shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


 

                       رسالة الفغران

                            المقام الرابع

                                                   المؤلف: الجارح الراجحي

 

الجارج مخاطبا نفسه: قالت تسنيم بأسلوب يحاكي أساليبي الجارحة وهي مارحة. شقيقة روْحي وسميعة بوْحي: علقت مازحة ليلة البارحة حتى صارت نفسي سارحة. قلت في نفسي: أفق.  هذا ترنيم تسنيم ألا تريد أن تكون من المقربين؟

تسنيم متوجهة إلى الجارج: مالك جارح تتمادى في "الغُنَّاية" فهل أنت "معايـ<ـه>"؟ متى تنوي شد الزمام أم ما زلت "زايد على قدام"؟  لعلك استعذبت التجريح الممدوح ونسيت حدود التصريح المسموح؟ القصة لا يحكمها الديكة بالصياح. إنها الحق الصراح. إنها تطلب طلوع الصباح.

الجارح في حديث النفس: ارتججت فلم أجد بم أرد. تسنيم. إنها ذاتي في مرآتي قطعت على أي تعلل أو صد. نفسي تذكرني بما قطعته على نفسي. وقد فعلت الضد. أعتقدت الحكاية وحيدة البد. لا بد من ترك الركح لربة المشعر والمحضر. فهي بالمواصلة أجدر. وعليها أقدر. أليس القصد هو الترجمة عما في كيان الإنسان من خلجات؟ وعما في الوجود من معضلات؟ وكيف نفهم التناوس بين ما يدركه التحليل الفرقاني؟ وما يسعى إليه التأويل الوجداني؟ وهل يمكن أن نفهم المصير الإنساني بمقتضى القانون القرآني؟ كيف نتحرر من التخريف الكحكحاني (الكلام) والنفاق الرهباني (التقية) والتسطيح الطبعاني (العلموية) والحكاك الشهواني (الفن الهابط) لنشرع في العلم العقلاني (الحكمة) والتسبيح الرباني (التقوى) والعلم الإنساني (الاجتهاد) والفن الحقاني (الشعر) ؟

الجارج يروي عن نفسه: أجابت نفسي شقها الثاني وكأنها تبرئ نفسها بتحاذق من تهمة كانت أن ترى أن ترائيها فيها صادق: حسنا حسنا. زال عهد الآفلين وحقت العبادة لرب العالمين. ملاك الشعر هو المبدع والراوي. عفانا الله من عدوى الكحكحة: فاعذريني عزيزتي شق روحي وحبيبة قلبي ياذاتي ومرآتي فخشبات الأركاح تحبب دور الكحكاح وتنسي الـ "براح" أنه يبشر بطلوع الصباح.

تسنيم: ظننتَ نفسك راوية لبديع العصر في كل مصر. غفلت. ألست تدري أن  الزمان بنفسه لبديعه راويه؟ وأنه ليس أفضل من مجراه قصا لما فيه من هاوية؟  فحدث ماضيه فظيع. وحديثة عنه وضيع. ومستقبل حديثة أوضع. ومستقبل حدثة أفظع. وحاضره مرجل يغلي لا مهرب منه ولا شفيع. يكفيك دور "الموديراتور" لتنسق التداول على الدور بين الحقيقي من الشخصيات ونسخها المنحطة من الكاريكاتورات. سيتمنظرون. سيتمركحون. ستراهم حفاة عراة سجالا حول منازل الكلام وأجناسها وحول كلام المنازل وأسناجها لفهم المصائر بخفائفها وثقائلها.

الجارح: تسنيم حبيتي أنى لك بهذا السلطان؟ تولين وتعزلين؟ وتحوكين وتغزلين؟ هل تُراني قصرت عندما حصّرت الكحكاحين فغصّرت الدجالين ؟ ألم أبرهن على أهليتي في ما قدمت-مع حفظ المقامات-فأديت دور أصحاب الصحاح مع هؤلاء الأوقاح الذين يخلطون دخان التلوث بالسحب اللقاح؟ أما جاب أصحاب الصحاح البلاد في كل الجهات ففتشوا أصحاب الخرافات لتصحيح الروايات حول صادق الرجالات؟ ماذا لو واصلت فأنهيت بربشة القراطيس وتفتيش حيل الكلافيس لئلا أبقي كرفوس إلا وبينت أنه خنفوس يزعم نفسه يوليوس وهو مجرد فرفوس مرفوس ومقطوع البعبوس؟

 أصحاب الصحاح كنسوا من السيرة كل زبالة الكذابة التي لوثوا بها صورة النبي والصحابة. وأنا أريد أن أفضح  أشباه الرجالة لأحرر الفكر من الحثالة وأعين محددات الحالة لفرز الفحول من البغول (بغول بدل بغال). ما لك تسنيم تذكريني وبأي حق تعزليني كأنك تعلمين ما يظهر وما يخفى؟ هل صرت ذات رأي  عجول يقضي بغير المعقول ويحكم بغير المقبول؟

تسنيم: مهلا مهلا ياحبيبي الجارج ما لعقلك سارح؟ هل تزور قولا لتخفي فعلا؟ لم تعد العدوى عندك مقصورة على حب الرئاسة مثل الكحاكحين بل صرت مثلهم تخفي ما لا تبدي وتكاد تكحكح وتهذي؟ هل صرت بما لديك فارح ونسيت أنك أنت الذي طلب مني يوم البارح أن أدعوك لمسك الشكيمة حتى تكون الخاتمة سليمة ؟ بـ"الأمارة" أنك ادعيت الخوف من سلطان الأمَّارة والوسوسة الغدارة ؟ لم يبق لك ما تفعل بعد ما أتممت ما وعدت وما أخلفت. فقد أبنت سفاهة المستدجل (الفشفاش) وفهاهة المستهجل (الفياش) وتفاهة المستوجل (المشماش) وعاهة المستزجل (الكشاش) وبلاهة المستحجل (الوشواش)؟ هلا تذكرت  التكامل بين الأدوار يا دبار أم تريد أن تستأثر وحدك بالمضمار ؟

الراجحي: بَل. بَلا. برب العباد يانسيم الجبال والوهاد كم مرة قلت في نفسي "يزي" من الَبلاء واترك الملعاء في ملعهم يعمهون واشتغل بما هو أهم من الشؤون. لم يخف عني القصد بإطلاق فتذكيرك يعني ورقة الطلاق مع جماعة البصاق لأن الفراغ من شرهم الذي عم دار الإسلام من حدود بلاد الواق الواق على حافة  المحيط الهادي (أقصى المشرقين) إلى بلاد الواك واك على حرف المحيط العادي (أقصى المغربين) لا يكون إلا بالعودة إلى أصل الداء: كيف حرفوا الأصلين فحولوهما إلى فرعين إذ قلبوا الآية فجعلوا الآخرة مطية الدنيا وتفننوا في جعل الشاهد معيار الغيب ولم يفهموا أن ذلك هو عين العيب.  

ها أن ملاك الشعر قد أمر بألا يدور بعد الآن على  مناطقة البعر (من سخف قيسهم الغائب على الشاهد أنهم جعلوا الله بعيرا والعالم بعرة) الذين لا يميزون بين الفكر والزعر. قول الجلال يفصل في حل آدم وفي الترحال. وقد حان أوان الجواب عن جوهر السؤال الذي تحدد بمقتضاه البدء والمآل بين لحظة الاستخلاف ودهر فض الخلاف.

تسنيم: تعلم أيها النبيه أني لست صاحبة الفصل في التنبيه. ألم تقل إنك بحاجة إلى التنويه؟ سبق لك أن  قبلت من حفيد هادم الأوثان وحاقن دم الإنسان تأويل إستراتيجية أخينا المليح <حليم> واستاذينا الصبيح <المنصوري> والصريح <المحمودي>؟ هل تريد لعلاج الكحكحات أن يطول أكثر مما فات فنصبح مثلهم قبوريين ندفن الأمة بين الأموات كما بين الحريري في آخرة المقامات ؟ ألم تقل لي: "شدي مني الزمام إذا رأيتيني مندفعا إلى الأمام ولا تخافي علي من أذى اللجام؟". هل استحليت الدور فسكرت على الفور؟

الراجحي: نعم. نعم. يرحم هاك الفم:  لقد عفت هم الكحكاحين والغم. يحق لك أن تذكريني بوجوب الاستقبال إلى ما بقي من مستوى الأقوال. فشروط الإستراتيجية الواقية لا تستكمل إلا بالمراحل الباقية. أعلم أنه تم الوفاء بالمرحلتين الأولى (أنجزها المليح) والثانية (تنويهك يعني أني أنا العبد لله أنجزتها ولا فخر). وقد جاء الميقات لدور المراحل الباقيات:

المرحلة الثالثة (أحداث الكحاية أو لغة الكاريكاتورات الموضوع)

والمرحلة الرابعة (أحداث الحكاية أو لغة الشخصيات ما بعد الموضوع)

والمرحلة الأخيرة التي هي جوهر العقل إذ يصبح لبا ونهى يوجه الإنسان إلى عنان السماء فيرجع القانون إلى أصله ليكون الشاهد مقيسا على الغيب فنتحرر من كل العيب. وبذلك نفهم أصل القوى الأربع الفرعية: فلسفة الإبداع الوجودي والقيمي ما منطقه إذا حاولنا فهمه من منطلق القلب التام للعلاقة بين الغيب والشهادة فانتقلنا من قيس الغائب على الشاهد عند الملعاء إلى قيس الشاهد على الغائب عند العلماء.

الجارح: لست مغاضبا ولا أرد لتسنيم طلب فهي منبع الحب. سأكتفي بهذه القطيفة من رسالة العزل بعد أن أفحمتني فأبكمتني. وجدتها فوق السرير ملفوفة برداء من الحرير. وعلى الرسالة وردتان جميلتان تزينان جمل عزلي دون شماته. فكل يعلم أنه لا محالة معزول طال الزمان أو فات. لست "سيدي تاته" حتى أتعلق بالفتفاته.

 صحيح أن الكحكحة معدية. لكني ليست بوسعدية. لن تحلو لي الجلاجل. ولا الفلافل. ولا بهرج الزعامة السافل. كدت أكذب على نفسي فأنسب إليها ما ليس لها: أردت أن أتجاوز دور الجراح فانتقل إلى حجاج العقل الصراح كما فعلت في المقالة الثالثة التي شكرها أستاذي المحمودي حتى قبل بكل فخر أن أحشي بحثه في" لا ينفع العقار في ما أفسده الدهر". كتبت تسنيم مازحة مع أثر قبلة بالأحمر القاني الذي يحمل كل المعاني كتبت ببساطة تعبيرية خالية من تلاوين السلطة المقدونية (أرسطو) فقالت:

القطيفة من رسالة تسنيم: " آن الأوان للجراح أن يعود إلى المراح ليرتاح لأن القصة تجاوزت الكلام المباح عند القوم الرافضين لشروط الفلاح. أنت تفهم أن الجراجة مهما كانت وافية فهي غير كافية ولا شافية. لا بد من جراجة وجودية تحرر الأمة الإسلامية التي جعلوها حافية (فاقدة للمضاء بالتونسي) بذبهم إذ يزعمون علم الغيب بخلق العيب فلا تخفى عنهم خافية رغم أن علمهم متقدم على اكتشاف"العافية" (النار بالتونسي) . أنت حددت المعضلة في الحلقة السابقة فأرجعتها إلى معضلة قصة الإنسان وصراعه مع الزمان في حدوثها الفعلي وفي تصورها الوهمي وكذلك تاريخها في مفهومه الأسمى في النقل والأوعى في العقل السويين وفي موهومه الأعمى في تحريف النقل وتجديف العقل. وأنت بينت أن الكلام عليها حكاية ورواية لا يكون إلا بعلم ودراية أساسهما قيس الشاهد على الغائب أي المزعوم معلوما على المعلوم مجهولا. فالمعلوم الذي لا يتجاهل المجهول هو الوحيد المعقول إذ هو يفهم بقانون الإبداع حيث الخيال "يبرطع" ويرتع لكونه غنيا عمن يمنع ويردع وعمن يلسع أو يشفع ".

الجارج: عجيب أمري لماذا تغمرني السعادة بانتهاء دوري؟ ألا يكون ما يعمني هو ظني أني صرت من المقربين أشرب من العين ؟ الرسالة سلسبيل. كلامها عسيل. لونها جميل. طيبها عليل. وردها أصيل. فكيف لا أطيع نسمة نفسي التي بشرتني بالربيع؟ أتنحى في الحين فأسمو إلى عليين. سمعا وطاعة "من ها الساعة" يا أم الجماعة الرواية عن أم المؤمنين وحبيبة الأمين.

عادت تسنيم مصحوبة بالبنين فانبعث من حركتها لحن وترنيم كأنه النسيم يترجم عنه صوت رخيم يقول وكأنها تحدث نفسها:

تسنيم: خطاب الرواية حوار على حوار موضوعه علل الدوار والبحث عن الأسرار. خطاب يبين ويواري ولا يميز بين المبدع والرواي. مؤلفه مبدع دون أن يكون باري. وهو غني عن الرواة ألست دار(ي) أم تراك تماري؟ الشخوص ذات حياة. إنها ليست دمى يحركها الرواة. تروي فعلها بنفسها. تفعل روايتها بنفسها. قولها هو فعلها. وفعلها هو قولها. لا يتبعهم الغاوون. يفعلون ما يقولون. يقولون ما يفعلون. من الحياة ينبعون. يرتفعون. وينحطون. وهم على الاشرئباب مدمنون. والتعالي يرومون. إذا تكلم أحدهم نطقت بلسانه الحياة. بلسان أباديع خمس أو جوهرات برأها رب التصوير في أحسن تقويم. قلبها حليم. عقلها حكيم. ذوقها سليم. خلقها كريم. وقانونها قيس الشاهد على الغائب. وتعارضها أفاظيع خمس أو كاريكاتورات لم تستثن من الخسر بعد الرد إلى أسفل سافلين  قلبا وعقلا  وحكما وذوقا وخلقا. أليس  قانونها قيس الغائب على الشاهد ورد المطلق إلى النسبي واللامتناهي إلى المتناهي وكل متقحم منهم بذلك يباهي همه الوحيد التفتيش في سرائر الناس حتى جعلها من الملاهي.

راجح: من يكون المخمس الأول كان نصيبه الإطراء؟ ومن هو المخمس الثاني الذي لم ينل إلا الازدراء ؟

تسنيم: الأول هو ترجمان البيان الذي يفعل ما يقول ويقول ما يفعل فلا يتبعه إلا الراشدون. والثاني عجمان البهتان الذي يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول فلا يتبعه إلا الغاوون.  شخوص الحكاية من البداية إلى النهاية تصارعها كاريكاتوراتها التي استبدت بالأمر فحرفت الثورة القرآنية وآلت بالمسلمين إلى الدنية. وتلك هي رموز كونية للمعضلة الإنسانية في صورتيها الحقيقية والوهمية كما تبين الآيات الكونية والآيات القرآنية دون تأويل ولا تخريف. فالقصد هو الانطلاق من التوصيف لفهم علل التحريف.

الجارح في كلام نفس: ليست النساء ناقصات عقل ودين. لا يمكن. لا يمكن. كذبوا على الرسول. غربال التجريح ليس دائما صحيح.

تسنيم: ما لك تتمتم؟ أفصح قبل أن تبرح.

الجارح: لا أصدق. لا أصدق. لعل غربال التجريح ذراه الريح فلم يحصل التصحيح..لا أصدق أن النساء ناقصات عقل ودين بعد سماعي لما قالت تسنيم.

تسنيم: بلى بلى. لو فهمت القصد لصدقت. انس تخريف المتكالمين والمتفاقهين واسمع لأم العالمين حواء فهي تفهم كلام السماء. فما تقول فيمن يشهد له الخاتم بنقص قيده ؟ وخفة ديْنه ؟ هل هذا يشينه أم يزينه ؟ إن من جعل المرأة والطيب والصلاة حبائبه لم يفهمه البلهاء الذي اضطهدوا النساء بمنطق الغباء فأعادوا ثروة القرآن إلى الجاهلية الجهلاء. ألست ترى الله ذاته لم يعف عن آدم إلا بعد الاستتابة وعفا عن حواء دون تنويه أو إشارة للعتابة ؟ حرية النساء ورفع حبهن إلى عنان السماء وتسويتهن بالرجال في أفعال الجلال. إنهن يبايعن الرسول ويعاهدن. رجعت لهن علامات الإباء فلم يبقين إماء. إنهن منحة السماء لم يفهم دورها ولا قيمتها البلهاء من الملعاء الذين عكروا الماء وحرفوا شرع السماء  فأرجعوا الحرائر  إلى منزلة الإماء.

نقص القيد مزيد حرية أم أنت نسيت قوانين العربية ؟ وهل ينالها إلا من عشق جنسه خير البرية؟ أليس من يخف دينه هو مقدر المسؤولية؟ أم هل فقدت ذوق العربية ؟ وهل يكون حرا ومسؤولا بالسجية من لم يكن الإيمان من بنية ذاته الفطرية ؟ كيف لمن أصل الحب في قلبه مكتوب ليكون بالجوهر غاية المطلوب ألا يكون بالطبع بريئا من الذنوب: لذلك فهو يوم الدين بلا دين به يمتلئ الجنان فتتحد الأبدان ويسعد الإنسان الولهان باللاتي لم يتطمثهن إنس ولا جان وتعود النفس إلى الاطمئنان راضية مرضية في حضرة رب البرية.

 

الجارح: غادرت البيت وفي نفسي شيء من كلام تسنيم. أقنعتني بالعلاج وحيرتني بالمنهاج. فكرت قليلا ثم استنجدت بابن إبرهيم فبعثت له هذه الرسالة الالكترونية من أول مقهى اعترضني في طريقي. لم أصبر حتى أصل إلى مكتبي في الكلية التي توجد على أطراف العاصمة. أوقفت السيارة وبادرت بإرسال هذه الكلمات لحفيد هادم الأوثان والساخر من عبدة الأدران وحاقن دم الإنسان والأواه في كل الأزمان.

"صهري العزيز.السلام عليكم ورحمة الله وبركاته(.....)  أشكو لك  تسنيم اختك إنها تكاد تفقدني عقلي بالمعنى الثاني.  أما بالمعنى الأول فأنت تعلم أن ذلك حاصل من البداية علم اليقين.  "فما صدق للربي" (تونسية وتعني بعد الجهد الجهيد في حل المشكل) أننا خرجنا من الكحكحة حتى أعادتنا تسنيم إليه في مسألة الحديث الضعيف حول نقص النساء عقلا ودينا فجعلته جديرا بالإثبات بل وأولته -ليس عندي تسمية أخرى لما فعلت- بخلاف ما أجمع عليه كل علماؤنا القدامى فضلا عن كونها خالفت ما أجمعنا عليه من أن التأويل منهي عنه.  أم ترى أن تأويل للحديث  مأمور به بخلاف تأويل القرآن ؟ ما الفرق بين تأويل القرآن وتأويل  الحديث ؟ أظنها تريد أن ما يسمى بإنصاف المرأة؟ فهل يحق لها ظلم اللغة العربية لتنصف المرأة ؟"

وصلت إلى مكتبي.  مباشرة فتحت البريد. كان بعض الرسائل من الطلبة والبعض الآخر من الأصدقاء حول مسائل فلسفية لم تكن في تلك اللحظة همي الأول. كان ما في نفسي من كلام تسنيم يركض في "دماغي" لم أهدأ وكم سعدت لما وجدت أن ابن إبراهيم قد أجابني مباشرة لكأنه قدر ما أنا فيه من حيرة.

ابن إبراهيم:" وعليك السلام يا...صعب أن أقول فارح..فأنت اليوم شبه سارح من مسألة حيرتك ولست وحدك. فقد حيرتني قبلك. تسنيم تحير دائما لكنها عين الاطمئنان. لكأنها النفس المطمئنة من دون طرفيها. أنت تعلم أن ما حصل لك من البداية في المعنى الأول من الإذهال حصل لي في المعنى الثاني. فتسنيم يبدو أن الله علمها تأويل الحديث. بالمعنى القرآني وليس بالمعنى المنهي عنه . فالتأويل بمعنى التفسير ليس بالأمر المنهي عنه إنه من جوهر الرمز اللساني عند جميع البشر  التأويل الذي يزعمه أصحابه  تجازا لشرح المعنى اللساني إلى تحديد القصد الرباني بصورة تلغي قاعدة حصر الحكم على الظاهر ليتولى الله السرائر هو الذي يفيد زيغ القلوب وابتغاء الفتنة.

 وإليك كيف أفهمتنى تسنيم المسألة. وكان ذلك بحضور جدك رحمه الله ولم تكن يومها معنا لأنك كنت في باريس تناقش رسالتك حول "الأسس الأنطولوجية لنظرية العبارة في الأرغانون". فقد سألناه  في مسألة التأويل بمناسبة جدل دار حول منزلة المرأة فلم يجب بل قال انتظروا ما ستقدمه لكم تسنيم . لم نكن نعلم أنه عهد إليها بأن تعالج المسألة بطريقتها. فأجابت. بالمناسبة ليلتها خاطب جدك جدي الذي كان زميله في الزيتونة في أمركما. كانت خطبتها جائزة جدك لأنه كان على علم بما بينكما. أجابت تسنيم التي كان جدك يستأنس برأيها دائما وخاصة في المسائل التي تهم منزلة المرأة ليس في الحضارة الإسلامية وحدها بل في كل الحضارات البشرية الأحرى التي لها تصورات مختلفة لمنزلة المرأة  وإذا أردت أن تسمع تفسيرها للمسالة بدقائقه فانظر في كتابي الأخير حيث دونت كل ما بقيت اذكره من التحليل الذي قدمته يومها وأقرها عليه جدك الذي هو عمدتنا في المسائل الشرعية".

الجارج: أحالني إبن ابراهيم على كتابه "مذركات طالب مشاغب". ولست أدري كيف نسيت وقد قرأته مرارا وتكرارا لما فيه من عجائب تسنيم. غمرتني رغبة في العودة إليه في الحال. لكنه لسوء الحظ ليس هو في مكتبي.  مباشرة بعد أن أعود إلى البيت سأعيد  قراءته  على أن يكون بمفردي لئلا تشعر تسنيم بحيرتي: سأنتظر خروجها غدا مع الأولاد في الجولة الصباحية وأقرأ "على كيفي" تحليلاتها وقد يرد لذلك ذكر في المقامة المقبلة إن شاء الله.

 

   الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام