


رئيس هيئة العماية يدين بالديموقراطية أم يكفر بها ؟
أبو يعرب المرزوقي
سأل مذيع في أحد أبواق إسرائيل يسمى تلفزة فرنسا الأولى رئيس هيئة عماية الثورة المضادة في تونس عن الدين الذي يدين به فأجاب ببداهة يحسد عليها: الديموقراطية. وقد أعجبني الجمع الفريد بين الاستعارة والكناية في آن: ففي الجواب استعارة لتماثل نسبتيهما إليه وفيه كناية لعلاقتي الفعل بالمفعول في الحالتين. لكن ما أعجبني أكثر هو سرعة البداهة عند المجيب خاصة وغفلته عن كونه قد كذب نفسه بصورة أخص. فهو قد أجاب دون روية. فكان جوابه داحضا لتدينه بحيث إن جوابه يعني: إني كافر بالديموقراطية ما دمت أتكلم باسم شعب لم ينتخبني بل فرضني عليه بقايا نظام الدكتاتور الذي ثار عليه الشعب.
فهمت من كلامه أنه يعني بدين الديموقراطية ما كانت تعنيه على لسان الدكتاتور. فقد كان هو أيضا يقول بلسانه عكس ما يفعل بجوارحه: فكانت تونس أكبر ديموقراطية في العالم ولكن على ورق مزينيه من خونة قيم اليسار في وزارة الدعاية. وهي ستكون بالمحاصصة الجنسية أول "جندروكراسي" في العالم بفضل هؤلاء المؤمنين بالديمقراطية إيمان الكافرين بمبدأ مبادئها. إنه كافر بالديموقراطية إذا كانت تعني عدم تزييف إرادة الشعوب. وهو مؤمن بها إذا كانت عين التزييف كالحال في وجوده على رأس الهيئة من دون أن ينتخبه أحد عدا بقايا النظام الدكتاتوري في دهاليز نظام الحكم المستبد والفاسد أعني أجهزته ومن وراءها في الداخل والخارج. فهو يتكلم باسم شعب لم ينتخبه كلام من يمثل الشرعية الديموقراطية لكأنه رئيس منتخب يحدد ما ينبغي وما لا ينبغي لتونس بعد الثورة. وهو فرح إذ يباهي بكونه قد ألغى سر فاعليتها واستقلال إرادتها: أعني أن يثمر الانتخاب فيها أغلبية قادرة على الحكم المعبر بحق عن الإرادة بتذرير قواها السياسية بحيث ستكون لعبة بيد الأحزاب الطفيلية وخاصة حزب الجندر.
وما أظن الإيمان بوثن الديموقراطية المزيفة -من قبيل من عين ثلاثا من معينيْن كلاهما لم يعينه رئيس منتخب لكونه هو بدروه عينته المخابرات الأجنبية التي ساعدته في انقلابه على الشرعية- ما أظن أن من يدعي أنه لا يدين بغير الديموقراطية أن يكون كافرا بأهم مبادئها أعني أن لا ينوب شعب إلا من اختاره ذلك الشعب لينونه. ومجرد كونه قد تكلم كلاما لا يحق النبس به لغير من نوبه الشعب بطريقة الإنابة الديموقراطيه يجعله يكذب نفسه فيعلن الإيمان بالديموقراطية ويضمر الكفر بها. لذلك فإنه يحق لنا أن نعتبره كافرا دون تجن لأننا نستعمل استعارته وكنايته في آن إذ اعتبر الإيمان بالديموقراطية دينا فيكون الإيمان بتزييفها نفاقا بل كفرا بنفس اللغة: إذا كانت الديموقراطية عنده دينا وكان تدينه بها إيمانا فكذبه في ذلك نفاق وإيمانه بحيل تزييفها كفر بها صراح بها. ولسنا نتكلم على الدين بمعناه القمين والأمين. فهذان مما ينفي صاحبنا أن يحاور أصحابهما لإيمانه بالتنافي بين دولة القانون والإيمان التام أعني لإيمانه بالإيمان الناقص ودولة قانون الغاب حيث يعتبر الشعب من الأخشاب فيعاملهم أبناء الحاضرة بالكلام باسمهم رغم أنفهم لأن على الشعب دفع الدماء وعلى "أبناء الذوات" رفع اللواء.
وما أظن أحدا- بمن فيهم متفلسفي الدفاع عن الحقوق من شهود الزور على المنابر عير عابئين بمن شيع الشهداء إلى المقابر - ينازع في أنه لم ينتخبه الشعب وفي أن ما يقوم به من دور لا يمكن أن يقوم به إلا من كانت له شرعية الانتخاب أو على الأقل من دفع نفيسه ونفسه في سبيل الثورة على الدكتاتورية. كما أنه لا أحد يمكن أن ينازع في أن من عينه هو وزير ابن علي الأول وأن من أبقى عليه هي حكوماته الثلاث المتوالية التي تواصل العبث بأهداف الثورة ليس فحسب لأنها عينته وأبقت عليه بل لأنها نقلت صفته من مجرد خبير لم يميزه علم لدني يجعله أولى من غيره بهذه المهمة بل إن اصطفاءه ناتج عن مجرد شللية مرساوية نقلته من من منزلة الخبير إلى منزلة الأمير في التدبير (تدبير الراس) في صغير الشؤون والكبير. وهذه النقلة الكيفية بل حتى التعيين الأول لم يقبل بهما إلا أذيال النظام ومن لهث مسارعا عله يرث تركته ولا يزال ظنا أن قاعدة الحزب ستبقى كما كانت من بني وي وي ولا تعبر مثلها مثل غيرها من القواعد عما تعتقده حقا بعد أن صار الطمع والخوف لا يكفيان دافعين للفعل السياسي.
والغريب أن الخبير الذي تحول إلى أمير يأمر ويشير لم يقنع بأن فرح بهذه النقلة اللاشرعية واللاقانونية بل هو أغفل أهم أخلاقيات الكلام في الشأن السياسي الداخلي أمام إعلام أجنبي لكأنه لا يحاكي نماذجه إلا في أدنى ما عندهم لأن من فضائلهم على الأقل المبدأ التالي الدال على الاعتزاز بأمتهم:
فمن مبادئ الساسة الفرنسيين -وأظنهم معين نماذجه- ألا يتكلموا في السياسة الداخلية خارج وطنهم فضلا عن أن يفعلوا مع مستعمر شعبهم المباشر وغير المباشر. فلعلي مخطئ إذ أقول هذا فقد لا تكون فرنسا مستعمرة بالنسبة إليه ما دامت أما حنونا يطلب أن تبادله الحب.
ومن مبادئ أي إنسان لمجرد إنسان له بعض احترام لنفسه ألا يعتبر العلاقة مع مستعمر بلاده علاقة حب بل أقصى ما يمكن أن يذكره به في كل مناسبة هو أن تكون العلاقة علاقة احترام متبادل. لكن التذلل أمام الفرنسيين هو عين الحداثة عند أصحاب اللبانة والحدّاثة.
ثم إن من يحترم شعبه لا يمكن أن يعتبر ما حصل في تونس نقلة إلى ما قاله بزلة لسان دالة أعني "كلان Clan" البلاد الديموقراطية فضلا عن أن يتسول باسمه. فالشعب التونسي ليس شحاذا ولم يكن منتسبا إلى كلان الدكتاتورية حتى تكون ثورته نقلة إلى كلان الديموقراطية مسوقا ذلك للشحاذة بل إن النظام الذي هو من ثمرات تعيينه هو الذي كان كذلك بسبب هذا النوع من النخب التي كانت تقول بأفضلية دكتاتورية الفساد والاستبداد بالفعل على الدكتاتورية التي يعتقدون أنها بالقوة كامنة في كل حركة إسلامية.
إن من أصبح الإسلام أعدى أعدائهم بفضل كاريكاتور حداثتهم المرضية قد فضلوا دائما المافيا الابنعلوية بمجرد الحكم على نوايا زعماء النهضة التي أقسم مفكرهم الخرف بأنهم من زعماء اللغة المزدوجة حتى وإن كان المؤمن منهم الديموقراطية يقبل أن يمثل ثورة شعبه من دون أن ينتخبه هذا الشعب الثائر. فالشعب التونسي بل وكل شعب سوي لا يمكن أن يقبل بحكم الأقلية التي تضطهد الأغلبية بل هو يريد حكم الأغلبية التي لا تنكر حق الأقلية أعني أنه يريد أن يحكم بالتشريع الذي يعبر عن إرادته. وأخلاقه هي أخلاق التشريع الإسلامي الذي هو الوحيد الذي يشترط في المؤمن به أن يؤمن بحق كل الأديان الأخرى في الوجود حتى إن حرية العبادة عامة تعد فيه إحدى علل الجهاد مع العلة الثانية والوحيدة الأخرى التي هي نجدة المستضعفين.
الشعب التونسي مؤمن بقيم الديموقراطية دون أن يجعلها دينا يكفر بأهم مبادئه مثل هؤلاء الأدعياء الذين يتصورون أنفسهم قادرين على تزييف إرادته كالعادة بحيلهم بـ"ستراتجام هيئة عماية الثورة وضعا لمبدأ الانتخاب المحتال من البداية ومبدأ المحاصصة الجنسية ومبدأ فرق تسد ومبدأ الحرب على الهوية ومبدأ الديموقراطية الموزية التي تحتاج إلى الاتكاء على العنف والمساعدة الأجنبية بديلا من الرضا والقبول من الشعب. لكن الشعب التونسي ثار لأنه لم يعد يقبل مثل هذا التزييف الذي حكم به طيلة نصف قرن. وهو غير النظام الذي يريد رئيس هيئة العماية مواصلته لمجرد كونه يريد أن يفرض عليه حكم الأقلية العلمانية اليعقوبية التي يمثلها بفرض النظام السابق له رئيسا على هذه الهيئة دون أن ينتخبه الشعب في هذه المسؤولية.
والشعب التونسي أصبح شبابه فتيات وفتيانا مدركين جيد الإدراك ما تبين لكل ذي بصيرة. والمعلوم أن تقنيات الإستراتيجية التي يتبعها أعداء الثورة لم تعد خافية على أحد. ويمكن حصرها في حيل سخيفة متعاضدة تهدف إلى تحقيق غاية جامعة هي وضع دستور يتناقض تمام المناقضة مع أهداف الثورة لكونه سيواصل فرض دكتاتورية الأقلية باسم الديموقراطية في مجال الحقوق السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية التي ستوطد التمييز لصالح المافيا الجديدة التي تتصور الآن أنها ستستكمل ما بدأه زعماؤها السابقين ممن عارض ابن علي الثاني (بورقيبة) وحالف ابن علي (الثالث) بشيء من تذكر الحلف مع ابن علي الأول (الباي). ولعل رمز إيمان رئيس الهيئة المزعومة ساعية إلى تحقيق أهداف الثورة إيمانه الكاذب بدينه الديموقراطي والمتنكر لأهم مبادئها من أهم علامات هذه التقنيات التي يمارس أصحابها الخطاب المزدوج ويتهمون غيرهم به:
1-مرحلة التلهية بالمطالبات النقابية والجهوية لتمرير القيادة البديل من قيادة ثورية للثورة.
2- مرحلة التلهية بمعركة تمثيل الثورة والبدء في بذر الحرب الأهلية من خلال المقابلة بين القصبة والقبة.
3-مرحلة التلهية بهيبة الدولة والأمن التي لم تتوجه إلى المجرمين بل إلى الحركة الثورية نفسها
4- مرحلة التلهية بمسائل القيم العلمانية والحقوقية للتغطية على حسم المسألة الاقتصادية والتمثيلية أعني المسألتين الأوليين.
5-ويجمع كل هذه التلهيات هدف واحد هو التغطية على فرض مبادئ الدستور المقبل عن طريق نظام انتخابي يحدد قبليا تكوينية المجلس الدستوري.
لذلك فالمعركة السياسية- التي ستحدد مستقبل تونس لئلا يكون في مهب الريح -ولا اعتبار لسذاجة الغافلين الذين يظنون ذلك من التشاؤم المبالغ فيه لجهلهم بما يمكن أن يؤدي إليه يأس شباب الثورة والاستخفاف بعقول الثوار- هذه المعركة تتكثف الآن حول هذا العنصر الأخير الجامع رغم أنهم يريدون أن يحولوا عنه الأنظار ليجعلوها معركة بين وجهي حركة الإصلاح السياسي والحضاري وقاعدتيهما (قاعدة حزب النهضة وقاعدة حزب الدستور بصرف النظر عن المذنب من قياداته التي يحالفونها بل هم في خدمتها لكونها هي التي عينتهم حيث هم) رغم ما بينهما من تجارب مريرة لا ينبغي أن تنسينا الأهم مهما كان الباقي مهما: ما لا ينبغي أن ينساه أحد هو أن اليسار الذي خان قيم اليسار عارض بورقيبة وتحالف مع ابن علي.
إنها معركة مصيرية معركة التبعية والاستقلال السياسي والاقتصادي والتربوي والثقافي وعلى هاتين القاعدتين خوضها معا ضد كل من يريد أن يفقد بتونس معنى وجودها وقيامها بذاتها في تلاعبه باستقلالها السياسي والاقتصادي والتربوي والثقافي من خلال التبعية الروحية الأبدية التي يسعى إليها أمثال من فرخت بهم الهيئة المزعومة تحت مسميات عدة (أحزاب توهم بتمثيل الشعب وهيئات تدعي تمثيل مجتمع مدني وشخصيات يصعب أن نجد وصفا لأغلبهم). ولا تغرنكم رعونة من يتصور الحداثة والتقدم مدار البت فيهما يتعلق بالأحكام المسبقة المتعلقة بهندام المرأة وببعض العلامات السطحية للتقدمية الإيديولوجية التي تريد لتونس أن تصبح على الورق سباقة حتى على الأوروبيين والأمريكيين كما في حالة المحاصصة الجنسية وربما الجهوية واللونية والطبقية إلخ... من سخافات لا تعبر عن فهم ولا وعي بضرورات المرحلة وبشروط القيام المستقل للأمم وهي إلى التلهية أقرب منها إلى المعارك القيمية ذات الدلالة الخلقية.
إن تلاعب الأحزاب والجمعيات الذرية والشخصيات الوطنية التي تكاثرت تكاثر الذباب في المزابل سيؤدي إلى تحكمها في مصير البلاد والعباد –إذا نجحوا في تأجيج نار الفتنة بين القوى السياسية الحقيقية في البلاد الفتنة التي يسعون إليها بكل الطرق-بنفس منطق الأقلية التي تستبد بالأمر لمجرد كونها أقلية لا يمكنها أن تحكم بالرضا والقبول فتحتاج إلى الاستناد إلى أجهزة القمع والسند الخارجي. ذلك ما يخطط له محركوها بالنظام الانتخابي الذي يريدون فرضه رغم كونهم لاناقة لهم ولا جمل في الثورة لأنهم ركبوها بعد حصولها على أكتاف بقايا النظام والطامعين من المعارضات المتلهفة على السلطان ومطالبهم غير مطالبها.
فهم لا يريدون إلا تحقيق ما يشبع رغبات فئة قليلة حصرا للحرية والديموقراطية في رفاهية الطبقة المافياوية والطفيلية كما يتبين من كلام من يدعيها ديانة له ثم بعد أن ترجمها إلى خلق التبعية الثقافية والاقتصادية والسياسية وذهب إلى حد التسول جزاء لدخول تونس كلان الديموقراطية. لذلك فن أفضل رموز ذهنية التبعية لسيد الأمس هي تصريحات رئيس الهيئة لبوق إسرائيل المسمى فرنسا الأولى الإخبارية. فقد تكلم باسم تونس وكأنه رئيسها المنتخب وتكلم بصورة لا تليق حتى بمبتدئ في فن الخطاب السياسي لانعدام عزة النفس الشخصية والوطنية في تذلل المطالب بأن يحب ممن استعمر بلاده عقودا ولا يزال.
المصدر: بريد موقع الفلسفة www.alfalsafa.com
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |