shape
البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا
 

كتب     دروس في فلسفة الدين     دراسات    تساؤلات القراء     حوارات    مطبوعات    كتابات ذات صلة  

 

 (بديلا من علم الكلام)


                        

 

تقارير التنمية العربية أو الفهم الايديولوجي العقيم لشروط النهوض

 

                                                                           ابو يعرب المرزوقي
رغم ما في التقرير الاول للمكتب الاقليمي للدول العربية في برنامج الامم المتحدة الانمائي بالاشتراك مع الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي حول التنمية البشرية في الوطن العربي من الايجابيات التي لا ينكرها الا معاند فإن قراءته المتأنية قد ذكرتني بما كان ابن خلدون يطلق عليه صفة الداء الدوي في تأويل الظاهرات الاجتماعية وما قد ينتج عنه من اخطاء في التعليل حذر منها مرارا وتكرارا: خطأ التشخيص الناتج عن المقارنة بين العلامات السطحية للظاهرات الانسانية بسبب عدم اعتبار الفارق التاريخي بين مراحل النمو الحضاري وما ينتج عن التدرج التطوري في تحقيق شروط الفاعلية العمرانية التي تغير معاني الاشياء والافعال. فمجالات النقد الثلاثة التي لا يكاد احد يخالف فيها رأي اصحاب التقرير اعني الفساد الاداري والتسلط السياسي وسوء التصرف الاقتصادي صحبتها مقترحات تتعلق بمجالات ثلاثة ليس بعض وجوهها في الحقيقة الا اسما متنكرا جديدا لايديوجية فرض نمطية ثقافية توزعت علي: مجال الحريات العامة وتمكين المرأة ونشر المعرفة. ذلك ان هذه المجالات كلها مجالات حساسة يصعب الكلام في بعضها من منظار مثال منشود لا يعتبر تقاليد الامم ومراحل نموها ولا يتقيد بالهدف المقصود منها وبقدرات المجتمع في مجال تحمل الكلفة التي لا تفسد عليه شروط النمو المتوازن. والادهي ان صفة التشخيص هذه تنطبق علي التقارير الثلاثة التي صدرت الي حد الآن حتي وان كانت اكثر وضوحا في التقرير الاول. لذلك فسنركز تحليلنا عليه علّنا نبرز بتحليلها العلاج غير الموفق لادواء المجتمع العربي.
وحتي نعلل الموقف المحترز من منهجية العلاج الذي اقترحه اصحاب التقارير ولكي يكون تعليلنا وجيها وغير منحاز سنبدأ بوصف ما جاء في بعضها وصفا موضوعيا لنثني بتحديد المنهجية العلاجية التي اعتمدها اصحابه وعلاقتها باحكام من بيدهم تقاليد العالم والغالبين عليه اليوم فنشير في فقرة ثالثة الي عوائق النهضة العربية الحقيقية لننبه في فقرة رابعة الي امرين يمكن ان يكون اهمالهما منطلقا لتحويل نوايا اصحاب التقرير الحسنة الي طريق سيارة نحو دهاليز جهنم، خاصة اذا ربط ذلك بما تريد امريكا ـ بعد الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) ـ ان تقدم عليه من سياسة تجفيف المنابع بمدخل جديد قد يخفي ما في تحديد حقوق الانسان الغربي وتجفيف المنابع من تعارض مع بعض قيمنا الجوهرية لنختم في فقرة اخيرة بما نراه مناسبا لمنجية علاج الوضع العربي في مجال التنمية عامة.

مضمون التقرير الاول

يحتوي التقرير الاول علي ثلاثة عناصر اساسية تنتسب الي مقومات العلاج الطبي:
1 ـ وصف حال الواقع العربي بالاعتماد علي معطيات كمية رسمية. ونجد في هذا الوصف امرين ايجابيين: الاول هو الكلام علي العرب كأمة واحدة والثاني هو عدم التقليل من شأن العوائق الخارجية (دون القول بنظرية المؤامرة) لئلا يعتبر ما عليه العرب مجرد نقص عرقي والاعلان الصريح عن المتسبب في احدها (الاحتلال الاسرائيلي لبعض الاراضي العربية وحصار بعض البلاد العربية دون تصريح واضح).
2 ـ وتشخيص المرض بمقاييس هي التي سيكون خوضنا فيها مطولا وفيه كذلك ايجابيتان: الاولي هي التقويم المتوازن بالمقارنة الاضافية الي ما فوق العرب وما دونهم تقدما والثانية هي عدم اهمال عوامل التفاؤل الكثيرة التي ذكرها التقرير،
3 ـ وتحديد العلاج بنسق وحلول هي التي ستكون موضوع نقاشنا وفيه كذلك ايجابيتان: الاولي هي التسليم بان الامة العربية توجد حاليا في الاتجاه الصحيح في كل المستويات التي تعلق بها التقرير والثانية هي عدم اهمال الاشارة الي عوامل القوة في الوضعية العربية.
وبالاضافة الي هذه العوامل الايجابية المصاحبة لعناصر التقرير فانه لا بد من الاعتراف بان وصف الامراض الثلاثة التي تنخر كيان المجتمع العربي الحالي كان وصفا امينا ومتوازنا: فالفساد الاداري والتسلط السياسي وسوء التصرف الاقتصادي من العاهات التي يعترف بها حتي اولئك الذين يوجه اليهم الاتهام ويتحملون الكثير من مسؤوليته. بل ان كل الانظمة العربية تدعي السعي الي الاصلاح الاداري والي تحقيق المشاركة الجماهيرية في القرار السياسي والي العمل علي ترشيد التصرف الاقتصادي في موارد الامة. لكن مجرد النوايا لا يكفي لكون هذه الدعاوي ظلت مضمون الكلام الرسمي منذ عقود دون تغيير حقيقي يذكر وذلك لان الاسباب الحقيقية لهذه الامراض ظلت مسكوتا عنها واقتصر العلاج علي بعض اعراضها.
لذلك كان بحث اصحاب التقرير عن الاسباب العميقة وحصرها في عوامل ثلاثة من مجال اهتمام المؤسسة التي ينتسب اليها المقررون هي الحريات السياسية والاعلامية وتمكين المرأة من المشاركة الفعلية في عملية التنمية ونشر المعرفة تعليما واعلاما وبحثا علميا، امرا مشروعا بل ويمكن ان نقول انه بات مطلوبا رسميا فضلا عن كونه من الامال الجماهيرية منذ بدء النهضة. لكن الكلام في هذه المجالات بالاستناد الي احصائيات تخص مؤشرات عامة وغير محددة الهدف المناسب للمرحلة التنموية التي يوجد فيها الوطن العــــربي هو الذي يمكن ان نعتبره بحاجة الي تحديد وتحييز في الظرف الزماني والمكاني لتطور الامة حتي نتجنب ما نجده فيه ضمنيا من حلول قد لا تكون مفيدة لتحفيز عملية التنمية وتطويرها. فالتنمية البشرية بهذه المعاني الثلاثة دون تحييز في الظرف ودون تناسب مع معطياته المتغيرة يمكن ان يعارض القصد الحميد من التقرير كما نبين لاحقا.
واهم ما يمكن ان يعرض نتائج التقرير الي التشكيك هو ما يحتوي عليه من تناقض واضح يصعب فهم صلته بغايته العلاجية. فالمفروض انه ليس مجرد كلام عام حول التنمية البشرية بل هو تشخيص مرتبط بعملية التنمية ككل ويستهدف تحسين الاوضاع في مجالاتها الثلاثة التي اختار معطياتها مؤشرات يقيم بها الوضع العربي الحالي. فهو يدعو من وجه اول الي حلول اساسها الضمني هو تصور الدولة تصورا اشتراكيا الي اقصي درجات النزعة الاشتراكية. ذلك ان الدولة الحاضنة التي ستقدم علي الحلول المقترحة في التقرير من دون قاعدة اقتصادية قوية تجعلها قادرة علي القيام بالخدمات الاجتماعية المتقدمة لا يمكن ان تكون الا دولة تعتمد علي قيم الديموقراطية الشعبية اعني الدولة الحاضنة بشروط حضانة تعود في الغاية الي شروط تقاسم الفقر الامر الذي يحول بالطبع دون كل تحرير للاقتصاد ودون المبادرة الفردية. ويدعو التقرير من وجه ثان ـ دون ان يبين كيف يمكن الجمع بين هذه الحلول المتناقضة ـ الي تحرير المبادرة الفردية وتعميم الحريات ومن ثم الي ما يمكن ان يسمي بالحد من تدخلات الدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية. فهذا امر لا يمكن ان يتحقق الا في ما يمكن ان يوصف بالديموقراطية البرجوازية اعني الدولة التي لا تقوم الا بوظائف الحكم الاساسية اي الامن والدفاع والسياسة الخارجية وتترك الباقي للمبادرة الفردية.
ومن ثم فان جوهر التناقض في هذا التقرير هو اغفال المشكل الرئيسي: كيف يمكن التوفيق بين التنمية البشرية التي لها كلفة بدأت المجتمعات المترفهة تتخلص منها بسبب مشاكل التنافس في عصر العولمة وبين التنمية الاقتصادية في مجتمع ما تزال قاعدته الاقتصادية والعلمية والتقنية بدائية؟ هل الاستثمار في التنمية البشرية ينبغي ان يسعي الي توفير القاعدة القاطرة لاقتصاد منتج يناسب بالتدريج بينه وبين كلفة التنمية البشرية ام ان العامل الايديولوجي والخلقي في تحقيق العدل والمساواة هو الذي ينبغي ان يتقدم حتي ولو ادي ذلك الي تعطيل آلة الاقتصاد الضعيفة بطبعها في بلادنا وغير القادرة علي تحمل نفقات التنمية البشرية غير المتناسبة مع امكانيات الاقتصاد؟

منهجية التقرير

اعتمد التقرير علي منهجية طبية في الوصف والتشخيص والعلاج. والمعلوم ان هذه الطريقة الطبية تستند الي مسلمتين اولاهما تحتاج الي التنسيب والثانية تحتاج الي التحقيق. فالمسلمة الاولي او مسلمة كلية مفهوم الصحة السوية التي يقاس عليها حال المجتمع العربي (المريض في هذه الحالة) تحتاج الي تنسيب اذ ان الصحة ليست واحدة عند الجميع والمسلمة الثانية او مسلمة كلية وصفة العلاج (توقيت الاجراءات ومقاديرها الواردة في التقرير في هذه الحالة) تحتاج الي تحقيق اذ ليس ثابتا ان التقرير قد راعي مراحل العلاج ومقاديره بحسب تطور المرض المعالج وبحسب القصد من العلاج (ان يصبح المريض قادرا علي النمو الذاتي الذي يغنيه عن الدواء).

تنسيب المسلمة الأولي
مفهوم التنمية البشرية
مثل مفهوم الصحة مفهوم نسبي

فما يعد تنمية بشرية في احدي الحضارات يمكن ان يعد حطا من البشر بمعايير حضارة اخري خاصة في مسألة المرأة والاسرة. ذلك اننا لا يمكن ان نقيس قيم حضارة تريد الا تهمل الجانب الاخروي من حياة الانسان بقيم حضارة لا تراعي الا الجانب الدنيوي منها. لذلك فان الحذر واجب في هذا المقام حتي لا تتنكر ايديولوجية حقوق الانسان الغربي القديمة وفكرة تجفيف المنابع الجديدة (بعد الحادي عشر من ايلول ـ سبتمبر) تحت عباءة التنمية البشرية فتكون المعول الذي يهدم قيم الاسرة المسلمة. ولعله من المعلوم ان اغلب المقايسات بين الشعوب والامم مبنية علي سلم معياري اساسه الاحكام المسبقة التي يفرضها من بيدهم مقاليد الامور الغالبين علي حقبة تاريخية معينة بمصطلح ابن خلدون. وقد عرفنا مرحلتين من الاحكام المسبقة سيطر فيهما الغرب علي قيم العالم منذ عهد الاستعمار الي عهد العولمة:
الاولي هي مرحلة الاحكام المسبقة حول النمطية التي اراد فرضها علي ما في الانسان من عوامل يحددها تاريخه الطبيعي. فالمعتقد الساذج جعل الغربي يعتبر من لا يشبهه في التكوين العضوي دونه في الانسانية بخلاف الدين الاسلامي الذي لا يفرق بين ابيض واسود: وهذه الفكرة ليست بنت الغرب الحديث وحده فارسطو يؤسس نظرية العبودية علي هذا الاساس معتبرا ما يسميه كمالا عضويا وجمالا علامة علي السيادة وعكسهما علامة علي العبودية. لذلك اعتبرت المقومات البدنية عند الانسان الغربي دالة علي التقدم البيولوجي والفضل في الانسانية الي ان تم دحض هذه الفكرة نظريا وعمليا، رغم وجود من يحاول مثل بعض الفنانين تبديل لونه ليكون مثل البيضان هروبا من النسبة الي السودان. فنظريا اثبتت نظرية التناسب بين البيئة والوظائف العضوية بصرف النظر عن الاعراض الشكلية عدم وجود تفاضل مطلق بين الاجناس والاعراق. وعمليا تبين مما حققه السودان والصفران والسمران من انجازات في العصر الحديث فضلا عن الحضارات السابقة انها لا يمكن ان تعد دون انجازات الانسان الابيض خاصة بعد ان تحرر اصحاب هذه الالوان من سخافات هذه الاحكام المسبقة الناتجة عن النظريات الخاطئة في التاريخ الطبيعي فصار لابداعهم الفني والعلمي والتقني ما للغربيين من المعني والدلالة بل واحيانا هم قد فاقوا الانسان الغربي رغم محافظتهم علي تقاليدهم وسننهم بل وبفضل هذه المحافظة.
اما المرحلة الثانية فهي التي نعاني منها الآن: انها مرحلة الاحكام المسبقة حول النمطية المنتسبة الي التاريخ الثقافي حيث ما يزال الانسان الغربي يتصور من لا يشبهه في التنظيم الثقافي والاجتماعي دونه في الانسانية. فايديولوجيو الغرب ـ ومعهم اغلب الخبراء العرب الذين يدبجون التقارير في جل الاحيان من منطلقات ايديولوجية لا تعتبر معطيات الواقع الحقيقية الا من منطلق حلهم الوحيد المتمثل في الاندماج في السبيل الوحيدة الممكنة للتطور الحضاري حسب رأيهم اعني انهم في الحقيقة يؤمنون بنظرية نهاية التاريخ ـ يعتبر المقومات المؤسسية في العمران الغربي دالة علي التقدم الحضاري حتي ولو ادت الي تهديم الاسرة والحياة العاطفية وذررت المجتمع. لكننا لا نيأس. فالانسانية لن تفقد الفكر النقدي والتطبيق الاجتماعي اللذين سيبينان ان المجتمع الغربي عليه ان يتعلم من غيره اشياء كثيرة. فمثلما تعلم في مجال الحياة العاطفية والجنسية قيما كان يعيبها علي الاسلام والمسلمين فحرر رجال الدين من الترهب والعزوبية وقبل الطلاق مؤسسة ضرورية فالغي الزواج الكاثوليكي او يكاد وسيتعلم كذلك ان المحافظة علي الاسرة يقتضي التحرر من الحكم المسبق الذي يخلط المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات بعملية تذكير النساء وتأنيث الرجال الي حد التخنيث النسقي في الاتجاهين والمطالبة بالزواج اللواطي والسحاقي وبالتبني في مثل هذه الاسر.
عندئذ سيتم دحض فكرة النمطية الثقافية في التاريخ الحضاري مثلما تم دحض النمطية العضوية في التاريخ الطبيعي نظريا وعمليا. وسيتم ذلك نظريا بقانون التناسب بين مراحل التنمية البشرية ومراحل التطور الاقتصادي والاجتماعي مع اعتبار هذه عللا وتلك نتائج دون ان يدور الامر الا في المراحل الاخيرة. كما سيتم عمليا دحض هذه الاحكام المسبقة بانجازات الشعوب التي حافظت علي مؤسساتها وتقاليدها ولاءمتها مع ما يقتضيه التصنيع والتنظيم الحديث للانتاج وابداع الفكر العلمي من مؤسسات ونظام عمل يجعل هذه المجتمعات لا تقل فاعلية عن المجتمعات الغربية دون تقليد الغرب في ما يخصه من تقاليد وعوائد.

التحقق من المسلمة الثانية
العلاج متناسب مع حال المريض وهدف العلاج

عندما كان الغرب في وضع تنموي مماثل لوضعنا ـ اعني عندما كان يحاول الخروج من حال الاقتصاد عديم الحركة الذاتية الي الاقتصاد ذي القدرة علي الحركة الذاتية في بدايات تأسيس الراسمالية ـ لم يكن التعليم فيه عاما ولم تكن الحريات موجودة ولم تكن للنساء مشاركة مهمة في الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية. بل ان المرأة ما تزال مشاركتها السياسية الي الآن رمزية في اكبر البلاد الديموقراطية الغربية مثل فرنسا وامريكا. فدور المرأة في الحياة الاقتصادية الغربية امر حديث. وهو لم تفرضه ايديولوجية تحرير المرأة. انما فرضه عاملان رئيسيان معلومان تاريخيا:
الاول هو الحربان العالميتان وما ادتا اليه من نقص في الايدي العاملة الرجالية
والثاني هو التطور الاقتصادي السريع الذي احتاج الي مضاعفة اليد العاملة. وكلا الامرين بخلاف ما عليه الشأن عندنا للاسباب التالية: فنحن نشرع في البناء في لحظة التنافس الدولي الشديد وليس لنا مستعمرات ولا ثورة علمية ولا صناعية ولا تنظيم اجتماعي وسياسي متين خاصة وقد قضينا في مرحلة البناء الفوضوي والمتهور علي كل المؤسسات التقليدية دون تكوين النسيج البدليل القادر علي المنافسة مع نظيره الغربي مع تبني فكرة الدولة الوطنية ذات الحدود الحديدية التي تحول دون كل شروط التنمية التي من اوائلها الحجم الكافي للقيام المستقل كما فهمت ذلك اوروبا صاحبة فكرة الدولة الوطنية واول المتحررين منها.
لذلك فان علاقة هذه الامور الثلاثة (الحريات ومشاركة المرأة وتعميم التعليم) بالتنمية ينبغي ان تقرأ قراءة تعكس الترتيب الذي يتصوره اصحاب التقرير اذا كان القصد فعلا هو تحقيق شروط النهوض الاقتصادي الشارط لكل نهوض: من دون آلة اقتصادية ناجعة وذاتية الحركة لا يمكن تحقيق اي نمو بشري متحرر من كونه عبئا علي الاقتصاد الناشئ خاصة اذا لم تتحقق شروط القيام الذاتي لما يمكن ان يسمي بالقطاعات الانتاجية القاطرة لما عداها من القطاعات الاخري. فالتنمية الاقتصادية والابداع العلمي والتطبيق التقني هي التي ستفرض القدر الذي تحتاج اليه من الحريات ومن دور للمرأة ومن درجات تعميم المعرفة والتعليم ونوعياتها وليس العكس. بل ان المرء يمكن ان يؤكد دون معارضة جدية ممكنة ان الحريات وتمكين المرأة وتعميم التعليم غير المتناسب كما ونوعا مع القدر الذي تحتاجه اي قبل تحقيق الحاجة اليها يمكن ان يصبح كل منها عائقا يحول دون التنمية، بل هي قد اصبحت كذلك فعلا: فكل البلاد العربية بلغت درجة من التعليم ـ الذي هو في الحقيقة محو امية ايديولوجية وليس تكوينا متناسبا مع حاجات الاقتصاد والمجتمع الفعلية ـ ستكون فيها البطالة تقريبا حول نصف القادرين علي العمل من خريجي المدارس وخاصة اذا تمت الخصصخة من دون تكوين سوق عربية وتقسيم الاعمال بين الاقطار.

معوقات النهضة العربية الاسلامية

لا شك اننا لا نحتاج الي مقاييس التنمية البشرية المجردة لمعرفة ما عليه شعوبنا من تخلف في هذا المجال وفي غيره اذا قيست شكليا بحال المجتمعات المصنعة. انما حاجتنا الاكيدة تتعلق بتحديد افضل طريقة لقطع دائرة اسباب التخلف فيها وفي غيرها من المجالات من خلال تحديد مواطن العلاج الناجع اعني المشروط بألا يصبح هو بدوره احد اهم اسباب التخلف: كما كان شأن جل الحلول التي اعتمدت علي ما تقتضيه المقارنات المتسرعة من تحميل بلداننا ما لا طاقة لها به لكون الغرب نفسه لم يحققه الا بعد قرون وبفضل مواصلة استعمار العالم واستغلال امكاناته. ورغم اننا لا ننكر الطابع الدوري بين السبب والنتيجة في الشؤون البشرية وخاصة في مجال العناصر الثلاثة التي تؤكد عليها التقارير (الحريات والمساواة بين الجنسين واكتساب المعرفة) فان السؤال الحقيقي والاولي بالعلاج يبقي سؤال التمييز بين وجوهها التي تجعلها اسبابا للنهضة ووجوهها التي تجعلها نتائج لها فضلا عن وجوهها التي تجعلها معيقات النهوض: فتعميم التعليم من دون تناســــب مع قدرات المجتمع علي استخدام مخرجاته يجعله عائقا لعل افضل مميزاته العزوف عن الاعــــمال التي يوفرها مستوي الآلة الاقتصادية واللجوء الي التوظيف الاداري الذي هو بطالة متنكرة. اما ما تشير اليه التقارير من هذه الوجوه فانه لا يتعدي وجــــه العلامة الدالة علي التقدم في بعض الحالات.
ولكن كم تكون العلامات خادعة في اغلب الاحيان: فقد تكون من جنس ما علي صدور جنرالات العالم الثالث من نجوم لا تعبر عن شيء لكونها مجرد حلي من الذهب الفاسد او مثل مدائن بعض البلاد التي كل ما فيها مستورد او مثل ترك الحبل علي الغارب في بعض البلاد العربية التي اعتبرت العلمانية حلا وحيدا فتري شوراع مدنها اكثر غربية من الغرب في الشكليات ووجوه الحضارة المنحطة دون المضامين ووجوهها الناصعة.
وكل مطلع علي ادني المعارف الاجتماعية يعلم ان هذه المقومات الثلاثة التي تعتمد عليها التقارير وكأنها ملزومة تكون اسبابا بمقدارها وبنوعها او بالدرجة المفيدة من مؤشرها وليس بمحض وجودها وهي تكون عوائق في حالة عدم التناسب مع التطور الاقتصادي والثقافي للجماعة. لذلك يحق لنا ان نسأل: هل الافراط والتفريط ام التوسط والاعتدال في كل واحدة منها هو الذي يجعلها تكون سببا ام هو مجرد الوجود والعدم؟ وكيف نحدد المقدار المفيد؟ هل المقارنة مع جزر الكاريبي مثلا معيار صحيح؟
1 ـ اليس تعميم التعليم من دون علاقة واضحة مع النمو الاقتصادي امرا قابلا لان يصبح نكبة علي المجتمع اذ هو يمكن ان يكون بداية لمجتمع البطالة والعزوف عما يصبح معدودا من الدرجات الدنيا من العمل في مجتمع لا يوفر غيرها خاصة بعد انسداد افق الهجرة فضلا عن كون المجتمعات المترفهة نفسها بدأت تحد من كلفة الدور الاجتماعي للدولة؟
2 ـ اليست مشاركة المرأة المفرطة في مجتمع لا يكفي اقتصاده لتشغيل ربع سكانه مجرد مشاركة ايديولوجية لا يقتضيها الوضع الاقتصادي بخلاف ما حصل في اقتصاد أوروبا عندما بلغ نسق تطوره مرحلة معينة اخرجت المرأة للعمل خاصة اذا لم ننس ما فرضته الحرب من نقص في اليد العاملة؟
3 ـ واخيرا اليست الحريات متدرجة التحقيق مع النمو ونتيجة له وليست علة الا في الدرجات الاخيرة من التطور كما حصل في الغرب وفي الشرق في بدايات النهوض اعني في الظروف الشبيهة ما عليه وضعنا الحالي ام اننا خارجون عن سنن التاريخ؟

مزالق ينبغي تجنبها

لذلك لا بد من التنبيه الي امرين مهمين قد تجعلهما الخيارات الايديولوجية غير المتروية بداية الدخول في مآزق اشبه بالتي نحاول الخروج منها، مآزق المرحلة المتأثرة بالفكر المزعوم اشتراكيا. وذلك امر ما كان ليحصل لو ان اهل الحل والعقد منا في المجالين السياسي والاقتصادي والثقافي بدلا من الاستماع الي المقايسات الخارجية والتقارير المتعالمة التي يضعها الخبراء حددوا الاهداف المطلوبة تحديدا دقيقا وقراوا بتمعن نصائح العلامة ابن خلدون وشيخ الاسلام ابن تيمية في كيفية تنظيم العلاقة بين الاقتصادي والسياسي والثقافي ثم بين نجاعة الادارة ونزاهة العدالة وشروط التنمية السليمة كما وصفاها في نظرية الحد من الضرائب ونظرية استقلال مؤسسة العملة ونظرية استقلال القضاء وفي دعوتهما للحد من دور الجاه والاستغلال وكل القرارات التي تقتل بواعث العمل ودواعي الانتاج ومثل رفضهما للتسخير وتحديد الاسعار وتدخل الدولة في الاسواق والتجارة واستيلاء اهل الحكم علي ارزاق الناس واملاكهم وثرواتهم بدواعي الجشع قديما وباسم التأميم حديثا، التأميم الذي صار اليوم اكبر عوائق التنمية الخ...:
الامر الاول: يعلم الجميع ان من الاسباب الاساسية للنتائج الهزيلة التي منيت بها جل حركات التحرير في العالم الثالث عامة وفي عالمنا الاسلامي خاصة منهج المقارنة الشكلية والمعايير الكمية التي تقيس التقدم والنمو بالعلامات العرضية وتنسي العلل الجوهرية. فاستعمال العلامات للتقويم من دون تحديد لتناسبها مع معطيات المجتمع الظرفية ومحدداته التاريخية يؤدي الي اخطاء في الفهم والتأويل قد تفسد كل عمل اصلاحي جدي لكونها توجه الانتباه الي العلل الخاطئة فتحول دون العلاج المناسب. ولعل افضل الامثلة في ذلك الورطات الخمس التي وقعت فيها حركة النهضة العربية الاسلامية وكان فيها للمقارنة الشكلية والمعايير الكمية الدور الاول في ما ادت اليه من نكبات واقعنا العربي والاسلامي الحديث. والغريب انها كلها ـ مثلها مثل القيم الثلاثة التي يتحدث فيها تقريرنا ـ لا غبار عليها بمعيار القيم المطلقة التي لا تعتبر شروط التحقيق الفعلي والتوفيق بين الامكانات الاقتصادية ومطالب التنمية البشرية مثلا. فلا شك ان هذه التنمية تعد من الغايات السامية اذا اعتبرت لذاتها وكانت الثروات بلا حد بحيث يمكن ان نصرف دون حساب وبصرف النظر عن كلفتها وعن الطريقة الانجع في تحقيق القدر الممكن منها وغير الحائل دون التقدم في تنمية هذا القدر بحسب تطور القدرة علي تمويل الاستثمار البشري من دون تعطيل الجهاز الانتاجي:
واول هذه الورطات التقويم الشكلي لنظام الحكم السياسي بشكل الاسم الدستوري وليس بمجري آليات السلطة وتوزيعها فيها تقويمه تقويما صوريا افسد الاستقرار والشرعية لكونه ادي الي اعمال زعمها اصحابها ثورية وتبين انها لم تغير الا الاسماء بعد ان ذهبت بمزيتي الاستقرار والشرعية، وثانيها حمي الاصلاحات الزراعية خاصة وتأميم الاقتصاد عامة وكلاهما ادي الي اتلاف الزرع والضرع ومعه الاستقلال لكون كل الاقطار العربية صارت تستورد غذاءها فضلا عن التبعية في ميادين الصناعة والخدمات، وثالثها عمل المرأة وتحريرها المزعوم الذي يحصل دون نضوج متدرج لكونه ناتجا عن تصور ايديولوجي لا عن حاجة سوق العمل او تطور اجتماعي فعلي مما ادي الي تهديم البني التقليدية في غياب البدائل التي توصلت اليها المجتمعات الراقية بمقتضي حصول الامر عندها بتدريج معقول فضلا عن كون دعوي تحرير المرأة ليست ثابتة اذ ان ذلك قد اضاف الي استعبادها التقليدي استعبادا جديدا هو استعباد ارباب المصانع الاجنبية وما يتقدم عليه ويتأخر من وساطات وتجارة رقيق ابيض، ورابعها مجانية التعليم وتعميمه تعميما شكليا لا معني له فضلا عن كونه نزل بمستوي التعليم الي الحضيض لمجرد رفع النسب التي توهم بالتقدم مع الحط من شأن المعلمين الذين اختلط فيهم الغث بالسمين فعد الجميع في اسفل سافلين وصارت الجامعات فضلا عن المعاهد الثانوية والمدارس الابتدائية مجرد محاشد عاجزة حتي عن محو الامية ولا قدرة لها الا علي تخريج الكسالي ورافضي كل عمل غير اداري وحكومي.
وآخر هذه الاحكام المسبقة قضية ما يسمي بمحو الامية الذي لا معلل له عدا المقارنات السطحية بين الامم المتقدمة والامم المتخلفة بحسب هذا المقياس السطحي مع تناسي ان الامم المتقدمة لما كانت في مرحلة البناء لم تطلب من اقتصادها صرف اكثر من ربع قدراته الاستثمارية في تعليم من جنس ما وصفنا في الحكم المسبق السابق.
فمحو الامية وتحرير المرأة وتعميم المعرفة ينبغي ان نميز فيها بين وجهها القيمي الذي يأتيها من كونها مطلوبة لذاتها. وهي لا تكون كذلك الا اذا جعلتها الاخلاق العامة مطلوبة لذاتها وذلك هو طموح الثقافة الاسلامية بشرط ان نعدل مفهوم العلم فلا نحصره في المعرفة الدينية واهمال المعرفة التي اعتبرت دنيوية في حضارة من المفروض الا تفرق بين العلوم هذا التفريق ما دام دينها يعتبر الدنيا مطية الآخرة والمرء لا يمكن ان يمتطي الدنيا وهو جاهل بعلومها. اما وجهها المنتسب الي البعد الاقتصادي والتنموي فانه يقاس دائما بدوره في العملية التنموية ككل ولا يكون ذا دلالة الا بتناسب الكلفة والعائد ومن ثم فمشكل المشاكل السياسية هو التوفيق بين هذين الوجهين. والغريب ان هذا المشكل هو الذي غاب في التقرير لذلك اعتبرناه قد اقتصر علي العلامات والاعراض دون الحقائق والعلل: ومن ثم فما فيه من كلام عن التنمية البشرية يغلب عليه الفهم الايديولوجي او هو يفصل القول في الغايات عن القول في الادوات.
الامر الثاني: ان الامم الشرقية الاخري التي شرعت في النهوض تقريبا في نفس الفتره مع العرب والمسلمين تمكنت من النهوض ومنافسة الغرب في كل ما كان يتصوره خاصا به وذلك لانها ـ خلافا للعرب وبعكس ورطاتهم ـ لم تأخذ من النهضة علاماتها الخارجية بل حددت اسبابها العميقة اعني:
1 ـ الثورة العلمية
2 ـ الثورة الصناعية
3 ـ ثقافة العمل والتضحية من اجل الجماعة.
4 ـ ثقافة الانضباط وتقديم الواجبات علي الحقوق
5 ـ ثقافة التركيز علي دور المدرسة الانمائي اعين المعرفة النظرية والتطبيقية بدل الصراع علي توظيفها الايديولوجي بين العلمانية والاصلانية.
لكن كل هذه القيم مفقودة لسوء الحظ عند العرب الذين تظن نخبهم ومفكروهم ان القضية الخلقية بهذه المعاني امر ثانوي فيتصورون الامر محصورا في الحكام وسوء نواياهم ويتناسون انفسهم والشعوب التي ربيت علي التسيب وعدم الاقبال علي الجهد والتضحية وتقديم الحقوق مع نسيان الواجبات. فقبل الكلام في الحقوق التي يكثر مفكرونا من الكلام فيها لا بد من التذكير بالواجبات كما فعلت امم الشرق التي نجحت في تحقيق النهضة مثلها مثل امم الغرب من قبل اعتمادا علي عرق ابنائها وعملهم وقدرتهم علي الابداع. ولو سالت اصحاب التقارير عن علة نقلة العمل من البلدان المتقدمة الي البلدان النامية (الآسيوية خاصة) بتوسط انتقال المعامل ورؤوس الاموال من الاولي الي الثانية لتبين لهم علل سوء الفهم الذي بنيت عليه تقاريرهم: فهو اساسا هذه الخاصيات التي ذكرنا اعني بالاساس ما عكسه الذي تتصف به ثقافتنا الاستهلاكية من غير انتاج بالازمة الخلقية الحائلة دون شروط النهوض.
فالعمال في الغرب لم تصبح لهم الحقوق التي يطالب بها عمالنا مثلا الا بعد ان تحققت النهضة وصار الجهاز الاقتصادي قادرا علي توفير ما يقبل التوزيع وتحمل الكلفة الاجتماعية لحقوق العامل التي ما تزال المعضلة الاساسية في الاقتصاد الحديث وخاصة بعد ان وجد الغرب مناسبا لا يقهر في المجتمعات الآسيوية: ويكفي ان نعلم ان العمل ثماني ساعات في اليوم لم يصل اليه الغرب الا قبيل الحرب العالمية الثانية ونحن بدأنا به فضلا عن كون اغلب العرب لا يعملون من الثماني ساعات الا ثماني دقائق. لذلك فليس من الصدفة ان تختار الشركات الغربية الاستثمار في الشرق غير العربي: فالعلة هي الاخلاق العامة التي وصفنا حيث ان العامل العربي يريد نفس الحقوق التي يحصل عليها العامل الاوروبي فيزيل علة اختيار نقل الاستثمار من اوروبا من اصلها، فضلا عن قلة الكفاءة وتردي الانتاجية.
وكلنا يعلم ان تاتشر لم تتمكن من انقاذ الاقتصاد البريطاني وارجاع بريطانيا الي منزلتها بين امم اوروبا الا بفضل التخلص من الشطط العمالي. كما يعلم الجميع ان اساتذة الجامعات في اوروبا عندما شرعت في النهوض كانوا خاضعين لنظامي تعليم احدهما كنسي والثاني عسكري وكلاهما يأخذ الوقت كاملا ولا يقتصر علي زيارة الجامعــــة لالقاء بعض الدروس التي تكتب مرة واحدة في الحياة كلها: بل كانوا متفرغين للبحث والابداع طيلة الحياة. بهذا المعني يمكن الحديث عن المعرفة عاملا منتجا. اما في الجامعات العربية التي تحول اغلبها الي مدارس ابتدائية لمحو الامية فان الحديث عن المعرفة المنتجة كلام لا يصدقه عاقل.
واعلم ان مثل هذا الكلام قد يغضب الكثير من النخب. ولكن اذا كان القصد تحقيق شروط التنمية ذاتية الحركة اعني التي لها قاطرات التنمية المستدامة والمستقلة فلا بد من شجاعة تفوق شجاعة تاتشر التي اغضبت الكثير لكنها حققت معجزة اخراج بريطانيا مما كادت تتردي اليه من سقوط في زمرة البلاد الاشتراكية التي نري حالها الآن. فكل مقومات التنمية البشرية تحتاج الي امكانات اقتصادية هائلة لا يمكن ان تتحملها اقتصاديات ناشئة تبحث عن شروط الاقلاع في ظرف دولي تنافسي لا يرحم الا اذا قبلت ان تصبح عاجزة عن تحقيق شروط الاقلاع ومن ثم رضيت بما آل اليه امر المنظومة الاشتراكية. وكل مقياس يتناسي هذا العامل سيجعل التنمية البشرية بالمعايير الممكنة في المجتمعات المتقدمة اكبر عائق للمجتمعات النامية: كيف ينسي اصحاب هذه النظرية ان المجتمعات المصنعة هي ذاتها بدأت تتراجع في الكثير مما كانت تتكفل به الدولة في مجال الخدمات الاجتماعية بمقتضي ما يقتضيه وجوب التخفيف علي آلة الانتاج لكي تكون قادرة علي المنافسة؟

الخاتمة

تنقسم المعايير الشكلية والمقاييس الكمية التي يكثر الخبراء العرب من استعمالها الي نوعين: ما يبدو منها منتسبا الي اختيارهم وما يبدو منها مفروضا عليهم من قبل النخب الاجنبية. وفي الحقيقة فان الفرق بين النوعين فرق سطحي لكون النوع الاول هو ما صار مقبولا من المفروض عليهم والنوع الثاني هو ما سيصير كذلك بعد ان يتعودوا عليه ويحاولوا تعويد الشعوب العربية عليه. لذلك فان النوع الاول يكون فيه التأثير الاجنبي اكثر تغلغلا من النوع الثاني الي ان يصبح من جنسه. وبين ان كل خطأ في عمليات التقويم يؤدي الي خطأ في العلاج الذي نقدم عليه. والسؤال هو: هل تدخلنا في هذه المجالات التي جمع بينها عنوان التنمية البشرية وتغيير معطياتها الكمية من دون البعد الكيفي المناسب لحال الجهاز الاقتصادي والاجتماعي ودون مراعاة القيم الروحية في مجتمعاتنا يمكن ان يكون ذا جدوي في تحقيق التقدم؟ هل عندما قايسنا شكليا بين انظمة الحكم وانتقلنا من الملكية الي الجمهورية كما حدث في اغلب البلاد العربية مثلا حققنا التقدم المنشود فصارت اقطارنا اكثر ديموقراطية ام ان الحكم فيها فقد الشرعية والاستقرار دون ان يتغير شيء في كيفية الحاكمية تسليما بانه لم يحصل تراجع؟ ام ان هذا المدخل لعلاج قضايانا ليس هو الا مدخلا يواصل مغالطتنا فيحول دوننا والتقدم الفعلي؟
وبذلك فانه يمكن ان نرجع الخطأ في التقويم الاضافي اي التقويم الذي يعتمد علي المقارنات الشكلية والكمية الي مسألتين تحتاجان الي علاج عميق حتي نتخلص من القياس الشكلي الذي هو علة كل المغالطات مقصودة كانت أو غير مقصودة.
1 ـ المسألة الاولي هي عدم اعتبار التناسب في النضوج التاريخي بين الامم التي تقع المقارنة بينها ومن ثم اهمال الدور الذي يؤديه هذا النضوج في تحديد طبيعة الحاجات التي يعبر عنها المجتمع في لحظات تطوره المختلفة. 2 ـ المسألة الثانية هي الاقتصار علي المقارنات الكمية واهمال العامل الكيفي في الظاهرات التي تستعملها هذه الدراسات عادة لقياس تقدم الامم دون اعتبار لما تتطلبه مراحل نموها ونضوجها التاريخي من حاجات.
ويكفي ان ندرس ما حصل في حالتي النهضة الحديثة لكي نري ان كل المقارنات الشكلية والمعايير الكمية التي يستعملها هذا التقرير لا معني لها:
الحالة الاولي هـــي ما حصل في النهضة الغربية التي حدثت خلال اربعة قرون متوالية: من السادس عشر الي التاسع عشــــر بدءا بانكلترا وختما بامريكا الشمالية مرورا بفرنسا والمانيا. ففي هذه الحالات جميعا كانت التنمية البشـــرية نتيجة لا سببا في التقدم والتطور ثم صارت بعد ذلك سببا عندما تمكن الجهاز الاقتصادي من القيام الثابت الذي يجعله قادرا علي تحمل نفقات التنمية البشرية بشرط هو دائما ان تكون التنمية البشرية متناسبة مع الحاجات ومستجيبة لها.
الحالة الثانية هي ما حصل عند الامم التي تمكنت من تكرار المعجزة الاوروبية خلال القرنين اللذين بدأت فيهما الامة الاسلامية تتحسس نهضتها دون جدوي كبيرة تذكر: بدءا باليابان وختما بالهند مرورا بنمور جنوب شرقي اسيا والصين. كلها اعتمدت نفس الاستراتيجية الغربية اعني تكوين الجهاز الاقتصادي القادر والتناسب بين التنمية البشرية والحقوق والتنمية الاقتصادية والواجبات.
وبهذه المعايير فان اي بلد عربي حالي مهما كان متخلفا في مجال التنمية البشرية يقبل المقارنة الصالحة في مجال الحريات وتعميم التعليم وتحرير المرأة والعدالة الاجتماعية والنشر الخ... مع كل البلاد (من الصنفين اللذين اشرنا اليهما) التي حققت النهضة لحظة تحقيقها اياها وليس الآن، اذا نظرنا الي هذه المعايير كميا وشكليا. فعدد المتعلمين حتي في الصومال لا تقل نسبته والموجود من الكوادر نساء ورجالا لا يقل عما كان موجودا في فرنسا في القرن السابع عشر وفي المانيا في نهايات القرن الثامن عشر.
وتونس اليوم فيها من هذه المقادير ما لا يوجد في انكلترا والمانيا مجتمعتين من المتعلمين والكوادر العليا وتحرير المرأة وتعميم التعليم عندما كانوا في لحظتها الاقتصادية ومع ذلك فهي عاجزة عن تحقيق ثورة علمية او تقنية او فلسفية مثل فرنسا او المانيا.
وكل ما يسمي بالجمهوريات العربية ليس له من الجمهورية الا الاسم. فالملكيات كانت علي الاقل تعتمد علي شرعية تاريخية واستقرار تقليدي مكن من تحقيق الكثير من الانجازات لولاها لما بقي عندنا الا التصحير الذي انتهت اليه الجمهوريات التي ولدتها انقلابات دموية لم تورثنا الا الدكتاتورية وتضخم الاجهزة الامنية. لذلك فالمعايير ينبغي ان تكون كيفية لا كمية: ليس كل تعليم مؤثراً في حركة النهوض فقد يكون التعليم معطلا للنهوض اذا كان مجرد محو للامية ومن ثم منعا للشباب من الفراغ للانشطة التي يحتاج اليها المجتمع لكونه يضخم البطالة من دون جدوي فضلا عن كون الشهادات والدبلومات اذا لم تكن دالة علي تكوين حقيقي قد تكون مجرد ذر للرماد علي العيون كما هو شأن التضحم المهول للدكتوراهات التي ليس لها من الاسم الا الدال الذي لا يدل علي شيء.
وعدم التناسب بين الحاجة الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية والتنمية البشرية يجعل المجتمعات النامية تكون الكوادر للمجتمعات المتقدمة: فالتكوين غير الهادف لسد حاجات فعلية في الاقتصاد القومي يصبح في الحقيقة لخدمة المجتمعات النامية التي تستفيد من هجرة الادمغة.
ومن ثم فلا بد من تحديد المحركات الاقتصادية والاجتماعية الفعلية التي هي غير العلامات السطحية والتي هي محركات كلية في كل المجتمعات بخلاف الاشكال التي تتغير من مجتمع الي مجتمع ولا ينبغي فيها تقليد المجتمع الغربي الحالي علي الاقل. وطبعا فهذه المحركات يمكن حصرها ولكن المقام لا يسمح بذلك