


طبيعة الأزمة التي يمر بها الأمن في تونس
أبو يعرب المرزوقي
لست أدري ما الذي يجعل الحاكم بأمر السلطة الخفية يفهم الأمور جميعا على نقيض حقيقتها فيضع سلطة التشريع المراسيمي بيد شاهد الزور في مجالس نواب المافية لدى الشعب خلال جل عهد ابن علي ويبقي على سلطة التخطيط لمستقبل الثورة لمن يعادي مقومي هوية الشعب باسم العلمانية اليعقوبية ويحافظ على لجنة البحث في الفساد بيد من كان من مزينيه ويهمل القيام بما كان يمكن أن يعطيه شرعية الأمر الواقع في غياب شرعية الأمر الواجب: محاكمة المجرمين واسترداد ثروات البلاد.
فإذا كان ما يفعله هدفه الإيهام فهو عين الغش الملامس لخيانة الأمانة وإذا كان توهما بأن الشعب غافل فهو دليل على عدم الأهلية للحكم. وقد سبق لي أن حللت الكثير مما أصف بهذين الوصفين (الإيهام والتوهم) دون تجن على رجل ليس بيني وبينه خصومة شخصية. فالأحداث أكدت فرضياتي التي لم تكن مجرد حدوس بل هي كانت ثمرة تحليل لخطاب الرجل وخاصة لتأففه من الكلام على الثوار والثورة لكأنه "لا يرى للشعب أهلية للقيام بعظائم الأمور". لكني اليوم أضيف تعليقا على أمر بدا لي من عجائب ما سمعت في حواره الذي تكلف فيه المصارحة حواره الأخير الذي تحول إلى كلام موتور للرد على القاضي الراجحي كلام كل ما فيه كان يمكن أن يكون معقولا ومقبولا لو لم يكن خارج سياق الثورة: فمنطق الثورة وشروط نجاحها يتنافيان مع ما يحاول تقديمه على أنه روية الحاكم العادل الذي يترك الوقت للوقت حتى تجري العدالة مجراها السوي ثم يعكس فلا يتمهل في "جرجرة" خصمه القاضي الراجحي لفضحه المستور.
ففي خلال هذه المصارحة التي تحولت إلى مخاتلة جاء كلامه على الأمن بصورة استفزتني وأتصور أنها استفزت كل من يؤمن بأن الثورة تستحق أكثر من هذه المواقف المتفززة من كل ما هو شعبي. فقد تكلم الرئيس الثالث للحكومة الظاهرة (السيد الباجي قائد السبسي) على الأزمة التي يعاني منها أعوان الأمن نساؤهم ورجالهم واصفا تلك الأزمة بكونها نفسية بمقتضى كونهم متعلمين. لكنه ذكر أمورا تبين أن طبيعة ما يشعر به أعوان الأمن تعارض هذا الوصف. فإذا كانت الحجة التي أشار إليها هي فعلا الحجة التي جعلت أعوان الأمن يترددون في تطبيق الأوامر خشية تحمل مسؤوليتها بعد تنصل الآمرين بها منها فإن وصف الوزير الأول للحكومة الظاهرة فيه من الجهل بطبيعة الأزمة ما يندى له جبين أي "بوجادي" في فهم التحولات الخلقية والمواقف الدالة عليها فضلا عن استنتاج ما ينبغي استنتاجه منها عند من يحمل مسؤولية إدارة البلاد على الأقل في الظاهر. وذلك للعلتين التاليتين:
فأما العلة الأولى فتتعلق بسوء فهم لدى السلطة التنفيذية الظاهرة الآمرة لأعوان الأمن سوء فهم يحط من قدر رجال الأمن الذين لا يجهلون أن الآمرين الحقيقين بمنأى عن تحمل مسؤولية المطلوب منهم. فهم بمثل هذا الموقف لا يعانون من أزمة نفسية بل هم بدأوا يفهمون دورهم وينأون به عن توظيفاته غير الشرعية. ومن ثم فهذا الموقف لا يدل على أزمة نفسية بل هو أقرب إلى المطلوب من عون الأمن عندما يكون المعيار الذي تحدد به طاعة المأمور للآمر هو مقدار خضوع الأمر لشروطه التي تجعل طاعته واجبة. ولما كان العون عونا في دولة مدنية وكانت الدولة بمقتضى دستورها ذات ثقافة روحية إسلامية فإن هذا المعيار مضاعف:
فهو مدنيا الطاعة في حدود ما يفرضه مبدأ لا طاعة للآمر أيا كان في خرق القانون.
وهو دينيا الطاعة في حدود ما يفرضه مبدأ لا طاعة للآمر أيا كان في معصية الله.
وبهذا المعنى فإن إحجام أعوان الأمن على تطبيق الأوامر الصادرة من السلطة الحالية أو حتى ترددهم وتنفيذها بتلكؤ يمكن أن يفهم بالمعنى الأول أو بالمعنى الثاني أو بهما معا فيكون في هذه الحالة دليل الصحة النفسية والخلقية وهو مما يحسب لهم بل هو لصالحهم في المدى البعيد لكونه دليلا على أنهم بدأوا يفهمون وظيفتهم الحقيقية: تنفيذ الأوامر في حدود ما يسمح به القانون مدنيا وما تسمح به الأخلاق روحيا وهو ما يجمع بين أسمى ما في المدني وأعلى ما في الديني من حياة البشر. والشعور بهذا الأمر والتردد فيه ليس دالا على أزمة نفسية بل هو هو دال على أزمة خلقية نتجت عن الانتقال من عهد قانون الغاب إلى عهد قانون المدنية.
لكن رئيس الحكومة الظاهرة لعله مضطر لترديد رأي الحكومة الباطنة التي تحول الفضائل إلى رذائل والرذائل إلى فضائل فتنقل المسألة من الأخلاقيات إلى النفسانيات بحيث تجعله يعتبر أعوان الأمن مصابين بأزمة نفسية هي الخوف من القيام بالواجب المقصور على طاعة الآمر. وبذلك يصبح ما ينبغي اعتباره تقدما في فهم عون الأمن لوظيفته من حيث هي أداة لتطبيق القانون وليست أداة لخرقه يصبح هذا التقدم أزمة نفسية بمعنى الخوف من تحمل مسؤولية تطبيق القانون: لكنه من حيث لا يدري ذكر ما يفيد أن ما يخاف منه أعوان الأمن ليس تحمل المسؤولية بل تحميلهم مسؤولية أفعال يتفصى منها مَن مِن المفروض أن يتحملها أي من أمر بها وليس من أمر بأن يأمر بها وهي مجرد عطاء على المافية التي تحركه من خلف حجاب مع العلم بأنها تخرق القانون والأخلاق.
وأما العلة الثانية فتتعلق بما يبين أن من يعاني من أزمة نفسية ليس هو أعوان الأمن بل حكومة الواجهة التي تستعملها شرذمة الأمن الموازي الذين جعلوا جل الأعوان السويين قانونيا وخلقيا يصبحون مجرد أدوات لخدمة مافية أعني للقيام بخدمة ليست ممكنة إلا بخرق القانون. وهذا ما يرفضه الأمن السوي إذا كان فعلا قد فهم أهم أسباب الثورة. وعندئذ فالأزمة النفسية ليست أزمة أعوان الأمن العاديين بل هي من يستعملهم الأمن الموازي ليخفي بهم واجهة تساعده على العودة بالبلاد إلى سيرة المافية. وهو لعمري ليس عجبا إذا كانت الحكومة الظاهرة في الحقيقة مجرد واجهة لحكومة باطنة تحرك الدمى حكومة باطنة بيدها الإعلام والمال والقوة وأدوات تزييف كل الإجراءات التي نتصورها هادفة إلى إنجاح الثورة وهي في الحقيقة ساعية إلى إفشالها كما بينا في سابق محاولاتنا: فيكون مفهوم السيد رئيس الحكومة الظاهرة مفهومه للأمن خاطئ على طول الخط كما بينا عند الكلام على ما يتصوره هيبة الدولة وتفرد رئيس الحكومة بالحكم.
والغريب أن هذا الفهم السيء للأمن ولهيبة الدولة هو الذي يجعل الحكومة تغالط الشعب فتدعي تنحية الأمن السياسي وحل الحزب الذي حكمت البلاد نصف قرن باسمه لصالح من استفاد من سلطانه:
فأما المغالطة الأولى فهي الزعم بحل البوليس السياسي. والمغالطة هي في إيهام الناس أن الدولة الحديثة بوسعها أن تستغني عن مثل هذه الوظيفة: فالمعلوم أن المطلوب ليس حل الأمن السياسي الذي هو من الوظائف الأساسية في كل دولة بل التخلص من تسبيه وعدوانه على القانون عدوانا يجعله يدوس على حقوق المواطن وقانون البلاد بمقتضى تحوله إلى أداة تستعملها مافية حاكمة بدل من بقائه جهازا ساهرا على أمن الوطن.
وأما المغالطة الثانية فهي الإيهام بأن المافيات التي كانت حاكمة يمكن الحد من دورها بمجرد حل الهيئات الشكلية للحزب الذي كانت تختبئ وراءه رغم علم الجميع أن هذه الهيئات الشكلية كانت خاوية على عروشها وهي تقتصر على جمع المصفقين عند الحاجة في حين أن المافيات التي تختبئ وراءه هي التي تمثل اليوم الحكومة الخفية. وأرفض اصطلاح حكومة ظل لوصف الحكومة الخفية: فحكومة الظل هي في دلالتها الاصطلاحية السوية هي الهيئة التي يستعد بها الحزب المعارض لحكم البلاد في حالة نجاحه في الانتخابات الموالية للتي هزم فيها وهي لا تحكم لا في الخفاء ولا في العلن.
وينبغي أن نعلم أن تونس حُكمت طيلة عهد ابن علي بحكومة اسمية ورمزها الغنوشي الذي يغني ببراءته رغم أنه لم يغادر الركح إلا بعد أن دعا إلى الفتنة والحرب الأهلية فكان رئيس القبة قبالة القصبة وحكومة فعلية هي بطانة المستشارين في القصر الذين هم بدورهم كانوا حكومة ظاهرة ومن ورائهم حكومة باطنة هي حكومة المافيات الثلاث المتوالية في ثلاث مراحل هي مرحلة الذين نصبوا الزين وعادوا اليوم لتنصيب زين جدي ثم مرحلة وسطى تلتها مرحلة زوجة الرئيس ومن اختارته ليكون أداة لما كانت تسعى إليه (لطيف ومافيته وشيبوب ومافيته وزوجة الرئيس ومافيتها).
وفي الختام فقد يظن الكثير أن الكلام على أزمة أعوان الأمن ودلالاتها ليس مما يستحق العلاج الفلسفي. فمن يظن ذلك ينبغي أن يسلم بأن الأمن ليس المقوم الأساسي للدولة. لكني أعتقد أنه لا يمكن تصورها من دونه ومن ثم فهو من أهم المقومات التي يتألف منها موضوع الفلسفة العملية: سلطان القانون في الدولة وخاصة الدولة وأدواته التنفيذية برقابة قضائية. ولا أحتاج إلى وصف إضافي للدولة يقابل بين المدني والديني إذ لا معنى لهذه المقابلة في الإسلام إذا كان الكلام يدور على الفهم السني غير المحرف للحكم وليس على الفهم الشيعي. فمن يجهل أن أصل الحرب الأهلية أو الفتنة الكبرى كان حسم هذه القضية فهو جاهل بالتاريخ الإسلامي وغير مدرك لفهم ثورة القرآن الفلسفية في المجال العملي.
المصدر: بريد موقع الفلسفة www.alfalsafa.com
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |