shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

                                    رسالة الفغران

                                        (2)

                                                                       الجارح  الراجحي

أعوذ بالله من كل ما عداه. وبعد: فلكأني سأخلف الوعد. فبداية الحكاية لن تكون حكاية بل استطراد. وقد تشوبه شائبة فلسفية. لذلك فإني أقدم اعتذارا مسبقا لصديقي المرصوني راجيا ألا يحاسبني على "جلمغتي" في ما ليس لي فيه: كيف للقص أن يتحول إلى "مقص" (بالمعنى التونسي)؟ لكن أليست الفلسفة معمل المقصات التي "تكرشب" (معرب منحوت من كروش بيي الفرنسية) العقل الإنساني الذي يعمل نفسه مغناني: أي الأبوريات والبارادوكسات (معربان عن اليونانية ومعناها الطرق المسدودة والمفارقات التي لا علاج لها) ؟

وسبب هذا الإخلاف إخلاف متقدم عليه. وسأقطع السلسلة المدبرة وإلا لتسلسل الأمر أو لدار فأقع في العار لأن المتكلمين يقطعون وكأنه لا شيء صار: ويسمون ذلك بديهيات وأوليات وهات من ها اللاوي هاهاها هات. أو قل تخلف ما ينبغي ألا يتخلف لكن ما العمل ونحن في أمة تقدمت بفضل الكلام إلا إذا التفتنا إلى الوراء أعني متقدمة في الخَلف ؟ وليس في ذلك أي خُلف. وما اختلفنا بل اتفقنا. فالمهم أنه لا أحد قبلنا.

وهل يوجد فرق بين الأمام والخلف ومذهب الجماعة الذي عليه العامة والطامة  ينفي الجهة ؟ صحيح أن الكحكاح يناقش في الجهات المنطقية بكل روية أعادته لعادات أبي سعدية بعد أن أضاف إليها الأجراس لأن المهراس أعلمه بقرب فصل الأعراس. نسي كعادته انه حلف على تركها عندما يأتي دور أبي العربية في ردوده الكحكحية: يريد أن ينفي التعالي على مبادئ العقل ويؤسس فكره كله على حل وسط بين الممتنع واللاممتنع فيسميه الممكن المخصوص الذي يبنبي عليه كل حجاجه المرصوص. فمن يرى سر الصرامة المنطقية هل يمكن أن يجرؤ فيلوم الولد المفعوص؟ أنا أخاف من كل كرفوص خاصة إذا كان ذا بعبوص. وخاصة بعدما حيا دقته المنطقية الوجال الفساء الذي ليس لعقيله دواء. ألا فلتطلبوا معي لهما الشفاء قبل أن يصبحا كلاهما عواء.

أخلفت وعدي هذا الأسبوع لأن أمرا ما تخلف في الأسبوع الفارط. لم أحترم بالكامل شروط التعريف الذي قدمت به رسالة الفُغران: كان مانعا ولم يكن جامعا استثنيت كل من ليس من الكحكاحين لكني لم أضم كل من هو من الحكائين. ولا خلف ولا خلاف ولا اختلاف وإنما هو تقدم إلى الخلف: أي أني عدت القهقرى لأرقع الحلقة الأولى من رسالة الفغران حتى يتعادل من التعريف كفتا الميزان. فقد نسيت عند تعريفي قانون الكحاية وشخوصها تعريف قانون الحكاية وذاتي وصفاتي. كما لم أحل إلى المرجعية النظرية التي تعلل ما يطرأ على شكل الإبداع ومضمونه إذا قلبنا العلاقة بين الغيب والشهادة بمنطق القرآن مطبقا على تمثل الإنسان للتاريخ المراوح بين العقل والوجدان (أعني كتاب أبي يعرب في الشعر المطلق).

قاتلكم الله أيها الطليان: فبسبب لغة المافيوزي برلسكوني البهبار صرت نساء مثل الشيخ الثرثار. لكن الأهم من ذلك كله أن نسيت ما يمكن أن يكون عليه وصفي للشخوص: ألا يكون عرضةً لحكم التنابز بالألقاب فأوصد دون نفسي من الجنة كل باب؟ فمهما طمعت في غُفران الله الغفور الرحيم ومهما تجنبت حتى كلمة غفران فاستبدلتها بفُغران لا يمكن أن أنسى أنه شديد العقاب. ثم كيف يعقل أن أكون معارضا للحجة الأساسية التي يعارض بها أستاذي الفكر الكلامي وأدعي أني في الفكر والقص "دامي" (تونسية وتعني ذا قدرة حديدة) ؟ ألا أكون بذلك هادما لما يبني لكأن كلامه صار في "وذني" (تونسية وتعني بالضد عدم السمع والطاعة)؟ حاشاي أن أفعل على الأقل حتى لا يغضب أستاذي المدموحي فيلقبني بالمقموحي. إني أخشى دمحه إذ يطرق لعدم الرضا ويستشيط للغضب وإن كنت أفرح لدمعه إذ ينشرح فيضحك للطرب.

فلا بد إذن من فتوى تزيل عني التحجر (فتمدني بأساس المرونة الفكرية) حتى يترجح الجارح الذي كثيرا ما يحرج الراجح. علة الاستطراد مضاعفة إذن: التفوى الرعشية والترعيف السلفسي. أقول ذلك حتى يهنأ من أراد أن ينابز صديقي مليح الغيور فنابز جماعته وصفا لشيخها بالثور ولكل واحد ممن بقي من مواليه أعني الأربعة الباقين بالطرطور: الهجال والوجال والزجال والحجال. ومعنى ذلك أن السارف له بعض حكم وليس بخارف بدليل أنه لم يحرم نفسه مما حظ به كل ما بقي حوله في الموقع من المعارف: فهو قد رضع ثورا معهم فلم يشرب لبنا من بين الدم والفرث بل تعلم مثلهم في ماء البحر الميت كيف يكون الحرث.

علي إذن أن أبين في بداية الكحاية لماذا ينبغي أن نعامل الأبطال بأخلاقهم التي هي جنس فشلفي (من الفشل) قفهي (من القفة) وهم يظنونها من جنس فلسفي وفقهي: فهي من نوع فشلة العلماء الناتجة عن حمل القفة للأمراء بترديد دائما قف حتى أوقفوا كل حياة في نظر الأمة وعملها. أستطرد إذن لأبين العلاقة بين الأمرين: التعريف بذاتي والفتوى التي استندت إليها في الجمع بين معارضة الكلام وكتابة رسالة الفُغران بمنطق البيان قيسا للشاهد على الغائب في القرآن بدل منطق الكفران في تحريفه عند الرهبان. كيف أبحت لنفسي الجمع بين الموقفين؟ لا بد من تفوى ووتفى لا تكون "فتوى للجيعان" فتمكن من تبرير ذلك بالجمع بينهما جمع الأداة والغاية فتكون كتابة الكحاية لمعارضة الكلام.

ولم هي حكاية عن كحاية؟ فبمنطق القلب للقانون من أصله جعلت الحكاية كحاية توحيدا بين الشكل والمضمون لأني لن أحكي أحداثا درامية حاصلة أو متخيلة بل أحداث قولية حاصلة أو متخيلة هي إلى ثرثرة الأقوال عند المتكلمين أقرب منها أفعال السالكين. وذلك هو معنى الكحكحة في العربية. إنها الزبد الذي يذهب جفاء حتى وإن عكر ماء: وكحكح ثنائي مضاعف أي من الصيغة الغالبة على الرباعي من جنس طرطر وأطأط عند الزجال الكشاش. ولعل أفضل الأمثلة هو كركر في الدراسة إلى الخمسين للحصول على الابتدائية في التدجيل عند الفشفاش اللي ما عنده علاش لولا ما حوله من أوباش إلخ...ويفيد كحكح كثرة الكلام الذي لا معنى له عند المتكلمين. فكلام الكحاكح الذين لا يتوقفون عن اللكام (يتلاكمون) كما هي حال ملعاء (من الملع وهو التسرع وخفة العقل) اللكام (من الملاكمة) مع ما يصاحب ذلك من رذاذ البصاق والريق المتطاير بين الموالي والمستولي عليهم: ذلك هو مضمون الحكاية.

ولنبدأ بالتُّفُوى (اسم صوت والإمالة تعوض الهاء) والوتفى (منحوتة من حرف العطف "و" ومن اسم الصوت "تف" وليزدها القارئ حرف الجر المناسب) التي يسميها علماء آخر زمان "فَتْوى" والتي لكونها في الأغلب "فتوى للجيعان" صارت بلوى لكل إنسان في كل العصر وفي كل مصر منذ أن صارت الأمة يقودها المعاتيه والقصّر. فالتنابز بالألقاب لا شك في حكمه لأن فيه نصا صريحا من القرآن الكريم. لذلك فمن المفروغ منه أني لن أقدم عليه حتى وإن بدا في تسميتي شخوص الحكاية ما يخال المُلَعاء الذين يعيشون على المتشابه أنه يشبهه. ذلك أني لا أنابر بالألقاب بل بـ"الأقلاب" أعني ما بنى على "المتفرهد" (الخليل) معجمه أولا ووضع عليه "ولد الجن" (ابن جني) نظرية الاشتقاق الأكبر ثانيا: التقاليب هي سر فقه العربية بلا منازع. فهل يلومني الفقهاء بتفاتهم والكحكاحون بكحكحاتهم عن استعمال فقه اللغة فيجرمون ابن أحمد وابن جني ؟ فالأول يحمد الله مثل أبيه والثاني ليس به مس لأن أباه أقسم ألا يمسسه حتى لا يصيبه مس من الجن. ولما كنت دونهما علما بلسان القرآن فلا خوف علي من الإنس (أحمد أبي الخليل) ولا من الجن (الجني أبي أبنه).

 فالتقاليب ليست نبزا بل هي علم. وكل علم يمكن أن يكون علما أداة. والأداة هنا وظيفتها أن أرد بها الألقاب الكاذبة على أصحابها بالرد على كحكحتهم وليس عليهم.  فإذا صادف فكان قلبها بالعكس يعيدها إلى ألقاب حقيقية فبها ونعمت وإلا فنحن لم نخسر شيئا. ولا هم. فقد يفهمون أسماءهم الحقيقية ويتخلون عما استعاروه كذبا وبهتانا. وقد يمكننا القلب الاسمي من فهم القلب الوصفي. فقلبنا لقانون الكلام قلب لا يدرك معناه إلا ذو قلب سليم. نحن سنقيس الشاهد على الغيب لنتحرر مما سماه الجنيد بالعيب. والكلام له المنهج المزعوم يقيس به الغائب على الشاهد.

وما هو بالمنهج بل إنما هو تغرير معرفي وخلقي: فهو عين العيب لرده إلى محدودية الشاهد لامحدودية الغيب. إنه يحكم العادة في ما لا يخضع لأي عادة إلا عند المصابين بالبلادة فيتصورون التأويل أمرا آخر غير تحريف النقل بالعقل. الحكاية تقيس الشاهد على الغيب فتوسع أفق العقل بخاتمة النقل فيدرك الإنسان حدوده ويرتفع إلى شهوده لئلا يكون له إلا رب واحد هو معبوده. وهكذا فكما تلاحظون يعتمد القانون الكلامي على سلبين لعلاقتين يجعل فيهما التابع متبوعا والمتبوع تابعا:

فالشاهد المحدود جعله الكحكاحون معيار الغائب اللامحدود يقاس به وعليه.

وحكم العادة أو العقل الكسلان صار معيار النقل المحرر من الشركاء والأوثان.

ويحصل ذلك في الحالتين من أجل تحقيق غاية ينهى عنها القرآن بنص صريح بل ويبين تعليل النهي عنها بحجتين ينبغي لكل مجتمع سليم أن يعالجهما بكل ما أوتي من قوة: أما الداء فهو التأويل وأما علتاه فهما زيغ القلوب وابتغاء الفتنة. ألست إذن بمعارضتي علم الكلام هذا الضرب من المعارضة أكتفي بتطبيق ما حرر القرآن منه الناس أعني مصدر كل تنابز بالألقاب بل وأكثر من كل الفتن: الكحكحة الكلامية ؟

وحتى أكون واضحا شديد الوضوح سأقول ذلك بلغة ما تزال حية في من بقي من مضر في تونس العربية: أعني بدلالات لا تستمد من الكتب بل من الممارسة الفعلية للسان عدنان في إفريقا عقبة النفعان. فإذا وصفت الدجال بالفشفاش والهجال بالفياش والوجال بالمَشْمَاش والزجال بالكشَّاش والحجال بالهيَّاش واعتبرت الجماعة كلها ما تسواش لأنها من الأوباش هل أنا أنابز أحدا ؟ كلا. فلا يمكن أن يتجاوز كلامي التجريح المنهجي الموضوعي للتعديل العلمي في تخريف المتكلمين حيث لا علم ولا هم يفرحون؟

1-فالدجال فشفاش لأنه يفاخر وما عنده باش.

2-والهجال فياش لأنه يحاكي الفشفاش وما ثم علاش.

3-والوجال مشماش لأن الأوليْن لم يبقيا له إلا الهراش كالخفاش. 

4-والزجال كشاش لأنه فتواش بوبلاش كبوكشاش (يعرف الفقه أكثر من القرضاوي).

5-والحجال هياش لأنه فراش وهو في الندوات وشواش وبهناش (س بالعبرية).  

6-لذلك فالخاموس كله فرفاش وكل واحد منهم يخاف أن يكتشف الناس أنه ما يسواش فيبالغ في تلوين الرياش: إنهم حثالة من الأوباش. فهل بعد هذا الوصف الموضوعي يوجد من يقلي علاش وإلا كيفاش؟ (ملاحظة معجمية: ما يزال لمن بقي من الجماعة بعض هوائيات تونسية بعدة الباقين يمكنها أن تترجم لهم هذا الكلام الواضح لمن يعرف العربية الحقة ولا يكتفي بصحف الحكة).

لكن علي أن أرد على أسطو قبل أن أعتذر عن جمعي بين صفتي المستفتي والمفتي حكما والمستعجم والمستلفس نظما. قال أرسطو رحمه الله وأرضاه ونفعنا ببركة علمه وأهناه –لعل هذا الدعاء الصادق يرضي أستاذي أبا يعرب الذي يجل أرسطو حتى اعتبر فكره الركن الثاني في حضارتنا بعد القرآن-إن الهجاء يستمد مما يسقطه الهاجي من ذاته على ذات المهجو: فيكون في ما فيه من مهاجيه متسوحى مما فيه. وقبل أن أنسى فلعله من الواجب أن أقرص أذن المخرفين الذين تصوروا فلاسفة العرب بهائم لم يفهموا طبيعة جنسي الأدب اليوناني فأرجعوهما إلى المدح والهجاء: فالذي فعل ذلك هو أرسطو نفسه بنظرية التفسير النفسي والخلقي والاجتماعي للابداع أي إن الطراغوذيا أصلها المدح والقموذيا الهجاء فليهنأ الأغبياء الذين يتطاولون على ابن رشد وابن سينا والفارابي وهم سلاحف يريدون منا أن نأخذ العلم من رؤوس الفكارن (=السلاحف تورية عن البلادة ببطء الفهم قياسا على بطء النقلة).

 ولعل أرسطو محق لو كان التجريح والتعديل هجاء أي شعرا من جنس كتاب القموذيا (الكوميديا عند المتافقهين) وخاصة إذا كان من الكدائين في الشعر العربي المنحط كحال الزجال البوكشاش والجديع  (مجدوع الأنف) والبكوش (أبكم)  فيستعير "بوش" (فرنسية ومعناها الفم). لكن ماذا يمكن لأرسطو أن يقول عن أرسطو صاحب المنهج النقدي ؟ هل التجريح والتعديل هجاء فيصح عليه أن المجرج لا يجرح مجروحه إلا بما فيه جروح ؟ هذه فاتتك يا أرسطو. سامحني فيك يا معلم أول: علمت شيئا وغابت عنك أشياء. التجريح والتعديل منهج نقد علمي يمكن أن يطبق على الأشخاص من حيث هم رواة للحديث والخبر (وهذا ليس موضوعنا) ويمكن أن يطبق عليهم من حيث هو واصفون لذواتهم (وهذا هو موضوعنا). فهم رواة حديثهم وخبرهم حاشا السيرة النبوية.

فإذا بينا كذبهم في تزيين سيرهم بما ليس فيهم فهل نحن نهجوهم؟ ألسنا ربما نمدحهم بما فيهم فنساعدهم على الأقل في نزع هندام أبو سعدية وجلاجله الكاراكوزية. وقد يستفيدون من خصائلهم الحقيقية التي أنكروها فائدة أكبر مما يعود عليهم من الخصائل التي يدعونها وما هي لهم: فافرض يا معلم أول -وأنت أبو الفروض والفرائض والفرضيات والمفروضات- أن الدجال فتح حانوت "دقازة وخط رمل"-وقد ذكر ذات مرة أنه عزام يعرف مقبل الأيام إذ توقع كل ما سيقع لعقائد الأستاذ- أما كان يصبح من أثرياء البلد دون حاجة لحفظ المتون وتقليب الصحون والتكدي عند أصحاب المجون الذين نصحوه بأن يسعى إلى وضع الدال أمام اسمه فيقفز على الميم والباء بكل إباء ؟ أما كان يكفيه سبحة قصيرة ولحية طويلة وكثيب رمل وبعض الكحكحات مصحوبة بهات من ها اللاوي هات ها ها هات؟ وقس عليه بقية الفرفشات والفرقعات الإعلامية في البغدادية عن مستقبل التيمية والمرزوقية والأركونية لأن الباطنية والرافضية ليست قضية ما دام يمكن أن تكون سخية. ترى إذن ياناكر جميل أستاذك من يصح عليه حكمك في القموذيا ناقد صاحب الفيروس (معلوم) والملاخوليا (الحصر الناتج عن الإحباط) والكرفوس (والله لا أدري ما معناها لكنها تقال للدلالة على أي شيء ثم يقتضيها روي الشطر فلنأخذها كما جاءت ولعلي نسيتها) أم ناقد مؤسس الأيدوس (المثل) والبايديا (التربية الفلسفية) والناموس (كتاب الشرائع)؟

ولأعد الآن إلى الجمع بين رأيي الحكيمين: المفتي والمستفتي في آن. لست أبرر سلوكي بحيل ثلاث كلها محرمات عندي:

1-بالفهلوية كما فعل الفارابي إذ دشن الفكر العربي بالتلفيق بين التابل والقروية جمعا بين صاحب اللوغيون والأكاديمية

2-بالعنجهية كما فعل عرابي الذي دشن الحداثة العربية بالانقلابات العسكرية التي صارت موضة عربية حتى في الرئاسة العلمية: انقلاب تلامذة القرضاوي عليه لأن الملالي يدفعون أكثر.

3-بدق الحنك كما يفعل الباباس يوم الجمعة فيأكل اللحم باسم السمك. وهذا طبعا من التفوى التي قلنا إنها صولجان هامان الذي يستعبد أرواح بني الإنسان.

إنما جمعي بين الأمرين هو عين الفُتوة دون "تْفَنْتية" (فرنسية معربة ومصرفة لأنها مصدر فنتى يفنتي تفنتيا وتفنتية أي راوغ وليست إيطالية لذلك لم أنسها) ولا فتْونة (الفتوة المنحطة والكلمة مصرية) ولا فتنة (جمعها فتن وهي ثمرة الكلام الجوهرية) ولا نتفة (وتجمع على نتف وهي الخاصية الجوهرية للكتابة الكلامية). فلا فتوى إلا للضمير وحرية التفكير شرطين لتبين الرشد من الغي ومعرفة الحقيقة بترك الميت من أجل الحي. فمن رُبي على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضيْ عين لا يقبل بسلطان الكهنوت ولا يحشر الناس في ثابوت فيجعلهم عامة بل يحاول أن يمنع حلول الطامة العامة: فالعقائد صاغها القرآن بأجلى بيان ولا يمكن لمسلم صادق أن يقبل بتخاريف الكحكحان سواء كانوا إنسا أو من الجان.

والآن فلأعرف بنفسي بعد الفراغ من التْفُوه (عليهم آمين). وبصورة أدق لماذا استبدلت براجح جارح؟ لا علاقة لذلك لا بالبثل (إشارة إلى شهرة المتكلم الكاذبة) ولا بالبلث (إشارة إلى داء الكلام الشبيه بنبات النجم) وباللبث ولا بالثلب. إنها مسألة تهم المنهج ولا شيء غيره. فلما أسس علماء الأمة الأوائل العلم الديني بالمنهج الوحيد الممكن أعني بحدس التجربة الوجودية وتاريخ أحداثها وأحاديثها أي بالمنهج العلمي المشروط في التاريخ وفي التثبت من الحدوس وضعوا شروطا منهجية جمعت تحت عنوان منهج الجرح والتعديل: لأن التجربة الوجودية والتاريخ كلاهما شهادة على الأحداث والأحاديث أعني جوهر السنة.

والشهادة أمانة وصدق تخرج من النفس المطمئنة كالوادق لا تردد فيها ولا تحاذق. وكلما تدخل التعاقل ازداد التزوير حتى كاد الفاروق يتهم قصده يوم السقيفة لولا تدارك الصديق له لكونه يفهم أن العجز عن الإدراك إدراك. وتلك هي العلة في تقديم الجرح على التعديل لفطنتهم إلى أن سلطان الكحكحة على الرواية عامة والشهادة خاصة هو الداء الدوي الذي يعيي كل نطاسي مهما كبرت "طاسةُ مُخّه". فما بالك إذا تعلق الأمر برواية لا تروي الخبر الحاصل في الشاهد بل برواية تبدع الخبر الحاصل في الغائب؟ لا بد لها من مضاعفة التجريح لئلا يجعل الدجالون الأمة تميح حيث تميل الريح التي تنتج عما يصدر عنهم من فحيح.

لذلك  فالأولى بهذا المنهج أن يكتفي بالتجريج دون التعديل تسليما بتقديم حسن النية واعتبار عديم الجرح البين عادلا حتى يثبت العكس: فنحن نطبق مبدأ القانون الحديث الذي يقول المتهم بريء حتى يثبت عليه الجرم. إنها إذن لا تبحث إلا في من بان جرحه وثبت جرمه –وهل يوجد جرم أكبر من رد الغيب إلى الشاهد بإخضاعه لقانون العادة المعادة-لتداويه بتحكيك الكحكحة: نحن ننقد علم الكلام بكلام العلم وهذا هو المقصود بالتجريح في عمل الراجح الجارح. لا نعنى إلا بمن ثبت عدم عدالته بمقتضى حد فنه.

والهدف هو تعدل مزاجهم علهم يعتدلون فيلعمون أن الكلام في الغاية يؤله العقل تأليها رمزُه المسيح عليه السلام بعد تحريف رسالته فيصح عليهم قوله جل وعلا: "ما لهم به علم ولا لآبائهم. كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا" (الكهف 5). والدليل أن الصرحاء من الكحكاحين يقولون بخرافة أول ما خلقه الله العقل الذي صار الفاتق الناطق ومن ثم فهو نائب الله ومؤسس الكنيسة: والصلة بين المفهومين هو وحدة الاسم اليوناني أعني اللوغوس الذي هو الكلمة والعقل في آن.

ولما كان ذلك مبنيا على فهم رديء للعربية ممن غلبت عليه العجمة ويتقحم مع ذلك  التفسير والتأويل فلا بد من الحك والفك حتى يصبح الكلام ذا رصيد لا مزيف الصك. فـ"أولَ" ليست صفة للعقل فيكون العقل أول المخلوقات تكذيبا لما يقوله القرآن الكريم في قصة الخلق بل هي ظرف زمان للأمر الموجه إلى العقل مباشرة بعد خلقه كما فهمها شيخ الإسلام  الذي لا يضاهيه أحد في فقه اللغة العربية. لذلك فالتجريج والتعديل إذا كان من الواجبات في الحديث فهو في فهم القرآن أوجب. والكلام كله تحريف للقرآن فوجب تجريح المتكلمين بمعنى مخالف لتجريح المحدثين: لن نجرح الأمانة والصدق فهذان مفروغ من انعدامهما عند المتكلم بمجرد أن يتكلم بل نجرح المنهج والعمل اللذين يبنون عليهما ما يزعمونه من علم وهو كحكحان. وهذا النوع من الجرح ليس نبزا بالألقاب بل هو فضح لكاذبها. ولما كان الكذب أكبر السيئات بات فضحه أكبر الحسنات. انتهت التفوى. والله أعلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                           رسالة الفغران

                                   (3)

 (ملاحظة: هذه الحلقة الثالثة أقدمها بأسبوع حتى يعوض التقدم التخلف ثم لأني لن أكون موجودا في الأسبوع المقبل. فمن لم تضق حوصلته فليقرأها هذا الأسبوع بشرط أن يغتسل بكل مواد التنظيف من شوائب الكلام الفارغ للكحكاحين الله آمين وإلا فليتركها للأسبوع المقبل مع الاغتسال مرتين من دنـس ما يزعم علما في   الكـلام)

علي الآن أن أؤيد الترعيف والتفوى اللذين تما في الثانية من حلقات الرسالة بمثال من التجريح المنهجي والمعرفي في الثالثة منها. وسيكون ذلك بالتعليق على الحلقة التاسعة من مسلسل الدجال الفشفاش الذي يفاخر باللي ما عنداش: فالمعلوم أن استاذي المنصوري وضع الدجال الفشلام في صكاكو ماطو وأنا أريد أن أدبه فأبين أنه "كوال صباطو" (الأولى إيطالية لن ينساها والثانية عربية مالطية سيتعلهما). أراد الشيخ الفياش في هذه الحلقة التاسعة المزركشة بالألوان والألحان أن يعارض الأستاذ أبا يعرب بكتابة استدلاله- وقد بناه على خطأ مطبعي (حيث جاءت "غير الممتنع" بعد "ما ليس بممتنع" بدل أن تجيء "ما ليس بواجب") ينتبه إليه كل من يفهم ما يقرأ بسياق الكلام خاصة والترتيب المناسب جاء في جملة النص الموالية-كتابة رمزية فبان للجميع ما هو عليه من أمية فضلا عن فساد الطوية لظنه الجهة الثالثة الوسيطة بين الممتنع والواجب أمرا مفروغا منه في حين أن كل إشكالات الفكر الفلسفي تكمن فيها.

حاول أن يفشفش فيدندن في مسألة يخبط فيها خبط عشواء هامت فلم تجد الماء فكان ما كتبه ليس فكرا ولا تكرا  ولا حتى عكرا بل عواء. فحصل ما حصل لمسيلمة أراد أن يتكلم بقرآن عربي أصيل فاستمسك بذيل فيل هندي هزيل. لذلك فلا عجب ولا عجاب إذا غفل الكذاب عن بيت القصيد في كل خطاب. لم ير أن أدلة وجود الله  قضيتها الأساسية تعود في حقيقتها إلى المسألة الأصلية في المعضلة الفلسفية والدينية أو ما يسمى بمسألة "عارض الحادثات المستقبلية" Le problème des futurs contingents وهذا يعني دون أدنى شك أنه لم يتعلم إلا دق الحنك. إن ذلك دليل على أنه لم يدرس كتابا فلسفيا أصليا واحدا من أرسطو إلى سبينوزا بل منه إلى اليوم بأي لغة من لغات العلم القديمة أو الحديثة بما في ذلك كتاب أرسطو الذي عالجها بوصفها أعوص مسألة في مصير العقل الإنساني ومن ثم في تأسيس العلم العقلي والعلم الرباني.

إنما هو قد اكتفى كعادته بتلاخيص النشار الذي حكى لي جدي عن علمه المنطقي حكاية تموت منها ضحكا كل ندّابة وبكَّاية. وقد آن أوانها. لم يذكرها صديقي المنصوري رغم سماعه إياها ذات مسامرة حضرها معي في بيت جدي لأنه أبقى على أسلوب الود. ولعله تناساها أو عساه نساها. فالنسيان هذه الأيام معد عفاكم الله من الأسقام. وحتى لا أطيل فإن الفائدة الوحيدة من محاضرة النشار في ستينات القرن الماضي حول كل ما ليس بمنطق في المنطق هي تعلم جدي بعض مفردات اللهجة المصرية. ولم يكن طالبا بل  حضر المحاضرة حب اطلاع ليرى عن قرب شريك الرضاع مع زعيم الرعاع.

قال جدي رحمه الله وأرضاه وجزاه خيرا على ما علمنا إياه: "بهرنا النشار رحمه الله بعلمه فقد أفادنا بقوله:" دا هو المنطق. حاجة صعبة يا أولاد"". ثم أضاف: كان ينبغي أن يحاضر على العلاقة بين الدكتاتورية العسكرية والكنسية الشيعية التي كانت قريبة إلى قبله قرب الخرافات الكلامية. فسبورة المدرج بقيت نظيفة وخالية من أي عبارة منطقية أو معادلة رياضية. فلا التواريخ كانت دقيقة ولا أسماء المصنفات وثيقة ولا القضايا الفلسفية عميقة. إن هي إلا حكايات دكسوغرافية ركيكة يعلفها اليوم الكحكاحون فيزعمون أنهم مختصون. أي والله إنهم لمختصون في الضحك على الذقون.

ولنعد إلى الفشفاش. إني أعده أن كل من يقرأ هذا التأديب لن يجلس أمامه بعد اليوم ليسمع عواء الذيب إذا كان ذا عقل أريب يريد حقا أن يتحرر من "حرمص" الزبيت (آمل أن يقبلها غير اللبيب من دون تقليب). فهو إذن يجهل معضلة "عوارض الحادثات المستقبلية".  وهو لا يعلم أنها جوهر المعاني في الفكر الإنساني: كيف نفهم طبيعة هذا الوسيط بين الممتنع والواجب فيكون من اللاممتنع واللاواجب؟ ما مصدر مثل هذا الوسط النافي لشرط شروط مبادئ العقل والمؤسس لفسحة النقل حتى قال كنط قولته الشهيرة رغم وهمه في ادعاء الاضطرار في حين أن الأمر عين منزلة الإنسان عديم القرار "اضطررت للحد من العقل لأبقي فسحة للإيمان" ؟ فلو التفت المرء إلى الماضي بمنطق العلم لحكم:

 أن ماحدث لم يحدث إلا لأنه كان لا بد أن يحدث (الواجب بمعنى ضروري الوجود)

وأن ما لم يحدث لم يحدث إلا لأنه كان لا بد ألا يحدث (الممتنع=ضروري العدم)

وذلك حتى لو كان جاهلا بالعلل في الحالتين لأنها مفروضة قابلة للعلم إذ هي فرضها موجودة هو شرط البحث عنها. وإذا لم يسلم المرء بذلك فإنه يكون من القائلين بامتناع العلم: إذ ذلك هو معنى الحتمية المشروطة في المعرفة العلمية حتى وإن كان أرسطو وجد المخرج في ما يسميه بالضرورة الشرطية. أما إذا التفت المرء إلى المستقبل وحافظ على هذا المنظور وسأل السؤالين حتى يطبق شرط العلم فإنه سيضطر إلى نفي شرط العمل:

فإذا كان ما سيحدث لا بد أن يحدث مثل ما حدث فلا شيء نفعله بالاختيار.

وإذا كان ما لن يحدث لا بد ألا يحدث مثل ما لم يحدث فلا شيء نتجنبه بالاختيار.

فكيف سيكون الإنسان مختارا وهو مضطر؟ كيف يكون حرا ومكلفا ومسؤولا ؟ ولولا هذه المعضلة-التي تحير العقول ويغفل عنها المهبول- لما وجد فرق بين المعتزلي والأشعري يا غبي الذي يدعي أن علمه يتجاوز علم النبي: فالله نهى الخاتم عن محاسبة الضمائر والحائر يريد أن نقبل زعمه بأنه ناه وآمر في ما لا يزعم العلم به إلا الكذاب والساحر. جهلك بالمسألة إن كنت تعلم بوجودها أصلا أردت أن تخفيه كالعادة بالهرج حتى تستعيد جوق المصفقين من الهمج. ظننت نفسك قادرا على اللعب بالتهويل الدرامي فزعمت أنك لم  تعرف كيف تعنون تخريفك ولم تدر أنك فعلا لم يكن بوسعك أن تدري لأنك لا تدري أنك لا تدري. وهذه هي العلة التي جعلتني أجعلك مثال الغباء دون أن أتعرض بنفسي للتعليق الفلسفي بالمعنى الفني لأن أخي الحلمان قد كفانيها بالجواب على طوقان الذي يبدو لي معجبا بعلوم الكحكحان.

ولنستخرج الخطة بوضوح حتى نبين عورات هذا الدجال المفضوح. فبتحير الفشفاش في العنوان تكون الجروح خمسة بعدة خاموس الأوباش اللذين كل واحد منهم ما يسواش: 1-جرح العنوان 2و3-جرح المسألتين الفلسفيتين اللتين تنتسبان إلى القوة الأولى من التفكر الفلسفي. ويكفي فيهما جواب حليم الحلمان على ملاحظات سئيل الطوقان. وأولاهما منطقية حول مبادئ العقل والثانية خلقية حول مبادئ النقل 4و5-وجرح المسألتين الفلسفيتين اللتين من القوة الثانية وتتعلقان بشرطي الإبداع أولاهما ما بعد علمية حول شرط المعرفة والثانية ما بعد عملية حول شرط العمل.

وتعد هاتان المسألتان الأخيرتان مركز اهتمامي في ثالثة الرسالة لأنهما من جوهر منطق الحكاية فضلا عن علاجهما مسألة العوارض المستقبلية في المعضلة الفلسفية (وهي جوهر الزمان عند تطبيقها على الإنسان) والمعضلة الدينية (وهي جوهر الدهر عند تطبيقها على الله). لذلك فليس لهما إلا الجراح حتى يسفه ظن الكحكاح الذي يستنكر على الإنسان شرط النظر وشرط العمل فيعلن من حيث لا يدري عن الغباوة الجهل: ما بعد العلمية أو الشرط القبلي للعلم وما بعد العملية أو الشرط القبلي للعمل. وهذا وحده دليل كاف على أنه مستثنى من أهل الخطاب والجواب إلى يوم الحساب والعقاب.

ولنبدأ بالعنوان. فأمره يسير لو كان الفشفاش يعلم موضوع الكلام آش: إنه الصدام بين علم الكلام الساعي إلى تأسيس سلطة هامان على مبدأ قياس الغائب على الشاهد وكلام العلم الساعي إلى تحرير فكر الإنسان بمبدأ قياس الشاهد على الغائب. فمن يعيب على أبي يعرب محاولة بيان أن للمسلمين الحق في الحرية الدينية بنص القرآن الصريح لا بد أن يكون يفعل لأنه يحاول أن يفرض سلطة روحية تحدد المقومات العقدية. ومن كان هذا قصده فلا يمكن إلا أن يكون من العائدين إلى الهامانية ومن ثم فهو من نفاة الثورة القرآنية ضد السلطة الكنسية: ذلك هو موضوع تاسعة حلقات كحكحته لو كان حقا يدري فيم يتكلم. فيكون العنوان: الكنسية في الكلام ضد الحرية في الإسلام.

وليس من شك في أن الفشفاش قد فهم أن استيلاءه على من صاروا ينادونه مولاي قد صارت أيامه معدودة وأن ثقته في سلطانه باتت مهزوزة: لم يعد أحد منهم يصدقه في ما يقول عدا رابوع الهجال والوجال والزجال والحجال. أما هو فلم يعد يصدق نفسه. والعلامة القاطعة هي أن بعض من يحاول أن يواسيه من مقربيه لم يجد بم يعزيه فحاولوا العودة إلى نص عمره أكثر من سنة ليعبروا عن لهفة مفتعلة للحصول عليه. والنص من أكبر الأدلة على جهل صاحبه المطلق: فلا وجود اليوم لشيء اسمه النصارى ولا وجود لزعيم بهذا الاسم. فالبابا حبر الكاثوليك وليس زعيم النصارى. والحبر ليس زعيما مثله أو مثل زعماء الانقلابات العربية. فهو منتخب من أكبر علماء المذهب فضلا عن كونه من كبار علماء اللاهوت والفلسفة الحديثة.

وقد رد عليه من المسلمين من هم قادرون على ذلك مثل الشيخ القرضاوي وأبي يعرب وغيرهما ممن له الأهلية لعلم الأول بعلوم الملة وعلم الثاني بالفلسفة الغربية وترجمته نص خطبته التي استشهد بها الشيخ القرضاوي حفظه الله. والمتعلطون كان أفضل لهم أن يلوذوا بالصمت. وطالبو المعرفة كان عليهم أن يبحثوا عنها عند هذين المرجعين لا عند الدجال الفشفاش. أما ذلك الذي لعلة لا يعلمها إلا المطلعون على وسائل الابتزاز محا حسنته الوحيدة في تميزه عن الأوباش فحاول التقرب بالعودة إلى الزريبة  فليعلم أن البابا ليس أميا كما يظن بل الأمي هو من لا يدري أنه على ما وصفت حتى وإن كان جاهلا بالإسلام: ولذلك رد عليه العالم به (القرضاوي) وبكته العالم بأسانيده الهيجلية (أبو يعرب). أما شيخك فلا يعلم أن الرجل اعتمد نصا من كتابات هيجل الأولى شرح فيه آية الأنجيل التي دار عليها الكلام والمعلوم أن الفشفاش لم يقرأها حتى في الترجمة الإيطالية. وإذا قرأها فلن يفهمها فضلا عن كونه رد على اسم بلا مسمى: زعيم النصارى.

ولما كان السعي لتحرير العقد والفكر هما جوهر الثروة القرآنية التي لا يفهمها من يتمعش من نشر الأمية فلن يبقى له إلا الدجل طريقة في العمل. لذلك فالفشفاش يحاول ربط ما يقوله أبو يعرب بمن يظن أنه من السهل عليه اتهامه بالكفر بحكم السائد من آراء البلداء. تلك هي أداته الوحيدة يأمل أن تمكنه من تأليب رؤساء العامة الذين هم الطامة العامة إذ يتصورون أنفسهم خاصة وهم ذوو عقول "باصة" (من بص في عقله في دلالتها التونسية الخالصة لا المصرية): والطريقة هي اعتبار أبي يعرب ساعيا إلى ما يظن  أركون قد سعى إليه ولكن بطريقة خفية لم يفهمها إلا شيخ البلية.

وكعادته فقد وضع الفشفاش نفسه في مآزق لا مخرج له منها طيلة ما عاش. فهو أولا لا يستطيع أن يدحض حجج أركون لجهله حتى بعلم أركون المزجى. وهو لا يستطيع أن يثبت علاقة فكر أبي يعرب بفكره لأن من لم يتخرج من الابتدائية بعد في الخمسين لا يفهم القضايا الفلسفية إلا في التسعمائة وخمسين إن حقق علم الكلام المعجزة العلمية التي تجعل الدجال يكون نوح  الثاني في المسلمين. ومع ذلك فلكأنه لم يكتف بهذين المأزقين أضاف إليهما مأزقين آخرين.

فأما أولهما فهو محاولة إثبات أن أبا يعرب يستعمل طرق الفكر الغربي الحديث الكافر موهما القراء بأنه يعرف هذه الطرق-معرفة الفساء بالوجودية-مكتفيا بترديد خرافة الأميين من فقهاء آخر الزمان المجمعين على أن الغرب كافر لأنه لا يرى الإيمان بنظرتهم البدائية التي لا تتجاوز فلسفة الحركة الطالبانية فتسعى إلى النكوص بالإسلام إلى الجاهلية. وهم لا يعلمون أن الكفر هو عين الإدبار عن طلب الحقيقة التي لا تطلب اليوم حقا إلا في الغرب المتهم ظلما بالكفر:  ولو طبقنا معايير هؤلاء الأميين للزم أن نحذف من القرآن الكريم ثلثيه التي تتكلم على المسلمين ذوي الإيمان الصادق قبل نزول القرآن وفي الأديان الأخرى حتى بعد نزوله. وفي الحقيقة فإن الإيمان في الغرب أعمق ألف مرة وأصدق منه عند هؤلاء العلماء المزيفين من المسلمين الذين جلهم من الدجالين وإلا لما جعلوا المسلمين يتصورون الإسلام هو الشعائر دون أخلاق القرآن وشروط الاستخلاف.

ولا أعجب من مثل هذا الموقف البدائي من بدوي حفظ ثلاثة متون أكل عليها الدهر وشرب فظن نفسه علامة وأصبح يوزع شهادات الأهلية في الاجتهاد لا يحظى بها إلا من كان أكثر منه أمية ومتخرجا مثله من الابتدائية. فمن جعل الصيغ العقدية كافية لتكون أداة يكفر المسلمون بها بعضهم البعض ويتحاربون من أجلها لا يستغرب أحد أن يكفر أهل الأديان الأخرى. وهو جاهل بهم وبعمق فكرهم الديني الذي لا يفهمه جهلوت المبتدئين. يتعامى هؤلاء الأغبياء على أن 90 في المائة من جوعى العالم مسلمون وأن من يغذيهم هو صليب الكافرين الأحمر لا هلال الدجالين الذي كان أخضر فجعلوه أصفر كصفرة وجوههم أو أسود كسواد قلوبهم أو مرمل كأسنانهم أو مقمل كلحيهم أو مهمل كشأن المسلمين.

وما ذلك إلا لأن فكرنا لم يعالجه طبيب أريب من المؤمنين فبقي علماء السوء على فتات الأمراء يتقاتلون ولا يهمهم أن جل البشر من الجوع يموتون. فلا فرق عندهم بين المعاني السامية وإصلاح عطب الدوائر الكهربائية غير المعقدة التي يتعلمها "البريكولور" على الأرصفة ليأكل خبزه بعرق جبينه دون أن يدجل بما يشينه فيكون أعلم بها وأقدر عليها من هؤلاء الفنيين الكاذبين الذين نسوا الإيطالية وتذكروا الفهلوية. والثاني هو أخذ بعض الأمثلة من الأفكار التي يظن أبا يعرب قد غيرها فأضفى عليها معاني جديدة من عنده ليجعها مؤدية إلى الكفر: وهكذا صار مسيلمة يحدد معايير الانتساب إلى الإسلام.  فيكون الفشفاش كمن أعجزه حمل أوقية فطلب حمل الكرة الأرضية أو كمن هجم على جبل بقادوم وهو يمشي في النوم.

                  العلاج المضنون به على أنصاف المتعلمين

 والمسألتان الفلسفيتان ذاتا القوة الأولى أجاب عنهما المليح. فما يسميه الدجال بأحكام العقل منطلقا من جملة أخذها من جواب الأستاذ في رده على طوقان يكفي فيها التعليق الصريح  لصديقي المليح. ولعلي لم أرجم بالغيب إذا قلت إن السيد طوقان شديد الاندهاش أمام تحليلات الفشفاش ولا يدري علاش ولا كيفاش. فسؤال الأول من جنس تعليق الثاني عمق تحليل ودقة تأويل فسبحان الله أطراف النهار وآناء الليل. وقد علق المليح حليم بما يمكن الرجوع إليه في الموقع. لكن هذا الجواب كما أسلفت لم يرضني لعلتين:

 أولا لأنه اقتصر على القوة الأولى من السؤال الفلسفي رغم يقيني من أن من يزعمون أنفسهم مختصين لن يفهموه فظنهم بأنفسهم ظن سوء لكونه كاذبا: فليسوا بالمختصين ولا هم يحزنون إنما هم في المرحلة الابتدائية من البحث بل هم أميون ولا يدورن.  وها أنا تلميذ تلميذ تلميذ أبي يعرب (أي من جيل تلاميذه الثالث) سأبين أنهم صم بكم عمي لا يعقلون. ولكن لا علينا.

ثانيا: فليست هذه هي العلة الرئيسية التي جعلتني لم أرض بجواب المليح وأردت أن أجيب بأسلوبي الصريح ليس على طوقان بل على الشيخ القرفان الذي يتجاهل كونه يحرف الفرقان بكلامه الخرفان: فلا يظنن أحد أن فن الحكاية الذي هو بداية الفكر ليس هو كذلك منه الجوهر بل والغاية. لبُّه جوهر الفلسفة التي يتحد فيها العقل إذ يكون لذوي النهى والنقل إذ ينزل من السماء: إنه قلب القانون لجعل الغائب معيار الشاهد. والحكمة في ذلك هي إدراك ما أدركه الصديق أعني أن من يجعل الشاهد معيار الغائب يضيق الممكن وينفي الإبداع ويوطد الاتباع والذي يجعل الغائب معيار الشاهد يوسع الممكن وينفي التقليد فيدرك من القيم التليد ويحرر الفكر من السلطان البليد.

لذلك فلن أتكلم في ما لم يفهم الفشفاش لم سمي بـأحكام العقل. ومن علامات عدم فهمه المقصود بحكم العقل (ويزعم المعرفة بالغزالي رغم أن أبا حامد قد بين في تهافت الفلاسفة أن أحكام العقل ليست صفات للوجود بل هي هي مواقف ذاتية للمعرفة). إنه يظن أحكام العقل بإسقاط غير واع صفات  للوجود. جعلها أحكام الوجود في ذاته وليست مواقف العقل منه. ثم بدأ يخرف ليثبت لمن بقى معه من شلته أعني الهجال والوجال والزجال والحجال أنه علامة في المنطق ويعرف الكتابة الرمزية لاستدلالاته: لن أحسب بينهم المعزين للدجال يوم 22 من ديسمبر بالتعبير عن اللهفة لقراءة نص نشر في الموقع منذ أكثر من سنة لأنه السبيل الوحيدة لإخراجه مما أصابه من "سبات" بعد "الكش مات" فضلا عن كون من كادوا يطردونه لقوله الحق عاد يطلب المغفرة بقول الباطل. ولله في خلقه شؤون.

وهذه هي الغباوة التي لأجلها وحدها يستحق المتفاكر وصفه بالفاغر: الخلط بين حكم العقل وصفة الوجود. وقد كفانيها المليح بشكل صحيح لن يستطيع دحضه من يخلط بين الفكر والفحيح. سأترك الكحيح الجريح وحيدا يصيح في مهب الريح. وسأتلكم في العلة الثانية أعني في شرطي الإبداع المحررين من الاتباع وهما متصلين بما يدور حوله الإشكال بعد أن استشرت ملاك الشعر الذي يفعل ما يقول ولا يتبعه إلا الراشدون: هل يمكن أن يكون ما بعد النظر (حرية العقل شرطا قبليا للعلم وقيم المعرفة) وما بعد العمل (حرية الإرادة شرطا قبليا للعمل وقيم الأخلاق) ممكنين أعني شرطي العلم والعمل المبدعين من دون التحرر من مبادئ العقل الأربعة أي من دون افتراض قدرة الإنسان على التوجيه جوهر الفكر الإنساني بل هي عين الحرية التي تؤسس للإيمان الصادق ومن ثم للإبداع العلمي والعملي وذروتهما الجمالية والخلقية فتحصل قيم الإنسانية الخمسة التي جعلت القرآن بالإعلان عنها يكون الرسالة الخاتمة ؟

لست أشك في أن المليح يعلم الجواب الصحيح ويفهم المسألة بما له من حدس نافذ ولاطلاعه على علاج الأستاذ المرزوقي للمسألة في وحدة الفكرين الاطلاع الوافي. لكنه قال في نفسه: إذا كانت الجماعة لم تفهم القوة الأولى من الإشكالية فما الداعي للكلام معهم في القوة الثانية منها ؟ وهو محق. ولأنه حليم وذو قلب رحيم فهو قد تجنب موقف الرغيم حتى للغريم. لكن كلامه يمكن أن يكون مقبولا لو لم يتنمر الدجال فيحاول أن يوهم الناس بأنه في الخيال رجال وأنه في البهامة فهامة وأنه يعتبر فكر المرزوقي قابلا للرد إلى الصورة الغبية التي له عن الحضارة الغربية فيتكلم على ما يقبل الشهادة بالرجم بالغيب ويزعم العلم بما لا يقبلها من الغيب: وذلك هو العيب الذي لم يفهمه في ثامنة حلقات مسلسله فزعم من بوهمه عن نفسه مفتون تدريس أبي يعرب فكر ابن خلدون. وحتى هذه ما كانت لتكون كافية لو لم يشفعها بأمر جلل هو اعتبار الإسلام نافيا للحرية العقدية ومؤسسا للسلطة الكنسية.

فهذا هو ما لا يمكن السكوت عنه بالوقوف دون القوة الثانية من الإشكالية حتى لو احتج كل حمير العالم على عدم الفهم لما يعتاص على البهائم الهوائم من القضايا الأساسية في مسألة الإبداع الجمالي والخلقي المؤسسين للإبداع العلمي والعملي ومن ثم للحرية الوجودية التي هي التدين الصادق الوحيد كما يحدده القرآن الكريم الذي يجعل الإسلام صفة لكل المؤمنين من بداية الخلق إلى نهايته ولا يقصره على المفهوم الكلامي الفقهي لإسلام الشعائر عند فاقدي دلالة المشاعر.

ونحن هنا نستنتج الحل الذي يقدمه أبو يعرب من قلب العلاقة بين الشاهد والغائب: فقياس الشاهد على الغائب هو الذي يفهمنا هذه الإشكالية التي يخفي أعماقها قياس الغائب على الشاهد. وليكن مثالنا مسألة الجهات. فعندما يتكلم المرء على الممتنع والواجب والممكن الوسيط بينهما أعني الذي ليس بواجب ولا بممتنع هل يعتبر ذلك بإطلاق أم بإضافة؟ أعني هل هي مفهومات فاغرة أم هي بالقياس إلى قدرة معينة ؟ هل الممتنع والواجب والممكن الوسيط بينهما عند الإنسان البدائي مثلا هي نفسها عند الإنسان المعاصر ؟ وهل هي نفسها إذا ذهبنا إلى غاية القدرة فأضفناها إلى الله؟

أليس المتكلمون حتى من لا يقول منهم بـ"التحسين والتقبيح العقليين" بقيسهم الغائب على الشاهد قد قالوا بـ"التوجيب والتمنيع العقليين" فيكونوا قد طبقوا على القدرة الإلهية ما يزعمون أنهم يتبرأون منه عند الكلام على الإرادة الإلهية فيحدون من قدرة الإيجاد الإلهي ويزعمون عدم الحد من قدرة التشريع الإلهي ؟

1-كيف نسلم لإرادة الله حرية التشريع القيمي أو الإرادة الخُلقية (رفض التحسين والتقبيح العقليين أو إثبات حرية الله التشريعية)؟

2-كيف ننفي عن مشيئة الله حرية الإيجاد الوجودي أو في المشيئة الخَلقية (القول بالتوجيب والتمنيع العقليين أو نفي حرية الله الإيجادية)؟

ذلك هو مستوى الإشكالية الذي نعتبره من القوة الثانية في العلاج الفلسفي والذي ليس هو مما يدق على المختصين فحسب خاصة إذا كانوا ممن لم يفهموا المستوى الأول بل هو يدق على كل من أعماهم علماء السوء بمنطق قيس الغائب على الشاهد الذي هو أساس قانون التأويل: لأن العقل الذي يرد إليه النقل لا يعلم إلا الشاهد وهو بالتأويل يرد الغائب الذي لا يعلمه إلى الشاهد الذي يتصور نفسه قد علمه.

فلو أخذنا الممتنع مثلا واكتفينا بفحصه بالقياس إلى قدرة الإنسان قبل الكلام على قيسه إلى مشيئة الله. فهل الممتنع على البدوي الذي أقصى ما وصلت إليه قدرته هي تدجين الحمير وزرع الفجل فكان مثلها حمال أسفار هو عين الممتنع بالنسبة إلى من جاب القارات وصنع أفلاك المجرات دون بهارات ولا شعارات ولم يكتف بالكلام على الموليناكس حتى لو استعملت المصحات في قريته المستورد من أشعة آكس؟ أم إن المتكلمين يتصورون الممتنع ممتنعا في ذاته دون إضافة إلى قدرة معينة يكون الامتناع بالقياس إليها ؟

حسنا فلنقبل منهم وجود ممتنع في ذاته بإطلاق نفي الإضافة إلى الإنسان للتسليم بقدرته المحدودة. فهل يصح هذا الإطلاق فيلغي الإضافة إلى من تعريفه أنه على كل شيء قدير أعني الله إن كانوا حقا مؤمنين بأنه ليس كمثله شيء أن نبقي على الممتنع  بهذا المعنى ؟ كيف لهم أن يقيسوا غائب قدرة الله التي تعريفها أنها قادرة على كل شيء وأن صاحبها ليس كمثله شيء فيحدون منها بهذا الممتنع الذي هو في الحقيقة قيس غائب القدرة الإلهية على شاهد القدرة البدوية التي ضربنا مثال ما تستطيعه أعني تدجين الحمير وتحويل الأمم إلى خمير ليكونوا هم حمالة الأسفار فيها ويستحلوا منها كل خير ؟

لكن الأدهى والأمر هو أن هذا السخف لا حد له حتى لو نسينا المسألة الربوبية واكتفينا بالمسألة العقلية الخالصة. فالجهات تصبح متقدمة على ما هي جهات منه عند نفاة الجهة: يوجهون الوجود وهم ينفون التوجه إلى وجه المعبود. فلنفرض أولا أن الكلام لا يدور على وجود الخالق بل على الوجود المخلوق فكيف يكون فعل خلقه مقيدا بجهة من جهات مخلوقه وهو لم يوجده بعد؟ ألا يكون القائل بذلك مضطرا بالقول إن المخلوق شيء قبل أن يخلق وأنه فيه ما يجعل خالقه مضطرا للخضوع إليه حتى يتمكن من خلقه؟  أيكون الخالق خاضعا لأحكام العقل الإنساني حتى قبل خلقه أو قد استعار منه أحكامه ليوجه بها الوجود الذي سيخلقه ؟  هل خلقت الجهات في العقل الإنساني الذي هو عندهم أول مخلوق قبل الخلق فتكون الجهات هي الموضوع ويكون الوجود هو المحمول عليها ؟

ثم ألا يعني ذلك أن المتكلم قد أخضع فعل الخلق للجهات فلم يعد الله قادرا على كل شيء؟ ألا بئس "الخرم"(يعني التخريف بالتونسي) كيف انحط إلى هذا الجرم. ما لهم لا يفقهون؟ كيف يحكمون؟ أليس لهذا لسبب رفض ديكارت مثلا أن تكون قوانين العقل فوق القدرة والإرادة الإلهيتين فاعتبرهما خيارا إلهيا وتوقيفا غيره ممكنا لو أراد الله فقدر ؟ ماذا نعمل مع هؤلاء الأغبياء الذين جعلوا فيلسوفا مسيحيا أقدر على فهم المبدأ الأول للقرآن منهم جميعا؟

أما الطامة الكبرى فهي الفرضية التي تجعل المتكلمين يطبقون الجهات على الوجود بإطلاق فلا يستثنون منه حتى وجود الخالق فضلا عن الوجود المخلوق: وإلى هذا يرد يزعمون جليلا من الكلام هو حقير من الرغام. أفتكون ذات الله التي هي عين وجوده خاضعة لجهات الوجود ويكون في الله ما هو ممتنع وواجب وممكن مثله مثل الوجود المخلوق الذي جعلوه خاضعا لأحكام الشاهد أعني لأحكامهم المسبقة الناتجة عن عاداتهم؟  لذلك فلا غرابة إن كان الفشفاش لا يقدر على فهم ما فهمه أبو يعرب من طور ما وراء العقل الذي وضعه حجة الإسلام. أليس الكحكاحون قبلوا من الفلسفة تعريف الله بواجب الوجود متناسين أن جهة الواجب ليست إلا جهة غير الممتنع ومن ثم فهو مجرد تعريف سلبي فيكون الله وجوده مشروطا بجهة سلبية لولاها لما كان على ما هو عليه.

                           خاتمة الاستطراد

هل يلومني أحد بعد الآن عندما أحصر جوهر أبطال الحكاية في الكحاية أعني في كحكحتهم فيكون أولهم دجالا فشفاشا وثانيهم هجالا فياشا وثالثهم وجالا مشماشا ورابعهم زجالا كشاشا وآخرهم حجالا فراشا وجمعهم كحكاحين أوباشا ؟ وكيف لا أعذر في هذا الاستطراد المضاعف (الحلقتين 2 و3) الذي أخر الشروع في أحداث الحكاية التي هي كحاية وقد نسيت التفوى (اسم صوت يفهمه كل من يفعله) والترعيف (الرعف هو جريان الدم من الأنف تورية بالمثال الفرنسي: تيري لَيْفار دُنَْي) ؟

هل كان يمكنني أن أحرك أبطال الكحاية دون أن أشرح منطق حركة الحركتين المتقابلتين فيها وفي الحكاية؟ فمنطق الحكاية يقابل منطق الكحاية تمام المقابلة: ولا بد لفهم ذلك من مثال والمعلوم أني كتبت على نفسي في إبداع حكايتي ألا استمد أدلتي إلا من كحكحتهم. وقد توفر الشرط بفضل الحلقة التاسعة التي قدمها الدجال الفشفاش من دون أن يكون ثم علاش خاصة وهو قد تحير في تسميتها بالفلاش لظنه أنها فكر وهي ثرثرة فرفاش. فهكذا يكون ضرب الأمثلة وإلا بلاش: لا بد أن تكون تجربة وجودية حية مما قد عيش أو قد يُعاش من أحد الشخوص الأوباش يقدمها لنا منهم أي هواش لنبين لكل فتواش أنه ما يسواش.

                                        ضميمة

سمعت مومياء تردد تنشد في الظلام ما حفظته من كلام مرددة طسام طسام طسام. جاءت من الجاهلية الجهلاء قبل نزول القرآن وتحضر بني الإنسان: وهي من العرب البائدة سماها أحد فراعنة الأسرة الأولى مطموس بن بعبوص المدعوس. هل بربكم سمعتم بعد نزول القرآن من يحمل مثل هذا الاسم: سطام بن نهار بن جديع ؟ والغريب البديع أن جاهليا يحلف بالله وليس باللات ولا بالعزى ومناة الثالثة الأخرى؟  أترى هذا الدنكيخوت الذي يتوعد الأستاذ سيدافع على شيخه الفشفاشـ(روف) ذي العقل المخطوف بالكلاشـ(نكوف) مطبقا بالفعل سياسة الإرهاب خارج الكتاب ؟  لو كان حماة السنة بلداء مثلكم وسخفاء لما وجدت للإسلام دولة ولا للمسلمين صولة.

لعل السطم الذي هو تصحيف الطمس قد طمس على لبك فنسيت الرب  واتبعت بغل (النقطة وضعتها ذبابة على العين رغم أنفي) حمالة الحطب. لذلك عوقبت فصرت جديعا وديعا لا أنف لك تتنفنف بدون أنفة. ولكن هل أصابك الخرص كذلك: فطلبت رديء الغوث من تراث الروث؟ جاهلي وأعجمي عجيبة ورب الكعبة. فاقد الضمير وعاجز عن التعبير ومكتف بالتعقير وما تعلم إلا التبهبير؟ ليت شعري هل بقى للجديع ما يبيع ؟ خضوعك لمولاك أودى بك إلى الهلاك: دأبك الاتكاء ككل الأخصياء أما معدنك فمعدن الغباء ككل البلداء ؟ المفروض أن تغير اسمك ليطابق رسمك  فأنت "طميس الليل الجديع" فما فيك من النهار شيء إلا ما خرج من فيك كالقيء لأنك جثة هامدة لا تتكلم كلام الحي.

صه فقد فض فوك ولعنك أبوك: سماك مجدوع يا مخدوع في الشيخ المخلوع. أما أيمانك المغلظة فدليل على أنك كذاب. ما من حلاف إلا وهو كذاب: كلامك ككلام شيخك ومولاك هراء يعكر الهواء. أما أنت أيها الفساء فلن تجد مفرا عند الشيخ طهـ(اء) لأن شيخك كفره سابقا كما كفر أبا يعرب يا أجرب. متى كنت تفهم في الفلسفة حتى تحدد الألقاب أيها الكذاب ؟ وإذا كان ما قدمته نموذجا دليلا على التفلسف الصميم فلا حاجة بعد الآن لإثبات أنك وأنك حمار وبهيم.