


ترتيب البلدان العربية في التحامها بالثورة المباركة
قراءة في رؤية الأب الروحي للثورة العربية عن أصل الحكاية الثورية وفصلها
محمد سراج
تتأتى ضرورة الصياغة المنطقية لما يجري في البلاد العربية حاليا عند أبي يعرب المرزوقي في سبيل تحقيق الفهم والتأويل الشارط لتأسيس استراتيجية تمكّن من تحقيق غايات يتم السعي إليها بفعل حقيقي وواع، ذلك أن الثورة ليست فعلا عفويا كباقي الأفعال السياسية والإنسانية التي يمكن أن يأتيها الإنسان بل هو فعل منطلق من إدراك واضح وواعي للمطالب العالية التي يصبو إليها الشباب، على أن التأويل الفكري الذي قدمه الأستاذ أبو يعرب هو فعل تال للحقيقة السياسية المباشرة التي تكتنف الفعل الشعبي، فالعمل اليعربي المتواصل الذي يتابع فيه أحداث الثورة العربية عامة والتونسية خاصة يقوم على الإسناد الموالي للفعل الثوري الجاري على الميدان سعيا للتمكين الفكري له فضلا عن الغاية المباشرة التي هي حماية للثورة ممن يسعى للالتفاف عليها.
وأما الإطار الذي يشكل محضن التأويل الفكري للثورة العربية الجارية فيستمده أبو يعرب من التحديد الخلدوني لمقومات العمران وقبلها أحياز الفعل الواع منه وغير الواع عنده كذلك، فالأحياز هي كما يلي:
1- التوالي الزماني
2- التوزيع المكاني
3- تقسيم الفعل على مستوى الرتب والأدوار
4- دورة الحياة المادية وتحقيق الترابط بين فاعلياتها
5- دورة الحياة الرمزية الجامعة لكل معاني الأحياز السالفة ومعينا لها
أما مقومات العمران التي تعبر عن الوجه الكوني في التصور الخلدوني ترابطا، والوجه الخصوصي الهوياتي تفاصلا فهي كما يلي:
1- الاقتصاد: نظاما للتعاون والتعاوض من أجل سد الحاجات المادية
2- الثقافة: نظاما للتآنس والتواصل من أجل سد الحاجات الروحية
3- السياسة: نظاما للرعاية المادية والروحية في مجالي الاقتصاد والثقافة
4- التربية: نظاما لرعاية التنشئة الاجتماعية على كل الأصعدة
5- تحقيق نظام "الجماعة الكلية" أو الدولة والذي يتحقق بفضل المقوم الرابع (نظام التربية)، وهو ما افتقدته الفلسفة العملية اليونانية بوقوفها عند المستوى الثالث في تأسيس الدولة، حيث النموذج اليوناني يتوقف عند حدود المدينة بعد الأسرة والقرية.
بعد هذا التأسيس النظري يأتي أبو يعرب إلى الخطوة التمهيدية في محاولته الإمساك بتلابيب المفاجأة التاريخية الحاصلة اليوم في البلاد العربية لإخضاعها للصوغ العقلي الممكن، إذ يعتمد بداية على معيار "النضوج في مستوى المطالب" التي تمكنها من تحقيق صورتها المثلى بوصفه مبدأً في ترتيب الأقطار العربية في تحركها لتحقيق مقومات العمران التحقق السليم، هذا النضوج الذي يتحدد مستواه بالضرورة ضمن مقومات العمران المادي (الاقتصاد والثقافة) وصورته (السياسة والتربية).
لذلك كانت المقدمات الرمزية للثورة والتي تجعل من الثورة متحققة لا محالة – عند أبي يعرب – هي الوعي بالمطالب الصادر عن إدراك العلاقة بين المقومات المذكورة للعمران (طبعا ليس الإدراك المنهجي أو الأكاديمي، فذلك ليس متاحا للملايين التي تنجز الفعل الثوري على الأرض، بل المقصود هو الإدراك القائم على استيعاب الشباب مهما كان مستواه للحدث الاجتماعي الذي يحيط به ويؤثر فيه، وذلك تحديد ما تحيلنا إليه العبارة البنبوية (= مالك بن نبي) الشهيرة القائلة بضرورة "إرتفاع الإنسان المسلم إلى مستوى الأحداث")، هذه المقومات التي تقع الشعوب في بؤرتها متأثرة بها، وغاية الإدراك والوعي هو السعي إلى استعادتها والتأثير عليها بل والتحكم فيها، وتلك هي غاية شعار "الشعب يحكم نفسه بنفسه".
إثر ذلك يحاول المرزوقي تقديم تصنيفاته لبعض الأقطار العربية وفقا لمحددات صورتي العمران بحكم تبعية المقومين الماديين لهما، وذلك من حيث الشكل السياسي للنظام وانعكاسه على التربية (من حيث تبعية السياسة للتربية من جهة الوعي ومن حيث تبعية التربية للسياسة من جهة التنظيم)، وهي فعليا الأنظمة التي تبنت سطحيا الشكل الحديث في السياسة (النظام الجمهوري) والتربية (التعليم الحديث)، وبقيت بناها التقليدية فاعلة فيها، وتلك هي علة عودتها إلى الشكل البدائي من الحكم والتربية؛ وذلك في مقابل الأنظمة التي قامت بعكس الأولى فحافظت على الشكل الموروث من الماضي وقامت بتحديث البناء التحتي دون فاعلية تذكر.
ومن ثم فكلا الصنفين من الأنظمة لم يقم بالتحديث إلا على مستوى الشكل، فإما على مستوى صورة العمران (البناء الفوقي ماركسيا) أو على مستوى مادته (البناء التحتي ماركسيا كذلك)، ولم يفد هذا التحديث إلا في بسط الهيمنة الاستبدادية المفرطة في فسادها من دون آليات إعلامية وحقوقية محصنة من ذلك، فكل الأنظمة العربية لم يتم التحديث فيها إلا شكليا مما جعلها تبقى حبيسة الأنماط التقليدية للأشكال السياسية (الأسرية والقبلية والجهوية) سواء كانت جمهوريات أو ملكيات، لكن الفارق الحقيقي بينها هو طبيعة العلاقة التي اتخذتها هذه الأنظمة مع كل من التراث والحداثة أو الماضي والحاضر بلغة أبي يعرب.
ففي كل من تونس وليبيا وسوريا كان العداء شبه صريح مع الماضي أو معاداة الإسلام مع اختلاف في الدرجات، فالرهان الثوري إذن يقوم أولا وقبل كل شيء سواء قبل الثورة أو حينها وخاصة بعدها ضمن هذه الأقطار هو السعي إلى القضاء التام على كل بذور المعاداة الصريحة للإسلام.
أما في مصر واليمن والسودان إضافة إلى الجزائر والعراق، فإن العلاقة مع الماضي هي بألطف منها في السابقة، وذلك من خلال اعتماد الأنظمة على "حلول وسطى" تحول الصراع إلى صراع طبقات على خلاف النموذج الأول الذي هو صراع أيديولوجي، فتكون المهمة الثورية لأصحابها القضاء على التمييز الطبقي – وقد تصور أبو يعرب في مقال آخر أن أصحاب الثروات في البلاد العربية حصلوها بالكسل عكسهم أثرياء أوروبا -.
وأخيرا يقرأ المرزوقي أمر المملكات ومعها السلطنات والإمارات بأنه على نفس شاكلة الجمهوريات من حيث سهر نخبها على حماية مصالح الأجنبي (هذه الظاهرة العامة لجميع البلدان العربية بما فيها المدعية للقومية)، ففي المملكات وشبيهاتها تنزع الأجيال الشابة إلى تكرار تجارب الجمهوريات، وهي التي تعمل اليوم على إسكات شبابها بالرشاوى المالية المغدقة عليهم محاولين إفساد استقلالية المجتمعات بعد إفساد روح المواطنية فيهم، ذلك كله في ظل نظام حماية قائم وغير معلن من طرف العمالة الأجنبية السائدة في أعلى الهرم وأدناه،هذه الصورة التي تسببت في تنفير الناس عن الدين باستعماله الممجوج من أجل دعم المملكات لأركانها كما نفرت أنظمة الشكل الجمهور الناس عن الحداثة.
لنكون في الأخير – وبعد التمعن في التحليل اليعربي – أمام المشاهد الآتية في الثورة العربية على:
1- مشهد النظام العربي المعادي للدين والماضي عامة. النموذج التونسي
2- مشهد النظام العربي القائم على تلطيف العلاقة مع الماضي. النموذج المصري
3- مشهد النظام العربي الموظف للدين لتوطيد أركانه. النموذج الملكي
فنصل إلى أن الإشكالية الجامعة بين كل المشاهد السالفة تكمن في توجهها جميعا نحو إصلاح العلاقة بين الماضي والحاضر، وفي ذلك يقول أبو يعرب: "ولما كنا نعتبر هذا الصلح في الحالتين (يقصد الجمهوريات بنوعيها والمملكات وأخواتها) هو الهدف الحقيقي للثورة التي تنتشر اليوم في الوطن العربي انتشار النار في الهشيم فإننا نعتبر المسافة بين الموجود والمنشود منه هي معيار الممكن من ترتيب الثورات في الأقطار العربية من حيث التوالي في الزمان والشدة في العنفوان"؛ لكن ومن رغم هذا التقسيم العقلي يؤكد الأستاذ المرزوقي على أن الإمكان العلمي في توقع المسار الثوري العربي مشروط أساسا بإعداد الدراسات الميدانية الممكّنة من ترتيب ما حصل في بعد العلاقة بين الماضي والحاضر، وما حصل ضمنها من نضوج خلال قرني النهضة.
لكن ومع ذلك يجزم أبو يعرب ولو بصورة فرضية أن يكون المغرب هو النموذج الأسبق في التغيير بالمملكات العربية، فيكون المغرب العربي هو السباق في الحالتين الملكية (المغرب) والجمهورية (تونس) لكون علاقته بالماضي أكثر تنافرا، فعلّة تقدم البلدين المذكورين على نظيريهما في المشرق (تونس = مصر) (المغرب = الأردن) تكمن في طبيعة الاستعمار الفرنسي الذي كان استيطانيا بالمغرب العربي مما جعله يبلغ المخ من الكيان الحضاري لشعوبه، وذلك بواسطة الثقافة واللغة كأقصى أدوات استعمارية في مقابل أدناها وهو استفحال العمالة الدنيا والعليا في الخليج من قبل الإنجليز و الأمريكان.
إضافة إلى غلبة الوجه الكاثوليكي دينيا والماركسي أيديولوجيا على الثقافة الفرنسية أداتين لتغريب النخب عن هويتها الأصلية، ما جعلها أكثر كاثوليكية من أصحابها، ومن ثم فإن السعي إلى التحرر من خلال الفعل الثوري وجب عليه أن يتوخى دمقرطة السياسة والاقتصاد، وتأصيل التربية والثقافة داخليا، إضافة إلى العمل على استقلال هذه المقومات جميعها من الاستلاب حتى يتحقق مطلوب حقوق الإنسان العقلي ومقاصد الشريعة النقلي، فنبلغ الغاية ببلوغ جوهر القيم القرآنية التي ليست إلا تطابق الفطرة مع الشرع.
ويختم معنا الأب الروحي للثورة العربية بالآتي: " وتلك هي العلة في أن الثورة العربية الحالية هي ثورة تحرر داخلي وخارجي وهي ثورة تحرر كوني لأن الاستعباد الداخلي والخارجي بلغا في اللحظة العربية الذروة التي جعلت الوطن العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة بؤرة الصراع الدولي من جديد ومن ثم ففيه تعينت أدواء اللحظة الكونية الحالية ومنها ينبغ إن شاء الله دواؤها: ولما كان آخر دواء للأدواء البشرية هو الكي فإن رمز الانطلاق كان ذروة الكي: شهادة الاحتراق المعدم لقشور الفناء والمخلد لألباب البقاء: البوعزيزي".
· أنجزت هذه القراءة على مقال بعنوان: "قفزة التاريخ العربي الحالية ما منطقها؟" لأبي يعرب المرزوقي، المنشور على موقع الفلسفة في الصفحة التالية: http://alfalsafa.com/kafzet%20attarikh.html
المصدر: بريد موقع الفلسفة
|
Directed by: Amri Abou-louay www.alfalsafa.com 2005/2011 |