
Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com



الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام
طاغوت نخب الأصولية الدينية
أبو يعرب المرزوقي
رأينا كيف أن الطاغوت العلماني مصدره إطلاق قدرات العقل وأنه متساوق دائما مع الطاغوت الأصلاني لكونهما يمثلان وجهين لنفس الظاهرة: كلاهما يتحدد بنفي المقابل وهو في الحقيقة يشاركه نفس المزاعم الراجعة إلى ادعاء الحق في كلام لا يدعيه إلا من كان حائزا على علم مطلق ينفي وجود الغيب صراحة عند العلماني وضمنا عند الأصلاني. لذلك فالطاغوت الأصلاني بالإضافة إلى نفس المصدر كما أسلفنا يضيف مصدرا ثانيا هو ما يزعمه من إرث العلماء للأنبياء النظرية التي يضفون بها على علمهم العادي ضربا من العصمة تتنافى مع مفهوم الاجتهاد.
وهي نظرية حولت إسلام الإنسان وجهه لرب الغيب والشهادة من كونه موقف إيمان عقدي إلى دعوى العلم والعمل بما يتجاوز العقل الإنساني. فصار الوريث يرث أكثر مما عند المالك: لم يزعم أحد من الأنبياء أنه يعلم الغيب ومن ثم فكلهم علمهم لا يتجاوز عالم الشهادة وهو إذن علم عقلي يغلب عليه وجه الإبداع الحدسي هو ككل إبداع لا يورث[1]. فالحد من سلطان المعرفة العقلية التي يزعم لها أصحابها الإطلاق لا ينبغي أن يؤدي إلى وهم من الجنس المقابل لأنه في الحقيقة عودة إليه باسم أمر وهمي لا وجود له: لذلك ترى المتكلمين في الغاية يرجعون النقلي إلى العقلي بما يدعونه من قدرة على التأويل المدرك لخفايا النقل بالعقل.
لا ينبغي الزعم بأن علماء الدين يرثون من الأنبياء علما يتجاوز عالم الشهادة إلى عالم الغيب فيكاد يصبح العلم الديني من جنس موضوعه أعني وحيا يوحى: فالإنسان ليس قادرا على علم من جنس آخر غير الجنس الذي يصل إليه بالعقل حتى لو كان نبيا. والدليل القاطع في هذا المضمار هو أن القرآن الكريم لا يني يكرر بأن الغيب محجوب حتى عن الرسل.
لكن نظرية إرث العلماء للأنبياء أصبحت-وإن بصورة ضمنية عند السنة على الأقل وهي صريحة عند الشيعة-أساسا لطاغوت الأصولية الديني وتقزيما لملكات الإبداع الإنساني من خلال تقييدها بعلم يزعمه أصحابه من مصدر ثان بديل من العقل هو العلم اللدني في المعرفة الدينية أو بقدرة على التأويل تمكن من إدراك أسرار الغيب من خلال قيسه غائبه على شاهدنا. وتلك هي القضية الجوهرية التي أهملها الفكر الإسلامي عامة وفكر كلا الفيلسوفين اللذين شخصا أدواء الحضارة الإسلامية في أدوائها التي آلت بها إلى الانحطاط خاصة:
فسلطة الرمز من صورة العمران حصرت في الرمز الديني الرسمي فأقتضي ذلك إيجابا جعل مضمون التربية مقصورا على العلوم الدينية وأدواتها وسلبا في إلغاء مضمون العلوم الطبيعية وأدواتها وإلغاء كل التجارب العلمية وما يتبعها من تقدم تقتني واقتصادي[2]. وهو ما آل بالأمة إلى فقدان أدوات الاستخلاف ومن ثم لم يعد بوسعها استعمار الأرض فصارت هي موضوع الاستعمار من قبل من لهم هذه القدرة.
وسلطة الرمز من مادة العمران حصرت في الرمز الرسمي فاقتضى ذلك إيجابا جعل مضمون الثقافة مقصورا على العلوم المساعدة للعلوم الدينية وإلغاء التجارب الروحية والخلقية أعني كل ما يتعلق بالإبداع الفني والجمالي[3]. وبذلك صارت كل الفنون في عرف هؤلاء الجهلاء المسمين أنفسهم علماء من المدنسات في حين يعلم الجميع أنها هي الترجمة الحقيقة عن الشعور الإنساني بالمقدس. والقرآن يصل دائما بين الحياة الدنيا وزينتها وكلاهما من مطايا الآخرة عندما يتحرر الإبداع فيكون تعبيرا صادقا يقول ما يفعل ويفعل ما يقول كما حددت ذلك سورة الشعراء في تعليلها لما يعاب عن الشعراء.
وبذلك فقد فقدت الأمة مجالي الإبداع اللذين يمكن أن يعطياها الحيوية الحضارية الدائمة في مجالي النظر والعمل وسلطانيهما وتطبيقاتهما في الرزق والذوق وسلطانيهما. فيكون طغيان نخب الأصولية الدينية متمثلا في قتل البعد الرمزي من صورة العمران ومادته بحصره في ما يجعله أداة مباشرة للوجه الفعلي أعني للحكم والاقتصاد في حدود ما فهموه هم من الشريعة والسنة مهملين كل الغايات التآنسية وأدواتها غير المباشرة التي لا يمكن أن يبدعها إلا الخيال العلمي والفني الخالصين والمطبقين أعني الوظائف التي قتلوها بحصر الرمز في بعده الفقهي والكلامي أعني في الالتفات الخاطئ: فبدلا من فهم القرآن من خلال الانطلاق منه إلى ما يسدد الإنسان في ما كلفه الله به أعني علم الآفاق والأنفس التي هي جميعا من عالم الشهادة ليكون خليفة قادرا على استعمار الأرض وتعميرها أدبر عن ذلك وتحول فهمه إلى جدل بيزنطي من خلال الانطلاق منه إلى ما يضل الإنسان عما كلفه الله به أعني علم الذات والصفات التي هي جميعا من الغيب.
لكن ضرر الطغيان الثاني <الأصلاني> أخطر بكثير من الطغيان الأول <العلماني> رغم كون الطغيانين متغاذيين: كلاهما يغذي الثاني ويغتذي منه. فالرمز عند الأصولية الدينية جعل فكر المسلمين طاحونة هواء لعلتين:
أولاهما هي أن العلوم الدينية لم يبق منها إلا ما هو أداة للحكم المباشر (السياسة) أو غير المباشر (التربية) وللاقتصاد المباشر (المعاملات) أو غير المباشر (أخلاقيات التعامل) أي الفقه والوعظ.
والثانية هي أن العلوم الأخرى لم يعد لها وجود أصلا. أما الفنون فهي قد محيت نهائيا من حياة المسلمين لأنها صارت تعتبر من المدنس وهو ما لم يمنع من استيرادها مثلها مثل العلوم الطبيعية والإنسانية وتطبيقاتها التي لم يُبقوا منها إلا على الأدوات المباشرة للعبادات والمعاملات البدائية.
وبذلك فقد تحولت ثورة النقد الفلسفي والعلمي ومحاولات ابن تيمية وابن خلدون باسم التصدي للإفراط الرمزي إلى تفريط قاتل كما بينا في غير موضع: إفراط الطبابة انتهى في الغاية إلى قتل المريض بحيث إن محاولات ابن تيمية وابن خلدون اللذين أدركا طبيعة المرض انتهت إلى عكس العلاج المطلوب لأنها أطلقت عملية القتل النسقي لخطئها في تعيين العلة الحقيقة للداء. وليس من اليسير تحرير فكرنا من هذا الطاغوت الأخطر من الأول بسبب التصاقه بالجمهور ولكونه مسموعا بخلاف الطاغوت الأول. ويمكن أن نفعل إذا اعتمدنا طريقتين موجبة تبين دلالة وراثة العلماء للأنبياء ماذا تعني وسلبية تبين إدعاء أكثر من ذلك ماذا يعني:
ولنبدأ بالطريقة الأولى التي هي طريقة لا يمكن أن يجادل فيها إلا من يريد أن يكذب القرآن الكريم فضلا عن الحديث الشريف. فإذا كان القرآن الكريم قد نفي عن خاتم الأنبياء العلم بالغيب فمعنى ذلك أن النبي لا يعلم إلا الشاهد أعني المعلوم المشترك بين البشر. والمعلوم المشترك بين البشر لا يعلم إلا بالمدارك المشتركة بين البشر. ومن ثم فإذا كان العلماء يرثون علما من الأنبياء فهو علمهم بالشاهد أي بالمشترك بين البشر. وكل ما ينتسب إلى الغيب من الوحي نبه القرآن إلى أنه محجوب على الجميع بمن فيهم الأنبياء ومن ثم فهو قد نفى كل أمكانية لعلمه: مثل وقت الساعة أو طبيعة الروح أو صفات الله أو مقاصد الله من الخلق وخاصة مما يبدو منه منه شرا.
ولنثن بالطريقة الثانية التي ترد القول بالعلم اللدني الذي يزعم البعض أنه من المصطفين من الناس المختصين بعلمه أعني الأولياء والأيمة المعصومين: ويكثر مثل هذا الكلام في الفكر الصوفي والإمامي ويشبهه كثير ما يزعمه الدجالون من تلقي بعض الأوامر من النبي نفسه بالرؤية التي يخرج علينا بها أحد الموسوسين مدعيا أنه رآى كذا أو أمر بكذا. فهذا المزاعم بجميع أصنافها فضلا عن تنافيها مع نتيجة الطريقة الأولى فتكون مكذبة للقرآن الكريم تقتضي أن يكون الأنبياء دون من يرثهم من الأولياء والأيمة علما وهو مما لا يقبله عاقل. ذلك أن التصديق بمثل هذه الدعوى يعني التكذيب بختم الوحي التشريعي إنشاء محدثا أو فهما للتشريع السابق بما يتجاوز الفهم الاجتهادي والقول باتصاله في الأولياء والأيمة. وهذا القول قل أن تجد من علماء السنة من يقول به صراحة لكن الغموض في مفهوم الإرث قد يتضمن ما يضمره من علم بالغيب.
والحصيلة التي ننتهي إليها بهذين الطريقين هي أن الأنبياء ليس لهم علم لدني غير ما جاء في القرآن الكريم الذي ينفي عنهم علما بالغيب يمكن أن يرثه العلماء وأن علمهم لا يختلف في شيء عن العلم الوحيد الممكن للبشر وأن ما يتجاوزون به غيرهم أمران لا يشاركهم في أحد من البشر وهما ليسا من العلم فضلا عن كونهما ليسا مما يقبل الإرث:
فأما الأمر الأول فهو الاصطفاء الإلهي للقيام بدور العين الفعلية للمثل القرآنية في السلوك والأخلاق وفي الأمانة والصدق تلقيا للرسالة وتبليغا وهذا يعم كل الرسل. ولا يمكن لغيرهم أن يتصف به وإلا لكانت صفات الأنبياء صفات عامة ولتناقض ذلك مع مفهوم الاصطفاء.
وأما الأمر الثاني وهو خاص بأولي العزم منهم فهو القدرة على تحقيق قيم الرسالة في التاريخ الفعلي وليس مجرد تلقي الرسالة وتبليغها دون تحقيقها. وهذا أيضا لا يمكن أن يتصف به غيرهم حتى من بين الأنبياء لأنه اصطفاء من درجة أسمى وهو الذي يحدد مراحل التحقق الفعلي للقيم القرآنية وهو معنى الرسالة الخاتمة التي تتكلم في نفس الوقت عن تحقق الكونية وقرب نهاية الحياة الدنيا.
وما خص الله به محمدا على كل الرسل بمن فيهم غيره من أولي العزم-ولذلك اختير لتبليغ الرسالة الخاتمة والكونية-هو أن الله قد حباه بكل الفضائل العقلية والخلقية نظريا وعمليا لتحقيق العينة النموذج من الإستراتيجية القرآنية في التاريخ الفعلي[4] وحفظ رسالته من التحريف لأن الكتاب وعد الله بحفظه من كل تحريف إلى يوم الدين. وهو وعد يقتضي وجود أمته وجودا يجعلها قادرة على القيام بهذا الحفظ إلى يوم الدين لأن حفظ المشروط يقتضي حفظ الشرط:
ولذلك كان القرآن نصا نقديا أولا للتحريف ما جعل المسلمين سباقين في ضبط القرآن بعلاج علمي من البداية استعملوا فيها طريقة إجماع المختصين فضلا عن التوثيق المادي[5]
ونصا نقديا ثانيا للتجارب السابقة التي فشلت في تحقيق قيم الرسالة الكونية في التاريخ الفعلي لانعدام شرطيها: الاجتهاد المعرفي ومعياره التصديق والهيمنة والجهاد العملي ومعياره الإصلاح الدائم لتحقيق القيم القرآنية في التاريخ الفعلي لئلا يكون الدين هروبا من الدنيا (الرهبانية) بل جهاد لجعلها مطية الآخرة. والجمع بين الدعوة والدولة هو الشرط الضروري والكافي لتحقيق شروط الاستخلاف في التاريخ الفعلي وأداء الأمانة.
والله أعلم.
[1] بل يمكن أن نضيف أن الإبداع لا يتعلم ولا يعلم أيضا. فيمكن أن تعلم الإنسان علما من العلوم أو فنا من الفنون إلى حد إتقانه إتقانا باهرا. ويمكن أن تعلم شخصا الرسم إلى حد التقليد الدقيق واللطيف لإبداع غيره. لكن ذلك لا يضمن أنه سيصبح مبدعا في ذلك العلم أو في هذا الفن. ما نستطيع تعليمه للإنسان هو الشروط الضرورية للإبداع أي ما لا يمكن للمرء أن يصبح مبدعا من دونه. لكن ذلك غير كاف لحصول الإبداع: والأمر الذي ينقل الإنسان من إتقان فن أو علم إلى الإبداع فيه غير معلوم. وهو من جنس كل الطفرات الكيفية في الوجود سواء كان طبيعيا أو إنسانيا. لذلك كان الإبداع أشبه شيء بالوحي الذي يمكن أن يعد ذروة الإبداع عند المصطفين إذا سلمنا أنهم ليسوا مجرد أبواق تنطق بما يملى عليها بل لها دور أعدها الله للقيام به في ما اصطفاهم لأجله. ولذلك كانت الرؤيا جزءا منهما على نفس النحو بوجه ما. فهذا من أسرار الأنفس مثلما أن الظاهرات في العالم الطبيعي هي من أسرار الآفاق. وأسرار الآفاق والأنفس هي التي يطلب منا القرآن تدبرها للاجتهاد في فهم ظاهراتها الشاهدة دون الطمع في باطناتها الغائبة.
[2] قل أن تجد من ينكر هذا الأمر. فالأمة الإسلامية عالة على غيرها في كل ما له صلة بالدورة الأساسية بين العمران ومحيطه الطبيعي. وقد حاول الغزالي الفصل بين الميتافيزيقا والعلوم الطبيعية أداتها الرياضية والمنطقية حتى يمكن الأمة من شروط الوصل بين العمران والطبيعة دون أن يكون ذلك مقتضيا فلسفة طبيعية تغني عن الدين. لكن عاهة سد الذرائع تغلبت فاعتبرت الفلسفة كلها سببا في الكفر وأصبحت العلوم الطبيعية مقصورة على التقنيات البسيطة التي يحتاجها الفقيه مثل الحساب والفلك. وتلك هي العلة الأساسية في تخلف المسلمين وحصول النهضة الحديثة في الغرب بدل من حصولها عندنا: إنها فساد النظام التربوي واعتباره مقصورا على التربية الروحية من دون وسائل تحقيق الثورة القرآنية التي أسست لضرورة الوصل بين الدين والدنيا واعتبار الدنيا مطية الآخرة.
[3] ما قلناه عن علوم الطبيعة يمكن أن نقول مثله عن علوم الإنسان. فالأمة الإسلامية هنا أيضا عالة على غيرها من الأمم لنفس العلل لأن سد الذرائع قتل العلوم العقلية في المجالين الطبيعي والإنساني خوفا من الفلسفة التي هي تأسيس للعلمين تأسيسا ظنوه من جنس واحد هو المؤدي إلى الإلحاد الكفر ولم ينتبهوا إلى ما أشار إليه الغزالي في مقدمة تهافت الفلاسفة من أن ذلك لا يصح إلى على أنصاف الفلاسفة على المحققين من الفلاسفة. ذلك أن تصور الفقه والعلوم الدينية ممكنة من دون العلم بالنفس البشرية وبالاجتماع الإنساني من الأوهام التي نتجت عن تصور التشريع لأفعال البشر من دون علم بقوانينها ممكن. وفي الحقيقة فإن كل الفقه والتصوف الإسلاميين يعتمد بوعي أو بغير وعي على علم نفس وعلم أخلاق وعلم اجتماع كلها بدائية ومستمدة من الفلسفة اليونانية ولعل أهم معايير الأخلاق أعني ما يسمى بالتوسط بين الإفراط والتفريط من مبتذلات علم النفس الخلقي الأرسطي. ومعنى ذلك أننا علماء الدين عندنا لم يفهموا بعد أن التقويم الديني لا يكون إلا تقويما من القوة الثانية أعني أنه يكون دينيا حقا إذا انبنى على علم حقيقي بموضوعه كما يدعو إلى ذلك القرآن الكريم الذي يريد للعمل أن يكون على علم. ولما كان هذا العلم لا يكون إلا بالمعنى العقلي والتجريبي وليس بتفسير النصوص: وذلك هو جوهر القانون القرآني الذي اعتبر تبين أنه الحق يحصل في آيات الآفاق والأنفس وليس في آيات النصوص. ومعنى ذلك أنه لا يمكن الاستغناء بالنصوص عن النظريات العلمية وما بعدها لأن النصوص تدعو إلى ذلك بل وتعتبر فهمها مشروطا بها.
[4] ورمز الكمال هذا يمكن أن يحدد إما بالمقارنة مع الأنبياء الآخرين المقصوصين في القرآن كما هي الحال في القدرة على البيان بالمقارنة مع موسى الذي احتاج إلى وزير هو هارون الأقدر منه على البيان أو حتى بإبراهيم عليه السلام الذي كان أواها ولم يحقق رسالة لأمة بل اقتصر على أسرته أو باستقراء السنة التي تبين قدراته النظرية في التخطيط للعمل وقدراته العملية في الانجاز فضلا عن القيادة السياسية سلما وحربا. هذا فضلا عن الصفات الأخرى في الحياة الخاصة التي تبين كمال الإنسانية رجولة < الفحولة الجنسية> وفروسية (قيادة الحروب) وتعاملا مع الرزق (التجارة) ومع الذوق (حب النساء والعطر) وليس هو مجرد نموذج عاطل كغيره من النماذج التي تضرب في الأديان المحرفة والتي هي من جنس الرهبانية التي يمقتها القرآن ويستبدلها برهبانية الإسلام أي الجهاد من أجل تحقيق القيم في التاريخ الفعلي سلما وحربا.
[5] ولذلك وكما أسلفنا فإن الاختلافات الطفيفة التي يحتج بها البعض تثبت عكس ما يحاولون إثباته: فهي أولا لا تغير شيئا من أساسيات النص وهي ثانيا دليل على الأمانة العلمية التي يتحلى بها علماء القرآن في التقليد الإسلامي بخلاف ما عليه الأمر لو سعوا إلى نفي ما لا يمكن أن يخلو منه نص من بعض الفروق الطفيفة التي لا تغير المعاني. ذلك أن المسلمين لا ينفون أن بعض الآيات نزلت بصور مختلفة فلا يكون الخلاف دالا على الانتحال بل على التعدد في صوغ بعض الآيات وهي هامشية ولا تؤثر في جوهر النص العقدي والشرعي. وكل من يدرس بعض الملاحظات في الكتابات العلمية الجدية للمستشرقين مثلا يكتشف أمرين مهمين: الأول أن كل ما يذكرونه عن الاختلافات لم ينكره المسلمون وأغلب هذه الاختلافات هم قد وجدوها في مناقشات علماء القرآن المسلمين والثاني أن كل من التزم منهم الطريقة العلمية في مناقشة هذه المسألة يعترف بأن هذه الاختلافات لا تمس جوهر القرآن لأن المعنى الأساسي يبقى محفوظا. كما أن جل الاختلافات سببها إما اختلاف القراءة أو بعض نقائص الكتابة الأولى التي استعملت من التنقيط والإعجام فتكون أخطاء مادية من جنس الأخطاء المطبعية لا يخلو منها تقييد للإدراك الإنساني لموضوعه أيا كانت قدسيته.