



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
رسالة مفتوحة إلى القيادات الفلسطينية
أبو يعرب المرزوقي
ملاحظة:
هذه الرسالة ليست جديدة. لكن ما يحصل في غزة يقتضي إعادة نشرها. ولن اهتم بعرضيات الظرف بل بأساسياته. فلن أشير إلى الخطأ التكتيكي المتمثل في اختيار زمان المعركة الحالية:
فلا يمكن لقائد حكيم أن يختار زمن الفراغ الدولي للتحرك.
ولا يمكن لقائد حكيم أن يخرج من إجماع حاضنة قضيته الفعلية.
فعندما يجد الجد لا يمكن الاعتماد على الحضانة اللفظية. ولا يحتاج هذا الكلام إلى مزيد توضيح. يكفي تبرؤ أصحاب العنتريات حتى من مجرد تهمة رمي صاروخ من الجنوب وخمول نجاد الذي تصور النجدة بالكلام. فقد يرشي بعض القيادات حتى يجعلوا قضيتهم ورقة في إستراتيجيته لكنه لن يحرك أصبعا للنجدة. المهم هو توريط العرب حتى يصبح الوطن كله مثل جنوب لبنان و العراق فهذا من شروط العرض الموالي: تقاسم السلطة في المنطقة مع إسرائيل والعودة إلى الشاهنشاهية. ومن لم يفهم ذلك فهو إما غر أو مخادع لأمته العربية وكذلك للأمة الإسلامية. وقد تحدثت مع الكثير ممن تقدمهم الفضائيات بصورة الإستراتيجيين وهم كما سنرى من خلال تحليل القضية في أبعادها العميقة دجالون لا يعرفون شيئا أو يعرفون وباعوا ذمتهم.
وإذا كان أفضلهم الأستاذ هيكل يحصر القوة الناعمة في القومية ويتصور مصر قادرة أن تسترد بها دورها كمصر التاريخية متناسيا أن إسرائيل لها القوة الناعمة الحقيقة وأن إيران تسعى إلى افتكاك ما منح الله العرب منها ومتجاهلا الكلام في دور المستشارين أمثاله في تضييع فرصة حصول العرب على القوة غير الناعمة فإنه لا عجب أن يكون البقية من معلقي الجزيرة الثابتين مجرد ببغاوات تكرر دعاية حزب الله ضد مصر والأنظمة العربية التي يريدون جعلها رهن إشارات إيران مثلهم. لست أدري ما الذي يجعلهم يتصورون أنه علينا أن نختار بين سيدين نخضع لهما إيران التي اختاروها وأمريكا التي يتصورون من لم يختر مثلهم قد اختارها: هل إيران وأمريكا هما وحدهما من يحق له أن يفعل وعلى العرب أن يختاروا أحدهما؟
سأبين هنا أن إسرائيل تفوقت بالقوة الناعمة الأصلية والفرعية على حد سواء بسبب غباء المستشارين:
فهي أولا قد جعلت الغرب يقتنع أن روحانيته هي أصلها فأجبرت الكاثوليك في غاية الحداثة والبروتستنت في بدايتها على التسليم بذلك
وهي ثانيا تمكنت من كل أدوات القوة الناعمة الحديثة بأصنافها الخمسة التي هي جميعا فروع عن القوة الأصلية إنها سلطان الرمز عامة أي العلم والإعلام والاستعلام والإبداع والمال.
لكن هيكل لو كان فعلا يفهم معنى القوة الناعمة ما هو لأدرك أن المنافسة في القوة الناعمة أعسر منها في القوة غير الناعمة. ولو كان يعمل حقا العلاقة بين القوتين لفهم أن إيران التي يدرك مفكروها ذلك تسعى إلى افتكاك قوة العرب الرمزية أي أصل القوة الناعمة وهي عندنا الثورة القرآنية بأن تجعلها أداة تستعيد بها دورها لتبني امبراطورية الشاهنشاهية التي كان الخميني يحلم بها في اليقظة ولما ينزل من طائرة العودة.
والعجيب أن هيكل يرى ذلك حق إيران المشروع ولا يراه حقا للعرب لأنه يريد من مصر التي يسميها تاريخية أن تكون فرعونية تحصر المعركة في تخريف استرداد الشام من دون الشروط. ثم هو يكرر خرافة الخوف من استفزاز مسيحيي العرب بالإسلام ولا يعلم أن استفزاز مسلميهم من غير العرب بالقومية العربية أخطر ألف مرة: من ذلك أكراد العراق وبربر المغرب وزنوج السودان. إنه والله لعين الفكر القاصر الذي يمضغ كلاما دون فهم بزعم الخبرة والتجربة متناسين أنها آلت بمصر والعرب معها إلى نكبة 67.
ومع ذلك فلن أطيل في الكلام على الدجل الاستراتيجي لأن ما يعنيني هو ما اعتبره خطأ استراتيجيا نبهت إليه في هذه الرسالة التي كتبتها مباشرة بعد غباوة ابن لادن الكبرى ولمحت إلى الكثير من معانيها لأهم القيادات الفلسطينية في سورية وفي لبنان وحتى في طهران مشافهة وكتابة. ويمثل هذا الخطأ خطرا على مستقبل الشعب والقضية الفلسطينية لأنه يفقدها الثمرة المضاعفة التي تحققت خلال ربع قرن من الكفاح المسلح المتواصل:
فأولا إنه خطأ أفقد القضية ما تحقق للشعب الفلسطيني وقيادته من حرية القرار الفلسطيني واستقلاله عن الأنظمة العربية وذلك بفضل سياسة التوازن بين القوى العربية المتصارعة. هذا الاستقلال فقدته القضية بعد أن أصبحت فلسطين مثلها مثل لبنان ورقة في الصراع الإقليمي يتجاوز الصراعات العربية العربية إلى الصراعات العربية الإيرانية.
وثانيا هو خطأ أفقد القضية ما تحقق للشعب الفلسطيني وقيادته من تعاطف دولي بفضل ما حققته السياسة العربية من تحييد لأقوى أسلحة إسرائيل وهو تحييد بات ممكنا بفضل النصر النفسي في حرب 73 أعني منع إسرائيل من تقديم نفسها في موقع الضحية لثلاثمائة مليون عربي يريدون القضاء على البقية الباقية من الهولوكوست.
فبعد النصر النفسي الذي حققه العرب أمكن لهم أن يحيدوا هذه الحجة لتتضح للعالم كله القضية الفلسطينية كما هي حقا قضية استعمار إسرائيل لشعب فلسطين وليست معركة بين إسرائيل والعرب فضلا عن أن تكون بين إسرائيل والمسلمين. وكل من يحاول أن يعيد القضية إلى المربع السابق يعمل لصالح إسرائيل ومن يستعمله كورقة في سياسته الإقليمية سواء كان بقصد أو بغير قصد. وكل من يتهم مصر في سياستها الحالية يذكرني بمن كان يقول: تحرير القدس يمر بعمان ولم يكن يعلم أن ذلك لو تحقق لحقق ما كانت تسعى إليه إسرائيل أعني الترنسفار إلى الضفة الشرقية. فهل يريد الغباء أن يجعل غزة من جديد تابعة لمصر والضفة للأردن وأن يعيد القضية إلى ماقبل 67؟
لذلك وجبت إعادة نشر هذه الرسالة التي هي بيان يثبت أن كل المزعوم من الاستراتيجيين العرب الذين يتهمون مصر بما في ذلك النظام المصري والأنظمة العربية التي تتهم بالاعتدال لا يخدم القضية بل هو يخدم إسرائيل ومحركهم من محولي كل قضايا الإقليم إلى ورقة لتحقيق ما تحقق في العراق. والمستهدف هو كل الشام والخليج ومصر.
المحددات الوجودية لكل إستراتيجة عربية ممكنة
كيف نحدد الصيغة الأقل كلفة لتحرير شعب نام لا يزال بصدد صنع هويته الوطنية تحريره من استعمار شعب مسيطر على أسباب القوة الحديثة في محيط جغرافي وتاريخي يتجاذبه البعد القطري والبعد القومي العربي والبعد الديني الإسلامي فلسطينيا والبعد الغربي الأوروبي والبعد الغربي الأمريكي إسرائيليا ؟ أو كيف نخلص سعيه إلى الحرية من هذا التجاذب الذي قد يحول دونه وتحقيق هدف التحرير لفرط الترابط بين مصير الصراع المحلي ومصير الصراع الدولي ببعديهما البنيوي والظرفي بعدهما المحددين لآفاق عالم بدأ يتكون بعد الحرب الباردة ؟ تلك هي المسألة بصيغتيها الواضحتين المسألة التي أريد أن أعرض على قيادة الشعب الفلسطيني-قيادته ذات الشرعيتين شرعية المقاومة النظيفة وشرعية القيادة المنتخبة ديموقراطيا- أن أعرض عليها تصوري لعلاج هذه المعادلة ذات الحل شبه المستحيل بمنطق استراتيجيات المقاومة الجامعة بين لغة القوة ولغة الحجة.
والمعلوم أنه يحق لي أن أشارك في مثل هذا العلاج لأنه يمكن لكل إنسان أن يسهم من أحد الآفاق التي تنتج عن محددات المعادلة كما صغناها. لذلك فأفق كلامي في مسألة تحرر الشعب الفلسطيني هو الأفق العربي الإسلامي غير المتنافي مع الأخوة البشرية بمن في ذلك من يعتبر من الأعداء. ذلك أن المسلم توجب عليه عقيدته بكونيتها التخلص من منظور الجاهلية والتفكير في مصير البشرية مهما حل بأمته من ظلم من زاعمي الكلام باسم الإنسانية. وسيكون الجواب عن هذا السؤال مقتصرا على ما يمكن تجليته من منطلق فلسفة التاريخ سعيا إلى فهم الفعل المؤثر في الترابط بين الصراعين الفلسطيني الإسرائيلي المحلي والعربي الإسلامي الغربي المسيحي الكوني علنا بذلك نتمكن من فصل المسارين مسار تحرير الشعب الفلسطيني عن مسار الصراع العالمي حول تحديد آفاق العصر المقبل قدر المستطاع لئلا يبقى الشعب الفلسطيني رهينة الاستراتيجيات الدولية في المنطقة وفي العالم.
ذلك هو المشكل الذي أريد أن أعالج بعض جوانبه فأطرح السؤال الذي يبدو أكثر الأسئلة إلحاحا من منظور الفاعلية التحريرية:
ما محددات الفعل التي يمكن أن تساعد المقاوم-المفاوض الفلسطيني بحسب محددات تحرر الشعوب البنيوية دون إهمال محدداته الظرفية ؟
فالمعلوم أنه منذ حصول حادثة الحادي عشر من سبتمبر بات من اليسير على إسرائيل أن تستعيد المبادرة في الحرب الرمزية التي خسرتها قبلها. لذلك فإني مباشرة بعد الحادثة دعوت الإخوة الفلسطينيين إلى المبادرة بفصل قضيتهم عن الصراع الدولي قدر المستطاع بتحويل الانتفاضة التي اتخذت منحى مسلحا إلى انتفاضة غاندية علهم بذلك يحافظون على النصر الرمزي المتقدم على حادثة الحادي عشر من سبتمبر وتفويت الفرصة على إسرائيل حتى لا تنجح في إقناع الرأي العام الغربي كله بأن المقاومة الفلسطينية تنتسب إلى الإرهاب. دعوتهم إلى تغليب الوجه التفاوضي دون إهمال الوجه المقاوم على الأقل مؤقتا لأن المقاومة متعددة الطرائق بل إن تناوبها وتلازمها مع المفاوضة والمهادنة من مقومات حروب التحرير الشعبية.
ولم يكن تغليبي هذا الوجه التفاوضي من التحكم الشخصي بل إن للأمر علة موضوعية بنيوية غير التي ذكرت عند الكلام عن الظرف الذي حددته حادثة الحادي عشر من سبتمبر. ولأحاول بيان هذه العلة البنيوية أعني العلة التي تنتج ضرورة عن مقومات معادلة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. فالمقاومة الفلسطينية بات بوسعها أن تناور للحفاظ على الرصيد الرمزي لكفاحها السابق ما دامت قد حققت أهم أغراض فعل المقاومة بمنطق حروب التحرير الشعبية كما يمكن استقراؤها من تاريخ هذه الحروب الحديثة:
1- فهي قد فرضت الاعتراف العام بالمشكل أولا
2- وفرضت الاعتراف بالمقاومة وبممثليها الشرعيين ثانيا
3- وفرضت القناعة بامتناع الحسم العسكري ثالثا
4- وفرضت الشروع في التفاوض بشروط لا يستهان به رابعا
5- ومن ثم فهي قد فرضت تغليب البعد التفاوضي على البعد العسكري من المقاومة مع المحافظة عليه مفتوحا أخيرا بل ومع تحسين شروطه لأنها انتقلت من مقاومة مهاجرة وعلى تخوم الوطن في الحالات النادرة التي تجد سانحة إلى مقاومة مقيمة على الأرض وقادرة على الاندماج في الشعب وتحريكه بصور متعددة من المقاومة السلبية إلى المقاومة المسلحة.
ولنأت الآن إلى المعادلة التي نريد علاجها. فيمكن أن نصوغ هذه المعادلة المتحكمة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بنموذج مبسط له قلب مؤلف من الثنائي المزدوج "فلسطين-إسرائيل" على أرض فلسطين وفي العالم يحيط بكلا حديه المزدوجين دائرتان مباشرة وغير مباشرة. فإسرائيل ببعديها الداخلي والخارجي يحتضنها دائرتان مباشرة هي أوروبا وغير مباشرة هي أمريكا. وفلسطين ببعديها الداخلي والخارجي يحتضنها دائرتان مباشرة هي الوطن العربي وغير مباشرة هي العالم الإسلامي. لذلك فإن هذا الصراع قد أصبح بؤرة صراع أوسع هو صراع الدائرتين المحيطتين بالحد الفلسطيني مع الدائرتين المحيطتين بالحد الإسرائيلي.
تطابق الصراعان فبات علاجهما من أعسر معضلات الفكر الاستراتيجي لاجتماع محددات فلسفة التاريخ (رمزا إليها بمنزلة العالم الإسلامي في الجغرافيا الإستراتيجية وبمركز الطاقة المادية أو العراق) في لحظته الراهنة بفلسفة الدين (رمزا إليها بفلسطين عامة وبمركز الطاقة الروحية أو القدس) في جوهرها الثابت: الصراع على إرث الأرض ببعديها المعين (المشاعر الدينية) والشامل (الكون كله أي المشعر الرئيسي في فلسفة الدين الإسلامي) بعديها اللذين يدور الصراع عليهما بين طرفين أحدهما يزعم تمثيل بدايتها المؤسسة للتمييز العنصري على نظرية الشعب المختار (فلسفة الدين اليهودية) والثاني يزعم تمثيل غايتها المؤسسة لتحرير البشرية من التمييز العنصري ودحض نظرية الشعب المختار (فلسفة الدين الإسلامية).
لكن تعدد مستويات المعادلة هذا - لحسن الحظ - يعقد الأمور فيفرض على جميع الأطراف المنضوية فيها الكثير من الحذر والتؤدة وخاصة على المحيطين المضاعفين (العرب والمسلمين بالنسبة إلى الفلسطينيين والأوروبيين والأمريكيين بالنسبة إلى إسرائيل) مما يساعد على الروية والفعل العقلاني الذي أحاول هنا بيان أهمية التخطيط الذكي لتحقيق شروطه ومن ثم لربح المعركة بأقل التكاليف (وتلك هي العلامة الصادقة على إجرائية الخطة ونجاعتها). فكثرة الأطراف وتشابك المصالح يجعل الجميع ساعيا إلى تحقيق ما يكون مناسبا لمصالح الجميع دون تطرف قد يفسد الأمور, فيؤلب عليه تحالف الأطراف الأخرى.
فالتقابل بين الرأي العام الداخلي والرأي العام الخارجي بالنسبة إلى طرفي النزاع (إسرائيل وفلسطين) يعدل موقفيهما, فيحول دون الإفراط والتفريط في حالتي الفلسطينيين والإسرائيليين. ذلك أن المنتسبين إلى الرأي العام الداخلي من الشعبين يعيشون كوارث الصراع ويرونها رؤية العين لأن آثارها في لحمهم الحي والمنتسبين منهما إلى الرأي العام الخارجي لا يعيشونها ولا يرونها إلا بصورة مجردة. ورغم أن الرؤية المباشرة قد تؤدي إلي الإفراط في العواطف المباشرة مثل الحقد وحب الانتقام وإلى التفريط في العواطف غير المباشرة مثل الغايات البعيدة والآمال الممكنة مما يفقد المنغمسين في المعترك كل قدرة على التحليل ذي المدى البعيد سلبا وإيجابا, فإن ذلك يساعد في الغاية على الوصول إلى الحل لكون البشر بفطرتهم لا يحبون الحروب الدائمة ويميلون إلى العيش بسلام.
ورغم أن الرؤية غير المباشرة قد تؤدي إلى الإفراط في الكلام باسم العواطف غير المباشرة وإلى التفريط في العواطف المباشرة مما قد يفقد البعيدين من اللهيب الشعور بالأزوف فيكثر من المزايدات اللامبالية بالنتائج الوخيمة على الجميع فإن ذلك يساعد بتقابله مع الموقف السابق علي تحقيق الحل: لذلك فالحصيلة الجملية تكون في الغالب البحث عن توزان بين الرأيين والرؤيتين مما يحقق الحل الممكن دون إفراط ولا تفريط.
ونفس الأمر يمكن أن نقوله بالنسبة إلى التقابل بين المحيطين عند كلا الخصمين. فنسبة العرب والمسلمين إلى القضية من منظور المصلحة الفلسطينية تقبل القيس بنسبة الرأي العام الداخلي (رأي من بقي من الفلسطينيين في فلسطين) والرأي العام الخارجي (رأي اللاجئين) الفلسطينيين منها. ونسبة الأوروبيين والأمريكيين إلى القضية من منظور المصلحة الإسرائيلية تقبل القيس بنسبة الرأي العام الداخلي (رأي مستعمري فلسطين) والرأي العام الخارجي الإسرائيليين (رأي يهود العالم) إليها. فيكون التقابل بين الدائرتين بالحد الفلسطيني والحد الإسرائيلي موصلا إلي نفس العلاقة التي حددنا بين الرأيين العامين الداخلي والخارجي عند كلا الشعبين مما ييسر تحديد العلاقة بين توازنين مضاعفين:
1-التوازن الإسرائيلي والتوازن الفلسطيني أعني التوازن في الحدين المباشرين من المعادلة
2-وتوزان محيطي إسرائيل (أوروبا وأمريكا) وتوازن محيطي فلسطين (العرب والمسلمين) أعني التوازن بين الحدين غير المباشرين من المعادلة.
وبذلك تتحد قابلية المزاوجة بين المعركتين معركة التحرير الجزئي من الاستعمار المحلي بحل شبيه بحل جنوب إفريقيا والتحرير الكلي من علل الاستعمار الكوني أو أسباب التخلف بحل يشبه العقد الحضاري بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي لئلا يفقدا المبادرة التاريخية أغلب عمالقته المقبلين ليسوا منهم. فيكون كلا الحلين مساعدا على تيسير الحل الثاني. فنصل بهذه الصورة إلى التوازن الأصلي بين التوازنات الأربعة أعني التوازن الخامس الذي هو الأول لكونه أصل التوازنات كلها وهو التوازن الذي بات الآن جوهر المعادلة الدولية الحالية أعني منزلة الحضارتين الإسلامية والغربية في عالم عادت فيه الحضارات الشرقية القديمة (الهند والصين خاصة) إلى الفاعلية المؤثرة في التاريخ الكوني عودة ستضع حدود معادلات جديدة ليس للمسلمين ولا للغربيين قبل بها إذا هم واصلوا الاقتتال ولم يستعدوا للتوازن الكوني بين كل الحضارات لتحديد مصير الكون وليس الأرض وحدها.
تلك هي المعادلة التي علينا مساعدة "المقاوم-المفاوض" الفلسطيني على الانخراط فيها بتحديدها التحديد الأصح حتى يعلم أن الظرف الكوني قد وضعه في منزلة يحسد عليها رمزيا وبنيويا حتى وإن كان لا يحسد عليها ماديا وظرفيا: فهو قد صار الناطق الرسمي مثله مثل إسرائيل باسم أم قضايا عصرنا أعني كيفية تحقيق الصلح التاريخي بين الحضارتين اللتين أنتجتا العالم الحديث أعني الحضارة العربية الإسلامية والحضارة اليونانية المسيحية وعليه أن يضع المقاومة المسلحة والحوار التفاوضي في هذا المستوى إذا كان يريد أن يؤثر حقا في هذه المعادلة ببعديها المحلي والكوني. وهذا المقترح نستمده من التحليل المنطقي الخالص لمقومات المعادلة كما تتضح من خلال هذه العلاقات التي لم تعد خفية عن أي عين فاحصة ذات بصيرة:
1ـالتوازن بين بعدي الرأي العام الإسرائيلي:
لا بد أن نفهم القانون الرابط بين حاجة الرأي العام الداخلي (الأمن الشخصي وبقاء إسرائيل) وحاجة الرأي العام الخارجي (أمن المصالح الدولية) حتى نستطيع تحديد سقوف المقاومة والتفاوض. ولما كانت كلتا الحاجتين لها ممثلون في داخل إسرائيل نفسها وفي خارجها فإن التعامل يصبح يسيرا لمن يعلم كيف يجمع بين إستراتيجية المقاومة والمفاوضة. فالوجه الغالب على الرأي العام الإسرائيلي حاليا هو إذن البحث عن معادلة تحقق السلم لتحقيق الأمنين المشار إليهما من خلال الأسلحة غير المباشرة أعني سلاح الهيمنة الاقتصادية والثقافية على الشرق الأوسط مع الحفاظ على وجود إسرائيل. والمطلوب إذن من الإستراتيجية العربية الإسلامية بصورة غير مباشرة والفلسطينية بصورة مباشرة هو العمل على هذا التناقض. علينا أن نعمل على تغليب مطلب الرأي العام الخارجي على مطلب الرأي العام الداخلي بتحييده من خلال المزايدة (الفلسطينية لا العربية والفرق واضح) على التطبيع والسلم والتعايش مع يهود إسرائيل.
وهنا سأقترح أمرا قد لا يعجب الكثير بل هو سيغضب الأغلبية. ومع ذلك فهو ضروري لمن يريد أن يجعل التفاوض الملازم لكل مقاومة ذات أهداف مخططة استراتيجيا أن يجعله فاعلا لا منفعلا ومؤثرا لا متأثرا, علما بأنه لن يقبل من الإسرائيليين وخاصة من المقيمين في المستعمرات لكنه سيكون فعالا في محيطيها الأوروبي والأمريكي: على الفلسطينيين ألا يطالبوا بإزالة المستعمرات بل عليهم أن يطالبوا بالإبقاء عليها تحت السيادة الفلسطينية دون طرد المستعمرين منها. فلذلك غايتان بعيدتا الغور. فنحن بذلك نحتفظ بهم شبه رهائن عند عدم تحقيق الحل النهائي ونحقق الخطوة الأولى نحو الدولة الواحدة ذات القوميتين إذ يكون بعض مواطني الدولة الفلسطينية من أصل يهودي (حوالي ربع مليون) مثلما إن بعض مواطني إسرائيل من أصل فلسطيني (مليون).
فتلك هي البداية الحقيقية للدولة الواحدة ذات القوميتين مع أغلبية عربية في أجل منظور, خاصة إذا ربطنا هذا المقترح بالمقترح المتعلق بحل مسألة اللاجئين. ثم إن هذا المقترح يساعد على حل قضية القدس التي نعلم أنها أعصى القضايا على الحل. فالمستعمرات المحيطة بها يعلم الجميع أنها لا يمكن أن تنفض إلا إذا انتظرنا انقلاب التوازن الدولي إلى غير غاية معلومة. لكنها بهذا الحل يمكن أن يبقى سكانها اليهود مع الخضوع للسيادة الفلسطينية مؤقتا إلى حين تكوين الفدرالية الفلسطينية الإسرائيلية مرحلة نحو الدولة الواحدة ذات القوميتين.
2- التوازن بين بعدي محيط إسرائيل:
وينبغي أن نفهم القانون الرابط بين حاجة الرأي العام الأوروبي وحاجة الرأي العام الأمريكي. فهي تخضع لنفس العلاقة بين الداخل والخارج الإسرائيليين. أوروبا تهتم بالأمن بمعناه الشخصي وبوجود إسرائيل اعني أمن الأشخاص والدولة اليهودية بسبب العقدة التي نتجت عما فعلوا في يهود أوروبا منذ حروب الاسترداد إلى الحرب العالمية الثانية. وأمريكا يهمها أمن مصالحها في الشرق الأوسط الموسع بالأساس. لذلك فانه يمكن لنفس المعادلة السابقة أن تكون أكثر الأوراق الرابحة في الدعاية الفلسطينية.
فالأوروبيون أكثر الناس اقتناعا بوجوب الاندماج الإسرائيلي في الشرق العربي ليرتاحوا من هذه المشكلة التي يعلمون علاقتها المباشرة بأمنهم المادي والروحي وبأزمات ضميرهم الذي يتحرك خاصة إذا كان إرضاؤه يقع على حساب غيرهم. والأمريكان لا يهمهم من ذلك إلا بقاء إسرائيل أداة استراتيجية فعالة للسيطرة على الوطن العربي خاصة. ومن ثم فإسرائيل مثلها مثل كل الأدوات ليس لها من قيمة إلا ما ظلت الحاجة إليها موجودة : الاستعداد لعمالقة القرن الحالي بالسيطرة على موارد الطاقة والمراكز الإستراتيجية المتوسطة بينهم ( بين الهند والصين شرقا و أوروبا وروسيا غربا).
3 ـ التوازن بين بعدي الرأي العام الفلسطيني:
من المعلوم أن الداخل الفلسطيني يريد حلا يمكنه من العيش الكريم قبل أي مطلب آخر رغم ما قد يبدو من الحقد والكراهية التي تغذيها غباوات المتطرفين الإسرائيليين الذين لا يقلون تعصبا عن مؤسسي إسرائيل الأوائل. لذلك فأهل الداخل من الفلسطينيين أكثر واقعية وأقل أحلاما من أهل الخارج. وهذه المعادلة تساعد كثيرا على لعب الورقة الضرورية في إيجاد قيادات فلسطينية واقعية تستطيع التعامل بحنكة مع المعادلتين اللتين أشرنا إليهما وتمكينهم من الاستناد إلى التوازن الأول لكونها تمد القيادة المقدامة بشرعية قد لا يمنحها إياها اللاجئون الذين لا يصطلون بما يصطلي به أهل الداخل فيبالغ قياداتهم في المزايدات التي تضفي عليهم هالة ولا تكلفهم شيئا.
4-التوازن بين بعدي محيط الفلسطينين:
ونفس العلاقة تقريبا توجد بين محيطي فلسطين العربي والإسلامي. فنسبة العرب إلى فلسطين من جنس نسبة الأوروبيين إلي إسرائيل: كلاهما يريد حسم الأمر للقضاء على المشكل الذي هو مشكل حقيقي عندهما مادي وروحي وليس مجرد ورقة لغايات اقتصادية أو إمبريالية. أما بالنسبة إلى من يهتم بالقضية من المسلمين فإن النسبة من جنس النسبة الأمريكية إلى إسرائيل: قضية فلسطين أداة لغايات من جنس ما من أجله توظف أمريكا إسرائيل. لكن مجال التوظيف وأداته مختلفان بحكم اختلاف مجال الفعل: أمريكا تفعل بالقوة المادية والمسلمون الذين يوظفون قضية فلسطين يفعلون بالقوة الإيديولوجية.
لذلك فالمعادلة التي صحت في محيطي إسرائيل لا تصح لسوء الحظ في محيطي فلسطين بسبب اختلاف أداة الفعل في المحيطين. والعلة هي أن العرب تخلوا عما أخذه منهم المحيط الإسلامي المؤثر في قضية فلسطين أعني أن الحركات القومية العلمانية تخلت عن دور الإسلام فحصل هذا العكس في طبيعة التوظيف الأمريكي لقضية إسرائيل والإسلامي لقضية فلسطين. وحتى نتمكن من حل المعضلة يكفي أن يتخلص الإسلام التقليدي في الخليج والإسلام الثوري في حركات الصحوة من وهم التأثير في التاريخ الكوني بمجرد العقيدة والمجازفة بمعاداة الغرب كله أعني الوقوع في أهم أفخاخ الإستراتيجية الإسرائلية من أجل هدف يمكن تحقيقه بكلفة أقل بكثير, خاصة ومعركة الحصول على أدوات التأثير الفعلية في التاريخ الكوني لا يمكن أن تكون في متناولنا إذا واصلنا معاداة الغرب.
فالتعلم من الغرب في كل المجالات الحيوية للأمم الحديثة هو السبيل الوحيدة للتمكن من منجزات الحضارة الغربية ومن التخلص من هيمنتها وربما تجاوز الحضارة الغربية إلى ما هو أكثر عدالة وشمولا للبشر. إن علاج القضية الفلسطينية دينيا ليس من صالح العرب والمسلمين حتى وإن كنا لا ننكر أن للقضية أصلا دينيا وأن للدين دورا أساسيا في تحفيز الفعل الجماهيري. لذلك فإني أعتبر خطة المقاومة المستندة إلى إيديولوجيا دينية لا تكون مفيدة إلا إذا بقيت هامشية وجزءا من خطة اشمل لا يكون فيها العامل الديني إلا أحد العوامل الثانوية.
5-توازن المعادلة الشاملة وعلاج المعادلة الصعبة:
تبقي معادلة القضية الفلسطينية التي وصفنا أبعادها الدولية والوجودية (لصلتها بطبيعة الصراع الكوني الحاصل بين الحضارتين: وذلك هو المستوي الميتافيزيقي من الصراع الذي يجعلني أدلي بدلوي إذ لا يهمني من الظرفي إلا ما فيه من كوني) إذن أصعب عناصر الخطة الفلسطينية. كيف يجد المفاوض الفلسطيني لغة توفق بين حاجتين تبدوان متقابلتين إلى حد التناقض: حاجة العرب والمسلمين إلى حسم القضية للفراغ إلى ماهو أهم أعني تحقيق شروط البقاء في راهن التاريخ الكوني الذي نكاد نخرج منه أعني الثورة العلمية والتقنية والاقتصادية والحضارية والاجتماعية والسياسية.
فنحن لا نزال في هذه الميادين جميعا نشكو من تخلف يقاس بالقرون. وحاجة النهضة والصحوة الإسلاميتين إلى محرك ثوري تاريخي حقيقي يجعل المسلمين في بؤرة التاريخ الكوني من خلال الصراع مع ذروتيه الحقيقيتين أعني أمريكا ماديا (ذروة قوة الغرب المادية بلا منازع) وإسرائيل روحيا (الغرب يعتبرها ذروة حضارته الروحية علي الأقل حسب معتقد النخبة الغربية). فإذا استطعنا أن نفهم المعبرين منا عن هاتين الحاجتين أن نفهمهم أمرين أساسيين استطعنا أن نجد المخرج:
الأول هو أن هذه الحاجة الثانية أبعد غورا من الحاجة الأولى.
والثاني هو أن الحاجة الثانية ذات مدي أطول يجعلها هدفا أسمي يكون فيه هدف الحاجة الأولى مجرد أداة.
ومعنى ذلك أن تحقيق النصر علي ذروتي القوتين الغربيتين المادية والروحية لا يمكن من دون تحقيق الثورات التي أشرنا إليها: العلمية والفنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية بترتيب يذهب من آخرتها إلى أولاها أعني أننا من دون تكوين القطب العربي حدا أدنى والإسلامي حدا أقصى لن نستطيع تحقيق أي واحدة من هذه الثورات علما وان كل واحدة متقدمة منها مشروطة بالتي تليها جميعا في ترتيبنا هذا. وإذا كانت الغاية الإستراتيجية ترفض الصلح التاريخي فإن الغاية التكتيكية تقتضي المهادنة الظرفية: لا نستطيع تقديم البديل من الحضارة الغربية برفضها بل لابد من استيعابها وتحويلها إلي مجرد لحظة من حضارة اشمل منها هي الكونية الإسلامية البديل من العولمة الغربية. ولا يمكن للكونية الإسلامية أن تنبنى على السلب بل هي تجد منهاجها في ما دعا إليه القرآن الكريم خلال نقده التحريف عليها أن تصدق ما بين يديها إذا كان صادقا وأن تهمين عليه بإصلاح ما فيه من انحراف: فالمسلم يقبل السوي ويهيمن عليه لتجاوزه من خلال تخليصه مما ليس سويا وتجديد آمال الإنسانية في مستقبل اسعد واكثر حرية وحفاظا على القيم العليا.
محدد حروب المطاولة الأول محدد بنيوي:
ولنأت الآن إلى تحليل محددات المعادلة المتحكمة في الصراع. فمن المعلوم أن الأقوى ماديا في كل حرب يريدها حرب مناجزة للحسم السريع. لكن الأضعف ماديا يريدها حرب مطاولة لمنع الحسم السريع ولأنه أقوى روحيا بحكم تمثيله للحق. لذلك فالمنطق ينبغي أن يكون بصورة عامة منطق التدرج البطئ ولامتناهي الصغر في الفعل والتأثير. ومن المعلوم كذلك أن القانون النفسي الجمعي والفردي في حروب المناجزة قانون مضاعف فهو يجعل الآخذ لايرضى بالقليل والمعطي لايرضى بالكثير ويغلب تأثير الحاضر الغالب بحضوره الفعلي والمباشر على الماضي والمستقبل المغلوبين بحضورهما الإمكاني واللامباشر.
