



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
صفـــــاة
محمد شيدوقة 02/04/2009
قال تعالى : " يؤتي الحكمة من يشاء و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ". صدق الله العظيم
هذا ما وجدت نفسي اردده بعد لقاء دام حوالي أربع ساعات مع أبي يعرب المرزوقي في العاصمة تونس . و في هذه السطور القليلة سأسجل بعض الانطباعات التي أوحى بها هذا اللقاء و اذكر بعض ما دار بيننا من حديث بما أراه نافعا للقارئ و لو بصفة غير مباشرة و بما يقدم صورة هي الى الوجدان اقرب عن هذا الفيلسوف .
قبل هذا اللقاء كنت قد عرفت الرجل و صاحبته من خلال أعماله الفلسفية لمدة لا أقول طويلة المهم فيها أنني اقترب كثيرا من فكر هذا الفيلسوف النابه ، فمنذ أكثر من اثنتي عشرة سنة و انا أحاول فك رموز فلسفته والإحاطة بمشروعه هذه الصحبة جعلتني على يقين اني لن أجد في اللقاء معه جديدا يذكر فانا اعرفه –أقصد اعرف فكره و تفاصيل أطروحاته –
فلن تطول الجلسة أكثر من نصف ساعة نتبادل فيها بعض البروتوكولات ثم يذهب كل واحد منا في حال سبيله فالأمر لا يزيد عن لقاء بين قارئ يريد استغلال فرصة وجوده في العاصمة ليلتقي مع من يقرا له و لكن تم اللقاء بخلاف هذه التوقعات و هاك أخي القارئ ما تم و ما انطبع باختصار و انتقاء أرجو من الله أن يكون مفيدا .
- ضربت معه موعدا و سبقته الى المكان اعترافا بقدر العلماء فجاء قبل الموعد بقليل و بادرته بالسلام لأنه المعروف بالنسبة لي فرد بخير ما بادرت و عاجلني بالأمر بالدخول و الجلوس رافعا كل مظاهر الكلفة التي تعتري مثل هذه اللقاءات الأولى و بعد لحظات التحق بنا من كان له فضل الوصل ( وهو احد الاثنين اللذان عرفاني بهذا الفيلسوف فجزاهما الله كل خير ) . و مباشرة و دون السؤال عن الأحوال و لا أي شيء من جنسها بدأنا حديث العلم – عفوا بدأ
هو
حديث العلم - .
جليس الأنبياء :
لم أجد غير هذه الصيغة – صيغة مبالغة – للدلالة على ما انطبع في النفس و للقارئ
الكريم الصورة بالعرض السريع .
- في البداية و أنا أتجول ببصري انتظر وصوله فجأة تلمحته في الزحام فرأيت رجلا قشيبا ( ابيضا نظيفا ) هيبته في سبق العلم به و بعد السلام و الدخول و الجلوس و بدون مقدمات أطلعني على نسخة لآخر أعماله في الترجمة كانت أنيقة جدا و هي ترجمة عن الألمانية و استغلها فرصة ليخبرنا عن نشاطه في هذا المجال و غيره من مجالات المعرفة فالرجل يقضي وقته بين تأليف مقال او كتاب و ترجمة او اطلاع على ما له علاقة باهتمامه و مع كل هذا فهو منكب على تفسير كتاب الله العظيم تلك هي الخطوط العريضة الناظمة لنشاطه المعرفي مع متابعة حثيثة لأحوال الأمة.
الجلسة تخللها حديث عن الرياضيات و الأدب وعلم الكلام و التفسير و الفلسفة و ثالثنا كان أكثر معارضة له مني
و
معارضة المرزوقي متى كانت عن علم من أمتع ما تنتظر (كطالب علم ) فهي تعني مزيدا من
الاستدلال و إظهار أكثر لقدرة الرجل و معرفته بالمنطق و البرهان فهو يستميت للدفاع
عن رأيه كما يفاجئك أحيانا بسرعة تخليه عن موقفه اذا صح عنده انه خطا . و من وحي
هذه الجلسة انقل لك أخي القارئ فكرة واحدة أراها تعكس بعمق جزءا من حقيقة هذا
الفيلسوف .
من لا يعرف ابو يعرب المرزوقي و يجلس معه في حديث علمي كالذي تم يضن ان الرجل
يستعرض عضلاته فيقع سامعه في السحر و الصنمية و ينبهر بما سمع من حديث علمي عميق و
غزير و متنوع مثل هذا التأثير قد يحصل لمن لم يفهم مراد هذا الرجل اما من قرأ
المرزوقي و غاص في أعماق مشروعه فالحاصل في ذهنه شيء آخر بعيدا تماما عن الصنمية و
الإعجاب الساذج .ازداد تقديري و احترامي لهذا الفيلسوف إثناء هذا اللقاء لسبب بسيط
وهو انك و أنت تتابع حديثه يعلمك و بكل صرامة روحية ان الطريق الى الله ليس واحدا ،
هذا هو سر تنوع كتابات المرزوقي و سر تنوع حديثه المباشر معي ( في ما أدركت والله
اعلم ) فمن خبر هذا الرجل يستطيع ان يلمس هذه الصرامة الروحية في كلامه فليس في علم
الكلام وحده نصادف الطريق الى الله و الى معاني الدين الإسلامي و لا في الفلسفة
وحدها فالله كما نلتقي به في الطبيعة او آية الآفاق .- بلغة ابي يعرب- نلتقي به في
اية النفس و بقية الآيات الثلاث . هذا بعض ما يريد المرزوقي ان يبلغك اياه و أنت
تقرا إنتاجه او تسمعه فالدين لا نصادفه من طريق واحد فهذا تضييق لرحمة الخالق .
مثل هذا المقصد تفهمه متى كنت خبيرا بمشروعه و هذا مما يسر القلب و يرجح العقل و يشد العزم ويبعدك عن الوقوع في الصنمية ( و اشدد على رفض هذه الصفة المرذولة لان في نخبنا المثقفة من هو واقع فيها أهلية كانت ام أجنبية ) هذه الملاحظة انتقل من خلالها الى بقية ما أريد تبليغه فقد جلسنا نتناقش في العديد من المساءل الفلسفية و الدينية و كل ما يمكن وصفه به عند حديثه عن تفسير القران انه جليس الأنبياء.
- ان الخصوصية التي يصدر منها المرزوقي في قراءته للتراث و إنتاجه الفلسفي يمكن تلخيصها في انه لا يجوز الاستئثار بطريق واحد و اعتباره الاكفأ في مصادفة معاني الدين و القران فهذا أمر يحتاج الى مراجعة خاصة من طرف بعض القائمين على أمور الدين و الذين نصبوا أنفسهم مختصين في الهداية و ان الطريق الى الله ما هم عليه ( و اقصد هنا بصفة مباشرة جماعة موقع الأصلين ) فمثل هذا عند المرزوقي كنسية جديدة لا بد ان تكنس – بتعبيره في كتاب فلسفة الدين - . فالوجود ما كان منه منظورا او مقروءا كله يدل على الله و هو بهذا التنوع مجال لتدبر الإنسان
و موضوع علوم عديدة فهو خطاب إلاهي لمن ألقى السمع و حد البصر و عن دراسته و تأمله تنشأ العلوم فهي سعي إنساني اجتهادي لإسترقام رموزه – بلغة ابي يعرب- فالعلوم اذا في إحدى أهم معانيها طريق للوصول الى الله
و
بمثل هذا المعنى نفهم لماذا اعتبر الإسلام العلم واجبا فهو مقيم لنوع من الاستخلاف
فتصبح كل العلوم بهذا المعنى دينية ( بخلاف تقسيم الغزالي لها الى علوم دين و
علوم دنيا ) و سيكون لنا حديثا مطولا عن معنى الاستخلاف عند المرزوقي نتركه لأبحاث
أخرى . و الخلاصة ان الوجود هو رسول الله الى الإنسان و ما عليه إلا ان يحسن تلقي
هذه الرسالة الإلهية ليتحقق بالشهادة .
بعد هذه القاعدة - الصفاة – اختم مقالي هذا بالحديث عن صيغة جليس الأنبياء فقد
علمت منه مباشرة انه بصدد تفسير القران و كل ما يمكن قوله انه عزم ان يعود الى
القران مباشرة لتفسيره و الأمر عنده كالتالي:
ان المرزوقي يؤمن إيمانا جازما ان كلام الله واضح مبين ففي العديد من الآيات يصف
الله كلامه بقوله : "قران عربي مبين " و هذا لا يعني الاستغناء التام عن التفاسير
فتلك جهود تحترم و لكنه عند صاحبنا كما عند غيره ليست نهائية و ما يتميز به صاحبنا
قدرته العجيبة على الإنصات المباشر للقران بعيدا عن هذه الأصوات لقد بلغ هذا
الفيلسوف – دون ان نزكي على الله أحدا – مرحلة وأنصتوا الواردة في قوله تعالى :
فاذا قرئ القران فاستمعوا له و أنصتوا " .فقد قرر اذا ان يعود الى القران مباشرة و
يجالسه و وهذا ما جعلني اعتبره جليس الأنبياء بجلوسه المباشر مع القران فجاء فهمه
له بحسب ما اخبرني طريفا و عميقا ويحتاج الى صفاء في الذهن و النفس كبيرا لإدراك
معناه .
رأيت في ابي يعرب رجلا يشارك الأنبياء جلستهم و يستمع إليهم من خلال مثل هذه الصحبة للقران و أسأل الله ان يجعل إنصاته للرسول محمد صلى الله عليه و سلم من خلال إنصاته للقران عاصما له من الزيغ فاني الى حد كتابة هذه الأسطر ما زلت مقتنعا ان الفلاسفة هم اعجز الناس عن تفسير القران ( و ان كان المرزوقي بما حباه الله من حكمة قد بدد شيئا من هذه القناعة ) و ان غدا لناظره قريب .
الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام