها.
وطبعا فهذا الرأي لغرابته يبدو من الوهلة الأولى كافيا لبيان صحة رأي الأستاذ دخيل الذي يطابق بادئ الرأي. وحتى يتأكد القارئ أن العلم لا علاقة له بما يتصوره الأستاذ موضوع علم في بادئ الرأي سأنطلق من أمثلته حتى نفهم الفرق بين التصور العادي والتصور الفلسفي للعلم. ذلك أني لو ضربت أمثلة من علوم رفيعة التجريد كالرياضيات العالية مثلا لقيل لي إنك اخترت مجالا موضوعه من إبداع العقل وليس من المعطيات الطبيعية كما يعلم الجميع أعني من المقدرات الذهنية لا الموجودات العينية بلغة شيخ الإسلام الحراني -وليسمح لي الأستاذ بالاعتماد على عالم مات خمسة قرون قبل ولادة رسل وستة قبل وفاته-!
فلنعتمد أمثلة الأستاذ أعني أكثر العلوم عينية عند النظر إلى مجال بحثها أو المعلومة المعطاة بلغته. فقد اختار الأستاذ مجال الاجتماعيات والديموغرافيا أو الاقتصاد. وها أنا أسأله: ما الذي يمكن أن يلاحظه الديموغرافي إذا لم يكن قد بدأ فوضع نظرية تحدد الأمور أو المعاني التي يبحث عنها ليجعلها معطيات علمه ؟ مثل التعداد السكاني وعدد الولادات ونسبة الوفيات والتناسب بين الجنسين وسلم الأعمار وأمل الحياة إلخ...؟ ثم هل يمكن أن تكون هذه المعاني ذات فائدة إذا لم يتقدم على ذلك وضع قوانين علم الإحصاء والنسب الدالة وغير الدالة وقانون جوس مثلا ؟
وحتى نأخذ مثالا من ابن خلدون رغم ما علمنا أخيرا من تقدمه في الزمان على رسل هل كان يمكن الكلام على صورة العمران (الحكم والتربية) وعلى مادته (الاقتصاد والثقافة) لو لم يضعها كمفهومات تصورية أو نظرية هي ما يسمي به أو يصوغ به علميا جملة من الأمور التي لا تقبل أن يمسك بها العقل لتكون موضوع ملاحظة وعلم ؟ من يرى للعمران صورة ؟ ومن يرى له مادة ؟ ومن يدرك أن الصورة تعني أنظمة الحكم وأنظمة التربية ؟ وكيف عزلت هذه الأمور لتصبح موضوعات قابلة للملاحظة ؟ لو كانت معطاة حقا فلم انتظرت إلى تلك اللحظة التي صارت قابلة للرؤية في النظرية التي جعلتها أمرا ينتأ على سيلان الظهور العمراني ؟
أليست هذه المعاني كلها معاني مجردة لا بد من إبداعها أولا لكي نبحث عما يمكن أن ينتظم تحتها من الظاهرات الاجتماعية التي نريد البحث فيها لتحصيل معلومات حولها تمكن من وضع نظريات تفسيرية لها علما وأن المطابقة بين المنظور والموجود أمر مستحيل التحقق مهما دققنا النظرية والتجربة ؟ هل رأى الأستاذ دخيل شيئا اسمه الإنسان الاقتصادي أم إن ذلك مجرد فرضية علمية من دونها لا يمكن أن نؤسس النظرية الاقتصادية ؟ وأي معنى للمستهلك المعدل ومعدل الاستهلاك وحتى معدل الطالب ومعدل الفقر ؟ وهل رأى أحد شيئا اسمه درجات سلم القيس الديموغرافي للأجيال ومعدلاتها في الواقع المدرك بالحس ؟ كل ما يعلمه العلم هو كائنات نظرية أو هو من المقدرات الذهنية التي تبحث التجربة عما يقرب منها ليكون مضمونا تعبر عنه إذا فصلنا المضمون الحدسي الذي هو تنوع فوضوي من السيلانات الحسية التي ليس فيها ما يمكن أن يعد معلومة قبل أن يصبح مصوغا بهذه المعاني العلمية التي يبدعها العقل ليعالج بها المتنوع التجريبي الذي هو في سيلان أبدي.
لا يمكن للمرء أن يزعم أنه يلاحظ الواقع هكذا من دون نظرية مسبقة حددت ما عليه أن يبحث عنه فيه فيكون مادة للملاحظة. ما يوجد في الواقع فوضى من التنوع المتشابك والمتشاجن الذي لا يمكن للعقل أن يلج إليه ما لم يصغه بمقولاته التي هي غربال الإدراك العلمي وليس الإدراك الذي يتكلم عليه الأستاذ دخيل. والمعلوم أن الإدراك العادي يستعمل اللغة الطبيعية. وهذه تقدم لنا معطيات مبتذلة لا يمكن لأي علم أن ينطلق منها بل إن العلم لا ينطلق فعلا إلا بعد أن يتحرر من أخطاء الحواس وأخطاء اللغة الطبيعية أو إن شئنا حتى نكون منصفين من الرؤية التي يحددها هذا الغربال الطبيعي للإدراك العادي: ومنه تنبع المعرفة العامية التي تجعل العلم وصفا للواقع وليس إبداعا له. لكن شتان بين هذا الإدراك العادي والإدراك العلمي. في الإدراك العلمي المعطيات تأتي من المعرفة وفي الإدراك العامي المعرفة الغفلة تأتي من المعطيات الحسية الغفلة.
وأختم هذه النقطة بمثالين من العلوم التي تيسر فهم هذه المعاني للقارئ حتى غير المختص. ففي الفيزياء لو انطلقنا من معطيات الإدراك العادي لاستحال علينا أن نضع نظرية واحدة مثل نظرية السقوط الحر رغم بساطتها. ذلك أن هذه النظرية تفترض مفهوم الخلاء الذي يتساوى فيه كل المواد في الخضوع لقانون السقوط الحر فيكون صحيحا على القطن وعلى الحديد. من يمكن أن يصدق ذلك ومعطيات التجربة العادية تنفيه بالمطلق؟ لكن وضع القوانين العقلية التي تأسست عليها الفيزياء وأهمها قانون العطالة يجعل ما ليس معطى في الإدراك هو الحقيقة فتكون النظرية هي التي تنتج معطياتها وليست ناتجة عنها.
وحتى في الفلك لو لم توجد نظرية تشكل السماء بأشكال تمكن من صوغها هندسيا لامتنع أن نلاحظ حركات الأفلاك لأننا لن ندري أي قبلة نولي إليها وجهنا لنلاحظ ما يجري في السماء وعم نبحث في الملاحظة. اختيار القبلة في الأديان من أهم رموز تقدم الفعل المصوِّر على المعلومة المطلوبة. لذلك فليس من الصدفة أن كان الدليل الحاسم لإسكات الملائكة المحتجة على أهلية آدم للاستخلاف هو تعليمه الأسماء. فمعرفة التسمية متقدمة على المعلومة لأنها تضع عليها العلامة فتصيرها معلومة !
النقلة من المعلومة إلى المعرفة ذات منهج واحد
لم أقول الأستاذ دخيل ما لم يقل ولم أنسب إليه القول بأن النقلة من المعلومة إلى المعرفة ذات منهج واحد بمعنى نفي المناهج الأخرى في غير العلم. فهذا طبعا لم يحصل لأنه لم يكن من داع لحصوله. فالمشكل لم يكن تعدد ضروب الإدراك أو وحدتها بل هو كان تعدد مناهج العلم أو وحدتها. هو ينسب إلى العلم منهجا واحدا. فإذا أنكر اليوم ذلك لم يبق لحججه كلها أي أساس. فأساس مقابلته بين الدين والعلم هو مقابلته بين منهجيهما. فيكون إذن قد قال بوحدة المنهج العلمي الذي ينقل من المعلومة إلى المعرفة (وبالتالي أيضا وحدة المنهج الديني) فتكون العلوم ذات منهج واحد والأديان ذات منهج واحد ويكون المنهجان متنافيين بالجوهر وليس بالعرض. وذلك هو مناط الخلاف بيني وبينه. وهو خلاف مضاعف.
فأولا أنا أنفي أن يكون العلم ناقلا من المعلومة إلى المعرفة حتى في البداية بخلاف ما يتصور الأستاذ مستدركا على تعريفه الأول. وفضلا عن نفيي وحدة المنهج في الأديان فإني أنفي كذلك أن يكون منهج العلم واحدا حتى في الانتقال المقابل الذي أقول به أي من المعرفة إلى المعلومة وبصورة دائمة وليس بالصورة الجدلية التي استدرك بها الأستاذ على تعريفه الأول: لأن المعلومة التي تنتجها المعرفة هي معرفة وليست معلومة معطاة. فهذا الانتقال في العلوم الرياضية غيره في العلوم الطبيعية وغيره في العلوم الإنسانية وغيره في العلوم المتوسطة بين الأنواع الثلاثة السابقة أعني في العلوم اللسانية والأدبية ثم تأتي المعارف الفلسفية والدينية التي هي ما بعد لكل ذلك إما من منظور يتقدم فيه النظر على العمل أو من منظور يتقدم فيه العمل على النظر.
1-ففي الرياضيات المنهج الناقل فرضي استنتاجي خالص ولا حاجة لغير هذين الفعلين والعقل السليم وقواعد المنطق.
2-وفي الطبيعيات المنهج الناقل فرضي استنتاجي مؤيد بمرحلة تجريبية تحول المعلومة الحاصلة إلى حقيقة موجودة لكن لا بد مما تحقق في الرياضيات.
3-وفي الإنسانيات المنهج فرضي استنتاجي تجريبي تأويلي أي إن التحويل السابق شبه متعذر في غالب الحالات فيأتي الفهم التأويلي بديلا من التفسير التحليلي لكن لا بد مما تحقق في المرحلتين السابقتين.
4-وفي اللسانيات والأدبيات وكل الفنون والمبدعات الإنسانية لا بد من الجمع بين كل تلك المناهج لوجود كل الأبعاد السابقة فيها لتعدد أوجه الظاهرة الرمزية التي هي رياضية وطبيعية وإنسانية في آن.
5-وفي الفلسفيات والدينيات يتعلق الأمر بكل ما تقدم وبما بعده من المعارف ليس من حيث هي نظر قولي بل ممارسة فعلية وحية وهو ما يجعل المعرفة تبلغ درجة ما لا يقبل أن يستنفذه أي منهج من تلك المناهج لأنه يتعلق بما لا ينقال أو بما هو من الوجدانيات.
هذا هو مناط الخلاف وليس تعدد ضروب الانتقال بل تعددها في المعرفة العلمية ذاتها علما وأن الانتقال ليس من المعلومة إلى المعرفة بل بالعكس هو انتقال من المعرفة إلى المعلومة وذلك في البداية والغاية وكل المراحل الوسيطة بينهما: لأن المعلومة مسبوقة بصوغ فرضي ومشفوعة بتحقيق تجريبي للواقع اللامحدد لتحوله إلى واقع محدد هو الواقع الذي صار موضوعا لعلم بعد أن كان موضوعا لإدراك غفل يشترك فيه كل البشر أعني المعرفة العامية.
ونفس هذا التعدد المنهجي في العلوم له ما يناظره في الأديان. ففضلا عن كون القرآن يتكلم على تعدد الشرعات والمنهاجات يكفي أن تقارن الفرق بين ما يقصه عن استناد التجارب الدينية السابقة على خرق العادات واستناد القرآن على الاستدلال بنظام العالم والتاريخ وسنن الله فيهما سننه التي لن تجد لها تبديلا أو تحويلا. ثم كل من يدرس الأديان دراسة اثنولوجية وأنثروبولوجية يعلم أنها متفاوتة المسافة وعقلانية الموقف من المعرفة العقلية. فشتان بين الأديان البدائية المعتمدة على الكهانة والسحر والأديان السماوية التي تعتبر ذلك من الأساطير رغم ما بين هذه الأديان من تفاوت يدركه كل من يقارن نصوصها بل حتى في نفس الدين فالفرق من هذا الوجه بين في المسيحية بين الكاثوليكية والبروتستنتينة وهو أكثير بينونة بين فرق الإسلاميين بمعنى الكلمة عند الأشعري (لا بالمعنى الحديث).
الفرق بين مسلمات الدين ومسلمات العلم
يحاول الأستاذ دخيل أن يثبت ما لا يحتاج إلى الإثبات. لو كان الدين والعلم لكل منهما جنس واحد من المسلمات ولو كانت كل مسلمات العلم من جنس كل مسلمات الدين لما قلنا بأن إشكالية الفصل بينهما إشكالية زائفة بحجة أن الفصل بينهما بين بنفسه ولم يجادل فيه أحد. ما ادعيته هو أن نوع المسلمات الشارطة لإمكان العلم عامة وقد عينتها بالاسم وبالعدد-لا نوع المسلمات التي تتعلق بما يمكن علما من العلوم من تحديد موضوعه الخاص به-مسلمات إيمانية وليست مسلمات منهجية.
والفرق بين النوعين بيِّن لكل ذي بصيرة. فالمسلمات المنهجية أو فرضيات العمل كما يقال قابلة للتغيير بمجرد أن نكتشف ما هو أفضل منها في العمل المخصوص للعلم المخصوص: وبها يحدد العلم المخصوص موضوعه ومنهجه ومقاصده. لكن المسلمات الشارطة لإمكان المعرفة العلمية عامة ليست فرضيات عمل بل هي ما لا يكون العمل العلمي عامة ممكنا من دونه أي إن الإنسان لا يستطيع أن يقوم بالبحث العلمي إذا لم يسلم بوجود العالم وبمعلوميته وبوجود الإنسان وبعالميته. ولما كانت هذه المسلمات الأربعة هي السلَّم المؤدي إلى جوهر ما يترتب على العلم بها من ثمرة إيمانية هي شرط هذه الشروط أعني الجواب على هذا الاستدلال الضمني في كل عقل إنساني يطلب الحقيقة التي فطر عليها من حيث هو إنسان: فما كانت هذه الشروط لتكون وما كان ما يترتب عليها من علوم ليكون لو لم يكن ما هو موجود ذا نظام وخطة ومن ثم ممثلا لثمرة فعل عقلي البعض يعتبره محايثا فيه فيؤله العالم والبعض يفصله عنه فيؤمن بالله لما تكلمنا عن العلاقة المتينة بين العلم والدين.
لكن تعليقي على هذه المسألة له وجه ثان أهم. فالأستاذ دخيل يتصور كل الأديان متماثلة وعرف الدين بكونه مجرد تسليم بعقائد غيبية لا تتغير بحيث هو لا يفرق بين العقد العقلي والعقد الخرافي. ولست أدري كيف يمكن أن يصدر مثل هذا الكلام من عالم اجتماع. أليست العقائد ذات تاريخ ؟ ألم يتطور الوعي الديني ؟ هل الأديان جميعا مجمعة على نفس العقائد وبنفس الطريقة الاعتقادية فلا يكون فرق بين معتقدات الدين الخاتم والأديان البدائية التي لا تتميز عن الشعوذة والخرافة ؟ وهب الأستاذ ينكر الحقيقة التاريخية لتطور الوعي الديني فلا يكون فرق بين أساطير الأولين والقرآن ألم يقرأ القرآن الكريم؟ هل القرآن يدعو الناس إلى مجرد التسليم أم هو يحاجج ويستدل ؟ وهل عانى أحد وكابد ما مرت به الرسل من بحث وتساؤل كل قصص القرآن الكريم تذكير بها ؟ وكيف يفهم تساؤل إبراهيم عليه السلام ؟ كيف يفهم ردود القرآن على المعاجزين ؟ وكيف يفهم دعوة القرآن إلى التنقيب في البلاد؟ والنظر في الآفاق والأنفس ؟
ولِمَ كان حجاج الرسول الخاتم مفيدا أن المعجز هو النظام وليس خرقه بخلاف الإعجاز في التجارب التي يقصها القرآن ؟ أليس لأن مناهج الدعوة الدينية قد تغيرت فانتقلنا كما يقول القرآن من الإعجاز التخويفي في الرسالات السابقة إلى الإعجاز الإقناعي في التجربة المحمدية ؟ وأخيرا فإن وهم وحدة العلم ووهم وحدة الدين ووهم التنافي بين الدين عامة والإسلام خاصة والعلم هذه الأوهام الثلاثة علتها سوء فهم لمفهوم العلم ولمفهوم الدين ولطبيعة العلاقة بين السؤالين العلمي والديني:
فالسؤال العلمي في حده الأدنى هو طلب الفنون التقنية التي يتكلم عليها الأستاذ دخيل -كما يتبين من كل أمثلته التي يخلط فيها بين العلم والفن التقني مثل الطب- وهو في حده الأقصى السؤال العقلي عن حقيقة الوجود ومعناه فيكون بالمعنى الأول جزءا من المشروع الديني من حيث هو استخلاف في الأرض إذ هو أداة هذا الاستخلاف وهو في حده الأقصى طلب الفنون الخلقية-التي يغفلها الأستاذ دخيل بسبب نزعته الوضعية-فيكون العلم بهذا المعنى الثاني جزءا من المشروع الديني من حيث هو ترق في عبادة المستخلف عرفانا وشكرانا.
كما أن السؤال الديني في حده الأدنى هو طلب الفنون التربوية التي تحقق الطمأنينة والعيش المستقر لئلا يبقى الإنسان خاضعا لمجرى الظاهرات الكونية وعبدا لها فيكون الدين بهذا المعنى متكاملا مع البعد الأول من العلم لأن ذاك للأداة المادية وهذا للأداة الرمزية والخلقية. والسؤال الديني في حده الأقصى –وهذا هو ما يغفله الأستاذ دخيل لخلطه بين الدين وأساطير الأولين-هو طلب الفنون الروحية التي تجعل الإنسان يثبت جدارته بالاستخلاف وأهليته بأن يكون الموجود المكرم في العالم وذلك هو ذروة المعنى الوجودي الذي يتكامل مع الوجه الثاني من العلم. فيكون العلم بوجهه الثاني غاية العبادة ويكون الدين بوجهه الثاني غاية معناها.
لِمَ شاركت في هذا النقاش
لما أرسل إلي الصديق عبد العزيز قاسم مقالات الأستاذ دخيل الأولى ترددت كثيرا في المشاركة. فالحوار من الأمور المفيدة لكن المناخات الثقافية المختلفة جدا يمكن أن تولد حساسيات قد يكون من الأفضل تجنبها. لكني سبق لي أن سمعت الأستاذ دخيل في نقاشات تلفزية فرأيت الهدوء والانفتاح الميسرين للحوار. ولما كان الموضوع من مشاغلي الفكرية خاصة للرد على دجالي الإعجاز العلمي لم أطل التردد فحاولت مناقشة آرائه التي كانت تتضمن قابلية الانزلاق إلى القول بالعداء بين الدين والعلم بل والذهاب إلى القول إن المسلمين تخلفوا بسبب الدين حتى بغطاء عدم الفصل بين الدين والعلم. والمعلوم أنه لا أحد قال إنهما شيء واحد لأن قول بعض العلماء إن الإسلام ذو روح علمية أعني يقدم سلطة الحجة على حجة السلطة مختلف تماما عن الخلط بينهما أو رد أحدهما إلى الآخر.
لكني وجدت في ردوده الأخيرة شيئا من الحدة ما لم أفهم له سببا. فما زعمت في ما ذكرته في مقالاتي الثلاث أمرا يشكك في علمه أو في خبرته أو في اختصاصه حتى وإن كنت لا أتصور حصول مثل ذلك مما يعاب إذا كان ذا أسانيد علمية إذ لا أحد معصوم بل اكتفيت بقول ما فهمت من كلامه وبينت رأيي بكل احترام. لم أزعم أنه يجادل بسوء نية أو يسوف كما يدعي في وصفه كلامي بالإستراتيجية التي أسعى بها لتجنب الكلام في الجوهر أعني في ما رآه هو جوهرا. ولم اتهمه بالتناقض في مقاله بل بالعكس بينت تناسق كلامه ولم أرد عليه إلا بعد أن لخصت رأيه وبوبته ثم بينت علل عدم قبولي بأسسه وبنتائجه: فهذا من بديهيات المنهج الفلسفي فضلا عن شروط الأمانة العلمية التي هي فضيلة خلقية أحاول الالتزام بها ما استطعت إلى ذلك سبيلا .
وفي الختام فإني أعجب من فهمه لتطبيق مبدأ عدم التناقض. فلست أدري كيف يجد تناقضا في الجمع بين القول إن العلم والدين شيئان مختلفان والقول إن العلم جزء من الدين بالمعاني التي بينت؟ هل الجمع بين القول إن الأرض والعالم مختلفان والقول إن الأرض جزء من العالم يتضمن تناقضا مثلا ؟ هل صار جزء الكل لا يمكن أن يكون جزأه إلا إذا كان غير مختلف عنه ؟ وفي كل حال فإني اعتبر النقاش قد انتهى من جانبي على الأقل لأن شرط التقدم فيه بات مستحيلا: فكما نبين في الحلقة الثانية والأخيرة من هذه المحاولة لم نتفق الأستاذ دخيل وأنا على تعريف العلم ولا على تعريف الدين ولا على تعريف المنهج. فكيف إذن سيبقى الحوار ممكنا حول العلاقة بين الأمرين والمسألة تدور على هذه المفهومات الثلاثة ؟
هل الدين مجرد ظاهرة ثقافية ؟
(II)
وجد الأستاذ دخيل بحثي في مسألة العلاقة بين العلم والدين طويلا رغم كونه قد كان في ثلاث حلقات مثل بحثه. وأرجع ما ورد فيه إلى ما اعتبره نزعة جدالية عند صاحبه وإلى هوامش حول الموضوع دون الجوهر وعلل ذلك بإستراتيجية مقصودة لتجنب الكلام في ما يعتبره جوهر الإشكال مضمرا سوء القصد وعدم طلب الحق بدافع التعصب الديني. ورغم أن بحثي كان بحلقاته الثلاث يسعى إلى إثبات زيف المشكل الذي يطرحه لأنه لا يوجد من يقول بالتوحيد بين الدين والعلم حتى نحتاج إلى التمييز بينهما ناهيك عن الفصل فإن الأستاذ يزعم أني أدافع عن القول بوحدتهما من منطلق ديني أو بالفصل المشروط بخضوع العلم للدين ناسبا إلى ما يلاحظ تاريخيا في العلاقة بين الظاهرتين الدينية والعلمية. ثم لخص زبدة بحثه مرجعا إياها ضمنا إلى الموقف العلمي خلطا بين العلم والعلموية ولخص زبدة بحثي مرجعا إياها صراحة إلى الموقف الأصولي خلطا بين الأصالة والأصولية.
وطبعا فهذا كله لا يفسد للود قضية لأنه من حق المحاور أن يؤول قول محاوره بما استطاع أن يفهم منه أو بما اختار من مهارب لييسر الرد عليه. وهذا هو المقصود بإستراتيجية الجدل عندما لا يكون قصد صاحبه طلب الحقيقة قدر الاستطاعة. وحتى يكون القارئ على بينة من الأمر سأكتفي بتلخيص المسالة رغم ما قد يؤدي إليه التلخيص من تبسيط لعل نموذجه أشباه أدلة الأستاذ التي جعلته يعتبر موقفه بينا بنفسه. سأكتفي في هذه المداخلة الخاتمة بالجواب عن الأسئلة الثلاثة التالية حصرا لكلامي في ما جد في مقالتيه الأخيرتين لئلا نكرر ما سبق علاجه:
السؤال عن طبيعة المشكل الذي يطرحه الأستاذ دخيل ليعالجه علميا في مقابل العلاج الديني الذي مثله بحثي كما يفهم.
والسؤال عن طبيعة الحل الذي يقترحه بوصفه شرط تحرير المسلمين من العلة الأساسية لتخلفهم كما يتصور.
والتعليق على نموذج الأمثلة التي يضربها الأستاذ دخيل لبيان دعواه بصورة لا يجادل فيها ذو بصيرة كما يظن.
لكن هذا الترتيب المنطقي لن يفيد في الاستدلال الذي يبين وهاء الفرضية التي انبنى عليها تحليل الأستاذ دخيل في علاجه السابق لهذه المسألة التي سبق أن بينا زيفها من الأساس وفي رده على بحثي خاصة وهو يتصور موقف الكنيسة في المسيحية وموقف أصحاب الإعجاز العلمي كافيين للدلالة على موقف الدين من العلم: وهذا من عجائب الفهم الاجتماعي الذي لا يميز بين الظاهرة وبعض الناطقين باسمها. لذلك فسأعكس الترتيب وأبدأ مما يظنه الأستاذ دخيل دليلا حاسما وبسيطا معتمدا على مثال مما يتصوره علما.
هل المثال بسيط ؟
قال الأستاذ دخيل: "لنأخذ هنا مثالاً بسيطاً جداً. عندما توصلت الأبحاث والتجارب العلمية في إنجلترا في القرن التاسع عشر إلى حبة الأسبرين ووظيفتها، لم يكن من المتصور أن يكون هذا الدواء خاصاً بالشعب الإنجليزي. وظيفة هذه الحبة واحدة لكل شعوب الأرض. الشاهد هنا ليس كما قد يتبادر للبعض عالمية الدواء ووظيفته، وإنما عالمية المنهج الذي استخدم في الأبحاث والتجارب التي أدت إلى الدواء. وهذه العالمية تأتي أولاً وقبل كل شيء من عالمية المضمون لكل من عناصر المنهج ذاته، وعدم اختلافها تبعاً للاختلافات الثقافية والاجتماعية، ومن عالمية موضوع هذا المنهج، وهو هنا الجانب الطبيعي للإنسان. هل يمكن أن يقال شيئاً ولو قريب من ذلك في حالة الفكر الديني؟"
لم يفاجئني هذا المثال. فليس من الصدفة أن يكون من سن النظرة التي تبناها والتي تقول بوحدة العلم موضوعا ومنهجا بل ومن نفس البلد: نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في إنجلترا. لكن ما فاجأني هو اعتبار هذا المثال ممثلا للعلم أولا واعتباره بسيطا ثانيا ومن ثم تأويله البسيط إلى حد لا يصدقه من يفهم معنى العلم ما هو أخيرا. فهذا المثال من أسوأ الأمثلة للتدليل على المنهج العلمي فضلا عن الدلالة على وحدة المنهج ووحدة الموضوع: لأنه بكل بساطة يتعلق بمجال لم يصبح بعد علما بل هو مجرد فن قد لا يصبح علما أبدا.
ذلك أنه من المعلوم أولا أن هذا الاكتشاف حصل بمحض الصدفة. ومن المعلوم ثانيا أن الطب فن وليس علما. ومن المعلوم أخيرا أن الأبحاث والتجارب التي تؤدي إلى أي اكتشاف حتى لو كان علميا لا يمكن أن تفهم دلالتها العلمية إذا حصرت في بحث معين لمسألة معينة معزولة عن النسق المعرفي بل والنسق الثقافي كله. لذلك فالمفروض ليكون الاستدلال ذا معنى علمي ممن يدعي الوقوف الموقف العلمي قبالة الموقف الديني أن يقارن مسألة معينة من العلم بمسألة معينة من الدين أو أن يقارن تطور الفن الطبي والعلوم التي تؤسسه بتطور أي فن من فنون الفكر الديني والعلوم التي تؤسسه. وعندئذ سيكتشف أن كلا حكميه خاطئ حتى لو تنازلنا عن الخطأ المنهجي الذي يقارن أمرا فنيا معزولا (هو اكتشاف دواء) بظاهرة كلية (هي نسق الخيارات الوجودية في الأديان كلها أعني لكل العقائد دون تمييز):
1-فالفنون الطبية مختلفة بحسب الثقافات ولم يعد أحد يقبل بوحدة الطب أو بكونيته حتى في مرحلة التطور الأخيرة من فنون العلاج الطبي أعني الطب الذي يشير إليه الأستاذ بل توجد عدة فنون طبية صارت الآن متعاصرة وتعمل معا. والشكل الحالي من الطب الغربي هو حصيلة هذا التطور دون أن يلغي المراحل السابقة بل هو يعتبر نفسه مكملا لها. فيكون الأستاذ قد قارن إحدى مراحل فن الطب بالفكر الديني وليس الفكر العلمي بالفكر الديني.
2- والفنون الدينية ليست كلها سواء بل هي مختلفة مثلها مثل فن الطب إذ هي بنحو ما أيضا طب حتى وإن لم تكن طبا تجريبيا بالمعنى المخبري بل هي طب تجريبي بمعنى التاريخ المديد ككل المؤسسات التي هي العلاج الكلي للوجود الإنساني ومن ثم فهي شرط العلوم وكل الإبداعات الإنسانية. فيكفي أن تأخذ فكرة الألوهية على الأقل في الأديان السماوية الثلاثة التي يعرفها مجتمعنا المسلم. فهي قد مرت من إله شعب يستعبد به ذلك الشعب بقية البشر إلى إله البشرية يحرر به كل من دخله بقية البشر مرورا بمرحلة وسطى ترددت بين الحدين. ومن ثم فالفكر الديني قد انتقل من إله مؤسس للعلاقات البشرية العرقية إلى إله مؤسس للعلاقات البشرية المبنية على الأخوة الروحية المطابقة للنوع وليس لجماعة بعينها. وهذا أهم ألف مرة من أي علم لأنه شرط التواصل العلمي: لذلك كان القائلون بهذا التصور داعين إلى أخذ العلم ولو من الصين.
وبهذا المعنى فشاهد الأستاذ غير صحيح بوجوهه الثلاثة: ففضلا عن كونه ليس شاهدا علميا يمكن القول إن حججه الثلاث باطلة. فلا وظيفة الدواء عالمية ولا مناهج الطب عالمية ولا موضوعاته عالمية إلا بمعنى ما فرضته العولمة من تقنيات. ذلك أن الدواء كالغذاء صار عالميا بما يشبه ماكدونالد وهو ليس عالميا بالطبع بل بالتاريخ: جعلوا الداء عالميا ليكون الدواء عالميا. ولتلاحظ أنهم يفعلون نفس الشيء بالنسبة إلى الغذاء: يفسدون كل بذور العالم حتى لا يبقى لشعوب الأرض إلا استيراد البذور من عندهم بل أكثر من ذلك حتى النباتات احتكروها لتصبح نباتاتهم عالمية.
لنضرب مثالا من التاريخ المتقدم على نهاية القرن التاسع عشر. فلما نقل الغزاة الأوروبيون الجدري إلى أمريكا في القرن الخامس عشر وما بعده أفنوا شعوب أمريكا اللاتينية التي لم تكن تعرف هذا الداء ولم تكن بحاجة إلى دوائه. ونقلوا معه الخمر والسلاح وهما أيضا داءان لا بد لهما من دواء يصبح كونيا مثل الدائين بالانتقال والفرض الاستعماري. ونحن نرى بأم العين ما يحدث في إفريقيا: عاشت شعوبها السوداء آلاف السنين مع القردة ولم يفنها الإيدس الذي حملت القردة مسؤوليته وليس مخابر المخابرات. ثم هي ذي الآن تأيدست بمقدار يفوق الخمسين في المائة فيصبح الطب الذي يعالج الإيدس عالميا مثله مثل المرض. ونفس الظاهرة حدثت بخصوص نشر الأديان والإيديولوجيات.
كل العلماء الذين يعرفون العلم ما هو يعترفون أن العلم هو أيضا ظاهرة ثقافية تتدرج نحو الكلية مثله مثل كل الظاهرات الاجتماعية التي لها أصل في مقومات وجود الإنسان الانثروبولوجية. والدين تطور كظاهرة اجتماعية عند النظر إليه من حيث هو تعبير فطري لم يع ذاته. لكنه بمجرد أن بلغ إلى الوعي بذاته صار فطرة مدركة لشروط أدائها لوظائفها فأصبح عين الوعي الإنساني ولا يمكن من ثم قيسه بأحد تجلياته الأساسية أعني المعرفة العلمية والعمل الخلقي والذائقة الفنية والحياة التآنسية والتعالي على ذلك كله من حيث الوعي بكون الإنسان ذا منزلة كرمها الله أو هكذا يعتقد من يفهم معنى الإنسانية التي لا تتأله فتتصور الدين من أساطير الأولين والعلم هو الحقيقة التي ليس بعدها حقيقة.
لا احد من العلماء الحقيقيين قال بذلك أو اعتقده إذا ما استثنينا النعرة الوضعانية التي صارت من علامات الجهل بالعلم بدلا من العلم به: بل جل العلماء المبدعين متدينون بهذا المعنى الذي حاولنا وصفه أيا كان الشكل الديني الذي يقولون به لأنه في كل الأحول لا يكون دينيا إلا إذا كان إيمانا بقيم متعالية على العلم النسبي تحدد الوجود الإنساني وتضفي عليه المعنى. وليكن شاهدنا من أمريكا ولكن من نفس اللحظة التي يتكلم عليها الاستاذ: فبيرس أكبر علماء الولايات المتحدة في ما يصل بين المجالين الطبيعي والإنساني يعتبر العلم لا غاية له إلا طلب الحقيقة أي إنه في الجوهر دين بالمعنى السامي للدين والعلم على حد سواء حيث لا يكون العلم وضعية والدين شعوذية.
طبيعة الحل
ما استنتجه الأستاذ دخيل من المسألة الزائفة التي عنونها بضرورة التميير بين الدين والعلم بل وبواجب الفصل بينهما من أجل تحرير المسلمين من تخلفهم يبدو لي في فكر عالم الاجتماع من عجائب الدهر:
فهو أولا مبني على سوء فهم للعلم. فما من احد درس أي علم إلا ويعلم أنه مضطر للتسليم على الأقل بأربعة أمور تسليم إيمان بدون دليل ولا برهان لأنه بمجرد رفض ذلك يتحول إلى شكاكية لا تبرح مكان التشكك: فلا بد من التسليم بوجود موضوعه وبقابليته للعلم ومن التسلم بوجود عقله وبقدرته على المعرفة.
وهو ثانيا مبني على ظن الدين مقصورا على الفهم الشعبي: والعجيب أن القرآن في متناول الأستاذ وهو لا بد قد رأى ككل من قرأه أن تجارب الأنبياء كلها معركة مع الشك وليس إيمانا أعمى وأن حجاج القرآن مبني على سلطة الحجة لا حجة السلطة.
وهو أخيرا يتصور التخلف بهذه البساطة بحيث يمكن تفسيره بعامل واحد أيا كانت أهميته. وفي الحقيقة فإن هذا التصور هو من بقايا فرضية أخرى أبعد غورا هي تلك التي تقول إن تخلف المسلمين سببه الدين الإسلامي ذاته وليس التوحيد بينه وبين العلم لأنهما متنافيان بالجوهر: وتلك هي الفرضية التي تصدى لها الشيخ عبده في القرن الماضي.
وإذن فالتمييز بين الدين والعلم بل والفصل بينهما حلا يقترحه الأستاذ دخيل للتغلب على تخلف المسلمين لا يمكن أن يكون ذا معنى إلا بعد تبسيط معنى العلم ومعنى الدين ومعنى التخلف بالشكل الذي رأيناه في المثال المضروب عن الطب. وأول أمر عجبت له عندما قرأت هذا الكلام هو صدروه عن عالم اجتماع في القرن الحادي والعشرين. فعلى حد علمي عالم الاجتماع يفهم معنى ما يسمى بالظاهرة الاجتماعية الكلية (مارسال موس) ولا أتصور ظاهرة أكثر اجتماعية أو كلية من ظاهرة التخلف. فكيف يمكن تفسيرها إذن بعلة واحدة هي الخلط بين العلم والدين ؟ وبأي معنى يعلل هذا الخلط التخلف وهو ظاهرة ذهنية لا تدور إلا بخلد بعض المفكرين ؟ أم إن كل المسلمين ذهب بهم الغباء بحيث إنهم يعالجون مشاكل دنياهم كلها بالاقتصار على إقامة الشعائر ؟ كيف نفهم إذن ما وضعوه من نظريات علمية في الرياضيات والفلك والطب واللسانيات وتنظيم الحياة الجماعية بمقتضى القوانين المدنية والدينية والسياسية ؟ كيف أسسوا دولا وإمبراطوريات ؟
هب كلام الأستاذ مقصورا على مسلمي اليوم. لكن عندئذ من يصدق أن ما يجري اليوم في العالم الإسلامي يدل على أن المسلمين يخلطون بين الدين والعلم ولذلك فهم لم يتقدموا أي إنهم لو سمعوا الكلام ففصلوا لتقدموا ؟ ألسنا نراهم ربما أكثر من جدودهم الذين بنوا الأمبراطوريات يميزون بينهما كما تقتضي ذلك الحياة الحديثة؟ أليست أغلب نخبهم تفصل بينهما منذ قرن على الأقل إلى حد لا تكاد تعير الدين فيه أي اهتمام؟ أليس العكس هو الصحيح فتكون علة التخلف هي هذا المعتقد الساذج الذي يتصور مجرد الإيمان بإيديولوجية العلم من غير علم كافيا لتحقيق التقدم في حين أنه المدخل الضروري بل والكافي للتبعية التي قتلت الأصيل فضلا عن سوء فهم الدخيل ؟
هل الذي يضارب في بورصات العالم من المسلمين يخلط بين الدين والعلم فيعتمد على التعاويذ في توظيف رأسماله مثلا؟ وهل الذي يبني ناطحات السحاب في البلاد الإسلامية يبنيها بالحروز والتعاويذ؟ فحتى لو كان قصد الأستاذ بالدين الفهم الشعبي أو الشعوذة فإن هذه الظاهرة لا يخلو منها عمران. فهل الأمريكان لا يشعوذون ؟ وهل من زار بلاد آسيا التي هي نمور وأسود لا يرى الحضور الغالب للشعوذة التي تجاور العلم والتقنية ولم تمنع التقدم؟
أما إذا لم يكن القصد بالدين الشعوذة الشعبية ألا يكون الدين عندئذ بدلا من أن يبتلع العلم فيرده إلى الخرافة ليصبح عائقا دون التقدم يضيف إليه الدوافع السامية التي يشير إليها علماء الإسلام عندما يتكلمون على العلاقة بين الظاهرتين دون أن يوحدوا بينهما؟ إن الموحدين بين الدين والعلم بصورة تشمل غير العلم الديني ليس لهم وجود حتى في عصر الظلمات من تاريخنا: لذلك فإني أريد أن أعلم على من يتكلم الأستاذ ؟ لم أسمع بعالم واحد بلغ به الغباء إلى حد الظن بأن نص القرآن يغني عن البحث العلمي في الظاهرات الطبيعية والإنسانية خاصة والقرآن ينهى عن البحث في الماورائيات (آل عمرن 7) ويعتبر ذلك من التأويل الذي ينتج عن مرض القلوب وابتغاء الفتنة ويدعو إلى النظر في الأنفس والآفاق.
للحقيقة أقول إني لم أفهم الأستاذ ما يعني بهذا التعليل لتخلف المسلمين لأني لا أتصوره ممن يقول مثل بعض المستشرقين إن شرط تقدم المسلمين هو التخفف من الدين الإسلامي لتنافيه حسب رأيهم مع العلم. كما أني لا أظنه ممن يقول بما يشبه الموقف العلماني اليعقوبي الفرنسي الذي يخلط بين فصل سلطة الدولة عن سلطة الكنيسة وبين فصل وجهي حياة الإنساني الدنيوي والأخروي لأن ذلك يكون فاقدا لمعناه عند الكلام عن العلاقة بين الدين والعلم.
لكن أكثر ما عجبت له شديد العجب هو قول الأستاذ إن العلم لا علاقة له بالأبعاد الغيبية من وجود العالم والإنسان: كيف يمكن لأحد أن يقول مثل هذا الكلام دون أن يحدد القصد من عدم العلاقة خاصة وهي أساس السؤال عامة والسؤال العلمي خاصة. فطلب الفهم والسؤال عن المجهول في العالم وفي الوجود هو أصل كل معرفة سواء كانت غير علمية في البدايات أو صارت علمية في الغايات. وكل مجهول قبل أن يعلم يمكن أن يعد من الغيب.
ولعل حسن الظن بالأستاذ يجعلني أفهم أنه يقصد أن العلم لا يقبل التفسير بالغيبيات. لكن ينبغي أن يسلم بأن العلم ليس مدفوعا إلى البحث إلا لأنه يسأل عنها. فيكون الدين والعلم مشتركين على الأقل في أصل السؤال عن فهم الوجود. والخلاف بينهما هو في طبيعة الجواب. فيكون الفرق لصالح الدين الذي لا يرضى بالأجوبة التي تسد الآفاق وترضى بالمتناهي الدائم. والعلم الحي لا يكتفي بالجواب النسبي والمؤقت ولذلك فهو في حركة دائمة لأنه من دون ذلك يموت. فلو حصر المسؤول عنه في الجواب عليه لكان العلم وهما. أما الدين فهو لا يجيب بل يفوض في ما الغايات ولا يتوقف عن السعي إليها لأنه لا يحصر الوجود في الإدراك.
لذلك فهو يبقي على أفق الإنسان مفتوحا على المطلق ومن ثم فهو أصل كل تحرر من الوثوقية والدغمائية الوضعية التي تتصور العلم حلا كافيا لمشاكل الإنسان. من يفعل ذلك يتناسى أن أهم مشكل في الوجود الإنساني هو مشكل المعنى وهو المشكل الذي يعلل وجود العلم نفسه: هو البحث عن المعنى ومن ثم فهو خاضع لأفق متعال عليه هو أفق روحي سواء كان دينا معينا أو حتى ميتافيزيقا فلسفية.
طبيعة المسألة
ولنختم بالمشكلة نفسها رغم أن المنطق كما أسلفنا كان يقتضي أن نبدأ بها. فلا أظن أحدا في العالمين يقبل بأن يكون الدين والعلم شيئا واحدا فضلا عن أن يكون قد قال به. فجميع الشعوب ممن يذكرهم التاريخ تعتبر العلم مترددا بين نظرتين أولاهما ذريعية ترجعه إلى أداة والثانية معيارية تعتبره إحدى قيم الحق. فيكون العلم بالمعنى الأول إحدى أدوات الدين للنظر في شروط الوجود الدنيوي خاصة. وهو بالمعنى الثاني إحدى غايات الدين للعمل بشروط الوجود الأخروي لأن العبادة هي المعرفة قبل كل شيء وبعده. لكن شرط ذلك هو فهم طبيعة الدين بمستوي الفهم كما وصفنا عند تقديم مثال بيرس من العلماء ومثال القرآن من النصوص المقدسة أو بمستوى الفهم العادي أي كما تفهمها الشعوب التي تدين به أيا كان هذا الدين وكما ينبغي للعلماء أن ينطلقوا منه إذا كان عليهم أن يدرسوا الظاهرات كما تتعين في وجودها الفعلي وليس من خلال ما يريدون أن يضفوه عليها من خياراتهم الإيديولوجية.
فالدين من حيث حقيقته الظاهراتية فضلا عن الفعلية هو عقيدة أي أمة في ما أقرته من الخيارات الوجودية أعني نظرتها للأشياء والعالم وتقويماتهما ومنها منزلة العلم ودوره (بما في ذلك ما تعتقده حول مصدره الطبيعي أو المنزل). ويصح ذلك على كل الشعوب من أكثرها بدائية إلى أرقاها. بهذا المعنى الذي أفهمه من الدين دون مفاضلة بين الأديان من منظور البحث العلمي (مع المفاضلة من منطلق الخيار الشخصي لعقيدتي طبعا). فلا بد للمرء أن يميز بين موقف اختيار المعتقد وموقف تحديد طبيعته. لكن كلام الأستاذ دخيل يضطرني لأن أسأله: على من يرد ؟ مَنْ مِن علماء المسلمين يوحد بين الدين والعلم حتى يضطر الأستاذ إلى الدعوة إلى التمييز بينهما بل وإلى الفصل بينهما ؟ والجواب لا يخلو من أن يكون أحد الجوابين التاليين:
1- فهو إما يرد على دجل القائلين بالإعجاز العلمي لظنه أنهم يوحدون بين الدين والعلم. ولكن حتى هؤلاء فإنهم لا يعتبرون العلم والدين شيئا واحدا بل هم يعتبرون الدين فوق العلم. والعلم يكتشف في الزمان ما يعلمه الدين خارج الزمان. فيكون العلم عندهم شاهدا للدين وليس هو الدين. وليس من شك في تناقض هذا الموقف وتهافته من المنظور القرآني والعلمي على حد سواء. لكنه لا يعني ما فهم منه الأستاذ فضلا عن كونه لا يمثل كل المسلمين في كل عصورهم ليكون مبدأ يفسر به تخلفهم الذي رده الأستاذ إلى علة واحدة هي عدم الفصل بين الدين والعلم.
2-أو هو يرد على الشيخ القرضاوي بدليل المثال الذي أخذه من أحد آرائه لظنه أنه يقول بوحدة الدين والعلم كذلك. لكننا بينا أن الأستاذ دخيل أساء تأول كلام الشيخ لأن الشيخ لم يقصد التوحيد بين الدين والعلم بل هو كان يعني أن الإسلام يشجع المنهجية العلمية ويحض على أخلاق طلب الحقيقة. وهو أمر لا ينكره إلا معاند لأن أي قراءة سطحية للقرآن الكريم تثبت ذلك بما لا يمكن أن يجد إليه الاعتراض سبيل.
وهنا تأتي قضية عجيبة أثارها الأستاذ. فهو يدعي أن كل الأديان سواء وأنها جميعا مجرد ظاهرات ثقافية تشترك في شيء واحد هو عداؤها للعلم لقولها بالغيب. ويغفل الأستاذ عن أمرين جوهرين في التطور العقلي الإنساني:
الأول أن العلم يميز بين نفي العلم لعلم الإنسان الغيب الذي هو حقيقة ونفي وجود الغيب الذي لم يقل به أي علم لكون العالم المادي نفسه فضلا عما ورائه مليء بالأسرار التي يتوقف فيها العقل العلمي.
الثاني أن هذا الموقف هو عينه موقف القرآن الكريم الذي يعتبر علم الغيب مقصورا على الله والمطلوب ليس علم الغيب بل الإيمان بوجوده وهو ما لا ينكره أي علم
فتكون المفاضلة الوحيدة الممكنة بين الأديان التي هي عنده مجرد فلكلور -وهو معنى كونها ظاهرة ثقافية- حسب الأستاذ مقصورة على التزام الإنسان المذهبي. وهذه المقابلة بين العلم والأديان ككتلة واحدة تفترض العلم واحدا بالمنهج والموضوع. لكن وحدة العلم لم يعد أحد يقول بها-لا من حيث المنهج ولا من حيث الموضوع-منذ أكثر من نصف قرن حتى وإن ظل الأستاذ يردد كلام برتراند رسل في بداية القرن المنصرم.
ورغم أن التناقض بين للعين المجردة بين القول إن كل الأديان مجموعة واحدة قبالة العلم (بل هو ذهب إلى حد ضم الفلسفة إليها معتبرا الجميع من مسائل الذوق ولا علاقة لها بالمعرفة !) ونفي أن تكون متراتبة على الأقل سلبا من حيث الموقف من العلم. وطبعا فهو يفترض ذلك مفروغا منه وبينا بنفسه: الدين من حيث هو دين دون أدنى تمييز بين الأديان مضاد للعلم وأنه من ثم لا علاقة له بالمعرفة العقلية التي تؤيدها التجربة. فيكون عنده التعاطي مع جوهر الموضوع هو الاكتفاء باعتباره هذا الموقف مفروغا منه وغنيا عن الدليل. وكل محاولة للتدليل على عدم صحة هذه الأطروحة انشغال بالهوامش وبحثا عن الجدل وإستراتيجية خطابية للدفاع عن خيار ديني عديم المبرر العقلي.
ولما كان من اليسير أن يتبين كل من له اطلاع على تاريخ الأديان طبيعية كانت أو منزلة أن موقفها من العلم قد تطور من المعارضة التامة إلى شبه المطابقة معه فإن كل كلام الأستاذ يصبح فاقدا لكل معنى ما لم يسلم ضمنا أنه لا فرق بين موقف القرآن وموقف أساطير الأولين من طلب الحقيقة من حيث القيمة والمنهج والخلق. فيكون الفكر الديني بخلاف السنن الاجتماعية ظاهرة جامدة لم تتقدم في حين أن جميع علماء الأنثروبولوجيا يعلمون أنها على الأقل مرت من التفسير الاحيائي المؤله للظاهرات الطبيعية إلى التفسير التوحيدي الذي يرجع ظاهرات الكون إلى خطة عاقلة وغائية وراءها فتكون بذلك على الأقل منطلق البدايات في الفكر الفلسفي والعلمي. ولعل بناء الأديان المنزلة الثلاثة على الأقل علم كلام ولاهوت من العلامات الدالة على السعي إلى الوصل بين الفكرين في رؤية العالم وإضفاء العقلانية على مجرى الوجود والعالم.
فإذا أضفنا أن المسلمين -وهو يشير إلى الحوار في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بين المسلمين والمستشرقين حول موقف الدين من العلم (حوارات محمد عبده خاصة)–كانوا يطرحون القضية من خلال المقابلة بين موقف الكنيسة من المعرفة العلمية وموقف القرآن منها فإن القول إن الأديان كلها ذات موقف موحد من العلم فيه نفي واضح لما لا ينكره إلا معاند من اختلاف بين الموقفين الإسلامي والمسيحي.
ولا أحتاج إلى أن أكون مسلما فضلا أن أكون متعصبا لعقيدتي لأقول هذا الكلام: فكل مفكر كبير من مفكري الغرب لاحظ هذا الفرق الأساسي ولعل أكثرهم عداوة للإسلام اعترف بذلك قصدت هيجل في اتهامه الإسلام بكونه دين العقل التصوري وشبه العلمي لفقدانه الأسرار التي تحتاج إلى العقل التأملي والفلسفة الجدلية (مشبها الموقف الكنطي بالموقف الإسلامي أعني موقف التفكر لا التأمل!). فإذا كان الأستاذ دخيل أدرى بخصائص المسيحية من أكبر فلاسفتها فأهلا وسهلا.