shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

روحانية المادة في الفيزياء المعاصرة

جومانة الحويك ناصيف

يربط الإنسان بالكون علاقة وثيقة لا تنفصم عراها, لما لها من صلات تشابه وتلاقٍ, وتماثل وتكامل. فما يحيط بنا في الكون البعيد وما هو موجود من حولنا هو سبب قلقنا الدائم وصراعنا المستمر مع سر وجودنا الكوني, أصولنا ونهايتنا.

ما العلاقة التي تجمع المادة والروح؟ والى أي مدى تدخل في مكونات جوهر الأشياء؟ علاقة وضع لها العلماء والفلاسفة العديد من النظريات انطلاقاً من انتمائهم النظري وتفكيرهم الفلسفي والعلمي. فما استنتجوه عن طريق حساب سرعة الكواكب والنجوم في الفضاء, إنما هو امتداد مستمر للمادة بعد أن كانت كتلة واحدة كثيفة, انفجرت لتعطينا ما يحيط بنا من كواكب ومجرات.

فالحياة لم تأتِ من خارج الأرض بالخلق المباشر بحسب مفهومنا التقليدي بل من المادة التي وضع الله بداخلها بذرة الحياة.

لا تظهر تلك البذرة بحسب تيارده شاردن Tailhard de Chardin إلا عند بلوغ المادة درجة النضج التكويني؛ لأن في داخلها غريزة تجعلها تقوم بعدة تركيبات لتمزج الحياة المختبئة في داخلها.

وقد رأى القديس أوغسطين: أن الله أودع في البدء في المادة بذوراً حية نمت على مرّ الزمن وأرجع بذلك الحياة إلى فعل الخالق. هذا الميل لتوحيد المادة والروح ظلّ يطبع الإشكالية العامة للكثير من الذوات المفكرة في الدائرة العلمية والمؤسسة الدينية, وكانت الغاية إيجاد رابط يستطاع من خلاله الوصول إلى قانون يفسّر ذلك الانسجام الصارم بين أشياء الطبيعة.

عند بول فاليري Paul Valery رفض الواقع يستقل عن المادة يسمى الروح, وقد حاول من خلال بحثه في آليات الروح, اكتشاف التركيبة الخاصة لحبيبات المادة؛ إذ إن نقطة انطلاق المادة لا توجد إلا في حطيات الروح, وعلى العقل أن ينظّم العلاقة ويكشف التباين ليربط بين الأجزاء ويكشف عن القوانين العامة والعلاقات الضرورية بينها.

هكذا توصّل بول فاليري Paul Valery للكلام عن الروح في الفيزياء وإدخال مواضيع الميتافيزيقيا على مستوى واحد في حقل البحوث الفيزيائية؛ حيث وجد أن لا مبرر للحديث عن المادة من دون حضور الروح بوصفها امتداداً وجودياً لها. ومثلما هو شأن بول فاليري Paul Valery سوف يمضي جان شارون Jean Sharon العالم الفيزيائي والمفكر الروحاني الإنجيلي, نحو الاهتمام بالوصف الرياضي للقوانين التي تسيّر الطبيعة, منطلقاً في رؤيته العلمية والروحانية من فيزياء أينشتاين Einstein , ما سمح له بتحليل الروح مؤكداً أننا لا نستطيع فهم الطبيعة إلا من خلال المادة والروح. فهي تلتقي لتنسجم ضمن وحدة متداخلة العلة, متبادلة العلاقة, متكاملة للكل الواحد؛ حيث يتقلص التناقض في ما بينها, ويحلّ التوافق بارتكازها بعضها على بعضها الآخر أملاً في تحقيق التوازن. وبحسب تيار روحانية المادة, فإن الأشياء تشكل كيانها وطبيعتها بالاتكال المتبادل, فإنها - أي هذه الأشياء - ليست في ذاتها شيء يعوّل عليه, فلتحقيق عالم اللاّ تمايز لا مناص من تجاوز عالم الأضداد, الذي أقامته التمييزات والانفعالات لتوطيد الوحدة الديناميكية.

تلك الوحدة نجدها حاضرة في النظرية النسبية حضوراً تعيّنياً بين الطاقة والمادة كما هي عند أينشتاين Einstein. فكيان المادة لا ينفصل عن نشاطها أو فعاليتها, إنها في حركة دائبة لا تتوقف, وفي تطوّر يتنامى باستمرار في اتجاه الوحدة.

لقد وحّد أينشتاين Einstein الحقل المبادئي وهندسة المكان, فاندمجت نظرية " الكوانتم" مع النظرية النسبية لتصف قوة الجزئيات تحت الذرية. فالمادة برأي أينشتاين Einstein لا تنفصل عن حقل جاذبيتها, وهي والمكان جزءان متصلان ومتوافقان لكلٍّ هو واحد.

الذري حقيقة الكون

تعلمنا الفيزياء الحديثة أننا لا نستطيع أن نفهم خصائص الأشياء المادية, إلا من خلال تفاعلها مع العالم كلِّه. كما تبيّن لنا نظرية نيوتن كيف أن الله خلق الجسيمات المادية في البدء ومن ثم القوى المنظمة والقوانين الأساسية للحركة.

لقد اعتبر جان شارون Jean Sharon أن الفيزياء هي الأكثر قدرة على توضيح كل المشاكل الميتافيزيقية وفي مقدمها مشكلة الروح, فالميتافيزيقيا والفيزياء حسب جان شارونJean Sharon نظامان متكاملان؛ إذ لا تستطيع الفيزياء أن تحدث تطوراً عبر الاكتفاء بتحليل المادة, وإنما كان عليها أن ترى الروح أيضاً باعتبارها جزءاً من ميدان بحثها.

أما الحبيبات الأولى والمكوِّن الأول الذي يمكن أن نجده في الأشياء جميعاً, فينظر إليها جان شارون Jean Sharon على أنها قوالب دقيقة تتكوّن منها مادة كوننا اللامتناهي.

لقد وجد أن تلك الحبيبات قادرة على تحديد الروح إزاء المادة الأزلية, فالطاقة المتجانسة تتجمع في حبيبات لتؤلف النواة الأولى التي نتلمس بها المعالم الأولى للحياة. ونتساءل عن كيفية التمايز الذي انطلق من حالة لا تمايز أولى عرفت بالتجانس.

في ضوء هذه الحقيقة نستطيع تفسير الجسد الإنساني والحيواني والنباتي؛ حيث تركّزت المادة كلها بملء طاقتها ودخلت الروح لتعطي الحياة. فالله عند نيوتن Newton دخل على الطبيعة بواسطة الروح, ويقول: "... الأرجح عندي أن الله في البدء شكّل المادة من جزئيات محركة كثيفة قاسية لا يمكن النفاذ منها, وبأحجام وأشكال وخصائص, وبحيِّز من المكان, وكلها تجري إلى الغاية التي حددها ...".

أما فولتير Voltaire فقد رفض التدخل الإلهي بعكس نيوتن Newton و جان شارون Jean Sharon الذي حاول تحديد الروح من المادة.

ويقول تيارده شاردن Tailhard de Chardin إن ما نسميه جسمنا يوجد مبعثراً بين مليار من الحبيبات الأولية. وما يوضحه جان شارون Jean Sharon يذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ يرى أن كل ذرة من جسمنا لا تختلف عن صديقتها من جهة ما تحتوي من معلومات, فكل حبيبة لها قصة تعيد ما في الكون. ويقول الأب هنري بولاد اليسوعي في هذا الصدد: " ... إن في كل ذرة كوناً كاملاً فيه مليارات من المجرات وفي كل مجرة مليارات من الشموس, وحول كل شمس عدداً من الكواكب, وعلى سطح هذا الكوكب يعيش مليارات من البشر....".

لقد حاول جان شارون Jean Sharon اكتشاف الوحدة من خلال جميع عناصر التشابه بين الظواهر مستعيناً بالفيزياء, مؤكداً على ما أوضحه أينشتاين Einstein, بإمكانية التحقق من النظرية بالتجربة, إذ لا يوجد أي طريقة توصلنا من التجربة إلى خلق النظرية.

فما يشير إليه جان شارون Jean Sharon هو أن الفيزيائي يمتلك حدساً خاصاً ليصل إلى خلق حقيقي, وقد افترض للزمان عند أينشتاين Einstein بأبعاده الأربعة وجهين, أحدهما واقعي والآخر خيالي؛ إذ رأى أن الأبعاد مركبة, وأعطى مثلاً لذلك القطعة النقدية ليوضح نظريته, فنحن لا يظهر لنا إلا وجه القطعة النقدية, ونتخيّل القفا وكذلك الأبعاد؛ لذلك نقول إن تلك القطعة مركبة.

ويؤكد جان شارون Jean Sharon على ذلك التشابه الذي تقدّمه الطبيعة عندما نقارن الظواهر لطرفي سلّم الأبعاد؛ فالذرة مع الإلكترونات الصغيرة التي تدور حول النواة مثلاً تتشابه مع النظام الشمسي, فتركيبة الكون المحسوس واضحة بوجهيها المادة والروح.

لقد كشف ذلك التشابه عن ذاته وتجلّى في ظهوره نتيجة للفعل المبدع الذي يتصف بالتمايز. فالمادة والروح تنبثقا من الوحدة إلى الوجود, وتتكون بينهما علاقة ديناميكية متكاملة دائمة ومتبادلة تعكس ملايين الحيوات التي تؤلِّف الكون. وذلك التكامل ينتج عنه توازن على نحو متواصل, من خلال عملية تبادل متناوبة لتحقيق التطور.

تلك الوحدة هي نقطة أوميغا Omega عند الأب تيارده شاردن Tailhard de Chardin وهي نقطة لقاء بين كونٍ وصل إلى حد التمركز, وبين كونٍ آخر أعمق بكثير, هو المركز الموجود بذاته, والمبدأ النهائي للاّرجوع والتشخصن: الأوميغا الوحيدة والواحدة المتقنة, روح الكون كلّه. لقد سعى جان شارون Jean Sharon إلى حقيقة واحدة تؤلف بين المادة والروح, معتمداً على جمع التناقض وتطبيق مفهوم تكاملية ووحدة التعارضات والأضداد؛ إذ كلّما توغلنا بفكرنا إلى عمق المعاني المتضمّنة في مصطلحات المادة والروح, وجدنا أن فهمنا مرتبط بإدراكنا للكون من خلال التناقض والتقابل الذي يمثّل الكون الشامل في وحدته.

فما نجده في المادة نجده في كل الظواهر الكونية, وما نجده في الخلية نجده في الذرة التي تكوّن الصورة الكونية. فالشجرة تتركز في البذرة, والإنسان في الخلية, وهو جزء من "الكوزموس" يوجد في عقله ويعرفه معرفة حميمة؛ لذلك أصبح وعيه جزءاً من وعي الكل. فبمساعدة العناصر الكونية يتعلم الإنسان الكثير من مظاهر المادة؛ لأن عناصر الكيمياء الأحيائية التي يتألف منها جسمنا البشري, هي ثمرة ذلك التطور الكوني غير القابل للانعكاس لغائية بعيدة تسيّره بهدف التوازن والاستمرار.

هذا الإنسان هو القوة الفاعلة عند جان شارون Jean Sharon, يتجلى فيها نور معرفة الله تعالى, ويشرق منها ضوء كبريائه, ويتأمل وجوده فيشعر في أعماق كيانه بأن توقه المتسامي لهذا الإله الواحد العظيم دائم الحضور.

يبحث الكون فيصطدم بعمق التشابه وتعقيد التشابك, وتأتي حركته شبيهة بحركة الخلية على حدّ تعبير جان أونيو Jean Onious, الذي يقول:"... حركة الإنسان شبيهة بحركة الخلية, وحركة كون وعمل قوى تحكم الكون, وعلاقة زمنٍ بفكرٍ لدماغٍ, بذكاءٍ حادٍ وطاقةٍ حيّةٍ, وروحٍ تجمع الكلّ في مادةٍ كونيةٍ مكونةٍ الجسم الحي".

هذا التقارب بين قانون المادة وقانون الحياة وقانون الإنسان حاضر بقوة في فلسفة جان شارون Jean Sharon؛ حيث نجدها شاملة تجمع بين كل المخلوقات؛ لأن التشابه كبير بين المادة والحياة, فالتناقض بين روحٍ لمادة لطيفة, ومادة بروحٍ كثيفة هو ضرورة استمرارية. من هنا, حاول جان شارون Jean Sharon إدخال كونية المادة في كونية الروح وتحويلها إلى كونية غنوصية تنسجم مع معارفنا الكونية الآنية.

رأى الإنسان, هذه المتعضية الحية المكوّنة من مليارات الذرات المفكرة التي تحمل تاريخها الخاص وتعيش وتفكر منذ بداية الكون, وقد عاشت أوقات الخلق, وسكنت ملايين النجوم, وكل الأجسام وكل الخلايا الحية. وهي بذاتها أنا مفكرة تأخذ جذوراً من الماضي الأزلي, وتنتسب أزلياً في الماضي, وهي دائمة الحضور في المستقبل, لها قدرة الحياة وتمثل مادة "الكوزموس" التي هي امتداد وتتويج لما هو حي. فحيواتنا الفردية في مقياسنا الزماني والمكاني تدور حول النقطة ذاتها, بحركة واسعة قلقة لا متجانسة. نمو جوهر الحياة نتاج مادي للتعقيد. تعقيد ينمو في شبكة علاقات بين جسيمات تتطور بتوازٍ وتوازنٍ دقيق قابل للتبدل. هذا التعقيد يتداخل بامتداد طبيعي, وتلاقٍ عشوائي محتشد بتكتله كما يتداخل بنسيج يستقطب المتشابه والمتجانس وبوعي في طبيعة المادة الحية, ضمن ترابط جاذب للقوى التي تحتوي الروح المستقرة خلف الظواهر, قدرة التوالد والمقدرة المبدعة.

وهنا يكمل جان شارون Jean Sharon فكرة سلفه تيارده شاردن Tailhard de Chardin حول التطور؛ إذ ليس باتجاهنا نحو الفردية نجد الكل الكوني وإنما بالعودة إلى الجوهر الذي يجمع العناصر بالاتجاه نحو الكل. ويعتبر جان شارون Jean Sharon أنّ الأنا لا تختفي بعد الموت إنما تتعدد لتنتسب إلى وجود آخر بعيد أحياناً عن الأرض؛ تتعدد لتمتزج مع الكون وتبقى, وهي الكائن الروح العقل والوعي المغطى بطريقة أو بأخرى بالمادة.

لقد طمح جان شارون Jean Sharon لاكتشاف ماهية الكون مترجماً رؤيته بمجادلات وأفكار تتوضح بعد التحليل والتفسير شيئاً فشيئاً, محاولاً الكشف عما يمكن أن تكون عليه الأشياء, صانعاً الأفكار والأشكال التي يمكن أن تضع العالم أمام شيء من الإبداع.

وقد رأى تيارده شاردن Tailhard de Chardin أن الإنسانية تمشي مع المعتقد المستتر الواعي, وبأن الله خلق الكون وهو كون المادة, في حين تجاوز جان شارون Jean Sharon تلك المرحلة إلى مرحلة أخرى هي كون المادة والروح معاً, مؤكداًَ أن الكون هو بتلك الوحدة التي لا تنفصل, معرفاً الكون على أنه مقدّس يهدف لأن نتعرّف إليه, وهو جزء من وعي له صفة القداسة, لكنه مجزأ نتلمّسه بالاقتراب منه بحيث تمتد معرفتنا وتجعلنا نمتزج به أكثر فأكثر.

أما نحن, فنؤلف تلك الوحدة من مادةٍ وروح؛ أي من وعي مستمر يبقى بعد موت الجسد, في وقت تموت فيه المادة كلياً. ذلك الوعي هو تلك الحبيبات الذرية التي ستختلط بالكون الكلي بعد أن تتجزأ وتنفلت من سجنها التي كانت مجتمعة به وهو الجسد الواقعي, وتدخل في استمرارية جديدة. فعند تحليلنا للنسيج الكوني, تتجه خطواتنا نحو خصوصية يقدّمها الكون تكون قادرة على التفكير بذاتها, وتصبح وعياً لوجودها. وهنا نكون قد درسنا الظاهرة الحقة. أما الموت فيبقى سراً لا نتعرف عليه مثل الحياة أيضاً. وكذلك الحبيبات المكوِّنة لذلك الكائن المنتظم. فالحياة تحوّل والمادة تجمّع, تتلاقى فيها الجزيئيات لتتحول إلى عناصر موحّدة بعنصر حي هو الإله.

لقد حاول جان شارون Jean Sharon أن ينتسب إلى تلك القصة الكونية ليس بهدف السعادة لكن بهدف حل تلك المعضلة, فاندمج مع ذلك الكل محاولاً تفسير ارتباط الأشياء في ذلك الكون الموحّد. سعى ليقدّم شكلاً للكون يسمح لنا بتوحيد التفاعلات الأربع: كهرمغناطيسيه, جاذبيه, قوة ضعيفة, وقوة قوية, مضيفاً تفاعلاً آخر,

هو تلك الحبيبة الحاوية للمادة والروح معاً, وذلك الجزء من الروح القادر على التناسخ.

فالكون معاصر لنا, ونحن نعيش اللحظة الحاضرة معه , وهو كذلك, أي نحن ننصهر بشكل من الأشكال مع هذا الكل, ومن هنا نحن قريبون ولكننا ننصهر فيه بحيث يكون جزءً منا. فالمشكلة الرئيسة هي في تغيير نظرتنا لذلك الكون, وذلك بالتمييز بين الزمن والسبب

Le Temps et La Raison , فباختراقنا لسر المادة نكون في طريقنا لاكتشاف وجود الروح.