معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حصة تدريب منهجي

الأستاذ :   فيصل خضر

 

الموضوع. هل في العزلة نعي ذواتنا ؟

 

- مرحلة فهم الموضوع :

* المسالة التي يتنزل فيها الموضوع ( الانية و الغيرية و الخصوصية و الكونية ).

* تحديد المرجعيات ؛ ديكارت / سارتر / مرلوبنتي ( الفينومينولوجيا ) / ا.موران / هيغل ....

* الموضوع يحتمل إجابتين: موجبة و أخرى سالبة.

التحليل: تحليل الإجابة الموجبة و السالبة.

النقاش: التوفيق بين الإجابتين أو الخروج إلي إمكانية ثالثة. ببيان تهافت الإمكانيتين.

* الاشتغال على المفاهيم : ملاحظة الاشتغال على المفاهيم يكون سياقيا و ليس بطريقة معزولة عن التحليل.

- العزلة هو المفهوم المركزي الذي يتمحور حوله المشكل المطروح.

- العزلة هي التفرد و التوحد و الانطواء على الذات.

- العزلة هي التحرر من كل ارتباط خارجي للذات.( الأشياء / العالم / الغير ... ).

الذات هي الأنا ( فردية و جمعية ) ؛ هي الإنسان .

- الوعي هو حالة من حالات الشعور بالذات و الوعي بحقيقتها من خلال فعل التأمل الباطني أو الذاتي مثلما ورد في نص الموضوع.- يمكن التمييز هنا بين وعي ذاتي ( العزلة) ؛ يحرر الذات من تبعيتها للآخر و وعي موضوعي يحرر الذات من حالة الاكتفاء بالذات و اغترابها على العالم.( الانفتاح على الآخر ). و بالتالي التمييز بين ذات منطوية مكتفية بذاتها و ذات مشاركة للآخرين ؛ تتحرر بالوعي من العزلة الذاتية.

* ملاحظة : كل المفاهيم التي تتنزل في سياق الموضوع تحمل دلالة موجبة و أخرى سالبة ؛ تتموقع أساسا بين التحرر و الاغتراب ؛ بين الوعي و الجهل ؛ بين التحقق و الانتفاء ؛ بين الوجود و اللاوجود.

* التحليل:

* اللحظة الأولى ( الإجابة الموجبة ).

* العزلة بما هي الحالة أو الوضع الذي يعي فيه الإنسان ذاته.

- تعتبر العزلة إمكانية من بين الإمكانيات التي يعي فيها الإنسان ذاته ؛ ففي وضع العزلة و التفرد ؛ يسعى الإنسان إلي تأمل ذاته من خلال تشخيصها و نقدها و مراجعتها.

- إن في العزلة يستطيع الإنسان الوعي بذاته ؛ كذات قادرة على ممارسة فعل التأمل و التفكر و التعقل للذات و للعالم ؛ و قد كان الإنسان في العزلة و التوحد ؛ يصوغ النظريات و يتساءل حول ذاته و حول الوجود الذي يحيط بها.

- إن الاعتزال ( اعتزال الآخرين و العالم ) هو ضرب من التحرر الذاتي ؛ تحرر الذات من سلطة الآخرين و سلطة أرائهم و معارفهم ؛ ففي عزلة الذات ؛ يستطيع الإنسان أن يتفكر و أن يتأمل بكل حرية و طلاقة ؛ و هو حال كثرة من الفلاسفة و العلماء .

- ليست العزلة إذا عاملا سلبيا بإطلاق ؛ بل فيها تتألق و تبدع و تتحرر الذات من كل قيد أو شرط.

- تؤسس العزلة لإنسانية الإنسان ؛ من خلال الوعي بالذات .و هو ما نتبينه جليا من خلال الكوجيطو الديكارتي و فعل التأمل و قد كان فعل التأمل  دافعا للاكتشاف الذاتي و الموضوعي.

- يمكن ان تكون العزلة اذا عاملا مؤسسا للوعي بالذات و الوعي بالعالم و الاخر من خلال ملاحظته و تامله و اخذ مسافة منه و ذلك للتجرد من كل الاحكام المعيارية و الذاتية. لكن لا ينبغي ان تتخذ هذه العزلة شكلا تشريعا من خلاله ننفي الاخرين و نقلص من قيمة حضورهم في وجودنا . فالاخر و حضوره قد يكون وجها اخر للحرية و الوعي بالذات.

* اللحظة الثانية ( الإجابة السالبة ).

* العزلة كعائق أمام تحقق الوعي بالذات .

* رغم أهميّة التحوّلات التي شهدها القول الفلسفي في الإنسان، فإنّ معرفتنا بما هو إنساني في كلّ إنسان لم تتجاوز بعد عتبة الوعي.

* إن حالة الاكتفاء الأنطلوجي التي عليها الأنا قبل ولادة الكوجيتو وبعدها تبدو مفتعلة وتتغذّى من الغرور والوهم النّاتج عن التعالي و الجهل بمستطاع الجسد وشكل حضوره في العالم من جهة و الرفض المطلق للاخر ( الانسان ) يقول ديكارت :" إني لا أستطيع أن اجعل أناسا يرون ما في داخل مكتبيتي في حين يرفضون الدخول إليها و النظر إلي ما فيها "¹

إن رفض ديكارت للغيرية ؛ أو رفض الغيرية له و رفض التطلع إلي أفكاره و الدخول إلي عالمه و الاقامه حيث يقيم – هو علامة على توتر العلاقة بين "الأنا و الغير ". إن هذا الرفض– هو موقف مؤسس و مبرر. إذ متى يرفض الآخرون ملاقاتنا و الدخول في عالمنا ؟ متى يعزلنا الآخرون و يمارسون علينا رفضا مقيتا ؟

* إن التسامي و النرجسية و الانانة  هي أسباب مباشرة لهذا الرفض – باعتبار أن الذات الديكارتية فشلت في إقامة علاقات بالمعنى الإنساني مع الآخرين و التي تتمحور حول المحبة و الإيثار و التواصل و التكافؤ

 و المساواة و الاختلاف  – و تغيب عن هذه الذات المتشبعة بالروح الارستقراطية التي ورثتها عن الأفلاطونية  قيم الضيافة أي استضافة الآخر و استدعائه للإقامة في عالم الذات.

* يتخلل "الفكر" الديكارتي "نزوعا صاديا" Sadisme  في علاقته بالا غيار – و الصادية هي نوع من العنف الظاهر و ضرب من العنف المتحجب و الذي يكون  في هيئة امتلاك و استخدام للآخر في نفس الوقت .

إن رفض الآخرين "أناس" هو في جوهره عدم اعتراف , و بالتالي فشل ديكارت في انتزاع اعتراف الآخرين بأنه ذات ’ لذلك عمد إلي رفضهم تهميشهم و استبعادهم و اقصائهم و بناء الكوجيطو على فكرة الأنا الوحدي تلك الأنا المزهوة بذاتها و التي تغازل الغرور و الكبرياء.

* إن الرفض في الفلسفة الديكارتية – بين "الاِنية و الغيرية " هو رفض متبادل و سلبي  فالعلاقة الصراعية غير معلنة في الفلسفة الديكارتية , و ربما يعود ذلك إلي قمة التزمت و الاستعلاء الديكارتي( الطبقة ) , و الذي يمكن أن نصفه بالتزمت الارستقراطي أو البورجوازي أو البيروقراطي و الذي لا يتواضع حتى يعلن علاقته الصراعية مع "أغيار" يتنزلون منزلة العبيد أو  الاقنان أو البلورتاليا و حتى العوام.

ومن هذا المنطلق نكتشف الإيديولوجية التي يتخفى وراءها "الكوجيطو "– و هي ليست بايدولوجيا فكرية و ليست كذلك بايدولوجيا دينية و هي ليست ايدولوجيا سياسية رافقت الإنسان منذ نظام القبيلة وصولا إلي نظام المدينة أو الدولة , بل هي هذا الكل المجتمع في "أنا " تمارس التعالي و النفور  و الاعتزال عن عالمها الإنساني .

* إن هذا الكره الذي يحرك الكوجيطو – هو علامة على عجزه و فشله في اقتحام العالم الإنساني – حيث الكثرة و حيث الوجود المشترك.

من خلال فكرة الكوجيطو أو الأنا المتعالية ؛ المكتفية بذاتها نتبين تورط الديكارتية  في التبرير لحالة القطيعة بين الأنا و الآخر و رفض المغاير و الشعور ازائه باللامبالاة . و هذه القطيعة التي تتنزل في مستوى الفكر – تحمل بين ثناياها مشروع قطيعة ثقافية و حضارية . بين المسيحية و الإسلام بين الغرب البرجوازي  و البرابرة المتوحشون , لتكون إيذانا بالعدوانية و المفاضلات العرقية و الثقافية ؛ للتحول بذلك العزلة إلي ضرب من التبرير للتعالي و إقصاء الآخر.

* لا يقيم الإنسان اذا في عالم يبنيه على نحو ذاتي بل ينخرط في عالم طبيعي واجتماعي تحدّدت ملامحه سلفا، وغدا من العسير عليه إحداث تغيير في مكوّناته المادّية والرّمزية رغم ما يدعيه من فعل إرادي غير مشروط.

* فليست الأنا أكثر من مجموعة أشكال أو صور تتجدّد بتجدّد الحياة في الجسد بتعبير نيتشه أو حصيلة العلاقات الاجتماعية ومختلف أشكال النشاط المادي لطبقة اجتماعية معيّنة بتعبير ماركس.

* ومن ثم فإنّ معرفة حقيقة الإنسان لا تكون ممكنة إلاّ بنقد جينيالوجي يكشف أصل نشأة الوعي حسب نيتشه أو نقد جدلي يرسم حدود الوعي ويعيد إنتاجه في صورة أكثر واقعية حسب ماركس.

* إنّ تفاعل ما هو بيولوجي مع ما هو سوسيولوجي هو الذي يرسم تاريخ الوعي ويعيد إنتاجه من مرحلة إلى أخرى.

* ليس ثمة إنّية مطلقة تقيم خارج التّاريخ. ففي مجتمع طبقي مثلا لا يمكن فصل طبيعة الإنّية عن الموقع الطبقي للإنسان وما يترتب عنه من وعي ومخاوف وطموحات.

* لكن إذا كان تناقض المصالح يكرّس ترتيبا تفاضليا بين الإنيات و ينزل بالحقيقة الإنسانية من وحدة المفهوم إلى كثرة الواقع، أفلا نكون بذلك أمام مقاربة تموضع الجسد الإنساني وتحوّله إلى مجرّد لعبة في صراع المصالح؟

*  ألا يمكننا أن نتمثّل إنّيتنا وفق أنطولوجيا لا توجهها مقدمات أكسيولوجية أو إيديولوجية، أنطولوجيا تضطلع بالكثرة ويتصالح فيها البسيط مع المركب والثابت مع المتحول؟

* بحيث لا يمكن للأنا أن تتمظهر في الواقع إلاّ على نحو ديبلوماسي و ريائي قصد تحقيق التّوازن النّفسي بين هذه الغيريات المتناقضة. فليس للإنّية وجه محدّد تعرف به كما بين ذلك فلاسفة الوعي، بل لها من الوجوه كثرة تملأ المسافة الفاصلة بين العقل والجنون.

*”فالشّعور بالأنا عرضة للتّحريف والتّشويه، وحدوده ليست ثابتة“ حسب فرويد. و هو ما يفرض الاعتراف إبستيمولوجيا بأنّ الآخر صار أقدر منّي على معرفة ذاتي وأنطولوجيا بأنّه تمّ الانتقال من الإنّية البسيطة إلى الإنّية المركّبة عبر مفهوم البنية.

* لا توجد إذن حقيقة إنسانية مكتملة ونهائية بل هي مسار مفتوح على المواجهة الدّائمة التي تفضي في كلّ مرّة إلى التّّصحيح والتّّعديل أو القلب والهدم بحسب ما تقتضيه لحظة المواجهة.

ولعلّ حاجتنا إلى بناء صورة عن الإنسان انجلى عنها ما أحاط بوضعه الأنطلوجي من ضبابية هي التي تدفعنا إلى الوقوف على أرضية العلاقات البينذاتية الممكنة في عالم يعترف فيه الإنسان أمام نفسه وأمام الآخرين بأنّ نظرة كلب لا تحرجه لكنّ نظرة إنسان تملأ محيّاه خجلا لا يزول إلاّ بقدر ما يضعف الإحساس بوطأة الغيرية عبر التّفهم والتّقبل الوجداني العاطفي ذي الطّابع الإنساني وليس عبر التّحليل والتّركيب العقلي أو الفكري الجاف.

* لكن إذا استحضرنا ما يخترق العلاقات البينذاتية من تناقضات وما يتوسطها من نظم رمزية وتقنية تؤثّر بنسب متفاوتة في إعادة تشكيل الذّات و رسم إنّيتها وغيريتها قد يراودنا الشّك في مشروعية هذا الانفتاح الذي نريد منه معرفة ما هو إنساني في الإنسان، لأنّنا قد نكون  بذلك التمسنا الحلّ في صميم المشكل.

* أفلا يكون حينئذ اقتحام نسيج العلاقات البينذاتية أوالتّذاوتية ضربا من الوقوع في شراك نسيج عنكبوتي، لا يمكننا الإفلات منه رغم وهنه وضعفه؟

 

 

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2010

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي