shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

                                 

  

اعتراض الأستاذ غسان طوقان 30/12/2008  (انظر قسم تعليقات)


 

      تعذر على موقع الفلسفة تحويل تعليقات القراء إلى الأستاذ أبي يعرب الذي اعتذر لانشغاله 

     في هذه الفترة بأعمال اقتضت وقتا وجهدا كبيرين ، ونحن لم نشأ إحراجه أكثر من االلازم فاقترحنا

     أن يتولى الأستاذ حليم الجواب عما يرى إمكان الإفادة فيه فوافق مشكورا . ولما كان طلب الحق 

     غاية الجميع فإننا نسأل الله التسديد إليه.

                                             موقع الفلسفة

 جواب الأستاذ هادي حليم على ملاحظات الأستاذ غسان طوقان  

                                                22/12/2008

لسوء الحظ لم يسمح وقت الأستاذ بالإطلاع على ما وصلنا من الأسئلة فضلا عن الرد عليها. وقد استأذنته في الرد على ما أراه جديرا بالرد فلم يمانع. فشكرا له على ثقته. وها أنا أجيب على تعليقات الأستاذ طوقان الأخيرة علي أساعده على فهم ما لم يفهم إذا كان حقا لم يفهم وأزيل بعض اللبس مما قد يكون حال دونه والفهم، فطالب الحق لا يعنيه المجيب بقدر ما يعنيه الجواب.  ذلك أن الأستاذ أبا يعرب قد أشار في جوابه الذي أعلمني بأن ليس لديه ما يضيفه عليه وأنه لا يحاول إقناع الأستاذ طوقان بشيء وأنه يعلم أن المتكلمين بالمنظور الذي اختاروه لا يمكن إلا أن يقفوا الموقف المتمسك بالبحث في آراء أسلافهم بمنهج مخض الآراء.

فإذا كنت  تعتبر المشكل هو معرفة رأي المتكلمين في وظيفة الكلام وتنتظر جوابا من الأستاذ فهو قد بين في المسألة المنهجية من جوابه أن ذلك ليس من همومه صراحة وبكل وضوح. فمشكل الأستاذ هو دور الكلام في تكون الفكر العلمي والديني عند المسلمين فضلا عن ضرره على وحدة الأمة والعقيدة والحرية الفكرية والعقدية للمسلمين الذين صاروا ألعوبة بيد المتكلمين والفقهاء وكل من يدعي في الدين علما هو بمقتضى مفهوم العلم من الممتنعات عقلا ونقلا.

 وما دمت لا تطلب ما يطلبه ولا يطلب ما تطلبه فمن الطبيعي ألا يحصل التفاهم. ولن يفسد ذلك للود قضية. ونحن نرحب بما تنوي نشره في موقعنا من بحوث. وما حاول أن يشرحه لم يصل. وليس ذلك لعيب في فهمك. ولا لعسر في طريقته. حتى وإن كنت أعلم أنه يقبل بكل رحابة صدر نصائحك المنهجية  القيمة. لكني أظنك قد غفلت في إسدائها عن كون المشكل يكمن بالذات في عدم قبول الأستاذ بهذا المنهج: اختلاف المطلوب والمنظور والمنهج هو كل المشكل.

 وطبعا فالأستاذ لا أتصوره يجيب على أسئلة من هذا الجنس حتى لو وجد الوقت لأنها لا تنضوي في سياق بحثه ولا في نسق تفكيره. فهنيئا لك بعلم المتكلمين في العقائد سواء كانوا قدامى أو محدثين سنة أو شيعة. فكلهم يمكن أن يتشبثوا بمخض الأفكار ليس كتاريخ بل كمواقف يتصورونها ما تزال حية ويريدون تشكيل الحياة بها. ولهم الحق في ذلك إذ لا يمكن لأحد  أن يمنع من يريد أن يحيا بعلم ما لا يقبل العلم. فهذا حقه خاصة إذا وجد شعوبا تقبل أن تقيد حريتها الفكرية والروحية بتصورات ينفيها العقل والنقل ولا دور لها إلا تسليط سلطان الهامانيين على من يسمونهم العامة لكونهم يتصورون أنفسهم خاصة.

والغريب أن كل  أدعياء هذا الموقف-رغم ادعائهم الاختصاص- لم يسمعوا بما طرأ على العلوم الأدوات التي تمكن من فهم المعاني الدينية والفلسفية أو هم اكتفوا بالتعلم الصحفي من الترجمات الرديئة أو تكلس فكرهم على دلالاتها الوسيطة لكأن الفكرين الديني والفلسفي تجمدا في ما كتب في الوريقات الصفراء لعلماء الكلام الوسيط. فعندهم أن علم النحو والمنطق القديمين كافيان بديلا من علوم اللسان والهرمينوطيقا والأناسيات بكل أنواعها فضلا عن العلوم الطبيعية والفلسفات الحديثة: لأن هذه كلها أجنبية واستشراقية في حين أن المنطق وجل النظريات التي يقول بها الكلام دون فهم (كالجوهر سواء كان فردا أو هيلومورفيا) أهلية  المنبت ومن صنع محلي.

وها أنا أسوق لك ملاحظات على ملاحظاتك الستة بدءا الثلاث الأخيرة التي تبدو ذات طابع شبيه بالاستفهام الفكري في حين أن الثلاث الأولى هي من جنس الاتهام بدل الاستفهام لذلك سأخرها. ولعل الجواب يكون كما ترغب مطابقا للحال بخلاف ما وجدت عليه جواب الأستاذ:

ملاحظة على ملاحظتك الرابعة:

لو طبقت حدود الأشياء عليها لاضطررت إما لتغييرها أو لموافقة الأستاذ  في هذه المسألة لأنه لم يذكر شيئا ينسبه إلى نفسه بل هو عين تعريف البرهان في المنطق الذي يعتمده المتكلمون أعني مضمون المقالة الأولى من التحليلات الأواخر وعين مضمون البرهان في القرآن. وقد ضرب أمثلة حتى لا يتعلل أي أحد بعسر التحليل. فقد بين أن الأول صورة عقلية بمضمون من معطيات التجربة الحسية الواقعة فعلا أو ممكنة الوقوع. وبين أن الثاني صورة عقلية بمضمون من معطيات التجربة الحدسية المعيشة فعلا أو ممكنة العيش. والفرق الوحيد بين الصنفين هو أن الأول يقبل الفصل عن المعيش والثاني لا يقبل ولذلك فقوة النوع الثاني البرهانية أقوى إذ حتى النوع الأول بحاجة إلى تأسيس من جنسه. وذلك يعلمه كل من يفهم معنى التأسيس المتعالي في الفلسفة الحديثة سواء كانت نقدية بسيطة أو نقدية تداولية. ولذلك فالأول يمكن أن يعد من الكليات والثاني هو دائما من العينيات. وكل ذلك بين من جواب الأستاذ فلا حاجة لتكراره لكنك طلبت جوابا سريعا. وأنا ألخص لك جواب الأستاذ. أفما زلت تعتبر ذلك ليس في متناولك وأنت الذي طلب جوابا فلسفيا لوصفك تساؤلك بالفلسفي ؟

ملاحظة على الملاحظة الخامسة:

هذه فاتت الأستاذ لسوء الحظ. فجزاك الله خيرا إذ نبهته إليها. لكن إذا صح أنها فاتته وانتبهت أنت إليها فلم لم تسأل نفسك عن دور علم الكلام  عندئذ ما الفائدة منه ؟ فإذا نفيت تحصيل الإيمان بالعلم كما تسلم فلم إذن البحث الكلامي من أصله حتى لو كان علما فضلا عن كون ظن أصحابه أنه علم مجرد وهم لأن موضوعه بمقتضى حده ينفي عنه كل علمية لأنه يمتنع أن يكون  مادة للإدراك العلمي لعدم اقتصاره  على عالم الشهادة؟  

فمن يزعم وهو واع علما بالمعنى الدقيق للكلمة لعالم الغيب ثم يجد من يسلم له بالسلامة العقلية ؟ بل حتى الشاهد من ما يزال اليوم يصدق أن علمه الحقيقي والقطعي كما يزعم أدعياء الكلام في ما لا يعلم من الغيب ممكن ؟ وهل يوجد عالم أكثر غيبية من الله ذاتا ووجودا وصفات ؟ وحتى حدوث العالم الذي يقول به العلم الحديث كيف للمتكلم أن يثبته بمجرد الزعم أن الملازم للحادث حادث ؟ أليس في ذلك مصادرة على المطلوب ؟ من أين لهم بالملازمة حتى لو سلمنا بمقتضاها ؟ ألا ترى أنك تثبت ما تتصور نفسك نافيه بمجرد أن تسلم بأن العلم لا يحقق الإيمان حتى لو سلمت بأن الكلام علم ؟ ألست بذلك تقول بما يقرب مما يقول به الأستاذ حتى وإن بأدلة مناقضة لما تقول مع فارق أنه لا يسلم للكلام بالعلمية ؟ رجائي لو تفضلت أن تعيد قراءة جواب الأستاذ وشروح تلميذه المنصوري إذا كنت فعلا  طالب حق.

ملاحظة على الملاحظة السادسة:

هذه مسألة عالجها الأستاذ في غير موضع. وقد تكون حقا لم تفهم لأنها فعلا مسألة عويصة. فلتعد إذن إلى الجواب ولتقارن ما جاء فيه بما جاء في نقد شيخك له في الحلقة التاسعة من مسلسله حول ما يسميه بسخافات المرزوقي وزمرته. ونصحت لك وقد بدأت بالنصح والتناصح واجب أن تفيد مما يقوله شيخ الأصلين فهو حكيم فعلا ويفهم في المنطق وفي الفلسفة عند كل من توقف العلم بالعلوم الأدوات عندهم دون ما وصل إليه في عصر الرازي. وحتى يزينوا هذا الأحكام المسبقة يفلفلونها باتهام غيرهم بأنه متغرب يقدم على جريمتين: القول بحرية المعتقد وبنفي السلطة الدينية التي تحدد العقائد الصحيحة للآخرين.

وطبعا فأنت حر في أن تقبل بوجود من يحدد لك عقيدتك. لكن هذا ليس رأيي ولا رأي الأستاذ لأننا ليس لنا من مولى إلا الله ولا ندعو بمولاي غيره بخلاف طلبة الأصلين. وها أنا الآن أشير إلى الفائدة الأساسية من جواب الأستاذ المرزوقي بصورة تطابق الحال كما طلبت الفائدة الأساسية مما يسميه حكيم الزمان بسخافات المرزوقي: فعند المرزوقي كما تعلمت منه لا شيء من الأحكام العقلية له معنى وجودي حقيقي بل هو مواقف ذاتيه للعقل الإنساني الذي لم يع بعد حدوده رغم أنها من أهم علامات تعالي العقل الإنسان على الالتصاق بالواقع الأدنى ومن ثم فهي آية من آيات التشوف والتعالي لما يعلو على الدنيا.

لكن الأحكام العقلية معتقدات وليست حقائق علمية ولا عقلية بالمعنى العلمي. فلا واحد منها متحقق في الوجود إلا بشرط عدم التساؤل عن شرعية المقابلة بين الداخلي والخارجي أعني بشرط القبول الغفل بالموقف الطبيعي في مسألة الوجود (بالمعنى الظاهرياتي للكلام) لأن هذا التسليم الذي يبدو بدهيا هو من أوهام من لم يدرس نظرية المعرفة الظاهرياتية وكل الفكر الحديث المدرك لحدود العقل والمتحرر من أوهام الميتافيزيقا والكلام التي هي أوهام لا تختلف عن العلموية الغفلة.

 إنما الأحكام أو الجهات نسبة موقف الفكر من الوجود بالقياس إلى ما يقدر عليه ولا يقدر عليه من الأفعال. وذلك قبل أن يقسم الفكر  الوجود بمقتضى إطلاقه لأحكام الوضع الناتجة عن هذه القسمة الوهمية أعني عن الأحكام المسبقة للموقف الطبيعي وما ينتج عنه من إسقاط للأوهام على الأمر في ذاته: فرافع هذه الأحكام إلى الإطلاق لا يختلف عن الموسوس الذي يعتبر وسواسه حقيقة موضوعية فلا يستطيع الخرج من هذيانه المرضي.

 لكن العقل السوي يعتبر ذلك أحكاما ذاتية خالصة. وقد وصف الأستاذ لك ذلك عند كلامه على مصدر هذه الأحكام إذ حاول أن يشرح لك الدليل القرآني الرئيسي الذي يعلق عليه فودة دون فهم الأساسيات كعادته في العجلة وعدم الروية. فما لا يستطيع له الإنسان دفعا يسميه حكم الوجوب وما لا يستطع له وضعا يسميه الممتنع. وكلاهما عند الإنسان من الضروري الإضافي إليه.

والوهم يجعل صاحب العقل الغفل –وهو مما لا يخلو منه الكثير ممن يتصورون أنفسهم مختصين في مخض آراء المتكلمين-يتصور ما هو ضروري عنده ضروري في ذاته بآلية الإسقاط النفسي كما هو معلوم من بسيط علم نفس البسطاء. أما ما يعتبره قابلا لأن يكون على غير ما هو عليه فهو عنده ليس بالممتنع وليس بالواجب. إنه الممكن بمعنى فاقد الصفتين. وأول التجارب التي من هذا الجنس هي تبدل أحوال الذات إلى حد تصور ذاتها قابلة لئلا تكون موجودة كما تقبل ألا تكون واعية بإطلاق وحية مع ذلك كما في تجربة الموت الأصغر مثلا.

لكن الممكن الأعم هو ما ليس بممتنع ومنه الواجب لكونه غير ممتنع. والجهات أو ما تسميه بأحكام العقل هي مواقف ذاتية خالصة لأنها تفترض متقدما عليها ما لا تستطيع تصور مواقفها قابلة للحصول من دونه أعني الوجود غير الموصوف بأي منها وهي تقسمه بأحكامها المسقطة على الوجود اللامعلوم بالجوهر وغير القابل للرد إلى أحكام الذات إلا إذا كانت من باب الاعتقاد والإيمان.

وكلها إذن صفات لما في الوعي من مضمونات ولا شيء يثبت حقيقتها الموضوعية اللهم إلا إذا سلمت بأن من شرط العقل الإيمان به كما يسمى في لغة الفلسفة: عقيدة العقل وكما أدرك ذلك حجة الإسلام عندما قال في المنقذ إن النور المقذوف في القلب أعاد الثقة في الأوليات أعني في العقل. ذلك أن الوعي من خاصياته الإيمانية لا العلمية أنه يسقطها على الوجود في الأعيان إذا قبل بأن ما في وعيه له ما يناظره خارجه وهي مسألة إيمانية وليست علمية.

وليس للإنسان أدنى دليل على أن ما يراه خارج وعيه موجود حقا وليس من أوهامه. ومن دون الإيمان بالله وتصديق قصة الخلق والإهباط والاستخلاف ليس للعالم الدنيوي أدنى وجود حقيقي عدا مجرد التصديق بما لا يمكن للإنسان دفعه من مفاعيل وعيه. وهي قضية ديكارت الأساسية. ولعلها أهم مبادئ القرآن الكريم إذ ليس العالم الدنيوي إلا لعبا ولهوا بل هو ظاهر من الوجود والحياة. والحياة الحقيقية هي ما نؤمن به أو لا نؤمن به في العالمين الأول والآخر.

ملاحظة على الملاحظة الأولى:

الأستاذ لا يصادر حق أحد. ولم يفرض رأيه على أحد. متكلما كان أو فيلسوفا. لكن كلامك يمكن أن يكون مفهوما لو كان المتكلم يكتفي بالتأويل لنفسه ولم يحاول جعل تأويلاته عقائد على الناس أن يعتقدوها. لو كان ذلك كذلك لما وجد أي مشكل مع أي منهم. لكن المتكلمين يذنبون مرتين:

1- فهم أولا يجعلون تأويلاتهم عين الحقيقة ويعتمدون عليها لتحديد المسلم من غير المسلم والمؤمن من غير المؤمن.

 2- وهم يبنون ذلك على أن تأويلاتهم علوم حقيقية وأن مجال العقد والإيمان يمكن للمرء أن يجزم فيه الجزم الذي ينتج عنه فرض عمل على غير الذات.

وليس صحيحا أن الأستاذ ينهى عن خلق ويأتي مثله: فهو لا يقدم عقيدة بل يسعى إلى جعل العقائد من حق الفهم الحر للنص عند الجميع. وهذا ليس تأويلا بل هو تحرر من التأويل. ولهذا الموقف مزية التوافق مع النص الصريح في القرآن إيجابا بالتوكيد على حرية المعتقد والصوغ الصريح لمقومات العقيدة وسلبا بتحريم التأويل ونفي السلطة الكنسية.

ملاحظة على الملاحظة الثانية:

 المشكل ليس في حق التأويل. فقد بين الأستاذ أن التأويل لا مفر منه إذا كان القصد وضع مضمون معين لمسمى الأسماء الواردة في النص. لكن القرآن وضع شرطا يجعل كل المضامين ممتنعة لقوله ليس كمثله شيء. فيكون التأويل من ثم من جنس حديث النفس الذي لا حساب عليه ولا عقاب. فلم صيره المتكلمون حكما في عقائد الناس والله حرره من الحكم الشرعي أصلا؟ فيكون موضع الحكم الشرعي هو بالذات هذا التحويل الذي يعبر عن زيغ القلوب وابتغاء الفتنة خاصة والقرآن ينفي علم الغيب حتى على الأنبياء وكل العقائد من الغيب لأنها تتعلق أساسا بالله ذاتا وصفات وبكيفيات الحياة الأخرى إلخ...

ملاحظة على الملاحظة الثالثة:

ليس من عادة الأستاذ أن يطلب رضا الناس. فهو يطلب ما يراه حقا ولا يهتم كثيرا بأن يرضي زيدا أو عمروا. طلبت منه جوابا فأجابك بما توصل إليه من تحليل في حدود ما يرى أن العقل لا يمكنه يتجاوزه بخلاف أوهام المتكلمين. وشتان بين من يؤول مضمون الدين وبين من يؤول معرفة العقل بذاته وبحدوده ليستنتج أنه لا يستطيع أن يؤول مضمون القرآن تأويلا قابلا لأن يعد حقيقة تفرض على الغير بوصفها عقيدة عليهم اتباعها وإلا فهم ....إلى كل الأوصاف المتبادلة بين الفرق.

وفي الختام أرجو أن تكون ملاحظاتي قد بينت بعض ما بدا لك ملتبسا في جواب أستاذنا أبي يعرب... فإن وجدت ذلك فعلا فالحمد لله، وإن رأيت أنه لم يغير مما استبد بك من فهم شيئا ووجدت في قلبك مع ذلك أنك مازلت طالب حق،فالله نسأل الهداية...

والسلام.

 

 

 

تساؤل السيد غسان طوقان

الدكتور أبو يعرب المرزوقي المحترم،
تحية طيبة وبعد،
أشكر لكم اهتمامكم وصبركم على الإجابة. 
فيما يخص ما رأيتموه وعداً مني فكان فيما أذكر معلقاً على المشيئة، وإبداء رأيي فيما كتبته في آخر رد لكم على الأستاذ سعيد لن يكون ذا أهمية قبل أن أتحقق وجهات نظركم واستدلالتكم. وما استفساراتي هذه إلا محاولة جادة للولوج إلى فكركم فإذا فهمت منطلقاتكم ومبادئ نظركم وكليات مذهبكم صار كل كلام تقولونه مفهوماً واضحاً عندي. وأمكنني أن أبدي وجهة نظري فيه إن كان لها أهمية في نفسها أو عند أي أحد. ولا أخفيك أنني أجد كلامك غريباً عني، ولكني أحاول جهدي لا لفهمه من حيث هو لغة بل من حيث ما أشرت إليه من أصول كلية ومنطلقات ومبتدآت فكرية. وأما ما أشرتم إليه من ردكم عن سؤالي الأول في مراسلة خاصة فلا أذكر أنكم أجبتموني عن ذلك. وربما كان في ثنايا كلامكم ما لم أفهمه، وإنني أقدر لكم الإعادة، وهو واجب الفيلسوف الكبير الداعية إلى ما يعتقده حقاً أن يصبر على المبتدئين. أسأل الله أن يجزيكم على جهدكم وأن يكتب أجركم. 
وفي الحقيقة ليس طلبي للمراجع حجة مطلقاً، بل لأعرف إن كان لكم في قولكم هذا سلف أو أنه من ابتكاركم أنتم. ولا أطلب مرجعاً من كتب المتكلمين قطعاً لأنه قول غريب عنهم. كما أن قولي تأملت فلم أدرك فرقاً بين الدليلين ليس حجة على أحد ولا حتى على نفسي في هذا المقام، وإنما هو كمن يسمع كلاماً فيجده على الأقل نظرياً ليس ظاهراً فيطلب بأدب بيانه بقوله \"لا أفهم ذلك فبينوه لي حتى أحكم فيه\". هكذا أكون فيلسوفاً حراً أستمع للآخر حتى لا يبقى شيء عند الآخر يعوزه البيان وذلك لا يتحقق إلا بممارسة فن نقده بالتفلسف إلى أبعد حد، ثم أغوص فيه لأتحققه، ثم أترك لنفسي أن تتعلق به تعلقها الطبيعي دون أن أملي عليها شيئاً لأني لا أرغب في خيانة نفسي. هذه طريقتي. 
وفيما يلي ملاحظاتي واستفساراتي على بعض ما جاء في خطابكم: 
قلتم عن الأدلة الكلامية إنها: \"دون الخطابة تأسيسا وقربا من المعرفة العلمية\" 
فما هي الأمور التي تجعل من الأدلة الكلامية دون الخطابة بالنسبة للمعرفة العلمية؟
قلتم: \"فليس لأي مرجع هذه المنزلة بعد القرآن والسنة فضلا عن كونهما هما بدورهما يعتمدان سلطة الحجة لا حجة السلطة\"
أوافق على أنه ليس لأي مرجع غير الكتاب والسنة المنزلة التي تتكلم عنها والتي لم أكن قطعاً أقصدها بكلامي. ولكن لفت نظري تعبيركم بسلطة الحجة وحجة السلطة. فإنني أرى الحجج الواردة في الكتاب والسنة مذكورة في كتب علم الكلام، ومعتمدة كأدلة كلامية، فإذا كنتم تعترفون بسلطان الحجة القرآنية والرسولية فلا بد أن لا يكون رفضكم للحجج الكلامية على إطلاقه، بل لا بد من تقييد لهذا الرفض والتفصيل في هذا الباب هذا أولاً. 
وثانياً ما وجه كون الحجة القرآنية والسنية ذواتي سلطان كاف في القبول ووجه رد الحجة الكلامية والقول بعدم إفادتها للعلم وكونها دون الخطابة مع أنني لا أرى فرقاً في منهج الاستدلال من حيث هو استدلال بين الأصلين وبين الكلام، نعم في هذا الأخير نجد المصطلح والتشقيق المنطقي والقياس المفصل مما لا نجده في القرآن والسنة وذلك لما أن ذلك ينافي بلاغة القرآن، ولكن الاستدلال هو الاستدلال. والمنهج هو المنهج. فكم تضمن القرآن والسنة من قياسات واستدلالات جعلت أمثلة في المنطق والكلام لمطابقتها القواعد المنطقية والمناهج الاستدلالية مطابقة تامة. وأرجو أن لا تعتبر قولي لا أرى ههنا حجة، بل هو تعبير عن عدم علمي بفرق بين منهج الاستدلال في الكتاب والسنة ومنهج الاستدلال عند المتكلمين، وما حالي إلا حال طالب لهذه الفروق لاستظهارها وفهمها والوقوف عليها. فأرجو منكم البيان. وحين أطلب الأمثلة أرجو أن أعذر. 
قولكم: \"هذه المراجع معلومة للجميع لأني لم أخفها وأعجب من سؤالك عنها
فقد ذكرت أن لي في المسألة ثلاثة مراجع أشرت إليهم بالاسم مع تعيين تجاربهم في مصنفاتهم الثورية أعني بترتيب عائد من الغاية إلى البداية ابن خلدون وابن تيمية والغزالي: الغزالي في التهافت والفضائح والاقتصاد وابن تيمية في الدرء والرد والمنهاج والتلبيس وابن خلدون في المقدمة خاصة\"
أرجو من فضيلتكم أن لا تتعجبوا مني لأني على اطلاع على فكر الثلاثة المذكورين. ولا أعلم من أي منهم رأيكم هذا. وقد نقلت إلى موقعكم فيما يتعلق بابن خلدون رسالة للسيد أحمد حكمت بين فيها موقف ابن خلدون من علم الكلام وفيها من النصوص ما يؤكد أن الرجل كان أشعري المعتقد والمنهج وأنه لا يخالف مناهج المتكلمين في شيء. وأما ابن تيمية ففي رد الأستاذ سعيد الأول على فضيلتكم وجدته قد بين موقف ابن تيمية فيما يتعلق بالدليل العقلي على الاعتقاد بنص قاطع، كما أن ابن تيمية فيلسوف ومتكلم وهذا لا يمكنني أن أتجاهله أو أنكره. وأما الغزالي فلست مع الذين ينسبون إليه الرجوع عن الكلام، وكذلك وجدت رسالة للأستاذ سعيد بعنوان موقف الغزالي من علم الكلام، رفع فيها الإشكال في هذه المسألة ورد فيها على من قال بخلاف الغزالي للأشعرية سواء في معتقده أو منهجه واستقرأ كتبه وحلل ما ألغز من عبارته على بعض الباحثين، وأتى بشواهد نصية من كلامه تشفي الغليل. ولست أستدل عليكم بعين كلام الأستاذ سعيد، فأنتم لكم رأيكم الذي أحترمه، ولكني بعد أن قرأت الكتاب وجدته بحثاً في غاية الأهمية وقد أجابني عن الإشكالات التي أوردها من رأى الغزالي فيلسوفاً أو أنه انقلب صوفياً محضاً مخالفاً في منهجه للأشعرية سواء من جهة الاستدلال أو المقال، وبحث تجربته الروحية وما قيل في شكه وخروجه منه. وأرجو أن تتمكنوا من الاطلاع على هذه الدراسة، ونرى لكم فيها رأياً. أو نرى لكم دراسة في مقابلها تبينون فيها بنصوص هؤلاء العلماء الثلاثة كيف أنهم قائلون بما تقولون به. فخلاصة الأمر أن قراءتي لهؤلاء الثلاثة لم تكشف لي عن ما تنسبونه أنتم وطلابكم الأفاضل إليهم في هذا المجال، وأرجو أن نطلع قريباً على قراءة في كتب هؤلاء تتضمن نصوصاً منهم واضحة على ما ترونهم قائلين به. فبرأيي أن عرض الأستاذ سعيد للمسألة يلقى قبولي وقبول كثير من الباحثين لأنه ببساطة حين ينسب قولاً لأحد يأتي بكلامه ويقرأه مع القارئ بصوت مرتفع، ويفكر فيه ويحلله بصوت عال، وهذا ما لا نجده في كلامكم، نعم لكل أسلوبه، ولكن من حق القارئ أن يطلع على قراءتكم للنصوص بشواهدها ويطلع على تحليلكم لها بما يفيد ما خلصتم إليه من الفكر فيها. وأرجو أن تكون فكرتي قد وصلت. 
إنني أوافقكم على أن ثلاثتهم علماء سبقوا وكانوا أصحاب إنتاج فكري هائل أنهم سبقوا مفكري الغرب، ولكن ما لم أستشكل فهمه فهو: 
أولاً: قولك: (فلا أحد من هؤلاء يقبل بالأدلة الفلسفية في الإلهيات حتى وإن لم يشكوا في كونها عقلية.) مع قولك: (لكن الأهم من ذلك هو أنه لا أحد منهم يقبل بالأدلة الكلامية في الإلهيات بل هم ينفون عنها حتى كونها أدلة عقلية.)
في الحقيقة بعض الأدلة الفلسفية تم اعتبارها من جانب المتكلمين مثل دليل الإمكان وكل من الغزالي وابن خلدون يجعلانه دليلاً صحيحاً ومسلكاً مستقيماً في الاستدلال على وجود الله تعالى. ولا أظن أنه يخفى على فضيلتكم ما في كتب ابن تيمية من أخذ من الفلاسفة سواء ما أقرهم عليه من المفاهيم والاستدلالات. وفي كلامك تصريح بأن الثلاثة مع رفضهم لأدلة الفلاسفة جملة وتفصيلاً فإنهم قطعوا بأنها أدلة عقلية، وأن الثلاثة لم يقبل أحد منهم الأدلة الكلامية نفوا كونها عقلية. 
فههنا ثلاثة أمور: الأول رفضهم للأدلة الفلسفية. والثاني: رفضهم للأدلة الكلامية. الثالث: اعتبارهم الأولى عقلية وعدم اعتبارهم للثانية أنها كذلك. 
وفي هذا المستوى من البحث أنتم تنسبون إلى هؤلاء الثلاثة هذه الأمور الثلاثة، ومع احترامي لوجهة نظركم وقراءتكم وتقديري لبحثكم لهؤلاء الثلاثة فكيف تفسرون استعمالهم للأدلة الفلسفية والكلامية في معرض تقرير مقالاتهم إن كانوا لا يرونها مفيدة للعلم. وفي مقام النسبة لا بد أيضاً في نظري أن تظهر كلامهم الذي يفرقون فيه بين الدليل الفلسفي العقلي والدليل الكلامي على نحو ما فرقتم به حضرتكم بينهما. إنني ما زلت لا أرى في كلامكم ما يدل على أنهم فرقوا بين الدليل الكلامي والفلسفي بنحو ما فرقتم به، وبالمقابل أجدهم ينظرون في الدليلين الكلامي والفلسفي على السواء دون تمييز بينهما من حيث هما فلسفة وكلام بل قبول الدليل عندهم جميعاً أو رده لا يتوقف على كون الدليل فلسفياً أو كلامياً بل على قبولهم أو رفضهم له من حيث هو دليل صحيح أو فاسد من جهة المادة أو الصورة. وهذا واضح غاية الوضوح عند عرضهم للأدلة الفلسفية والكلامية وكلامهم عليها فإنهم يقبلون منها أو يردون ما هو مقبول أو مردود بناء على أصولهم دون الالتفات إلى قائل القول، أو كونه منسوباً إلى الكلام أو الفلسفة على الرغم من أنهم يشيرون إلى مصادر الأقوال وغالباً ما يسنبونها إلى نفس قائلها إذا كان معلوماً، فما تعليقكم على ذلك وحبذا لو استشهدتم على ذلك من كلامهم لإثبات نسبة هذه الآراء لهم.
ثانياً: قلتم (لكي تكون {الأدلة} كلامية فلا بد لمقدماتها أن تكون نقلية. لأنها من دون هذا الشرط من المفروض أن تصبح فلسفية.)
فأسألكم باحترام أن تبينوا لي من أين علمتم هذا الشرط، إذ الكلامي نسبة إلى علم الكلام، وعلم الكلام هو العلم الباحث في إثبات العقائد الدينية والحجاج عنها ورد مقالات خصومها دون هذا الاشتراط، بل لقد بحث المتكلمون في الطبيعيات في دقيق الكلام كما هو معلوم وقد قدم في ذلك الدكتور العلامة محمد باسل الطائي بحوثاً جليلة في هذا السياق، أرجو أن تنظروها في موقعه. فما الذي حملهم على البحث في الطبيعيات إذا كان من شرط الدليل الكلامي أن يكون من مقدمات نقلية. بل ما معنى كونه دليلاً على العقائد الدينية إذا كان سيعتمد على نفس النقل من حيث هو نقل، كيف سيثبت المتكلم عقيدته إذا كان سيبدأ بالمصادرة من أول لحظة، والشيء لا يثبت بنفسه بل بما هو خارج عنه دال عليه. هذا الرأي منكم أثار استغرابي كثيراً في الواقع. وإني أنظر في دليل المتكلمين على القدرة والإرادة والعلم وعلى وجود الله فلا أجد في أي منها مقدمة نقلية واحدة، فهلا بينتم لي تلك المقدمات النقلية التي تضمنتها تلك الأدلة مما قد يكون قد خفي علي. 
إن ما أشرتم إليه من أدلة قرآنية خمسة، منصوص عليها بالنص في كتب الكلام، وقد وجدتها في متون العقائد مما يدل على اشتهارها وانتشارها واعتمادها وإقرارها. ومما يدل على دراسة المتكلمين للأدلة القرآنية واستفادتهم منها، بل لا تكاد تجد لهم دليلاً إلا ويشيرون إلى أصوله من الكتاب والسنة مثال ذلك تخريجهم لدليل الحدوث ودليل الإمكان ودليل العلم ودليل الإرادة والقدرة والعناية والنظام والانسجام ودليل التمانع من أدلة الوحدانية وغير ذلك من آيات القرآن الكريم. وهذا يدعوني مجدداً لاستغراب حكمكم على الأدلة الكلامية بهذه الأحكام العامة المطلقة التي أقل ما أقول فيها ببادي الرأي أنها بحاجة إلى تخصيص وتقييد، ثم هي بحاجة إلى تفسير لكونها غير مفهومة بالنسبة لي على الأقل حين أجد كتب الكلام زاخرة بعين ما تسميه أدلة قرآنية عقلية. وبحاجة لبيان أن هذه المطابقة بين كلام المتكلمين وكلام الله ورسوله هي مطابقة ظاهرية وهي في الحقيقة مخالفة جوهرية لكي أقتنع بأن المتكلمين لم يتحققوا مقاصد الكتاب والسنة ولم يبنوا علومهم عليهما. وهذا أشبه بأن يسأل سائل إذا تعارض قول الفقهاء مع الكتاب والسنة فأيهما نقدم. فهو قائم على افتراض لا وجود له أصلاً لأن الباحث في كتب الفقهاء يعرف أن كلامهم مستمد منهما، وأنه ليس مقرراً بمعزل عن النظر فيهما. فكيف إذا وجدنا هذا التخريج لكلام المتكلمين منهما، ووجدنا هذه المطابقة بينه وبينهما، فكيف يسوغ لنا أن نرد كلمهم على هذا النحو الذي تردونه؟ 
أستاذنا الفاضل الدكتور أبا يعرب، 
في الحقيقة هنالك الكثير من النقاط التي استشكلتها في كلامكم، وإنني لا أرغب في الإطالة عليكم لما أرى من انشغالكم الكبير بالبحث والكتابة والجواب، ولا أطلب منكم غير إجابات مختصرة مباشرة على ما سألتكم عنه لكي لا أجهدكم ولكي لا ندخل في تفاريع الكلام ولكي أتمكن من أن أكمل معكم عرض استشكالاتي واستقصاء رأيكم فيها وتوضيحاتكم حولها بسهولة وسرعة. وأرجو منكم احتمالي.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 تعليق أبي يعرب 27/11/2008 

الأخ الفاضل الأستاذ غسان طوقان

تحية طيبة وبعد:

 فقد جاء في فاتحة رسالتك ما يمكن أن نعتبره بنود عقد للحوار في ما طرحته من أسئلة أرحب بها كامل الترحيب. فهي قابلة لأن تكون الجسر الواصلة بين موقفين من تشخيص حال الفكر العربي الإسلامي الراهنة مختلفين اختلافا منهجيا نأمل أن يساعد الحوار فلا يعوقه. والمعلوم أن هذا الحوار يزداد أهمية إذا لم يكن مقصورا على وجهه النظري بل استند إلى دافع عملي متصل بهم المتحاورين. وأعتقد أن الهدف هو بالنسبة إليك كما هو بالنسبة إلي فهم الشروط التي تمكن من الفلاح في سعي فكرنا العربي الإسلامي لاستئناف دوره الكوني وليس مجرد فهم فكرنا المتبادل: "وما استفساراتي هذه إلا محاولة جادة للولوج إلى فكركم فإذا فهمت منطلقاتكم ومبادئ نظركم وكليات مذهبكم صار كل كلام تقولونه مفهوماً واضحاً عندي. وأمكنني أن أبدي وجهة نظري فيه إن كان لها أهمية في نفسها أو عند أي أحد. ولا أخفيك أنني أجد كلامك غريباً عني، ولكني أحاول جهدي لا لفهمه من حيث هو لغة بل من حيث ما أشرت إليه من أصول كلية ومنطلقات ومبتدآت فكرية".

وطبعا فوجهة نظرك ذات أهمية عندي واعتقد أنها كذلك في ذاتها. ولولا  حكمي هذا لاكتفيت برد التحية المصاحبة مع الاعتذار عن التعليق. وقد تلا تعبيرك عن الوعي بهذه الغرابة التي لك كل الحق في الإشارة إليها جملةٌ من الأسئلة سأحاول تلخيصها لإبداء الرأي فيها قدر المستطاع راجيا أن يكون تلخيصي أمينا حتى يكون الجواب مباشرا ودقيقا فلا يحيلنا إلى تفريعات قد لا تمكن من نيل المطلوب. لكن بعض التعقيدات النظرية لا مفر منها إذ كما قال أقليدس لأحد الملوك البطالمة: في الرياضيات لا وجود لطريق خاصة بالملوك (والضيف عند العرب ملك) ! وطبعا فالسائل يكون شخصا معينا لكن المجيب لا  يتوجه إليه وحده: فأسئلتك تمثل فرصة لكي أوضح للكثير من السائلين المفترضين القضيتين اللتين سأرد إليهما أسئلتك كلها أعني منهجي وما يجدونه مثلك من غرابة في ما انتهيت إليه من نتائج قد لا تكون يسيرة الفهم أو القبول. 

والمعلوم أن شرط العلاج الفلسفي يصدق على طرفي الحوار. فما يسمح للسائل بأن يسأل أي سؤال يعتبره علة عدم الفهم يسمح للمجيب مثله في محاولة فهم عدم الفهم أن يفترض ما يبدو له معقولا من التأويل. وقد ختمت رسالتك بأسلوب يدعم للود كل قضية إذ إني لا اعتبر أسئلتك للمعاجزة-بمقتضى كوني لم أزعم يوما في حياتي أن لي القول الفصل في ما أبحث فيه-بل هي بمقتضى حسن النية بالمحاور من جنس ما وصفت من إرادة الفهم لتيسير الحوار ولمواصلته. وإذ أجيب على الأسئلة فذلك يعني أني أسلم بأمرين بعد الاعتراف بأهميتها:

أن هذا الهم مشترك بيننا فكلانا يسعى إلى فهم أزمة الفكر العربي الإسلامي الحالي.

وأننا بالحوار نسعى للتعاون على التعامل معه كل بطريقته وعلى قدر فهمه واجتهاده.

ولو كان المفكر الذي يسعى إلى الفهم في محاولاته الفكرية يبحث عن الموافقين رأيه دون سواهم لما كان لسعيه معنى ولأصبح الحوار مناجاة ذاتية. الاختلاف في الآراء والمواقف مع التعامل الحضاري بين المتحاورين يمكنان من التقدم المعرفي والخلقي: وهو الفرق الجوهري بين أنظمة التعليم كما بين ذلك ابن خلدون وكما نراه رؤية العين عند مقارنة تخلف أنظمتنا التقليدية التي ما تزال تخضع لمنطق الشيخ والمريد !. وبذلك تتمايز الأمم الرائدة. وسأورد ملخص أسئلتك بعدتها وبترتيبها في رسالتك. لكني لن أجيب عنها كما وردت في الرسالة بل سأستسمحك بأن أنطلق من خيطها الرابط لردها إلى مسألتين لا غير:

المسألة الأولى: هي ما تقترحه علي من منهج تراه أصلح لعلاج القضايا التي تستفسر عنها وأنا عالم بالجواب المفضل عندك.

والمسألة الثانية: هي علل استغرابك الأجوبة التي تستفسر عنها لكونها لا تطابق ما يؤدي إليه المنهج السابق من أجوبة ترتضيها.

وطبعا فإن ذلك لا يعني أني أرفض الجواب عن الأسئلة واحدا بعد آخر وهو ما لن يتخلف خلال الجواب الفلسفي النسقي الذي يمكن أن يستعرض نفس المسائل ولكن بترتيب مقابل تماما لترتيبها في رسالتك مع تعليل لهذا القلب طبعا. فالقلب كما سترى لن يكون في حالة أسئلتك إلا عودة من آخرها إلى أولها لتعليل ستراه خلال الجواب. ذلك أن عدة المسائل وترتيبها في رسالتك يخلو من النسقية ولعله جاء بحسب تواردها في ذهنك خلال قراءة ردي السابق وليس بحسب علاج بنيته في التوجه بها إلى. وترتيب المسائل إذا لم يكن بنظام قصدي قد يجعل المجيب يكرر نفسه دون الذهاب إلى المبدأ الناظم للأسئلة.

لكني مع ذلك سأتبع ترتيب الرسالة في محاولة حصر المسائل كما ينبغي أن نفعل مع أي ضيف لهذا الركن من الفضاء الذي خصصه لي مشكورين طلبتي الأعزاء مع التعبير التام عن ترحيبي بأساس العقد الحواري بيننا من منطلقين أنت اقترحتهما وأنا أوافق عليهما بكل ترحاب:

أولهما أن يكون الحوار فلسفيا وليس كلاميا لأنك تقبل بألا تكون المراجع المعتمدة هم

المتكلمين.

والثاني هو ما عبرت عنه من غرابة وجدتها في فكري الذي لا استغرب من استغرابك

منه.

ويسعدني في بداية الجواب أن اشكر الأستاذ طوقان لما بذله من جهد لطرح أسئلته المتوالية ولما قد يضطر إليه من جهد لتحقيق ما علل به توجيه الأسئلة أعني حب المعرفة والفهم فضلا عن الاشتراك في الهم والقصد: فكلانا –في حدود ما فهمت من دوافع السؤال-يسعى إلى الإسهام قدر الطاقة في طلب شروط النهوض. وقد اعتبرت أسئلته فرصة تمكنني من توضيح الكثير من المسائل لتجنب سوء التفاهم الذي قد يحصل فيجعل التشكيك في المقاصد والنوايا محل حسن الظن بعضنا بالبعض ولتيسير الاجتهاد المشترك الذي اعتبره القرآن الكريم شرط الاستثناء من الخسر: التواصي بالحق والتواصي بالصبر.

وطابع جوابي الذي قد يجد فيه البعض بعض التعقيد يعلله محاولة التوفيق بين ما اقترحه من منهج يستغرب السائل نتائجه وما طلبه في أسئلته من منطلق منهج بين طبيعته بالمثالين اللذين نصحني بقراءتهما. فيكون الجواب بذلك مؤلفا من أربعة فصول دون قسمة ضيزى لأن الفصلين الأول والأخير موضوعهما الأسئلة في صيغتها الواردة في الرسالة تكريما لصاحبها إذ نبدأ بها ونختم. أما الفصلان الأوسطان فموضوعهما ما تصبح عليه المسائل العشر بعد تحويلها الفلسفي إلى مسألتين لا غير أو بصورة أدق إلى مسألة واحدة من منظورين مختلفين:

الفصل الأول لصوغ المسائل وترتيبها كما وردت في رسالتك.

والفصل الثاني للجواب بالترتيب الفلسفي النسقي على مسألة العلاج الذي تستغربه.

والفصل الثالث للجواب بالترتيب الفلسفي النسقي على مسألة المنهجية المطلوبة

والفصل الأخير سيكون  شبه تكريم للضيف السائل أقدم فيه جوابا على عينة من أسئلته الواحد بعد الأخر بعد طرح مسألة المنهجية وما يتفرع عنها أعني مسائل المجموعة الثانية من الرابعة إلى السابعة لكونها نالت في الفصلين السابقين بما يزيد عن اللزوم وبعد بيان قابلية المسائل الثلاث الأخيرة للرد إلى المسائل الثلاث الأولى التي نأخذها عينة.

 

 

 

                           الفصل الأول

                    الأسئلة عدتها وترتيبها

تتمثل أولى عمليات العلاج الفلسفي في وصف المادة وتصنيفها: ويشبه ذلك ما يسمى بصوغ المعادلة في الرياضيات أو بالترجمة المنطقية إلى رموز في العلاج العقلي للقول العلمي. والمادة هنا هي الأسئلة التي وردت في رسالة السائل. ولما كان السائل لم يحدد المنطق الذي اتبعه في طرح أسئلته فمن واجب من يحاول الجواب أن يقوم بذلك بنفسه. وحتى لو حدد السائل منطقا لأسئلته فإن من حق المجيب أن يقبل به أو أن يستبدله بمقتضى عقد الحوار بين ذاتين حرتين بشرط أن يعترف لمحاوره بنفس الحق. لذلك فإني اقترح الوصف والتصنيف التاليين لأسئلة الأستاذ طوقان مع إيراد ما نعتبره دالا عليها من نص رسالته. فقد تبين لي أن الأسئلة تنقسم إلى ثلاث مجموعات وهي ترد إلى مسألتين لأن المجموعة الأخيرة تكرر المجموعة الأولى:

1-المجموعة الأولى:

تتضمن المجموعة الأولى ثلاثة أسئلة تدور حول شرعية حكمي في الكلام. وهذه هي المجموعة الأولى من المسائل التي تتقدم على سؤال المنهجية باعتبارها ما تستغربه من أجوبتي.

السؤال الأول: حول شرعية اعتبار الكلام دون الخطابة في سلم التدرج إلى العلم: "قلتم عن الأدلة الكلامية إنها: \"دون الخطابة تأسيسا وقربا من المعرفة العلمية\" فما هي الأمور التي تجعل من الأدلة الكلامية دون الخطابة بالنسبة للمعرفة العلمية؟"

السؤال الثاني: حول شرعية رفض الحجة الكلامية وقبول الحجة القرآنية. وهل يكون الرفض مشروطا أم مطلقا؟: قلتم: \"فليس لأي مرجع هذه المنزلة بعد القرآن والسنة فضلا عن كونهما هما بدورهما يعتمدان سلطة الحجة لا حجة السلطة\"

السؤال الثالث: حول شرعية اعتبار الأدلة الكلامية غير قرآنية أو بصورة أدق حول عدم القبول بالكلام مجرد ترجمة صناعية للأدلة القرآنية  ؟ (التأويل هو المشكل): "مع أنني لا أرى فرقاً في منهج الاستدلال من حيث هو استدلال بين الأصلين وبين الكلام، نعم في هذا الأخير نجد المصطلح والتشقيق المنطقي والقياس المفصل مما لا نجده في القرآن والسنة وذلك لما أن ذلك ينافي بلاغة القرآن، ولكن الاستدلال هو الاستدلال. والمنهج هو المنهج".

2-المجموعة الثانية:

تتضمن المجموعة الثانية أربعة أسئلة أصلها سؤال المنهج وفروعها تتعلق بشرعية ما اعتبره مواصلا لمراجعي الثلاثة في السؤال عن علل تعثر الفكر العربي الإسلامي وخاصة دور الكلام المعطل.

السؤال الرابع: حول طبيعة المنهج المستعمل لإثبات ما أنسبه إلى مراجعي في مسائل ثلاث: قولكم: \"هذه المراجع معلومة للجميع لأني لم أخفها وأعجب من سؤالك عنها". والنموذجان هما: أحمد حكمت في بحثه الكلام عند ابن خلدون والشيخ سعيد فودة في بحثين حول ابن تيمية والغزالي.

السؤال الخامس : حول شرعية دعواي بأن المراجع الثلاثة مجمعون على ما أدعيه في الكلام وكيف أثبت ذلك بصورة عامة ؟

السؤال السادس: حول صحة رفضهم الأدلة الفلسفية.

السؤال السابع: حول صحة رفضهم  الأدلة الكلامية.

"ولكن ما لم أستشكل فهمه فهو (......) فههنا ثلاثة أمور: الأول: رفضهم للأدلة الفلسفية. والثاني: رفضهم للأدلة الكلامية. والثالث: اعتبارهم الأولى عقلية وعدم اعتبارهم للثانية أنها كذلك". 

3-المجموعة الأخيرة:

وتتضمن المجموعة الأخيرة ثلاثة أسئلة وهي تكرار للمجموعة الأولى بصيغة مختلفة وتتعلق بحكمي في الكلام بقراءة السائل مطبقا المنهج الذي ينصح به.

السؤال الثامن: حول صحة  اعتبارهم  الأولى عقلية والثانية غير عقلية: "ومع احترامي لوجهة نظركم وقراءتكم وتقديري لبحثكم لهؤلاء الثلاثة فكيف تفسرون استعمالهم للأدلة الفلسفية والكلامية في معرض تقرير مقالاتهم إن كانوا لا يرونها مفيدة للعلم".

السؤال التاسع: حول الشرط وهو عين تعريف الكلام كما يتبين ذلك بقليل من التأمل. فالقول إن الكلام هو الدليل على العقائد الإيمانية بالعقل يعني أن مادة الأدلة الكلامية من الوحي حتى لو كانت الحجج من الجدل: "ثانياً: قلتم (لكي تكون {الأدلة} كلامية فلا بد لمقدماتها أن تكون نقلية. لأنها من دون هذا الشرط من المفروض أن تصبح فلسفية"فأسألكم باحترام أن تبينوا لي من أين علمتم هذا الشرط".

السؤال العاشر: حول أدلة القرآن الخمسة. أظنك قد أولت رأيي في الآيات الخمس فاعتبرتها أدلة ثم أرجعتها إلى ما فهمه المتكلمون وليس ذلك قصدي. ولعلك لم تقرأ النص الذي بينت فيه امتناع شروط الكلام: "إن ما أشرتم إليه من أدلة قرآنية خمسة، منصوص عليها بالنص في كتب الكلام، وقد وجدتها في متون العقائد مما يدل على اشتهارها وانتشارها واعتمادها وإقرارها".

وبذلك فإن الأسئلة العشرة تقبل الرد إلى مسألتين لا غير وذلك على النحو التالي:

1-المسألة الأولى:

فأربعة أسئلة منها تدور حول المنهج الذي استعملته والتشكيك في قابليته لبيان تأسيس الوصل بين موقفي ومواقف مراجعي من الكلام لعدم إثبات ذلك بالطريقة التي يمثل لها السائل بالمثالين المقترحين. وهي الأسئلة من الرابع إلى السابع بدخول البداية والغاية.

2-المسألة الثانية:

وستة أسئلة منها تدور حول غرابة ما أقدمه من حلول لمسائل اعتبرتها غير قابلة للعلاج الكلامي. والسائل يستغرب ذلك لإيمانه بالكلام أساسا مقبولا للعقائد (علما وأن هذا السؤال هو نفسه الذي طرحه السائل من أول لقاء في الملتقى عندما اعتبر من واجبي أن أقدم البديل إذا صحت دعواي في بعض قضايا الكلام). وهذه الأسئلة هي في الحقيقة ثلاثة تكررت مرتين أولاهما قبل أسئلة المنهج والثانية بعدها كما نبين فتكون مجموعة واحدة منظورا إليها من منظورين متقابلين:

فالصيغة الأولى للمجموعة تتضمن سؤالا عن شرعية موقفي من الكلام بالقياس إلى الخطابة وإلى العلم وإلى القرآن (الأسئلة الثلاثة الأولى)

والصيغة الثانية للمجموعة تتعلق بما يعارض به السائل هذا الموقف من منطلق المنهج الذي يعتبره أفضل لعلاج مسائل الكلام.

وبذلك فعلي أن أبحث في مسألتين لا غير لأن كل هذه الأسئلة التي لا تبدو مترابطة متفرعة عنها أو عن جوابها الذي سيجعلها مفهومة للسائل إن شاء الله:

الأول: هل المنهج الذي يقترحه السائل قابل للتمكين من علاج المشكل الذي ظنه السائل من جنس ما عالجه مثالاه ؟ فليس مشكلي هو التأكد من أقوال المتكلمين في الكلام بل هو تحديد دور العائق الكلامي في نهضة الأمة العلمية والدينية في عصرنا وذلك من منطلق تطور الفكر الإنساني..

الثاني: هل ما يستغربه السائل علته أنه غريب أم لأنه ينظر إليه من منطلق المشكل الذي يطرحه المتكلمون العائدون والذي ليس هو همي الأول ؟ فإذا علم السائل المشكل ما هو هل يبقى الاستغراب خاصة إذا كنا مشتركين في طلب الشروط التي تحقق استئناف الأمة دورها الكوني ؟

 

 

                         الفصل الثاني

 

        علاج المسائل الست بترتيب فلسفي نسقي

 

ولأبدأ فأمهد بالجواب عن سؤال ضمني: لماذا يقتضي العلاج الفلسفي النسقي لهذه الأسئلة عكس ترتيبها دون أن يلزم عن ذلك الاستغناء عن علاجها بمقتضى ترتيب صاحبها لاحقا تبجيلا لضيف الفضاء ؟ في حصر المسائل الأول أخذنا المسائل العشر التي وردت كمتوالية مسائل لا يربط بين حلقاتها إلا الكلام في منزلة علم الكلام بصورة لا ترينا مبدأ وحدتها وصلتها بعضها بالبعض فأرجعناها إلى مسألتين نؤخر منهما مسألة المنهج وعلينا الآن أن ندرس مسألة الموضوع ذاته أعني مسألة المعرفة الكلامية.

فشروط العلاج الفلسفي النسقي-وهذا بمقتضى العقد بيننا العقد الذي وضعت بنوده بنفسك وقبلته أنا طوعا- شرطه الأول والأخير يبقى دائما انطلاق البحث من المبدأ المؤسس للإشكالية حتى يتحقق إرجاع  ما يتفرع عنه إليه بمنهج واع بمقوماته وشروطه. وهذا المنهج يغني عن التكرار في الجواب وييسر بناء اللاحق من الأجوبة على السابق منها.

 لذلك فرجائي من القارئ ألا يعتب إذ استأنفت العلاج من رأس بمنهج يخضع لشروط الفن الفلسفي اقتصارا عليه دون التقليل من أهمية المنهج الذي يفرضه ترتيب المسائل في أسئلة السائل والذي سأعود إليه في غاية البحث. فلعل أحد الجوابين ييسر إعادة النظر في حكمه التالي:" ولا أخفيك أنني أجد كلامك غريباً عني" ليس للتحرر من الاستغراب الذي هو عامل إثراء خاصة وقد نسبه بإضافته إلى نفسه بل لكي يصل إلى ما يحاول أن يصل إليه من نتيجة قد تساعد على مواصلة الحوار المثمر:" ولكني أحاول جهدي لا لفهمه من حيث هو لغة بل من حيث ما أشرت إليه من أصول كلية ومنطلقات ومبتدآت فكرية"..

ولنبدأ فنذكر بالمسائل الواردة في رسالة السائل وترتيبها مع صوغها بصورة برقية من دون الرجوع إلى تصنيفها في مجموعات ساعدتنا في خطة البحث علما وأن هذه الأسئلة هي من ضمائر جوابي السابق الذي تعلق عليه بهذه الأسئلة : 1-شرعية المفاضلة بين الكلام والخطابة 2-شرعية رفض الحجة الكلامية-3-وشرعية عدم اعتبار الحجة الكلامية قرآنية  4-المنهج المقترح والمنهج المطلوب 5-إجماع المراجع على العناصر التالية الثلاثة 6-شرعية رفض الأدلة الفلسفية 7-شرعية رفض الأدلة الكلامية 8-شرعية القول بلا عقلانية الدليل الكلامي 9-شرعية الشرط في تعريف الكلام-10 وأخيرا العلاقة بين أدلة الكلام وأدلة القرآن الخمسة أو بصورة أدق آياته الخمسة.

لو نظرنا في هذه المسائل العشر طلبا لمنطق تواليها لخرج لنا منطق أسئلة السائل فوجدنا أن المسألة الأخيرة هي أصل المسائل التسع الأخرى كلها بترتيب يعود منها غاية (القرآن من حيث هو بيان للناس) إلى الأولى بداية (الكلام والخطابة تبيينا لبيان القرآن بدأ إضافيا إليه وانتهى بديلا منه). وكما هو بين فالغاية والبداية هما وجها نفس المسألة وجهها الموجب في الغاية (بيان القرآن) ووجهها السالب في البداية (ما يدعيه الكلام من بيان لا بد منه ليكون البيان مبينا للمؤمنين).

 فلكأن المسائل تمثل دائرة منغلقة تنتهي بما تبدأ به لسلب الغاية ما تدعيه البداية أعني أن الدين المنزل في الغاية يحررنا من فهمه بالدين الطبيعي في البداية أعني "الكلام أو-والخطابة" الذي تضيفه النصوص البشرية بل ويصبح بديلا من النصوص الإلهية: فنحن نتكلم على علم يزعمه أصحابه معرفين إياه تعريفا ييسر قبوله من المؤمنين بأنه الاستدلال بالعقل على العقائد الإيمانية. فيكون في الحقيقة بديلا خطابيا منها بآلية التأويل ويصبح المؤمنون بالدين ذي الكتاب المنزل تعير عقائدهم بالتأويلات الكلامية للكتاب في ما يسمى بالعقائد (التي صارت كل فرقة ونحلة لها منا صوغ خاص) وليس بنص الكتاب.

ويكفي أن نصدق دعواهم فنأخذ ما يقولون به مأخذ الجد ثم نقارن ما تقتضيه عند وصلها بمعنى العقائد الإيمانية. سنقضي عندئذ في الأمر بوضوح لا تشوبه شائبة: فالمعتقد يصبح متعددا بتعدد الفرق الكلامية لكل منها منظومة عقدية هي تأويلها للعقيدة التي هي واحدة في الكتاب المنزل والتي صيغت بصورة ذات طواعية تمكن من المحافظة على وحدة المتعدد أعني شرط حرية العقد أو تعدد الفهوم بعدة الأنفس ليكون العقد حرا بمقتضى تبين الرشد من الغي الذي ينبغي أن يكون شخصيا والذي اشترط فيه القرآن الكفر بالطاغوت ليصح الإيمان بالله (البقرة 256).

فإذا جاء من يجعل تأويله التأويل الوحيد الممكن فوضع صيغة للعقائد انتقلت الملة من الحرية الروحية والعقدية إلى السلطان الروحي الذي هو كنيسة متنكرة في الإسلام بسبب نفي القرآن لها: عندئذ يصبح الكلام بهذا المعنى وتصديقا لحكم القرآن مشروطا بالتأويل الاستبدادي الذي لا يترك منفذا لتعدد الفهوم إلا في شكل صدام بين التآويل التي يدعي أصحابها احتكار الحقيقة فيكون كل فريق مكفرا لبقية الفرق ويكون الكلام من ثم مصدر الطاغوت كله والفتن كلها لأنه يكون معبرا عن زيغ في قلب صاحبه وابتغاء للفتنة.

والمعلوم أن العقائد الإيمانية يمكن أن نعرفها بكونها ما يعلمه المعتقدون فيها بعاملين هما: 1-صوغها و2-التدليل عليها (وجودا أو عدما) في نص مكتوب (بعد اكتشاف الكتابة) أو محفوظ في الذاكرة (قبل اكتشاف الكتابة). وذلك هو القرآن عند المسلمين و هو عند غيرنا يسمى الكتاب المقدس (في الدينين المنزلين الآخرين) أو أي نص مرجعي في الأديان الطبيعية. فتكون إذن حال العقائد مربعة بمقتضى القانون الرياضي لأقسام المجموعة: فهي دائما 2 قوة العناصر التي تتألف منها المجموعة وهي هنا عنصران أعني الصوغ والتدليل.

فكل نظام عقدي لا يد أن تكون عقائده على الحال التالية: فإما أن يتوفر فيها الشرطان المحددان لوظيفة النص العقدي معا (أي الصوغ والتدليل) أو أحدهما هذا دون ذاك (الصوغ) أو ذاك دون هذا (التدليل) أو لا واحد منهما (لا الصوغ ولا التدليل). وإذن فالعقائد غالبا ما توجد في واحدة من حالتين كلتاهما مضاعفة لأن الصوغ لا بد فيه من بداية تدليل مهما كانت بدائية والتدليل لا بد مشروط بشيء من الصوغ مهما كان مضمرا. ولذلك فقل أن ينفصلا حتى وإن تفاوتت النسب بينهما. وكلما كانا عامين ومتعددين في النص كان ذلك دليلا على المرونة في العقد ومن ثم في توسيع الانتشار: فيكون العقد مترددا بين حدين فوق الأدنى (عدم الصوغ وعدم التدليل المطلقين) ودون الأعلى (الصوغ والتدليل المزعومين مطلقين). وهذان الحدان الخارجان عن العقد السوي يلتقيان التقاء الضدين: فالصوغ والتدليل عندما يزعمهما أصحابهما مطلقين يؤديان إلى التفتت العقدي بسبب زوال فسحة الحرية والتعددية المسموح بها في حالة المرونة فيعود الناس إلى عدم الصوغ وعدم التدليل المطلقين رد فعل ييبنه بكامل الدقة ما في الملل المصوغة والمدلل عليها في العقائد الرسمية من نحل لا تكاد تتناهى عدة.

فهي إذن تكون: 1-إما مصوغة و2-مدلل عليها في النص أو 3-ليست مصوغة و4-ليست مدللا عليها فيه بل منتشرة في ممارسات ومعتقدات غفلة كما في الأديان البدائية 5-وهذا الأمر بوجوهه الأربعة معلوم من النص صراحة (فيكون في متناول الجميع) أو ضمنا (فيحتاج إلى وسطاء بينه وبين الناس العاديين). والمعلوم أن القرآن يتصف بالحالة المضاعفة الأولى وذلك منه معلوم صراحة ومن ثم فهو في متناول الجميع ليس بدليل الوجود فسحب بل وكذلك بدليل النفي الصريح للوسطاء بينه وبين المؤمنين به تعريفا لنفسه بكونه بيانا للناس. لذلك كانت الأديان صنفين: قائلة بوجوب السلطان الروحي أو الكنيسة للوساطة بين الله وعباده ومتحرره منها كما هو شأن الإسلام.

والمعلوم أن الأديان الطبيعية التي هي من صنع البشر يمكن فيها أن يصدر الصوغ والتدليل من العقل البشري فيكون نصها مجرد تراكم للمجهود البشري كغيرها من المنتجات الثقافية الإنسانية بما في ذلك العلوم والآداب حتى وإن كان النظام العقدي أكثر مجلبة للصدام حتى في هذه الحالة: كالحال في التفسير أو في الفقه أو في الكتب الدينية التي هي تراكم لهذه الاجتهادات البشرية. ولعل الكلام أقرب إلى هذا الجنس فيكون كتابا بشريا إلى جانب الكتاب الإلهي: إنه دين المتكلمين وليس الإسلام الذي يوجد في المصحف والسنة من حيث وحدته العينية وفي فهوم المؤمنين كل بحسب فهمه في الوجود الذهني. ولذلك فالعقائد التي صاغتها المذاهب الكلامية يمكن أن تعتبر بهذا المعنى دينا طبيعيا للمتكلمين موازيا للإسلام كما يحدده القرآن الكريم لأنها صوغ وتدليل بديل منه بالتأويل وليست مجرد تفسير وتعليم للصوغ والتدليل القرآنيين  (وهذا هو مصدر الخلاف بين شيخ الإسلام والمتكلمين بجميع فرقهم).

ذلك هو الأساس الموحد لمسائل السائل: فسواء وقفنا الموقف الموجب أو السالب من الكلام تكون كل المسائل التي طرحها السائل دائرة حول صوغ العقائد والتدليل عليها هل ينبغي أن يكون من صنع العقل الإنساني أم  هو ينبغي أن يقتصر على ما جاء به الوحي أم هو بالجمع بينهما أم هو بدون أي منهما ويكتفي فيه بمجرد الممارسة العفوية كما في الأديان البدائية؟ وبين أن السائل يوافق المتكلمين فيتصور مثلهم أدلة الكلام جامعة بين صفتي العقلية والقرآنية. وأنا أزعم أن أدلة القرآن عقلية بالمعنى الذي وصفته في جوابي السابق وهي كافية ومغنية عن الصوغ والتدليل الكلاميين المؤديين إلى ما وصفنا وما نبه إليه القرآن الكريم من ابتغاء الفتن. والصوغ القرآني وأدلته ليست أدلة كلامية رغم كونها قمة العقلانية. ومن ثم فأدلة الكلام ليست عقلية. 

فإذا عكسنا ترتيب الأسئلة كما اقترح في مستوى العلاج النسقي ثم عمقنا النظر فإننا سنجد هذه المسائل خاضعة للمنطق الذي نوضحه بعدها:

1- فآيات القرآن الخمس لا أدلته الخمسة (الآية أكثر من الدليل لأنها ليست استدلالا كلاميا بل هي تجربة معيشة لا يستوفيها أي صوغ منطقي). 2-وشرط المقدمات النقلية في الدليل الكلامي الذي هو عين حده (الدليل العقلي على العقائد الإيمانية) 3-ولا عقلانية الدليل الكلامي الناتجة عن هذا الشرط الذي يجعلها نقلية بمعنى كونها من الوحي وليست من العقل 4-ومن ثم رفض الأدلة الكلامية التي تضمر عكس ما تظهر  5- بل وحتى رفض الأدلة الفلسفية بمجرد أن تتجاوز عالم الشهادة 6- كل ذلك حصل بإجماع المراجع الثلاثة الذين اعتمدهم سوابق في بحث العناصر الأربعة التالية 7- أعني المنهج المطلوب لبيان امتناع دور الكلام العلمي والديني  8--وعدم اعتبار الحجة الكلامية قرآنية لأنها بالطبع تأويلية  9-ورفض الحجة الكلامية لكل تلك الأسباب 10-ومن ثم اعتبار الكلام دون الخطابة.

ولنزد الأمر توضيحا وتدقيقا:

 (1) فآيات القرآن الخمس لا  أدلته التي أشرت إليها في جوابي السابق لا تدل بالمنطق المجرد والدليل الصناعي بل بالتجربة الحدية المعيشة التي يكون فيها الحدث الروحي والحديث القرآني متطابقين في وجدان المؤمن بحيث يكون حال المؤمن الروحية عين الدليل (مثال ذلك ما يجربه من اشتدت به الزوابع في البحر وفسدت شراع فلكه أو فرعون حين الغرق إلخ...أو النظر في الآثار الخالية علامة على الفناء المنتظر لمن لا يؤمن إلخ...). وهي أدلة

 (2) لو طابقها الدليل الكلامي بالأدلة التي ذكرها السائل لكان مجرد العلم القولي مؤديا إلى اليقين العقدي وهو ما لا يمكن أن يقول به عاقل وحتى لو قبلنا بذلك فعلى المتكلم-الذي ينبغي أن لا يكون جاهلا بأن الأدلة الكلامية فضلا عن كونها كما هو معلوم لدى الجميع ممن يعلم تاريخ الكلام والفلسفة ليست منتجة إلا لمن يسلم بمقدماتها التي دعوى الضرورة والبداهة فيها مشكوكة الصحة وهي لا تؤثر إلا بعد التسليم: كل الأدلة التي يذكرها المتكلمون ليس فيها من مدلولها القرآني إلا الأسماء أو الشكل المنطقي الأجوف لخلوه من التجربة الوجودية المعيشة أولا وثانيا لأن هذه التجربة بمجرد وجودها تغني عنها- عليه.

 (3)  أن يسلم بأن الكلام-كما يحده من يميز بين المباح وهو المحمود ومن شرطه أن تكون العقائد إيمانية ومسلمة لا مدلل عليها بالعقل وغير المباح منه وهو المذموم ومن علاماته التأويل المشروط في صوغ مقدماته-لا يعدو أن يكون دفاعا عن العقائد بعد التسليم بها وليس برهانا يثبتها فلا يكون دليلا عقليا بل مجرد حجة لكونه غيرها أو مضافا إليها. فيكون الكلام حتى إذا كان مباحا وممدوحا مجرد ترجمة صناعية بالمنطق واللسان الفلسفي لأحد فهوم الآيات القرآنية. وهي دعوى غير صحيحة فضلا عن كونها لو صحت لكانت تحصيل حاصل لا فائدة منه وهو ما يعني أننا ننفي وجود ما يمكن أن يكون ممدوحا من الكلام.

 (4) ولو قبلنا به لحصرناه –كما يفعل ابن خلدون والغزالي في الاقتصاد-في دور الدفاع عن عقد مسلم لا يقبل التكذيب. ومن ثم  فكل من يفهم معنى البرهان سيرفضه: لأن البرهان لا يكون برهانا ما لم يكن ضروريا أعني الواجب من الممكن أي من غير الممتنع ومن ثم فهو ينبغي أن يكون مبنيا على مقدمات قابلة للتكذيب قبولها للتصديق. وما كان كذلك يكون في غنى عن الوحي فيكون التدليل العقلي الخالص إذا صح دالا على أن النبوة أمرا لا حاجة إليه.

(5) بل إن تطور العقل الإنساني بدءا بالنقد عند الغزالي وتوسطا عند ابن تيمية وابن خلدون وختما بالنقد الحديث لن يقبل حتى بالبرهان الفلسفي لانعدام شرطه أعني تطبيق الصورة المنطقية على ما ينتسب إلى طور العقل (مادة التجربة الإنسانية العينية أو المجردة) على ما يتعداه (مادة العقائد التي هي من الغيب حتما حتى عندما يكون موضوعها عالم الشهادة لصلته بعلم الغيب)

 (6) وهذه الأمور الثلاثة أجمع عليها الغزالي وابن تيمية وابن خلدون وأكدها العقل الحديث وهم لا يقبلون بالدليل العقلي إلا سلبا أي بمعنى أنه لا يمنع ولا يحيل ما تقول به بعض العقائد لكنه لا يثبتها إثباتا برهانيا سواء كانت الإلهيات فلسفية أو كلامية. وكل من ينفي حصول إجماعهم يكتفي بإيراد أدلة تفيد بالذات هذا المعنى: فالغزالي يبيح الكلام في حدود وبشرطين وابن خلدون يوافق على ذلك وابن تيمية ينفي إمكانه من الأصل. ومن يعاند في ذلك يظن أن رده على المتكلمين كلام من جنس كلامهم.

 (7) وفضلا عن ذلك فإن بحثي في فكر المراجع الثلاثة المشار إليهم في جوابي الموالي سيبين لم ينبغي أن يكون مختلفا عن بحث المثالين اللذين ضربهما السائل حتى لو سلمنا بأنهما فعلا يطبقان منهجا علميا يخص تاريخ المواقف من علم الكلام. وهو أمر سنبين أنه ليس علميا وأنه ليس حتى أدبيا لأن مجرد سرد المواقف لا يثبت شيئا وهو من جنس تكديس الملاحظات في العلوم العادية: فذلك لا يثبت شيئا بل هو معطيات بحاجة إلى نظرية تمكن من تأويله لتحديد المعنى الناظم.

 (8) فالقصد في بحثي هو معرفة نسبة الكلام إلى العلم وإلى القرآن وليس حكم استعماله الدفاعي والعلاجي كما يحاول أن يثبت ذلك مثالا السائل الذي يطلب مني أن أقدم بحثا في نصوص المراجع الثلاثة لأثبت له موقفهما من الكلام. فلست أجادل في أن الغزالي وابن خلدون يسمحان بوجود الكلام وبفائدة المشروطة ومن ثم بكونه قد يصلح في حالتين عامة وخاصة: الدفاع ضد من يشكك في العقيدة ومساعدة من بدأ يتشكك فيها. وهذا لا يجعله علما ولا دينا بل مجرد دواء لا شيء يثبت أنه يحقق الغرض.

 (9) ولذلك فنحن نرفض الكلام لكونه ليس علميا وليس قرآنيا بل ويمكن لمن يريد أن يطبق نص القرآن حرفيا أن يثبت أنه ممنوع شرعا لأن الإباحة المشروطة بالضرورة تفيد المنع المرسل المتقدم عليها. ولا يهمنا إذا كانت المراجع الثلاثة اقتصر همها على علاج ما كان يعنيها من تحديد حكم  الكلام الشرعي وليس دوره العلمي والديني.

 (10) وبذلك فنحن في الحقيقة الدينية نكتفي بالدليل القرآني الذي هو عقلي ووجداني وتلك هي ذروة العقل بمعنى النهى واللب وليس بمعنى الاستدلال المنطقي الأجوف (أعني برهان الرب بالمعنى القرآني وهو فرقان يحلل ويفهم ووجدان يبصر ويحدس) كما بينا في غير موضع من بحوثنا وفي جوابنا السابق وكما بين ابننا المحمودي في رده الأخير وكما نزيده بيانا في المستوى الثاني من الجواب.

وكما سأبين في الفصل الموالي فليس مطلوبي الحكم في الكلام هل هو مباح ومفيد كفرض كفاية بالنسبة إلى حالتين لا غير من أجلهما أباحه الغزالي وابن خلدون (العدو المشكك والمؤمن المتحير): مطلوبي ليس حكم الكلام الشرعي بل حكمه الفلسفي أعني دوره في المعرفتين العلمية والدينية. وكما سأبين كذلك فهذا المطلوب المعرفي في العلم والدين لا تنفع فيه الدكسوغرافيا (=وصف الآراء) حتى بشروطها فضلا عنها بالصورة التي نجدها في المثالين المضروبين. لذلك فالمنهجية لا يمكن أن تكون ما يقترحه السائل تسليما جدليا بأن هذين الباحثين اللذين يضرب عملهما مثالا يحتذى استوفيا شروط البحث التاريخي الأمين.

ذلك أن الموقف من الكلام لم يكن عند اثنين من المراجع الثلاثة (الغزالي وابن خلدون) موقفا حاسما إيجابا كما كان عند ثالثهما حاسما سلبا بالصورة التي يصورها هذان الباحثان حتى لو بحثنا فيه بالمنهجية التقليدية التي تكتفي بإيراد ما يقوله المتكلم وتنسى ما يفعله فضلا عن عدم ترتيب الأقوال والأفعال في الزمان وعدم ربطهما بالمقام وعدم الانطلاق من الوضعية الهرمينوطيقية للعصر. وهذه جميعا من شروط تأويل المواقف لتحديد دلالتها. والمعلوم أن موقف الغزالي وابن خلدون لم يكن بالوضوح لصالح الكلام كما يصفه الباحثان لكونه أولا كان مترددا بين الإباحة المشروطة والمنع بسبب توازن القوى بين العلماء في عصرهم وبسبب التمييز المشهور بين الممدوح والمذموم من الكلام: مثال ذلك أن ابن خلدون لم يصرح بموقفه من المتكلمين على لسانه بل أتى بقولة للجنيد تجنبا لما كان يعاني منه حتى لا يضيف لحرب أحد كبار الفقهاء عليه حرب المتكلمين.

 والغزالي مثلا-حتى خلال تأليف الاقتصاد-لم يكن مقتنعا بعلمية الكلام ولا بفائدته الدينية وإنما هو أباحه علاجا للمشككين أو للحائرين ممن خرج من العامة دون أن يصبح من الراسخين. وليس صحيحا أنه بقي أشعريا بالمعنى الكلامي للاسم حتى وإن لم يخرج من المذهب وإلا لصح اتهام الأشعرية بما اتهم به بسبب مآله في غاية حياته الصوفية والفلسفية. وابن تيمية يرفضه قطعا وما يقول به من درء للتعارض لا يتعلق بالعقل الكلامي بل بالعقل كما يعرفه هو وقد بينا ذلك في غير موضع. ولعله من المفيد هنا ألا يتسرع المرء فلا ينتبه إلى اللطائف التي غفل عنها من يتصور بحوث الشيخ فودة مثالا يحتذى.

فابن تيمية لا يدلل بالعقل على العقائد إلا عند من لا يميز بين التدليل على أن العقل لا يمنعها (وهو غاية الدرء) والتدليل المثبت لها المدعي أنه يمكن أن ينتج منطقيا بصورة مستقلة عن العقد الإيماني بما في القرآن والسنة: فالتدليل الأول لتحييد حجج الكلام والثاني مثبت لها وشتان بين الأمرين. والكلام بشرط التسليم بالعقائد يكون فاقدا للدلالة لأن وجوده وعدمه يصبحان سيان إلا كدفاع ضد مشكك أو علاج لمتشكك: وكلاهما ليس علما ولا دينا بل هما وصفة لعلاج نفسي أو إيديولوجي لا غير. وبدون الاستناد إلى المعطى النصي يصبح الكلام فلسفة فلا يبقى كلاما: فذلك هو الفرق الوحيد بين الفنين باعتراف الجميع الذين يعرفون الكلام بكونه فنا يبحث في وجود المخلوقات من حيث دلالتها على الخالق والفلسفة فنا يبحث في الموجودات من حيث هي موجودات. وعندئذ نسأل عن معنى الاستدلال على الغيب بما يستمد من الشهادة كيف يمكن تحقيقه في الكلام.

وابن خلدون يعتقد عكس ما يراه المثال الأول بخلاف بحثه الذي يشير إليه السائل. فصاحب البحث لم يكن همه طلب الحقيقة بل مجرد تأييد موقف شيخه شكلا لا مضمونا وإلا لانتبه إلى أنه قد أثبت عكس ما سعى إليه فدحض كل حجج شيخه: فابن خلدون