


تربية المستقبل أو الكلي الجريح
(فلسفة الوحدة العربية)
أحمد حرشاني
يقول ابن طفيل في قصته الفلسفية حي ابن يقضان( واني لأورد هذا القول من اجل تأويله عبر ربطه بوضع الأمة العربية) : " فلما نظر إلى جميع أعضائها الظاهرة ولم ير فيها آفة ظاهرة – وكان يرى مع ذلك العطلة قد شملتها ولم يختص بها عضو دون عضو – وقع في خاطره أن الآفة التي نزلت بها، إنما هي في عضو غائب عن العيان ، مستكن في باطن الجسد ، وان ذلك العضو لا يغني عنه في فعله شيء من هذه الأعضاء الظاهرة"
مطلب الكلي:
إن الوحدة " العربية" هي مطلب وليست واقعا هي واقع منشود وليست واقعا موجودا وعندما نتحدث عن الوحدة فإننا نتحدث بشكل كلي كما أننا لا نتحدث عن كيفية تحقق هذا الكلي في الأعيان أو في الواقع الفعلي وإنما مبحثنا يقصد الأذهان ويسائل الوحدة العربية لا في مقر الجامعة العربية أو بيانات القمم العربية وإنما سؤالنا يقصد العقل/الذهن/النفس/الروح/الفكر/الذات/الأنا. إن الوحدة بما هي مطلب كلي ( المفروض أن تطلب من كل الناس) هي في حد ذاتها كلي (الخاص مع أرسطو من الكليات) ولا سبيل إلى الكلي الإنساني دون" الكلي العربي" أو الأوربي ولا تناقض بين هذه الكليات وإنما هي كليات من المفروض أن تبنى على الانفتاح والحوار . فما إنية ( حقيقة) الكلي ؟ وما إنية الإنساني؟وما إنية العربي؟ وما معني نريد الكلي = الإنساني = العربي ....الخ؟ إن إرادة الشيء أو طلبه يعني انه محكوم بجدلية الحضور والغياب / الموجود والمنشود/ فلا يمكن إن نطلب ما نمتلكه كما إن الإرادة تفترض المجاهدة من اجل الالتزام بهذا المطلب .
ما الكلي ؟ كل لفظ يعبر بمعنى واحد عن أشياء كثيرة وهذا يعني ان الكلي يقوم عل الوحدة والكثرة لكن هذا على صعيد اللغة .
ما الإنساني ؟ هو جملة الخصائص المميزة للإنسان عن غيره من الكائنات (الإنية والغيرية على صعيد الأشياء)
ما العربي ؟ هو جملة الخصائص المميزة للعربي عن غيره من المجموعات البشرية الأخرى (الإنية والغيرية على صعيد الإنساني).
=) هنا لا بد من ملاحظة وهي أن هذه الحدود بين العربي مثلا والأوربي تبقى نسبية لأنه لا وجود لحدود مطلقة حتى على المستوى البيولوجى فكل المجالات الإنسانية=الثقافية وغير الإنسانية = البيولوجية عامة محكومة بالتنوع نتيجة انهيار كل المركزيات أو المطلقات على جميع الأصعدة (الهندسة : من الهندسة الاقليدية الى الهندسة اللاإقليدية ، في الفيزياء من مبدأ الحتمية إلى مبدأ الاحتمال ، في الفلسفة من الحداثة إلى ما بعد الحداثة الخ...) فالدرس الذي يجب إن نستمده من كل هذه التحولات هو حقيقة التنوع سواء بين الشعوب أو داخل نفس الشعب ونفس القبيلة والجهة والعائلة بل أكثر من ذلك ان الكثرة أو التنوع هو سنة الهية لكن شتان بين ما يعلنه الرب وما يعيشه الإنسان فوق الأرض ويدعي انه خليفة الله وممثله على الأرض انظر الوضع التراجيدي بين السنة والشيعة لترى المطلقات / الوثوقيات تتناحر باسم الله ومحمد وعلى وعثمان الخ ... وكل هذه المذابح و إشكال العهر الديني ( حتى لا نقول كلمة أخرى أكثر بلاغة استعملها مظفر النواب لتحديد جنيالوجيا العرب) لا علاقة لها لا برب ولا بكل من بُشّر بالجنة ولا علاقة لها حتى بمن لم يُبشّر بالجنة المهم مراعاة الكلي الإنساني سواء تعلق الأمر بالانطلوجي أو الابستمولوجي أو الاكسيولوجي . ان السبيل إلى خلق حوار بين السنة والشيعة / بين العرب / بين المسلمين/ بين الجهات / بين القبائل / بين الحضارات هو الفلسفة التي تتأسس على الكلي والحوار والعقل والإنساني والتنوع والوحدة الخ...
جدلية الوحدة والكثرة:
إن نقطة الاشتراك بين هذه التعريفات للكلي والإنساني والعربي هي جدلية الوحدة والكثرة مهما كان المستوى الذي نتحرك فيه سواء كان الإنساني أو العربي او التونسي أو الهمامي ( قبيلة الهمامة) أو العائلة أو الأنا الفردي كلها مستويات محكومة بديناميكية الوحدة والكثرة. لا بد أن نلاحظ هنا ونؤكد على البعد الديناميكي / الجهادي لمنزلة الكلي وهي ديناميكية او حركية أساسية للانتقال من كل إشكال الجزئي سعيا/طلبا للكلي فلا بد للإنسان مهما كان أن ينتفض على ذاته أولا قبل الانتفاض على غيره مهما كانت الغيرية فقول" لا" قبل أن يتجه إلى الغيرية يجب أن يتجه إلى الذات لكن هذا القول لا معنى له إلا إذا كان فلسفيا حتى لا يسقط في الدغمائية التي هي " بمثابة "هذيان منشد" (والعبارة لآلان) . أن من يقول "لا" بشكل انفعالي مثله مثل من يقول" نعم" فلا فرق بينهما إلا بالصنم الذي يعبده وغياب فاعلية العقل أما القول الحقيقي فهو الذي يكسر القيود والأغلال ويتحرر من الأوهام الجزئية وسجن آو كهف ظلال الكلي عبر جدل صاعد وأخر نازل مهتديا ببداغوجيا وايتيقا لتحرير الذات (ببداغوجيا وايتيقا نعثر عليها عند افلاطون في امثولة الكهف وفي محاوراته الفلسفية بشكل عام والرب سبحانه وتعالى في تحريم الخمر وكانط في بحثه عن الانوار الخ...)
إن الكلي في معناه الانواري آو في حضوره الفلسفي يتناقض مع الفكر المتحجر والمنغلق الذي لا ينظر إلا إلى جهة واحدة ولا يفهم البتة فكر الآخرين. فسقراط مثلا عندما قال لا للسائد كان يفكر بطريقة أخرى ويحلم بأثينا أخرى وإنسان أخر وكان وفيا لذاته المتفردة ولوطنه وللإنسان بوجه عام والفيلسوف الفرنسي سارتر عندما كان يتظاهر ضد استعمار الجزائر كان وفيا لذاته المتفردة ولوطنه وللإنسان بشكل عام وبالتالي إن الدفاع عن الكلي هو مهمة إنسانية يجب آن تنخرط فيها كل البشرية لكن هذا الدفاع أو تجربة الالتزام هذه ذات إحداثية مركزية وهي الذات، إنها النقطة الارخميديسية التي ستنقلنا من التعصب للجزئي إلى عشق الكلي والدفاع عنه ومحاولة تحقيقه. وعليه فان سحق الذات الإنسانية باسم الدين آو القومية آو حقوق الإنسان هو جرح في خاصرة الكلي فلا يمكن ان نطلب غيرية دون إنية والعكس صحيح ولا يمكن آن نطلب إنساني يتسم بالوحدة الرافضة للكثرة والعكس صحيح ولا يمكن ان نطلب جزئي يحارب الكلي والعكس صحيح. بناء على ذلك ، ان جرح الذات المفكرة من خلال الطعنات التي وجهت اليها ليس في استبدال المركزية الشمسية بالمركزية الأرضية او في اكتشاف اللاوعي فكل هذا العناصر المحدثة للرجة ما هي الا اهتزازت مكونة للذات ولا بد من هذه الرجات والرجات الارتدادية من اجل التعمق في إدراك الإنية الإنسانية.
ليس الكوجتو جريحا لماذا؟ لأنه لا بد آن يكون الأنا مفكرا حتى يكتشف اللاوعي ويكتشف كل القارات الأخرى المسكوت عنها في الذات الإنسانية وإنما الجريح هو الكلي لان الطعنات توجهت إلى الكثرة/التعدد فيه فالعولمة مثلا بمفهومها السائد هي طعنة للكلي لأنها اختزال له في الوحدة من جهة ما هي إعلاء لشان الثقافة الواحدة وإقصاء الثقافات الأخرى إن عُولمت الثقافة العربية أو الغربية آو الصينية بل أكثر من ذلك أن مفهوم العولمة السائد يتناقض ليس فقط مع الواقع ( الكائن هو التعدد/الكثرة) آو الحق ( ما يجب أن يكون هو الكثرة/التعدد) وإنما يتناقض أيضا مع اللغة ذلك ان لفظ الكلي يدل على الوحدة والكثرة ( معني واحد وأشياء كثيرة) وهذا يعني أن أساس العولمة يتناقض مع اللغة والواقع والفلسفة ولا معنى له إلا في إطار الايدولوجيا.
النتيجة:
- الكلي المنشود لن يكون حقيقيا ولن يتخلص من الزيف والشبهات الا اذا راهن على الإنساني والعلمي والقيمي =) الطابع المركب لمفهوم الكلي
- الواقع المناقض للكلي المنشود يستوجب مجاهدة إنسانية من اجل كسر القيود والأغلال التي تكبل الإنسان وتشده إلى ظلال الكلي وممارسة ديالكتيكا صاعدا طلبا لنور الشمس أو نشدانا للكلي
- مطلب الكلي بما هو مطلب فلسفي خالص او هو المطلب الفلسفي بامتياز لا ن الكلي الذي ينشده العالم او الفنان او رجل الدين ليس الكلي الذي ينشده الفيلسوف فكل هؤلاء يطلبون الكلي اما انطلاقا من المقدس او الجمال او الموضوعي ( فالعالم مثلا يبحث عن الحقيقة الكونية وفقا لمستلزمات العلم سواء درس الطبيعة او الإنسان دون ان يفكر في ما هو خارج العلم وكما يقول هيدغر العلم لا يفكر ) بينما الكلي الذي ينشده الفيلسوف هو جدل بين مكونات مختلفة يصدق عيه ما يصدق على هذه العلاقة الربانية في الاية الكريمة من سورة الرحمان (مرج البحرين يلتقيان* بينهما برزخ لا يبغيان) فلكل مكون انيته لكن هناك التقاء بين كل المكونات في الإنسان بحثا عن ممارسة ارقى/ طريقة وجود افضل.
أقول بكل اختصار ودون تعصب او انفعال: ان تربية المستقبل يمكن ان تعتمد برنامج الفلسفة الجديد في تونس من اجل اعداد اجيال قادمة تدافع عن ذواتها وقبائلها وجهاتها ودينها وأوطانها وإنسانيتها فلا تناقض داخل الذات الإنسانية الواعية و المريدة و الحرة والمسئولة والملتزمة بين هذه المكونات .
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2010 |