معاجم فلسفية المكتبة الفلسفية مقالات سجل الزوار استقبال المشاركات الصفحة الرئيسية


فضاء الباكالوريا          مقالات ودراسات منهج و بيداغوجيا منتدى الحوار       فضاء الباكالوريا   


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                              تقنيات مفضوحة لوأد الثورة الشعبية

                                                                    أبو يعرب المرزوقي

لعل وصل الأحداث بعضها بالبعض يمكننا من إدراك المنطق المتحكم في إستراتيجية من يسعى إلى وأد الثورة وتحويلها إلى مجرد مناسبة ظرفية لتغيير جيلي ضمن نفس التركيبة يعوض فيه الجيل المكشوف جيل من جنسه بات من اليسير بيان أنه ليس أقل ممن سبق من حيث الانتساب إلى نفس النظام المافياوي الذي سيطر منذ ما يسمى بالتحول المشؤوم: وهو ما انكشف بسرعة مذهلة خلال المراحل التي مرت بها الثورة في هذه الحقبة الوجيزة.

فقد مرت مسيرة هذه الإستراتيجية بمراحل قابلة للفهم من خلال دلالة حادثة القصبة (مطاردة المعتصمين بالكلاب الحيوانية والآدمية وتشتيت شملهم وطردهم شر طردة من رمز الحكم المستبد أي القصبة). فهذه الحادثة تلقي الضوء على المرحلتين اللتين تقدمتا عليها وعلى المرحلتين اللتين تلتاها:

فإجماع الحلف الرباعي (بين بقايا النظام واليسار المتبرجز والتقدمية الديموقراطي والاتحاد المشفوع بتزكية شهود الزور من المزعومين مثقفين مستقلين) مع سكوت المعارضات التي لم تصبح بعد ذات وجود قانوني يعني أن الجميع يريد طي صفحة الثورة بأقصى سرعة ممكنة قبل أن تحقق أول أهدافها أعني الشروع في تأسيس نظام جديد بديل مما ثارت عليه. كان الهدف الصريح لهذه الحادثة تعويض مطالب الثورة بفتح المجال للقيادات البالية حتى تحسم الأمر بمساومات بينها تبدأ بغلق القوسين لترمم الموجود وتتقاسم "خبزة الجاتو". لذلك أصبح لب الخطة متمثلا في طلب شروط جعل الناس ينسون دم الشهداء ويخرجون من الجو الثوري إلى "مرحلة جهدك ياعلاف في تحقيق المكاسب الفئوية".  ولنذكر بهذه المراحل الأربعة المحيطة بالحادثة الفاصلة حتى نتصدى لمحاولة الإنساء والتلهية.

فأما المرحلتان المتقدمتان على هذه العلامة الفارقة فهما ما تقدم على سقوط رأس النظام وما توسط بين سقوطه وحصولها.

وأما المرحلتان الفاصلتان بعد هذه العلاقة الفاصلة فهما ما تلاها إلى حادثة الداخلية أو انتفاضة بعض قيادات الأمن  ثم من تلك الانتفاضة إلى الآن.

ومنطق ما تقدم على حادثة القصبة عند النظر إليه من منطلق دينامية ما حدث في النظام من حيث صلته بما حدث في الحركة الشعبية يبقى متضمنا للغز محير: فالدعوة إلى إسقاط النظام تلت هروب رأسه ولم تكن الشعار الرئيس في الحركات الأولية للثورة. لذلك  فسقوط رأس النظام لم يكن بالأمر الطبيعي لأن زخم الثورة لم يكن بعد قد بلغ درجة كافية لإسقاط نظام مهما كان ضعيفا ولا حتى رأسه ما يعني أن انقلابا ما حدث في البلاط. ولعل فشل أصحابه في الذهاب به إلى غايته بسبب عدم اتفاقهم على تقاسم التركة هو الذي يفسر الارتجال في البحث عن السند الدستوري لتمرير هذا الانقلاب.

ورغم أن مثل هذا السيناريو فرضي لا ندعي فيه الاستناد إلى وقائع مثبتة بالوثائق فإن تصور انعدامه أو انعدام ما هو من جنسه يجعل سقوط رأس النظام غير قابل للتفسير اللهم إلا إذا فسرناه بانهيار عصبي أصاب الرأس الهاربة فتكون بذلك قد خذلت جماعتها. لكن سقوط رأس النظام بهذه السرعة والفجئية يمكن أن يعتبر مسهما في البدء في وأد الثورة: فكل مخاض لم يذهب إلى غايته مآله الإجهاض ويكفي المقارنة مع ما يحدث في مصر حيث إن المطاولة في الصراع بين الثوار والنظام بدأت تبلور بالتدريج الحل الذي يمكن أن يجعل مصر تفتك من تونس ريادة الثورة العربية الحديثة. فيكون ما حصل هدفه إجهاض الثورة ومنعها من بلوغ ذروتها المتمثلة في وضع أسس النظام البديل.

ولما فشلت هذه المحاولة الأولى في وأد الثورة التي انتقل بعض ممثليها من أعماق الشعب إلى رمز الحكم في كل تاريخ تونس أعني القصبة  ولما لم تنطل على أحد  خرافة اللجان الثلاث التي هدفها استبدال مطالب الثورة بمطالب شهود الزور من نخب البلاط الرسمي كان لا بد من تحقيق شرط الوأد الحقيقي والنهائي أعني الحلف الرباعي المطعم بشهود الزور الذين يوصفون بالنخب المستقلة رغم كونها قد لعقت كل صحون النظام السابق ولحستها و"لحَّست" لأصحابها وبسكوت المعارضات التي لم تصبح بعد قانونية: فكان لجوء الحلف الرباعي وشهود الزور إلى طريقتين في التلهية أو تشتيت الانتباه عن الأهداف التي يطلبها الثوار أعني تحويل المسألة إلى مسألة نقابيات واستعراض تظلمات في الإعلام الرسمي.

الخطة هي ابتداع ملاه تنقل الزخم الثوري من المطالبة بالتغيير الشامل للنظام بمقوماته السياسية والتربوية والاقتصادية والثقافية تنقله إلى مطالب فئوية نقابية مجندين في ذلك:

 الاتحاد: تسابق الفئات على تحقيق مطالب فئوية مؤقتة ليست هي في الحقيقة إلا تلميعا لبعض القيادات التي تستعد للانتخابات ومن ثم فهي تزوير أولي لهذه الانتخابات.

والإعلام: ادعاء السعي للاطلاع على شؤون المواطنين ومن ثم إلهاؤهم عن الأصل بإغراقهم في الفروع وما ذلك إلا تلميع للوزراء الجدد الذين هم بدورهم يستعدون بنفس الفنيات السائدة في النظام البائد بشراء الضمائر وتوزيع الهبات .

 وحتى نسد الباب أمام هذه الخطة الشيطانية لنقل الثورة من الأصول إلى الفروع سنذكر بمطالب الثورة التي يريدون أن يبعدوها عن الضوء وبيان أنها تقبل التحديد انطلاقا من منظور أساسي يلخصه البند الأول من الدستور التونسي الذي أجمع عليه أعضاء أول مجلس تأسيسي في تاريخ البلاد وأجمعت عليه الثورة بشعارها الذي كتبه أبو القاسم الشابي صوغا شعريا جميلا لقوله تعالى "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم":

1-أن تكون تونس دولة حرة (=جماعة مواطنين أحرار ذوو نظام قانوني وخلقي).

2-وأن تكون دولة مستقلة (=ساعية إلى تحقيق شروط عدم التبعية الاقتصادية والثقافية اللتين من دونهما لا معنى للاستقلال السياسي).

3-وأن تكون دولة دينها الإسلام (=لها أصل لهويتها الروحية هي روحانية الدين الذي يضع مبدأ أوليا حرية المعتقد والاعتراف بالتعدد الديني كما هو بين من 256 البقرة ومن 17 الحج)

4-وأن تكون دولة لغتها العربية (=لها أصل لهويتها الثقافية هو اللغة العربية التي لم تلغ من الثقافة العالمة في الجامعات والبحث العلمي بل وحتى من الثقافة العامة بسياسة منهجية لتحويل لغة الشعب إلى الخليط المالطي فضلا عن تواصل الفرنسة في الإدارة الاقتصادية والإدارية أعني عصبي كل حياة).

5-ولا معنى لسخافة "قانونجية" عقاب زمان إذ يتصورون الوصف عائدا إلى تونس وليس إلى الدولة التونسية في ما يتعلق بالدين واللغة. فلو كانوا على دراية بفقه اللغة العربية وبالمنطق لعلموا أن الدولة نحويا بدل من تونس وأنها منطقيا تكافؤ بين حدين بحيث نستطيع أن نكتب علامة التكافؤ بينهما: تونس=دولة (أي جماعة ذات نظام قانوني وخلقي) لها ما ولى ذلك من صفات أربع هي الحرية والاستقلال والإسلام والعربية.

ومن ثم فنص البند الأول من الدستور يقبل الكتابة على النحو التالي: تونس هي=1-دولة حرة 2-وهي دولة مستقلة 3-وهي دولة دينها الإسلام 4-وهي دولة لغتها العربية.

وعنصرا الحد الأولان أي الحرية والاستقلال هما مقوما مفهوم الدولة اللذين إذا تحققا تصبح الدولة بمقتضاهما شيئا مقدسا لكونهما يعنيان أنها جماعة الأحرار الذين ينظمون بإرادتهم الحرة حياتهم بقانون مستند إلى أخلاقهم وقيمهم تنظيما هو عين حرية أفرادها واستقلال الجماعة ليكون شخصية معنوية ذات قيام ذاتي في علاقتها مع الجماعات الأخرى.

وعنصرا الحد الأخيران أي الإسلام والعربية هما تعين هذه الذاتية الحرة والمستقلة القائمة بذاتها إزاء غيرها من الجماعات لكونهما عين تحقق العنصرين الأولين وتعينهما المتميز في الوجود التاريخي. وهما علامة تحققهما أي إن تونس تكون فعلا حرة ومستقلة إذا كانت قادرة على حماية خياراتها الروحية والثقافية فلا تفرض عليها ممن يريد أن يعيدها إلى التبعية لروما الجديدة أعني الاتحاد الأوروبي.

وآخر قولي إن الثورة التي يتصورون أنهم قد أخمدوا جذوتها لن تتوقف بل هي ستستأنف من جديد عندما تدرك أن أهدافها لا يمكن أن تتحقق بالترقيع و"بالراستوراسيون" للنظام القديم: لا بد من مجلس تأسيسي ودستور جديد يجعل هذه الأهداف صريحة حتى تتحقق الديموقراطية السياسة والتربوية والاقتصادية والثقافية ومن ثم حتى تكون تونس حقا دولة حرة مستقلة  دينها الإسلام ولغتها العربية وذات رسالة كونية في العصر الحديث: تحرير العرب والمسلمين بإرادة شعوبها تحريرهم من التبعية والاستعباد والاستبداد الناتجين عنها بخلاف ما يتصور دعاة التبعية والمبشرين بديموقراطية صورية تجعلنا دولنا جمهوريات موزية يعين حكامها في باريس وواشنطن.

 

 

 

 

المصدر: بريد موقع الفلسفة

Directed by:    Amri Abou-louay     www.alfalsafa.com      2005/2011

 


.

فضاء الفيلسوف أبو يعرب المرزوقي