فيكون الآخذ الذكي من يجعل المعطي يعطي الكثير بأقل ألم ممكن (بتدريج الأخذ وإطالة المدة وبالأعواض الوهمية) ويكون المعطي الذكي من يجعل الآخذ يقبل القليل بأقل ألم ممكن (بإطالة مدة الحرمان حصرا للعطاء في العرضيات والإنجازات الوهمية). ويبدو أن العدو قد أجاد هذه الفنيات عندما كان في وضع الآخذ وكذلك منذ أن صار في وضع المعطي: فهو طبق المرحلية في تحقيق إسرائيل الحالية بالأخذ المتدرج وهو يطبق المرحلية نفسها في تسليم الضفة بالإعطاء المتدرج.
وبدلا من تطبيق نفس السياسة ترانا نكتفي بقول "لا" برعونة تلامس رعونة الصبيان لكأن الحق وحده كاف لإقناع العالم به خاصة وأسباب تحقيقه منعدمة. وبدلا من أن نيسر الأمر عليه فندرج الاستعادة نريد كل شئ في الحين لكأننا ننكر أن ذلك مستحيل حتى لو وجد من كان مقتنعا به من بين الإسرائيليين ونجهل خصائص حرب المطاولة. وأعجب ما أعجب له هو أن الفلسطينيين يستعجلون الحل النهائي ويفرحون بشبه الدولة التي كبلهم بها العدو ليتناحروا على فضلات المعونة الدولية دون أن يعلموا أنهم بهذا المسخ يحررونه من أعباء الاحتلال ومن ثم فهم يلغون دوافع تعجيله بطلب الحل العادل.
فخوفه الأساسي هو أن يؤول الاحتلال إلى عكس ما يرغب فيه. فاحتلال الضفة وغزة لو دام طويلا سيجعل حل الدولة الواحدة بقوميتين الحل الوحيد الممكن ومن ثم فهو سيلغي إسرائيل اليهودية من الجغرافيا العالمية في أقل من نصف قرن. لذلك فالحكمة تقتضي أن نفضل بقاء أعباء الاحتلال على المحتل وأن نواصل المقاومة والتفاوض من أجل تحقيق القسمة الأولى رغم ما تتسم به من ظلم أو تحقيق الدولة الواحدة ذات القوميتين متساوتي الحقوق.
وإذن فالمفروض أن يكون التدرج الطويل في السعي إلى الحل وبقاء الدمل داميا كلاهما لصالح الفلسطينيين. ذلك أن ما نطلبه من العدو دون أن يكون بوسعنا فرضه بالقوة ينبغي يقسم إلي أجزاء فييسر المتقدم منه التالي بمقتضى كونه لا يمكن أن يتحقق معا أبدا و إلا لما لجأنا لحرب المطاولة. فهب الفلسطينيين الآن أخذوا جزءا من الأرض دون أن يمضوا صلحا نهائيا ليبقوا القضايا العالقة وأهمها قضية القدس مطلب المقاومة وتحت التفاوض أفلا يكون وضع المقاوم المفاوض الفلسطيني عندئذ أفضل من وضعه الحالي وأفضل خاصة من وضع المحتل المفاوض الإسرائيلي خاصة عندما تترابط المصالح بين الشعبين فتصبح المقاومة (بكل طرق المقاومة وأهمها العصيان المدني) التي ينبغي ألا تتوقف إلا بعد الاتفاق النهائي أكثر إيلاما وأقرب إلى إقناع رأيي طرفي الصراع العامين المحليين والدوليين بوجوب الوصول إلى الحل العادل. وهب الفلسطينيين يقدمون على الاقتراح الموجب بدل الاقتصار على مجرد الردود السالبة على مقترحات الغير. أفلا يكون ذلك أكثر فاعلية؟
وسأفترض ما قد يبدو كفرانا عند قصيري النظر سأفترض أن المقاوم المفاوض الفسلطيني, بدلا من اشتراط عودة كل اللاجئين مع علمه باستحالة ذلك في الوضع الراهن, يطالب بأمر نعلم جميعا أنه غير عادل لكنه ممكن لكونه أكثر إقناعا وجدوى دعائية فضلا عن فوائده البعيدة إذا تحقق (إذ هو سيعطي الفلسطينيين أمرا لم يحققه اليهود إلا بجهود دامت قرونا للانغراس في الغرب وتكوين جاليات مؤثرة) تحديد مسئولية مشكلة اللاجئين كما حدثت فعلا وعدم التشبث بشكليات الحقوق الصورية التي فقدت معناها عدا دور الشعار في الصراع بين الفلسطينيين.
فهذه المسئولية تتوزع على إسرائيل (التي احتلت الأرض وشردت أهلها بالعنف والإرهاب) وأوروبا (انجلترا التي وعدت اليهود بفلسطين وفرنسا التي أعطتهم الحصانة النووية وقبل ذلك ألمانيا التي اضطهدتهم) وأمريكا (التي تحمي عدوان إسرائيل وتساعدها على التوسع) والعرب والمسلمون (لوعودهم الكاذبة ولتقاعسهم عن حماية فلسطين) فطلبوا تقسيم عبء المشكلة عليهم جميعا بالتساوي مطالبة بإعطاء الفلسطينيين حق المواطنة الكامل بحسب النسب التالية (فهم تقريبا أربعة ملايين) ربعهم أي فلسطيني الشتات يعودون إلى ما احتلته إسرائيل من أرض فلسطين وربعهم يعود إلى أوروبا وخاصة ألمانيا وانجلترا وفرنسا (ثلث مليون لكل واحدة) وربعهم إلى أمريكا والربع الأخير يقسم مناصفة بين البلاد العربية والبلاد الإسلامية (لفقرهم ولعدم إمكان إقبال الفلسطينيين الممكن عليها).
وأكتفي بمليون يعودون إلى إسرائيل لعلتين: واحدة من منطلق رغبة اللاجئين أنفسهم إذ إن الكثير منهم لا يريد العودة خاصة من استقرت به الحال في الغرب والثانية من منطلق الشكل التكتيكي والهدف الاستراتيجي للحل. فهذه النسبة تبدو معقولة عند العدو وحماته وهي كافية للغرض منها أعني تحقيق الأغلبية الفلسطينية في إسرائيل في المدى المنظور. وهذا التوزيع ينبغي أن يكون بالخيار لا (بالفرض) مع معاملة القوميتين بالتساوي أمام حق العودة لأن الشرعية الدولية رغم ظلمها تقتضي على الأقل إعطاء نفس الحقوق للقوميتين في أرض فلسطين.
لكن كيف يمكن للمقاوم المفاوض الفلسطيني أن يقدم على الاقتراح الفاعل إذا بقيت شعوبنا خاضعة إلى المزايدات الديماغوجية التي تتناهشها من كل صوب وحدب؟ وطبعا فهذا المقترح لا يعني تجاهل الحقوق الفلسطينية الثابتة ومن ثم فلا فائدة في التذكير بها أو الزعم بأن صاحب المقترح يتنكر لها. إنما هو يسعى إلى أفضل الشروط لتحقيقها بأقرب السبل رغم أن المقترح يبدو بانتهاج الطريق غير المباشرة في منطق الخدع الحربية وكأنه يتنكر لها: فالدجاجة وحدها تموت جوعا في صدامها مع الحواجز الحائلة دون الوصول إلى الغذاء أمامها بدلا من استعمال المخرج الخلفي المفتوح.
محدد حروب المطاولة الثاني محدد ظرفي:
إن المنطق الذي يمكن أن يساعد المقاوم المفاوض الفلسطيني يحدده عاملان هما عين خاصية القوتين المتصارعتين في المسألة الفلسطينية بما هي جوهر الأزمة الكونية التي بؤرتها فلسطين بين القوميتين (العربية واليهودية) والعالم بين الحضارتين (العربية الإسلامية واليهودية المسيحية) وكلا العاملين مخمس الدرجات:
1- الرأي العام الفلسطيني الذي هو حصيلة عامة مخمسة الأبعاد لكونها مؤلفة من الرأي العام الفلسطيني في الداخل (الذي أصبح بحمد الله موجودا بفضل خطة التفاوض الأولى ثمرة للانتفاضة الأولى) والرأي العام الفلسطيني في الخارج (اللاجئين) ومن الرأي العام في محيطه العربي والرأي العام في محيطه الإسلامي (الذي صار موجودا بحمد الله بفضل الانتفاضة الحالية) في صلتها جميعا بالموقف من إسرائيل بوصفها مغتصب الأرض الذي وقع الاعتراف به في الواقع ولا يزال مرفوضا في الواجب.
2- الرأي العام الإسرائيلي الذي هو حصيلة مخمسة الأبعاد مؤلفة من الرأي العام اليهودي في الداخل (إسرائيل) والرأي العام اليهودي في الخارج (الشتات) والرأي العام في محيطه الأوروبي والرأي العام في محيطه الأمريكي في صلتها جميعا بالموقف من فلسطين بوصف شعبها المقاوم قد وقع الاعتراف به في الواجب ولا يزال مرفوضا في ا لواقع.
والمعلوم أن العلة في تعاكس طبيعة الاعتراف المتبادل بين إسرائيل وفلسطين من رأييهما العامين ومن رأيي محيطيهما العامين ليس بالأمر الاتفاقي, فلا يمكن للطرف الإسرائيلي ومن معه أن ينكروا الوجود الفلسطيني في الواجب من دون نكران الأساس الحديث لوجود إسرائيل : إذ يتعذر مواصلة استنكار المحرقة مع القيام بمثلها دون نفي شرعية عدم الاعتراف بالوجود الفلسطيني في الواقع على الأقل في مستوي المبدأ. لكن ذلك لن يتم إلا بتحقيق ثمرة هذا الاعتراف: التسليم بالشعب الفلسطيني في الواقع أعني حقه في الدولة وهو ما بدأ يتحقق منذ مدريد.
كما أن الفلسطينيين ومن معهم لا يمكنهم أن ينفوا الوجود الإسرائيلي في الواقع من دون نكران الأساس الحديث لوجود فلسطين المقبل: إذ يتعذر مواصلة استنكار التهجير الفلسطيني مع السعي إلى القيام بمثله في المستقبل (طرد اليهود من فلسطين وخاصة من الأجيال المولودة في فلسطين) من دون نفي شرعية عدم الاعتراف بالوجود الإسرائيلي في الواجب على الأقل في مستوي المبدأ.
لكن هذين الاعترافين المتناظرين بالعكس لن تتحقق ثمرتهما إلا بتحقيق ثمرة هذا الاعتراف في الواقع وفي الواجب من الناحيتين: تسليم الطرف الفلسطيني ومن معه بالشعب الإسرائيلي في الواجب أعني حقه في التعايش مع الشعب الفلسطيني على نفس الأرض على الأقل في الخطاب الرسمي الذي يمكن أن يكون مسموعا في العالم وتسليم الطرف الإسرائيلي ومن معه بالشعب الفلسطيني في الواقع أعني وجوده مع الشعب الإسرائيلي والتساوي في الحقوق المدنية إلى أن تتحقق الدولة الواحدة ذات القومتين المتآخيتين. وبذلك يتبين أن الدولة الواحدة ذات القوميتين المتآخيتين في فلسطين آتية لاريب فيها.
فكلا الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي باتت مقومات هويته مناظرة لمقومات هوية الآخر رغم التزاحم الوجودي بينهما في التاريخ الفعلي (وجود أحدهما بات عنده مشروطا بنفي وجود الآخر) للتلازم الوجودي بينهما في الواجب الخلقي (كلاهما يعيش نفي الآخر في نفي ذاته من الآخر فيحاول فهم ضرورة التخلص من عقدة التنافي الوجودي في التاريخ الفعلي) ما يجعلهما ممثلي هذين الوجهين في شكل وجود برزخي ناتج عن العلاقة بين الحضارتين العربية الإسلامية والغربية المسيحية العلاقة التي تتصف بصدام التزاحم الوجودي في الواقع التاريخي وبحوار الوعي الخلقي بضرورة الوجود المتحرر من السلب المتبادل سعيا إلى تبادل الاعتراف والتكامل في الواجب. فلكأن العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب المسيحي ممثلين بالحضارة العربية الإسلامية وبالحضارة الغربية المسيحية قد تعينت في كيان جغرافي تاريخي ماثل للعيان هو فلسطين عامة والقدس خاصة منذ الحروب الصليبية إلى اليوم. تلك هي رمزية القدس التي نقصد والتي علينا أن نفهم محدداتها.
القدس هي الرمز الأمثل لهذه العلاقة المتناظرة. لذلك فالحل لن يتأتى إلا من فهم الرمز والعمل على جعله أداة توحيد بدل أن يبقى أداة حرب لا تتوقف منذ الحروب الصليبية. ذلك هو أساس الخطة التي نحاول صوغها والتي يمكن أن تجعل الفلسطينيين والإسرائليين ينتصرون في حل معادلة العلاقة بينهما عينا من المعادلة بين الشرق العربي الإسلامي والغرب الأوروبي المسيحي حلها في مدى ليس بالبعيد. فالصراع بينهما مباشرة وبين الغرب المسيحي والشرق الإسلامي بصورة غير مباشرة صراع دولي وكوني بالطبع وهو صراع ينبغي أن يتغير بمقتضى المعادلات المقبلة للمعمورة بمجرد أن يفهم الجميع ضرورة التحرر من معادلات الماضي, ناهيك أن الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية ثمرة من ثمرات النظام الدولي الفائت في مستوى النصوص لم يتحقق منها إلا النصف في الواقع أعني الدولة الإسرائيلية وبقي النصف الثاني حبرا على ورق. لا بد إذن من تحقيق النصف الثاني وذلك هو ما ينبغي أن يبدأ به تحديد النظام الدولي الموالي للنظام الدولي الجديد استكمالا لتحقيق النصف الأول من قبل النظام الدولي السابق .
تلك هي أفضل طريقة للمساعدة على تحقيق هذه الغاية المرحلية وفي نفس الوقت المساعدة على استئناف المسلمين دورهم في التاريخ الكوني مما يحاولون توريطها فيه بوضع حكومة فلسطين الجديدة أمام خيارين أحلاهما مر بوضعها بين خليتين: إما التنكر لعلة وجودها أو ضمها إلى ما يسمونه بالإرهاب. فأفضل طريقة هي وضع القضية في شكلها القانوني الأصلي مهما كان ظالما لأن كل إصلاح ينطلق من الوضعية في شكلها القانوني ليحققها أولا ثم يعدلها لاحقا. لا بد من تحقيق الحل الشرعي الأول ومطالبة من حصل على النصف أن يسمح للطرف الثاني من الحصول على نصفه ثم يقع تبادل الاعتراف بين من أعطاهم القانون الدولي هذين النصفين وإعلان الاعتراف الدولي بالدولتين معا في الحدود التي ضبطها قرار التقسيم وإلغاء كل ما هو أمر واقع يعارض هذا.
ويمكن أن نقول إن جميع الكيانات القطرية في العالم أجمع العالم الحالي نتج شكلها الحالي عن حركة الاستعمار الحديث, ومن ثم فهي متضايفة مع القوى الاستعمارية لأنها تدين لها بالوجود: كل الدول الحديثة في العالم الثالث من الصنائع بمعنيي الكلمة أعني أنها مصنوعة وصنيعة لمستعمر الأمس ما لم تتحرك لتحقيق شروط قيامها المستقل فتصبح ذات كلمة مسموعة في تنظيم العالم على أسس أكثر عدالة. وبذلك نفهم الترابط الوثيق بين الظاهرتين الاستعمارية وخارطة العالم الحديث في كل المستويات: في الثقافة والاقتصاد بل و في طبيعة الوعي التاريخي والوجودي والفلسفي.
ولولا هذه العلاقة لتعذر أن نفهم الكثير من ظاهرات التاريخ الدولي الحديث. فكيف يمكن أن نفهم أن تكون الهند قد أصبحت لغتها الرسمية إنجليزية ونظامها ديموقراطيا من دون أثر الاستعمار الإنجليزي ؟ وكيف يمكن أن نفهم الفكر الفرنسي من دون آثار المسألة الجزائرية وبالعكس من يمكن أن يفهم أحداث الجزائر حتى بعد الاستقلال بل خاصة بعده من دون الصلة بفرنسا. وكيف يمكن أن نقرأ الوعي الأمريكي من دون هزيمة أمريكا في فياتنام ماضيا وفي العراق مستقبلا؟ هوية فلسطين القطرية وهوية إسرائيل كلتاهما ظاهرة حديثة وكلتاهما نتجت عن الاستعمار الإنجليزي الذي استحوذ على بقايا الخلافة في بعض أجزاء الشام ولا يمكن تصور الواحدة منهما من دون الأخرى إلا إذا أردنا أن نواصل نكران الواقع, فتخلينا عن كل تدخل فاعل ومؤثر فيه تأثير يمكن أن يغيره بشرط البدء بالاعتراف به وفهم قوانينه. وطبعا فالقصد هو الوعي الوطني المحدود بالقطر الفلسطيني (ومثله الوعي الوطني التونسي أو الجزائري الخ. )... ولست أقصد الوجود المادي للشعب الفلسطيني فهو متقدم الوجود على إسرائيل وعلى الاستعمار البريطاني..
الخاتمة
مقاومة مسلحة متحضرة تتلازم مع سياسة تفاوضية ذكية تجرد العدو من سلاحية الرئيسين لكونها ترقى إلى مستوي الصراع الوجودي بأبعاده الميتافيزيقية: الحجة والقوة. وهذا لعمري من أيسر الأمور في حالتنا هذه لكون الصراع هنا بخلاف ما كان عليه بين المضطهدين من العالم الثالث والمستعمرين من العالم الغرب. ذلك أن إسرائيل حتى وإن كانت قيادتها الأولى غربية فإنها مع ذلك - ولو من باب التوظيف الاستعماري - تعاني من نفس الإشكالية التي نعاني منها: الحاجة إلى الوصل بين الأصل القديم ذي التعليل الوجودي المستمد من بعد الوجود الأخروي والوضع الراهن الساعي إلي التعليل الوجودي المستمد من بعده الدنيوي.
والفرق الوحيد بيننا هو أن شروط البعد الدنيوي تغلب على إسرائيل لكون البعد الأخروي يكاد يقتصر عندها على مجرد التوظيف العقدي: البعد الدنيوي هو الأمر المتحقق والغالب على وجودها الفعلي. أما عندنا فالأمر هو بالعكس تماما: البعد الدنيوي ليس إلا أماني لم يتحقق منها شيء والبعد الأخروي أعاده الجهل العام إلى مستوى خرافي بخلاف ما تدعو إليه الرسالة التي تجعل إرث الأرض بأسبابه الحقيقية جوهر تحقيق الأمانة الإنسانية. لذلك كان فعل إسرائيل مؤثرا بفرعيه القولي والعملي وكان فعل العرب غير مؤثر ببعديه القولي والعملي.
فالفعل الإسرائيلي يعتبر البعد الأخروي غير فاعل بحق إلا بمضمونه الدنيوي (أدوات الاستخلاف أو شروط إرث الأرض). والفعل العربي يخلو من حقيقة البعدين لذلك فهو لا يزال غير مؤثر ونحن نريد له التأثير. ولست أدرى من الرسول الكريم عندما وصف أهل الكتاب بكونهم أهل الذكر الذين يمكن أن نتعلم منهم إذا كان هذا التعلم محققا لمصالحنا ومساعدا على تحريرنا وتحريرهم من التحريف الذي غلب عليهم فجعل فسادهم في الأرض يطغي عليهم وعلى العالم. وما لم نتخلص من القول والفعل العاطلين فإننا سنبقي من أنصاف الشعراء: نقول مالا نفعل ونهيم في كل حانة ونعرض العاملين بالمزايدات والمبالغات تأسيا بقول نقادنا في الشعر وقياسا عليه فنعتبر أجمل الفعل أكذبه.
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام