معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رمضان شهر المتع الروحية والمادية

   محمد عمر سعيد

لا عجب أن نسمع كل مرة وعلى مشارف حلول الشهر الفضيل الدعوات الدينية التي تأتينا من بيوت الله ومن استيودهات التلفزات الدينية خطابا عُجابا يصور رمضان كنيسة زمنية فيها تغيب المتعة الفعلية وتتحول إلى متعة وهمية فيها ينشط فن الرهبان المَرَضي، فلا عجب أن نستمد فهومنا للدين من خارج الدين واهمين أن الدين هو ما يفرضه علينا منطقنا القاصر ونسقطها على رمضان، وما ذلك إلا تطبيق للكل على الجزء، إذ يعني التجهّز للصوم عندهم تصفيد المتع في الذهن قبل الفعل لترقٍّ هلامي لا ولن يحصل في مدارج الإيمان إلا بالربط الوثيق بين التفنن في متع الحياة والسمو الروحي في شهر القرآن.

إن رمضان في وجهه التشريعي المفروض على المسلم لا يتعد أن يقيد الإنسان عن الأكل والشرب والجماع خلال النهار فترة معلومة ولا شيء غير ذلك، وأما الباقي فهو توجيهات اختيارية تدخل في باب الفضل والآداب التي تليق بالصوم وذكرى نزول القرآن، وأما ماعدى ذلك فهو من متوهمات بعض رجال الدين الذين يلبسون رداء الكهنوت بترهيب وتخويف الناس من ضيف جاء بالخير وللخير.  

إن فترة الصوم النهارية لذاتها ليست إرهابا ولا رهبنة (يريد الله بكم اليسر) يريد الله بالصوم أن ييسر عليكم، وليس اليسر مقرونا بالتخفيف في حال الاستطاعة بل إن وجوب القضاء على المعسر هو لذاته تخفيف له، أي أن القضاء هو التخفيف في حد ذاته، فكيف ذلك؟

لقد كان يفترض أن يهيئ رجال الدين الناس بالاستمتاع بالشهر الكريم وتدبر مغازيه الفعلية، فماذا يعني امتناعي عن الأكل والشرب والجماع؟ يجيبنا الأستاذ أبويعرب بلمسة مبدعة فيقول: "لذلك كان الصوم يستهدف الإحياء [إحياء الإحساس بالمتع] لكونه عكس التنسك الرهباني إذ هو رفع مؤقت للاستهلاك الذي تجعله رتابة العادة مجرد فعل حيواني ليعيده إلى حقيقته الروحية أي فعل عبادة فنية تدرك فيها الحواس كل شيء بذوق رفيع" (المرزوقي، شروط نهضة العرب والمسلمين ص 158 ص159) 

ففي رمضان يحدث تغيير في أوقات اجتماع العائلة على طاولة الأكل (الافطار والسحور)، وتصير المائدة مجالا مباحا للتفنن في أنواع الأكل والشرب، وفي ذلك قتل للرتابة فضلا عن أنه إحياء للذوق الرفيع والإحساس بالجمال في البصر: برؤية المائدة مزينة بأطباق محضرة ومصنوعة في أجمل الأشكال، والذوق: بالتمتع بأشهى الأكلات، أليس ذلك من المقاصد الأصلية لشهر الصوم؟

وإضافة إلى ذلك ما يحدث من تغيير في برامج الحياة اليومية وإخراجا لها من رتابتها تماما مثلما يخرج الصوم صاحبه من رتابة الذوق، وليس مما يرى على أنه من معيقات السمو الروحي في رمضان أيضا ما يختاره الناس من برامج يتابعونها على الشاشة التي تتسابق قنواتها إلى بث الأفضل على غرار الأفلام التاريخية والمسابقات وغيرها.

أليس كل ذلك، وإضافة إلى السنن الرمضانية التي سنها المصطفى وأصحابه هو مما ينبه الناس إلى أن الرتابة التي تعودوا عليها في نظامهم الحياتي وجب أن يكون كله عبادة، حتى لا يعتبر المتكنّسون برمضان أن أكلهم وشربهم وجماعهم وتمتعهم بهذا التغيير المتميز هو لغير لوجه الله أو أنها من الفوائد العرضية لرمضان، فحينما يفهم هؤلاء أن الدين الحقيقي هو ما يعيه الإنسان الوعي الحقيقي أن كل مضغاته وشرباته وزفراته وشهقاته هي لله كلها، وأن عليه أن لا يتكل على نفسه طرفة عين!

وخير ما نختم به دعوة أبي يعرب لأمر يهم الجميع: "ما يحصل في شهر رمضان من نشاط عجيب لجميع الحواس هو عين المقصود منه شرعا في أبعاده الفنية التعبدية. فافهم وأعرض عن دعوات الجهال من رجال الدين الناعين للحاصل فيه ظنا منهم أنه مناف للقصد الديني" (شروط النهضة، ص 159) فيا نفس، افرحي وانشرحي لقدوم شهر التغيير.

   

 

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي