البحث في الموقع

الصفحة الرئيسية

سجل الزوار

راسلنا

أرشيف المقالات

فضاء أبو يعرب


فضاء البكالوريا
مقالات ودراسات

منهج وبيداغوجيا



   


  موقع الفلسفة في: 27/.01/2012    

                            تصحيح مسار أم محاولة يائسة لإيقاف مسيرة؟

                                         الجارح الراجحي

سمى السيد الباجي قائد السبسي محاولته العودة إلى الأضواء بـ"البيان إلى الرأي العام" راسما محاولته بتصحيح المسار ومبررا نبرته الأبوية بداع المسؤولية الوطنيةبوأأ. ودعواي أنها محاولة للإبقاء على دفء الأضواء بسعي يائس يطمح صاحبه إلى إيقاف مسيرة إيقافها مستحيل لأن سندها كل ثوار تونس من أقصى تخومها إلى أقصاها. وما يؤسفني في مثل هذه المحاولات هو ما ينم عليه من هزال تعاني منه المعارضة التي صارت تتشبث بلا شيء أو يكاد كما يتبين من التعليقين المصاحبين للبيان: فلا يمكن للمستقبل أن يرسمه زعيم لا يتجاوز كلامه عليه نزعة الكُنْتِية (كنا وكنا في زماننا ...) الكنتية التي لا تمثل الأمل بل اليأس لكونها تعبر عن  العودة المستحيلة  لعصر يزعمونه ذهبيا.

هدف هذه الكلمة إثبات الدعوى التالية: هذا البيان ليس دعوة للإصلاح بل هو خرطوشة أخيرة في جعبة من تجد فيه بعض بقايا العصور الخوالي ملجأها الأخير ضد الثورة ظنا منهم أن مفاخرة صاحبها بخدماته وخدمات جدوده تعني التفرد بكفاءة عالية وتوهما أن كل من سوى صاحبهم عري منها. والمعلوم أن الكفاءة التي يدعونها مباهين لا تتعلق بما يختص به الشأن أعني الخبرة المتميزة في إدارة الأمر العام. إذ لو صح ما يزعمون لدلل تاريخ هذا الصلف على غير ما يدل عليه العنصر الوحيد المعتبر عندهم في تقويم الناس وتراتبهم: مجرد الخضوع "للإتيكات البلدية" التي لا تكاد تتجاوز الكلام على عقدة الرقبة والبرنوس.

لكن الثورة من بين أساليبها احتقار هذه البراقع التنكرية لتخليص المواطنين من عقد أصحابها إزاء أثر ذلك في ذهنية الإهمال الذي لحق الجهات المحرومة أهملوه الذي لحق المحروفكان ذلك من أهم قوادح ثورة الحرية والكرامة. الثورة تحرر من الإتيكات التي لا تتجاوز احتقار من ليس في سجله "قيادة" إحدى متع الطبقة المستبدة بالأمر في تاريخ الوطن.

فما جاء في البيان وما قدمته به جريدة المغرب الحزبية (صاحبها رئيس حزب يتباكى على البورقيبية بعد سكوته عقدين على دفن مؤسسها حيا) أعني التعليقين عليه من شخصيتين ممثلتين لأقلام تحريرها هما الدليل القاطع على محاولة أخيرة لإرباك مسيرة زادتها المطبات الصادرة على ضمار النبارين من طبالي الأمس وأصحاب المناحات الحداثية اليوم الساعين إلى الحد من مفاعيل الثورة على المصالح التي انتسجت خلال عقود وعقود وتحالفت الآن لعلها تعطل عجلة التاريخ لامتناع العودة إلى ما تقدم على انطلاقة الثورة.

أما ملخص البيان الذي يغلب على صاحبه منطق الكنتية (كنا وكنا إلخ.. من تمجيد ماض لو كان رأي السعادة إلى استعادته لكانت تونس غنية عن اللجوء للكنتيين) فلا يكاد يتجاوز إشارات سطحية للممضوغات رافضي حكم الصندوق وهي خالية من الحجج المعللة لدعوى السعي إلى تصحيح المسار خاصة إذا كان قد سبق لصاحبها أن سخر من الشعب فضرب مثال تارزي خروتشاف قيسا لأول على الثاني بوجه شبه هو بلغة البلدية هو أساس المقابلة بين التارزين. أما التعليقان فمصدرهما عشق صاحبيهما بفن الكاريكاتور وصفا للوضع وللمخلص.

ولأذكر بأني سمعت أستاذي أبا يعرب يخاطب السيد الباجي قائد السبسي في خاتمة الجلسة الأولى للمجلس التأسيسي مهنئا إياه بمخرجه من باب قد يجعله من كبار رجال الدولة. لكني أعتقد أنه رغم فطنته لم يفهم قصد الأستاذ فأفسد المخرج بمدخل يظنه مفتوحا ولم يفهم بعد أن العودة مستحيلة. فالثورة أمر خطير لا يمكن أن يمكن للعابثين بمصير الشعوب. وعدم فهم ذلك يحول دون صاحبه وادعاء روح المسؤولية الوطنية بعد عقود من السكوت على ما يدعي التصدي له:

فسكوته على امتهان كرامة الآلاف من التونسيين وعلى استكداء الإعلام و"بولسته" عقودا لا يمكن أن يضفي المصداقية على دعواه الخوف على الحريات العامة والخاصة.

ولا يحق لمن سكت عقودا على انتهاكات الحريات وتكميم الإعلاميين وتحويلهم إلى مرتزقة فاستفاد مما ساد خلالها من استبداد وفساد أن يقترح سبلا لتجاوز المخاطر المحدقة بالبلد.

ولا يمكن لما اعتبره علة العلل في الوضعية أو ما سماه بالضبابية الناتجة عن الخلط بين المهام أن يكون ذا معنى إلا  بدلالته على رغبته في حصر المجلس في دور لجنة  فنية لصوغ دستور يمليه عليه فنيين معينين مثل لجنة عماية الثورة ليبقى الحكم  بيد من يعيد إليها الاستبداد والفساد.

أما كلام "المنقذ من الضبابية" المزعوم كلامه على فقدان الثقة السياسية فلا يمكن فهمه إلا من خلال التسليم بأنه يتصور أوهام من صفر في أذنه حقائق: يفشون الشائعات ثم يصدقونها ويبنون عليها أحكام متناسين أن الثقة السياسية في الديموقراطيات معيارها الوحيد هو الانتخابات ولا شيء سواها: وهم جميعا لم يتجاوز مجموع ناخبيهم الواحد في المائة مع صلف الزعم بأن الأحزاب الحاكمة لست حاصلة على الأغلبية لكأن من لم يصوت لها صوت لهم.

لكني لا أعجب من كلامه وترديده لترهاتهم فهو لا يؤمن بالانتخابات أصلا ولو كان بوسعه أن يزيفها كما كان يفعل باعترافه لفعل. وهو يحاول الآن إلغاء ما اضطر إليه سعيا منه ومن أزلام النظام السابق الذين بدأوا يجمعون صفوفهم ويحشدون حشودهم. وهم لو كانوا بحق يؤمنون بحظوظهم لما لجأوا  لمن لا يمثل المستقبل حتى بمقتضى قوانين البايولوجيا.

 وهكذا فنحن نرى كل من فشل في الانتخابات ورفض تأليف حكومة وحدة وطنية يريد أن يخضع السلطة الشرعية الوحيدة في البلد لسلطة الشائعات ولجوقة المتباكين على حقوق الإنسان والديموقراطية مع رفضهم شرط شروطها: أعني حكم البلد حكما شرعيا خلال تحرير الدستور الجديد سعيا منهم لمواصلة الحكم اللاشرعي الذي يثبت "عروق" الثورة المضادة كما فعلوا خلال السنة الفارطة لمنع الثورة من تحقيق أهدافها وذلك هو مغزى أمثولته التي ضربها في أول خطاب له قبل تولي الحكم كما الأستاذ في تأويله لها.

وهكذا يتبين أن كل هذه الدعاوى والأكاذيب غايتها الوحيدة التنصل من المآل الذي أوصلوا إليه البلد خلال الشهور العشرة التي حكموها فيها فأغرقوها بتصرفهم الأخرق الهادف إلى مواصلة العهد السابق وحماية مصالح أذياله.

وأخيرا فالسند القانوني الذي يريد بالتوكيد عليه البرهان على أنه رجل دولة القانون واحترام العهود كان أول من اعتدى على ما هو من جنسه رغم فقدانه لكل شرعية إذ أطال في عمر حكومته من  جويلية إلى اكتوبر بدعوى امتناع القيام بالانتخابات بشروطها في المدة الملتزم بهام بدئيا. لكن النص الذي يستند إليه  ليس له من قوة ملزمة إلا في وهم صاحبه والأمر الملزم الوحيد هو عزم الترويكا على الإيفاء بما تعهدت به من إنجاز العمل في سنة أو في أجل لا يتعدى سنة ونصف لأن مراسيم بارونين من بقايا نظام ابن علي لا يمكن أن تعتبر أقوى من إرادة مجلس دستوري انتخبه الشعب خاصة وقياداته والحكومة النابعة منه لا تنيان تذكران بأنهم عازمتان على احترام ما التزمتا به أدبيا.

فإذا أتينا إلى الحلول المقترحة وجدناها من جنس خلع الأبواب  المفتوحة فتكون الأجراءات التي يدعيها مصححة للمسار تصحيحا لمسار لم ينحرف عن هدفه في حدود ما التزمت به الترويكا الحاكمة التي أعلنت عديد المرات ذلك مؤكدة أنها ستحترم الأجل المتفق عليه بل إن الحكومة التزمت بذلك في إعلان النوايا وفي جلسة الحوار وفي تواصل رئيس الحكومة مع المواطنين بواسطة القنوات الثلاث فضلا عن تصريحات الناطق الرسمي باسم الحكومة وجل الوزراء.

كما أن الحكومة أبقت على شرط استئناف لجنة الانتخابات دون أن تجعل من الأعوان المؤقتين للقيام بمهام الانتخابات في إبانها موظفين رسميين إذ لو فعلت لكانت كمن يوظف بصورة دائمة أعوان حملات إحصاء السكان. وهو لعمري من أسخف الإجراءات بكل المعايير.

لكننا لا ننفي أن الكلام على البديل السياسي لضمان التداول فكرة جيدة ومعقولة لكونها بحق شرط الديموقراطية الحقة. لكن ذلك كلام حق أريد به باطل. ذلك أن هذا الكلام يقبل من قيادات المعارضة الممثلة للمستقبل والفاعلة بحق ضمن أهداف الثورة لا بقايا النظام الخادمين للثورة المضادة. ثم إن صدور مثل هذا الكلام عن الجيل البورقيبي يبدو لي من علامات الفقر المدقع وإفلاس المعارضة إذا كانت حقا تصدق أن السبسي سيكون منقذها من تردي عملها المقصور حاليا "على منطق نلعب وإلا نحرم" مع ما تتصف به من فسيفساء الزعامات المصابة بداء "إما أنا وإما فلا" وبداء "من دوني فليذهب البلد إلى الجحيم". لجوء المعارضة إلى السبسي دليل على عدم الجدية وعلى قصور في الخيال وعجز على تجاوز الأنانيات. فالحاجة إلى عجوز تجاوز نصف العقد التاسع والتوكؤ على عصاه الخربة التي ما كانت لتمكنه من الوقوف خلال حكمه الأخير لولا توافق الترويكا الحالية التي يظن نفسه قادرا على تقديم البديل منها. فجمع الكسور قل أن يبلغ العشرات فضلا عن المئين والألفين لحكم البلد سلميا: والحكم المستبد والفاسد كنسته الثورة ولن تسمح بعودته حتى لو استندوا إلى كل طغاة العالم من مستعمري الأمس وتأييد إعلامهم ومافياتهم.

ولما كانت الحجج الواردة في هذا البيان أوهى من بيت العنكبوت فإن المسألة تصبح مقصورا مدارها على الدافع المسكوت الذي يستند إليه صاحب البيان والذي يخفيه بما يدعيه في سعيه لتصحيح المسار: دافع المسؤولية الوطنية. ورغم أن مثل هذا الدافع ليس مما يمكن أن يشكك عاقل في قيمته الخلقية والسياسية فإنه يمكن أن يكون قناعا يخفي الدافع المسكوت عنه.

فدافع المسؤولية الوطنية لرجل الدولة بحق لا يكون ذا معنى إلا متى كان دائم اليقظة فلا يكون مقصورا على لحظات بعينها هي بالذات اللحظات التي تؤيد ما عبرنا عنه في عنوان هذه المحاولة: إرباك المسيرة بدل تصحيح المسار. ذلك أن من يريد أن يصحح مسار الثورة عند افتراضه قد انحرف ينبغي ألا يكون قاضيا ومتقاضيا في آن بل عليه ألا يكون طرفا أو  منحازا لطرف مدة فاعليته السياسية التي من المعلوم أنها لا يمكن أن تتغير في أواخر ثمانينات العمر مهما طال أمل الحياة. لذلك فنحن سنكتفي بالتساؤل عن هذه المسؤولية الوطنية ما سر غيابها في جل مراجل حياة الرجل السياسية؟

1-فأين كان الشعور بالمسؤولية الوطنية خلال المساهمة في المسار المتدرج الذي آل إلى الانقلاب الأول انقلاب المرحوم بورقيبة على المناخ التعددي في معركة التحرر إلى حد التنكيل بالمناضلين الذي ساهموا في تحرير البلاد ؟

2-وأين كان هذا الشعور بالمسؤولية الوطنية خلال الانقلاب الثاني انقلاب الهارب الذي اعتدى على كل الحقوق فقضى بالذات على شروط الكرامة لجل من كان فيه أدنى شعور بالمسؤولية الوطنية ؟

3-وماذا فعل من يتضامن مع "نسمة" باسم حرية التعبير -وهو أمر طيب وجلل عند إهمال طبيعة التوظيف الذي حف به-ماذا فعل ليتضامن مع العدوان النسقي على الإعلام وعلى الإعلاميين وعلى  حرية الضمير بفرض قيود على معتقدات الناس وشعائرهم وعلى حقوق الإنسان إلى حد القضاء التام على أدنى شروط إنسانية الإنسان المخالف؟

4-أيكون الأستاذ السبسي قد دافع على المتهمين أم لعله كان محاميا لمن يحرك من يضطهد الجميع فتكون دعواه الحالية اعترافا منه بأنه كان موافقا على سياسة الاستئصال والتجفيف التي كان  ابن علي يتبعها ومعه جل اليسار الذي ما يزال قائلا بها لكون فكره قد انتقل من ديكتاتورية البروليتاريا إلى دكتاتورية المافيا مافية الحلاقة والبوليس السياسي الذي كان أغلبهم من أعوانه ؟

5- وأخيرا هل ما يصوره برسمه تعفنا يسود على الوضعية  الحالية التي تلت عهده الزاهر هل هو ناتج إن سلمنا بوجوده عن شهر من الحكم الشرعي الذي يريد أن يوجد بديلا منه أم أنه في الحقيقة ثمرة خبرته وحنكته وشعوره بالمسؤولية الوطنية بحيث إن الوضعية ليست متعفنة بل هي بداية التشافي من الأمراض التي زرعها عهده الأسود ؟

لا يمكن لرجل دولة أن يتردد في تطبيق أولى قواعد المسؤولية الوطنية والحنكة السياسية أعني تقديم شروط النظام العام أو شروط السلم الاجتماعية بالحد من الاستفزازات التي يوجهها للشعب عامة وللثائرين من شبابه فتيات وفتيان أم إنه ومن يتضامن معهم أكثر إدراكا لشروط الحياة الديموقراطية من المجتمعات التي تفضل تقديم النظام العام على نزوات بعض المهوسين بالكلام على أحوالهم النفسية معتبرين ذلك فنا وهو تلعثم ومحاكاة فاقدة للذوق ولشروط الفن الراقي.

إن  من يريد هذا العائد من الكهف ركوب دعاواهم زاعما تصديق ما يزعمونه من دفاع عن حرية الإعلام والرأي وما يروجونه من شائعات وأكاذيب لن يمكنه من الحصول على رمزية الداعية للحريات العامة لأنه يبقى وزير داخلية الذي زيف الانتخابات باعترافه وزير داخلية في عهد لم يعرف عنه احترام الحريات حتى لا نقول أكثر فضلا عن كونه قد نجح في انتخابات مزيفة وتراس مجلس نواب كله مزيف وحكم البلد أخيرا مع رئيس هو عينه رئيس آخر المجالس المزيفة (إذا لم يعد لحكم تونس أمثال هذا الذي وجد فيه المتآمرون على الثورة المنقذ لمشروعهم).

وأخير هل تسمح المسؤولية الوطنية لمن يدعي الاتصاف بصفات  رجل  الدولة أن يلغم إدارة بلده بما يحول دونها وأداء وظائفها على أحسن وجه وأن يقبل موازين الدولة بما يفقدها كل توازن الدولة حتى أوصل البلد إلى حافة الإفلاس إذ بات الدخل القومي الخام سلبي النمو بما يقرب من اثنين تحت الصفر ؟ صدعتم آذاننا بالكلام على الكفاءة والخبرة. لذلك  فعليكم أن تسلموا بإحدى خليتين:

فإما أنكم أكفاء وذوو خبرة ولكنكم غشاشون مستعدون لتركيع البلد للإبقاء عليه تابعا لمن أنتم تابعون له. وحينئذ فلا بد من محاكمتكم بتهمة خيانة مؤتمن.

أو أنكم تدعون ما ليس فيكم ومنه ثم فأنتم مغرورون وينبغي محاكمتم بتهمة انتحال صفة.

وفي الحالتين فحسابكم متروك لجيل الثور بعد أن تنهي هذه الحكومة مهمتها فتنجز ما وعدت به ولعله يكون كريما فيعاملكم معاملة الرسول الأكرم لأهل مكة بعد تحريرها من أوثان الجاهلية أعني الكبر الذي يجمع بين الاستبداد والفساد وعدم احترام المواطنين لأن جدودهم لم يقودوا سبسي الباي وتلك هي دلالة كسوة خروتشاف التي خاطها تارزي رومانيا "القعر" الذي يجهل كيف يخاط الدورموي لكنه يعرف لي جوست موزير لخروتشاف (الشعب المحقور من أحفاد خدم الباي) بعد أن رمى "القعر" (أي الثوار) بالتارزي الراقي الذي يعلم كيف يخاط الدورموي فنفاه في سيبريا.