shape

Directed by Abou-louay www.alfalsafa.com

البحث في الموقع
يتم تحيين الموقع أسبوعيا
و المسؤولية على ما يُنشر
شخصية

فضاء الفلسفة في البكالوريا

.

  الموقع لا يتبنى مضامين الإعلانات ويعول على وعي الزوار الكرام

                                 

أسئلة الأخ يحي الأطرش وجواب أبو يعرب:02/08/2009


أبو يعرب: 17/01/2009 

أسئلة الأخوة الكرام: هيثم حمدان وحسن نوفل ومحمد أمين رضوان والجواب عليها


اعتراض الأستاذ غسان طوقان 30/12/2008  (انظر قسم تعليقات)


      تعذر على موقع الفلسفة تحويل تعليقات القراء إلى الأستاذ أبي يعرب الذي اعتذر لانشغاله 

     في هذه الفترة بأعمال اقتضت وقتا وجهدا كبيرين ، ونحن لم نشأ إحراجه أكثر من االلازم فاقترحنا

     أن يتولى الأستاذ حليم الجواب عما يرى إمكان الإفادة فيه فوافق مشكورا . ولما كان طلب الحق 

     غاية الجميع فإننا نسأل الله التسديد إليه.

                                             موقع الفلسفة

 جواب الأستاذ هادي حليم على ملاحظات الأستاذ غسان طوقان 22/12/2008  

لسوء الحظ لم يسمح وقت الأستاذ بالإطلاع على ما وصلنا من الأسئلة فضلا عن الرد عليها. وقد استأذنته في الرد على ما أراه جديرا بالرد فلم يمانع. فشكرا له على ثقته. وها أنا أجيب على تعليقات الأستاذ طوقان الأخيرة علي أساعده على فهم ما لم يفهم إذا كان حقا لم يفهم وأزيل بعض اللبس مما قد يكون حال دونه والفهم، فطالب الحق لا يعنيه المجيب بقدر ما يعنيه الجواب.  ذلك أن الأستاذ أبا يعرب قد أشار في جوابه الذي أعلمني بأن ليس لديه ما يضيفه عليه وأنه لا يحاول إقناع الأستاذ طوقان بشيء وأنه يعلم أن المتكلمين بالمنظور الذي اختاروه لا يمكن إلا أن يقفوا الموقف المتمسك بالبحث في آراء أسلافهم بمنهج مخض الآراء.

فإذا كنت  تعتبر المشكل هو معرفة رأي المتكلمين في وظيفة الكلام وتنتظر جوابا من الأستاذ فهو قد بين في المسألة المنهجية من جوابه أن ذلك ليس من همومه صراحة وبكل وضوح. فمشكل الأستاذ هو دور الكلام في تكون الفكر العلمي والديني عند المسلمين فضلا عن ضرره على وحدة الأمة والعقيدة والحرية الفكرية والعقدية للمسلمين الذين صاروا ألعوبة بيد المتكلمين والفقهاء وكل من يدعي في الدين علما هو بمقتضى مفهوم العلم من الممتنعات عقلا ونقلا.

 وما دمت لا تطلب ما يطلبه ولا يطلب ما تطلبه فمن الطبيعي ألا يحصل التفاهم. ولن يفسد ذلك للود قضية. ونحن نرحب بما تنوي نشره في موقعنا من بحوث. وما حاول أن يشرحه لم يصل. وليس ذلك لعيب في فهمك. ولا لعسر في طريقته. حتى وإن كنت أعلم أنه يقبل بكل رحابة صدر نصائحك المنهجية  القيمة. لكني أظنك قد غفلت في إسدائها عن كون المشكل يكمن بالذات في عدم قبول الأستاذ بهذا المنهج: اختلاف المطلوب والمنظور والمنهج هو كل المشكل.

 وطبعا فالأستاذ لا أتصوره يجيب على أسئلة من هذا الجنس حتى لو وجد الوقت لأنها لا تنضوي في سياق بحثه ولا في نسق تفكيره. فهنيئا لك بعلم المتكلمين في العقائد سواء كانوا قدامى أو محدثين سنة أو شيعة. فكلهم يمكن أن يتشبثوا بمخض الأفكار ليس كتاريخ بل كمواقف يتصورونها ما تزال حية ويريدون تشكيل الحياة بها. ولهم الحق في ذلك إذ لا يمكن لأحد  أن يمنع من يريد أن يحيا بعلم ما لا يقبل العلم. فهذا حقه خاصة إذا وجد شعوبا تقبل أن تقيد حريتها الفكرية والروحية بتصورات ينفيها العقل والنقل ولا دور لها إلا تسليط سلطان الهامانيين على من يسمونهم العامة لكونهم يتصورون أنفسهم خاصة.

والغريب أن كل  أدعياء هذا الموقف-رغم ادعائهم الاختصاص- لم يسمعوا بما طرأ على العلوم الأدوات التي تمكن من فهم المعاني الدينية والفلسفية أو هم اكتفوا بالتعلم الصحفي من الترجمات الرديئة أو تكلس فكرهم على دلالاتها الوسيطة لكأن الفكرين الديني والفلسفي تجمدا في ما كتب في الوريقات الصفراء لعلماء الكلام الوسيط. فعندهم أن علم النحو والمنطق القديمين كافيان بديلا من علوم اللسان والهرمينوطيقا والأناسيات بكل أنواعها فضلا عن العلوم الطبيعية والفلسفات الحديثة: لأن هذه كلها أجنبية واستشراقية في حين أن المنطق وجل النظريات التي يقول بها الكلام دون فهم (كالجوهر سواء كان فردا أو هيلومورفيا) أهلية  المنبت ومن صنع محلي.

وها أنا أسوق لك ملاحظات على ملاحظاتك الستة بدءا الثلاث الأخيرة التي تبدو ذات طابع شبيه بالاستفهام الفكري في حين أن الثلاث الأولى هي من جنس الاتهام بدل الاستفهام لذلك سأخرها. ولعل الجواب يكون كما ترغب مطابقا للحال بخلاف ما وجدت عليه جواب الأستاذ:

ملاحظة على ملاحظتك الرابعة:

لو طبقت حدود الأشياء عليها لاضطررت إما لتغييرها أو لموافقة الأستاذ  في هذه المسألة لأنه لم يذكر شيئا ينسبه إلى نفسه بل هو عين تعريف البرهان في المنطق الذي يعتمده المتكلمون أعني مضمون المقالة الأولى من التحليلات الأواخر وعين مضمون البرهان في القرآن. وقد ضرب أمثلة حتى لا يتعلل أي أحد بعسر التحليل. فقد بين أن الأول صورة عقلية بمضمون من معطيات التجربة الحسية الواقعة فعلا أو ممكنة الوقوع. وبين أن الثاني صورة عقلية بمضمون من معطيات التجربة الحدسية المعيشة فعلا أو ممكنة العيش. والفرق الوحيد بين الصنفين هو أن الأول يقبل الفصل عن المعيش والثاني لا يقبل ولذلك فقوة النوع الثاني البرهانية أقوى إذ حتى النوع الأول بحاجة إلى تأسيس من جنسه. وذلك يعلمه كل من يفهم معنى التأسيس المتعالي في الفلسفة الحديثة سواء كانت نقدية بسيطة أو نقدية تداولية. ولذلك فالأول يمكن أن يعد من الكليات والثاني هو دائما من العينيات. وكل ذلك بين من جواب الأستاذ فلا حاجة لتكراره لكنك طلبت جوابا سريعا. وأنا ألخص لك جواب الأستاذ. أفما زلت تعتبر ذلك ليس في متناولك وأنت الذي طلب جوابا فلسفيا لوصفك تساؤلك بالفلسفي ؟

ملاحظة على الملاحظة الخامسة:

هذه فاتت الأستاذ لسوء الحظ. فجزاك الله خيرا إذ نبهته إليها. لكن إذا صح أنها فاتته وانتبهت أنت إليها فلم لم تسأل نفسك عن دور علم الكلام  عندئذ ما الفائدة منه ؟ فإذا نفيت تحصيل الإيمان بالعلم كما تسلم فلم إذن البحث الكلامي من أصله حتى لو كان علما فضلا عن كون ظن أصحابه أنه علم مجرد وهم لأن موضوعه بمقتضى حده ينفي عنه كل علمية لأنه يمتنع أن يكون  مادة للإدراك العلمي لعدم اقتصاره  على عالم الشهادة؟  

فمن يزعم وهو واع علما بالمعنى الدقيق للكلمة لعالم الغيب ثم يجد من يسلم له بالسلامة العقلية ؟ بل حتى الشاهد من ما يزال اليوم يصدق أن علمه الحقيقي والقطعي كما يزعم أدعياء الكلام في ما لا يعلم من الغيب ممكن ؟ وهل يوجد عالم أكثر غيبية من الله ذاتا ووجودا وصفات ؟ وحتى حدوث العالم الذي يقول به العلم الحديث كيف للمتكلم أن يثبته بمجرد الزعم أن الملازم للحادث حادث ؟ أليس في ذلك مصادرة على المطلوب ؟ من أين لهم بالملازمة حتى لو سلمنا بمقتضاها ؟ ألا ترى أنك تثبت ما تتصور نفسك نافيه بمجرد أن تسلم بأن العلم لا يحقق الإيمان حتى لو سلمت بأن الكلام علم ؟ ألست بذلك تقول بما يقرب مما يقول به الأستاذ حتى وإن بأدلة مناقضة لما تقول مع فارق أنه لا يسلم للكلام بالعلمية ؟ رجائي لو تفضلت أن تعيد قراءة جواب الأستاذ وشروح تلميذه المنصوري إذا كنت فعلا  طالب حق.

ملاحظة على الملاحظة السادسة:

هذه مسألة عالجها الأستاذ في غير موضع. وقد تكون حقا لم تفهم لأنها فعلا مسألة عويصة. فلتعد إذن إلى الجواب ولتقارن ما جاء فيه بما جاء في نقد شيخك له في الحلقة التاسعة من مسلسله حول ما يسميه بسخافات المرزوقي وزمرته. ونصحت لك وقد بدأت بالنصح والتناصح واجب أن تفيد مما يقوله شيخ الأصلين فهو حكيم فعلا ويفهم في المنطق وفي الفلسفة عند كل من توقف العلم بالعلوم الأدوات عندهم دون ما وصل إليه في عصر الرازي. وحتى يزينوا هذا الأحكام المسبقة يفلفلونها باتهام غيرهم بأنه متغرب يقدم على جريمتين: القول بحرية المعتقد وبنفي السلطة الدينية التي تحدد العقائد الصحيحة للآخرين.

وطبعا فأنت حر في أن تقبل بوجود من يحدد لك عقيدتك. لكن هذا ليس رأيي ولا رأي الأستاذ لأننا ليس لنا من مولى إلا الله ولا ندعو بمولاي غيره بخلاف طلبة الأصلين. وها أنا الآن أشير إلى الفائدة الأساسية من جواب الأستاذ المرزوقي بصورة تطابق الحال كما طلبت الفائدة الأساسية مما يسميه حكيم الزمان بسخافات المرزوقي: فعند المرزوقي كما تعلمت منه لا شيء من الأحكام العقلية له معنى وجودي حقيقي بل هو مواقف ذاتيه للعقل الإنساني الذي لم يع بعد حدوده رغم أنها من أهم علامات تعالي العقل الإنسان على الالتصاق بالواقع الأدنى ومن ثم فهي آية من آيات التشوف والتعالي لما يعلو على الدنيا.

لكن الأحكام العقلية معتقدات وليست حقائق علمية ولا عقلية بالمعنى العلمي. فلا واحد منها متحقق في الوجود إلا بشرط عدم التساؤل عن شرعية المقابلة بين الداخلي والخارجي أعني بشرط القبول الغفل بالموقف الطبيعي في مسألة الوجود (بالمعنى الظاهرياتي للكلام) لأن هذا التسليم الذي يبدو بدهيا هو من أوهام من لم يدرس نظرية المعرفة الظاهرياتية وكل الفكر الحديث المدرك لحدود العقل والمتحرر من أوهام الميتافيزيقا والكلام التي هي أوهام لا تختلف عن العلموية الغفلة.

 إنما الأحكام أو الجهات نسبة موقف الفكر من الوجود بالقياس إلى ما يقدر عليه ولا يقدر عليه من الأفعال. وذلك قبل أن يقسم الفكر  الوجود بمقتضى إطلاقه لأحكام الوضع الناتجة عن هذه القسمة الوهمية أعني عن الأحكام المسبقة للموقف الطبيعي وما ينتج عنه من إسقاط للأوهام على الأمر في ذاته: فرافع هذه الأحكام إلى الإطلاق لا يختلف عن الموسوس الذي يعتبر وسواسه حقيقة موضوعية فلا يستطيع الخرج من هذيانه المرضي.

 لكن العقل السوي يعتبر ذلك أحكاما ذاتية خالصة. وقد وصف الأستاذ لك ذلك عند كلامه على مصدر هذه الأحكام إذ حاول أن يشرح لك الدليل القرآني الرئيسي الذي يعلق عليه فودة دون فهم الأساسيات كعادته في العجلة وعدم الروية. فما لا يستطيع له الإنسان دفعا يسميه حكم الوجوب وما لا يستطع له وضعا يسميه الممتنع. وكلاهما عند الإنسان من الضروري الإضافي إليه.

والوهم يجعل صاحب العقل الغفل –وهو مما لا يخلو منه الكثير ممن يتصورون أنفسهم مختصين في مخض آراء المتكلمين-يتصور ما هو ضروري عنده ضروري في ذاته بآلية الإسقاط النفسي كما هو معلوم من بسيط علم نفس البسطاء. أما ما يعتبره قابلا لأن يكون على غير ما هو عليه فهو عنده ليس بالممتنع وليس بالواجب. إنه الممكن بمعنى فاقد الصفتين. وأول التجارب التي من هذا الجنس هي تبدل أحوال الذات إلى حد تصور ذاتها قابلة لئلا تكون موجودة كما تقبل ألا تكون واعية بإطلاق وحية مع ذلك كما في تجربة الموت الأصغر مثلا.

لكن الممكن الأعم هو ما ليس بممتنع ومنه الواجب لكونه غير ممتنع. والجهات أو ما تسميه بأحكام العقل هي مواقف ذاتية خالصة لأنها تفترض متقدما عليها ما لا تستطيع تصور مواقفها قابلة للحصول من دونه أعني الوجود غير الموصوف بأي منها وهي تقسمه بأحكامها المسقطة على الوجود اللامعلوم بالجوهر وغير القابل للرد إلى أحكام الذات إلا إذا كانت من باب الاعتقاد والإيمان.

وكلها إذن صفات لما في الوعي من مضمونات ولا شيء يثبت حقيقتها الموضوعية اللهم إلا إذا سلمت بأن من شرط العقل الإيمان به كما يسمى في لغة الفلسفة: عقيدة العقل وكما أدرك ذلك حجة الإسلام عندما قال في المنقذ إن النور المقذوف في القلب أعاد الثقة في الأوليات أعني في العقل. ذلك أن الوعي من خاصياته الإيمانية لا العلمية أنه يسقطها على الوجود في الأعيان إذا قبل بأن ما في وعيه له ما يناظره خارجه وهي مسألة إيمانية وليست علمية.

وليس للإنسان أدنى دليل على أن ما يراه خارج وعيه موجود حقا وليس من أوهامه. ومن دون الإيمان بالله وتصديق قصة الخلق والإهباط والاستخلاف ليس للعالم الدنيوي أدنى وجود حقيقي عدا مجرد التصديق بما لا يمكن للإنسان دفعه من مفاعيل وعيه. وهي قضية ديكارت الأساسية. ولعلها أهم مبادئ القرآن الكريم إذ ليس العالم الدنيوي إلا لعبا ولهوا بل هو ظاهر من الوجود والحياة. والحياة الحقيقية هي ما نؤمن به أو لا نؤمن به في العالمين الأول والآخر.

ملاحظة على الملاحظة الأولى:

الأستاذ لا يصادر حق أحد. ولم يفرض رأيه على أحد. متكلما كان أو فيلسوفا. لكن كلامك يمكن أن يكون مفهوما لو كان المتكلم يكتفي بالتأويل لنفسه ولم يحاول جعل تأويلاته عقائد على الناس أن يعتقدوها. لو كان ذلك كذلك لما وجد أي مشكل مع أي منهم. لكن المتكلمين يذنبون مرتين:

1- فهم أولا يجعلون تأويلاتهم عين الحقيقة ويعتمدون عليها لتحديد المسلم من غير المسلم والمؤمن من غير المؤمن.

 2- وهم يبنون ذلك على أن تأويلاتهم علوم حقيقية وأن مجال العقد والإيمان يمكن للمرء أن يجزم فيه الجزم الذي ينتج عنه فرض عمل على غير الذات.

وليس صحيحا أن الأستاذ ينهى عن خلق ويأتي مثله: فهو لا يقدم عقيدة بل يسعى إلى جعل العقائد من حق الفهم الحر للنص عند الجميع. وهذا ليس تأويلا بل هو تحرر من التأويل. ولهذا الموقف مزية التوافق مع النص الصريح في القرآن إيجابا بالتوكيد على حرية المعتقد والصوغ الصريح لمقومات العقيدة وسلبا بتحريم التأويل ونفي السلطة الكنسية.

ملاحظة على الملاحظة الثانية:

 المشكل ليس في حق التأويل. فقد بين الأستاذ أن التأويل لا مفر منه إذا كان القصد وضع مضمون معين لمسمى الأسماء الواردة في النص. لكن القرآن وضع شرطا يجعل كل المضامين ممتنعة لقوله ليس كمثله شيء. فيكون التأويل من ثم من جنس حديث النفس الذي لا حساب عليه ولا عقاب. فلم صيره المتكلمون حكما في عقائد الناس والله حرره من الحكم الشرعي أصلا؟ فيكون موضع الحكم الشرعي هو بالذات هذا التحويل الذي يعبر عن زيغ القلوب وابتغاء الفتنة خاصة والقرآن ينفي علم الغيب حتى على الأنبياء وكل العقائد من الغيب لأنها تتعلق أساسا بالله ذاتا وصفات وبكيفيات الحياة الأخرى إلخ...

ملاحظة على الملاحظة الثالثة:

ليس من عادة الأستاذ أن يطلب رضا الناس. فهو يطلب ما يراه حقا ولا يهتم كثيرا بأن يرضي زيدا أو عمروا. طلبت منه جوابا فأجابك بما توصل إليه من تحليل في حدود ما يرى أن العقل لا يمكنه يتجاوزه بخلاف أوهام المتكلمين. وشتان بين من يؤول مضمون الدين وبين من يؤول معرفة العقل بذاته وبحدوده ليستنتج أنه لا يستطيع أن يؤول مضمون القرآن تأويلا قابلا لأن يعد حقيقة تفرض على الغير بوصفها عقيدة عليهم اتباعها وإلا فهم ....إلى كل الأوصاف المتبادلة بين الفرق.

وفي الختام أرجو أن تكون ملاحظاتي قد بينت بعض ما بدا لك ملتبسا في جواب أستاذنا أبي يعرب... فإن وجدت ذلك فعلا فالحمد لله، وإن رأيت أنه لم يغير مما استبد بك من فهم شيئا ووجدت في قلبك مع ذلك أنك مازلت طالب حق،فالله نسأل الهداية...

والسلام.

 

 

 

تساؤل السيد غسان طوقان

الدكتور أبو يعرب المرزوقي المحترم،
تحية طيبة وبعد،
أشكر لكم اهتمامكم وصبركم على الإجابة. 
فيما يخص ما رأيتموه وعداً مني فكان فيما أذكر معلقاً على المشيئة، وإبداء رأيي فيما كتبته في آخر رد لكم على الأستاذ سعيد لن يكون ذا أهمية قبل أن أتحقق وجهات نظركم واستدلالتكم. وما استفساراتي هذه إلا محاولة جادة للولوج إلى فكركم فإذا فهمت منطلقاتكم ومبادئ نظركم وكليات مذهبكم صار كل كلام تقولونه مفهوماً واضحاً عندي. وأمكنني أن أبدي وجهة نظري فيه إن كان لها أهمية في نفسها أو عند أي أحد. ولا أخفيك أنني أجد كلامك غريباً عني، ولكني أحاول جهدي لا لفهمه من حيث هو لغة بل من حيث ما أشرت إليه من أصول كلية ومنطلقات ومبتدآت فكرية. وأما ما أشرتم إليه من ردكم عن سؤالي الأول في مراسلة خاصة فلا أذكر أنكم أجبتموني عن ذلك. وربما كان في ثنايا كلامكم ما لم أفهمه، وإنني أقدر لكم الإعادة، وهو واجب الفيلسوف الكبير الداعية إلى ما يعتقده حقاً أن يصبر على المبتدئين. أسأل الله أن يجزيكم على جهدكم وأن يكتب أجركم. 
وفي الحقيقة ليس طلبي للمراجع حجة مطلقاً، بل لأعرف إن كان لكم في قولكم هذا سلف أو أنه من ابتكاركم أنتم. ولا أطلب مرجعاً من كتب المتكلمين قطعاً لأنه قول غريب عنهم. كما أن قولي تأملت فلم أدرك فرقاً بين الدليلين ليس حجة على أحد ولا حتى على نفسي في هذا المقام، وإنما هو كمن يسمع كلاماً فيجده على الأقل نظرياً ليس ظاهراً فيطلب بأدب بيانه بقوله \"لا أفهم ذلك فبينوه لي حتى أحكم فيه\". هكذا أكون فيلسوفاً حراً أستمع للآخر حتى لا يبقى شيء عند الآخر يعوزه البيان وذلك لا يتحقق إلا بممارسة فن نقده بالتفلسف إلى أبعد حد، ثم أغوص فيه لأتحققه، ثم أترك لنفسي أن تتعلق به تعلقها الطبيعي دون أن أملي عليها شيئاً لأني لا أرغب في خيانة نفسي. هذه طريقتي. 
وفيما يلي ملاحظاتي واستفساراتي على بعض ما جاء في خطابكم: 
قلتم عن الأدلة الكلامية إنها: \"دون الخطابة تأسيسا وقربا من المعرفة العلمية\" 
فما هي الأمور التي تجعل من الأدلة الكلامية دون الخطابة بالنسبة للمعرفة العلمية؟
قلتم: \"فليس لأي مرجع هذه المنزلة بعد القرآن والسنة فضلا عن كونهما هما بدورهما يعتمدان سلطة الحجة لا حجة السلطة\"
أوافق على أنه ليس لأي مرجع غير الكتاب والسنة المنزلة التي تتكلم عنها والتي لم أكن قطعاً أقصدها بكلامي. ولكن لفت نظري تعبيركم بسلطة الحجة وحجة السلطة. فإنني أرى الحجج الواردة في الكتاب والسنة مذكورة في كتب علم الكلام، ومعتمدة كأدلة كلامية، فإذا كنتم تعترفون بسلطان الحجة القرآنية والرسولية فلا بد أن لا يكون رفضكم للحجج الكلامية على إطلاقه، بل لا بد من تقييد لهذا الرفض والتفصيل في هذا الباب هذا أولاً. 
وثانياً ما وجه كون الحجة القرآنية والسنية ذواتي سلطان كاف في القبول ووجه رد الحجة الكلامية والقول بعدم إفادتها للعلم وكونها دون الخطابة مع أنني لا أرى فرقاً في منهج الاستدلال من حيث هو استدلال بين الأصلين وبين الكلام، نعم في هذا الأخير نجد المصطلح والتشقيق المنطقي والقياس المفصل مما لا نجده في القرآن والسنة وذلك لما أن ذلك ينافي بلاغة القرآن، ولكن الاستدلال هو الاستدلال. والمنهج هو المنهج. فكم تضمن القرآن والسنة من قياسات واستدلالات جعلت أمثلة في المنطق والكلام لمطابقتها القواعد المنطقية والمناهج الاستدلالية مطابقة تامة. وأرجو أن لا تعتبر قولي لا أرى ههنا حجة، بل هو تعبير عن عدم علمي بفرق بين منهج الاستدلال في الكتاب والسنة ومنهج الاستدلال عند المتكلمين، وما حالي إلا حال طالب لهذه الفروق لاستظهارها وفهمها والوقوف عليها. فأرجو منكم البيان. وحين أطلب الأمثلة أرجو أن أعذر. 
قولكم: \"هذه المراجع معلومة للجميع لأني لم أخفها وأعجب من سؤالك عنها
فقد ذكرت أن لي في المسألة ثلاثة مراجع أشرت إليهم بالاسم مع تعيين تجاربهم في مصنفاتهم الثورية أعني بترتيب عائد من الغاية إلى البداية ابن خلدون وابن تيمية والغزالي: الغزالي في التهافت والفضائح والاقتصاد وابن تيمية في الدرء والرد والمنهاج والتلبيس وابن خلدون في المقدمة خاصة\"
أرجو من فضيلتكم أن لا تتعجبوا مني لأني على اطلاع على فكر الثلاثة المذكورين. ولا أعلم من أي منهم رأيكم هذا. وقد نقلت إلى موقعكم فيما يتعلق بابن خلدون رسالة للسيد أحمد حكمت بين فيها موقف ابن خلدون من علم الكلام وفيها من النصوص ما يؤكد أن الرجل كان أشعري المعتقد والمنهج وأنه لا يخالف مناهج المتكلمين في شيء. وأما ابن تيمية ففي رد الأستاذ سعيد الأول على فضيلتكم وجدته قد بين موقف ابن تيمية فيما يتعلق بالدليل العقلي على الاعتقاد بنص قاطع، كما أن ابن تيمية فيلسوف ومتكلم وهذا لا يمكنني أن أتجاهله أو أنكره. وأما الغزالي فلست مع الذين ينسبون إليه الرجوع عن الكلام، وكذلك وجدت رسالة للأستاذ سعيد بعنوان موقف الغزالي من علم الكلام، رفع فيها الإشكال في هذه المسألة ورد فيها على من قال بخلاف الغزالي للأشعرية سواء في معتقده أو منهجه واستقرأ كتبه وحلل ما ألغز من عبارته على بعض الباحثين، وأتى بشواهد نصية من كلامه تشفي الغليل. ولست أستدل عليكم بعين كلام الأستاذ سعيد، فأنتم لكم رأيكم الذي أحترمه، ولكني بعد أن قرأت الكتاب وجدته بحثاً في غاية الأهمية وقد أجابني عن الإشكالات التي أوردها من رأى الغزالي فيلسوفاً أو أنه انقلب صوفياً محضاً مخالفاً في منهجه للأشعرية سواء من جهة الاستدلال أو المقال، وبحث تجربته الروحية وما قيل في شكه وخروجه منه. وأرجو أن تتمكنوا من الاطلاع على هذه الدراسة، ونرى لكم فيها رأياً. أو نرى لكم دراسة في مقابلها تبينون فيها بنصوص هؤلاء العلماء الثلاثة كيف أنهم قائلون بما تقولون به. فخلاصة الأمر أن قراءتي لهؤلاء الثلاثة لم تكشف لي عن ما تنسبونه أنتم وطلابكم الأفاضل إليهم في هذا المجال، وأرجو أن نطلع قريباً على قراءة في كتب هؤلاء تتضمن نصوصاً منهم واضحة على ما ترونهم قائلين به. فبرأيي أن عرض الأستاذ سعيد للمسألة يلقى قبولي وقبول كثير من الباحثين لأنه ببساطة حين ينسب قولاً لأحد يأتي بكلامه ويقرأه مع القارئ بصوت مرتفع، ويفكر فيه ويحلله بصوت عال، وهذا ما لا نجده في كلامكم، نعم لكل أسلوبه، ولكن من حق القارئ أن يطلع على قراءتكم للنصوص بشواهدها ويطلع على تحليلكم لها بما يفيد ما خلصتم إليه من الفكر فيها. وأرجو أن تكون فكرتي قد وصلت. 
إنني أوافقكم على أن ثلاثتهم علماء سبقوا وكانوا أصحاب إنتاج فكري هائل أنهم سبقوا مفكري الغرب، ولكن ما لم أستشكل فهمه فهو: 
أولاً: قولك: (فلا أحد من هؤلاء يقبل بالأدلة الفلسفية في الإلهيات حتى وإن لم يشكوا في كونها عقلية.) مع قولك: (لكن الأهم من ذلك هو أنه لا أحد منهم يقبل بالأدلة الكلامية في الإلهيات بل هم ينفون عنها حتى كونها أدلة عقلية.)
في الحقيقة بعض الأدلة الفلسفية تم اعتبارها من جانب المتكلمين مثل دليل الإمكان وكل من الغزالي وابن خلدون يجعلانه دليلاً صحيحاً ومسلكاً مستقيماً في الاستدلال على وجود الله تعالى. ولا أظن أنه يخفى على فضيلتكم ما في كتب ابن تيمية من أخذ من الفلاسفة سواء ما أقرهم عليه من المفاهيم والاستدلالات. وفي كلامك تصريح بأن الثلاثة مع رفضهم لأدلة الفلاسفة جملة وتفصيلاً فإنهم قطعوا بأنها أدلة عقلية، وأن الثلاثة لم يقبل أحد منهم الأدلة الكلامية نفوا كونها عقلية. 
فههنا ثلاثة أمور: الأول رفضهم للأدلة الفلسفية. والثاني: رفضهم للأدلة الكلامية. الثالث: اعتبارهم الأولى عقلية وعدم اعتبارهم للثانية أنها كذلك. 
وفي هذا المستوى من البحث أنتم تنسبون إلى هؤلاء الثلاثة هذه الأمور الثلاثة، ومع احترامي لوجهة نظركم وقراءتكم وتقديري لبحثكم لهؤلاء الثلاثة فكيف تفسرون استعمالهم للأدلة الفلسفية والكلامية في معرض تقرير مقالاتهم إن كانوا لا يرونها مفيدة للعلم. وفي مقام النسبة لا بد أيضاً في نظري أن تظهر كلامهم الذي يفرقون فيه بين الدليل الفلسفي العقلي والدليل الكلامي على نحو ما فرقتم به حضرتكم بينهما. إنني ما زلت لا أرى في كلامكم ما يدل على أنهم فرقوا بين الدليل الكلامي والفلسفي بنحو ما فرقتم به، وبالمقابل أجدهم ينظرون في الدليلين الكلامي والفلسفي على السواء دون تمييز بينهما من حيث هما فلسفة وكلام بل قبول الدليل عندهم جميعاً أو رده لا يتوقف على كون الدليل فلسفياً أو كلامياً بل على قبولهم أو رفضهم له من حيث هو دليل صحيح أو فاسد من جهة المادة أو الصورة. وهذا واضح غاية الوضوح عند عرضهم للأدلة الفلسفية والكلامية وكلامهم عليها فإنهم يقبلون منها أو يردون ما هو مقبول أو مردود بناء على أصولهم دون الالتفات إلى قائل القول، أو كونه منسوباً إلى الكلام أو الفلسفة على الرغم من أنهم يشيرون إلى مصادر الأقوال وغالباً ما يسنبونها إلى نفس قائلها إذا كان معلوماً، فما تعليقكم على ذلك وحبذا لو استشهدتم على ذلك من كلامهم لإثبات نسبة هذه الآراء لهم.
ثانياً: قلتم (لكي تكون {الأدلة} كلامية فلا بد لمقدماتها أن تكون نقلية. لأنها من دون هذا الشرط من المفروض أن تصبح فلسفية.)
فأسألكم باحترام أن تبينوا لي من أين علمتم هذا الشرط، إذ الكلامي نسبة إلى علم الكلام، وعلم الكلام هو العلم الباحث في إثبات العقائد الدينية والحجاج عنها ورد مقالات خصومها دون هذا الاشتراط، بل لقد بحث المتكلمون في الطبيعيات في دقيق الكلام كما هو معلوم وقد قدم في ذلك الدكتور العلامة محمد باسل الطائي بحوثاً جليلة في هذا السياق، أرجو أن تنظروها في موقعه. فما الذي حملهم على البحث في الطبيعيات إذا كان من شرط الدليل الكلامي أن يكون من مقدمات نقلية. بل ما معنى كونه دليلاً على العقائد الدينية إذا كان سيعتمد على نفس النقل من حيث هو نقل، كيف سيثبت المتكلم عقيدته إذا كان سيبدأ بالمصادرة من أول لحظة، والشيء لا يثبت بنفسه بل بما هو خارج عنه دال عليه. هذا الرأي منكم أثار استغرابي كثيراً في الواقع. وإني أنظر في دليل المتكلمين على القدرة والإرادة والعلم وعلى وجود الله فلا أجد في أي منها مقدمة نقلية واحدة، فهلا بينتم لي تلك المقدمات النقلية التي تضمنتها تلك الأدلة مما قد يكون قد خفي علي. 
إن ما أشرتم إليه من أدلة قرآنية خمسة، منصوص عليها بالنص في كتب الكلام، وقد وجدتها في متون العقائد مما يدل على اشتهارها وانتشارها واعتمادها وإقرارها. ومما يدل على دراسة المتكلمين للأدلة القرآنية واستفادتهم منها، بل لا تكاد تجد لهم دليلاً إلا ويشيرون إلى أصوله من الكتاب والسنة مثال ذلك تخريجهم لدليل الحدوث ودليل الإمكان ودليل العلم ودليل الإرادة والقدرة والعناية والنظام والانسجام ودليل التمانع من أدلة الوحدانية وغير ذلك من آيات القرآن الكريم. وهذا يدعوني مجدداً لاستغراب حكمكم على الأدلة الكلامية بهذه الأحكام العامة المطلقة التي أقل ما أقول فيها ببادي الرأي أنها بحاجة إلى تخصيص وتقييد، ثم هي بحاجة إلى تفسير لكونها غير مفهومة بالنسبة لي على الأقل حين أجد كتب الكلام زاخرة بعين ما تسميه أدلة قرآنية عقلية. وبحاجة لبيان أن هذه المطابقة بين كلام المتكلمين وكلام الله ورسوله هي مطابقة ظاهرية وهي في الحقيقة مخالفة جوهرية لكي أقتنع بأن المتكلمين لم يتحققوا مقاصد الكتاب والسنة ولم يبنوا علومهم عليهما. وهذا أشبه بأن يسأل سائل إذا تعارض قول الفقهاء مع الكتاب والسنة فأيهما نقدم. فهو قائم على افتراض لا وجود له أصلاً لأن الباحث في كتب الفقهاء يعرف أن كلامهم مستمد منهما، وأنه ليس مقرراً بمعزل عن النظر فيهما. فكيف إذا وجدنا هذا التخريج لكلام المتكلمين منهما، ووجدنا هذه المطابقة بينه وبينهما، فكيف يسوغ لنا أن نرد كلمهم على هذا النحو الذي تردونه؟ 
أستاذنا الفاضل الدكتور أبا يعرب، 
في الحقيقة هنالك الكثير من النقاط التي استشكلتها في كلامكم، وإنني لا أرغب في الإطالة عليكم لما أرى من انشغالكم الكبير بالبحث والكتابة والجواب، ولا أطلب منكم غير إجابات مختصرة مباشرة على ما سألتكم عنه لكي لا أجهدكم ولكي لا ندخل في تفاريع الكلام ولكي أتمكن من أن أكمل معكم عرض استشكالاتي واستقصاء رأيكم فيها وتوضيحاتكم حولها بسهولة وسرعة. وأرجو منكم احتمالي.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 تعليق أبي يعرب 27/11/2008 

الأخ الفاضل الأستاذ غسان طوقان

تحية طيبة وبعد:

 فقد جاء في فاتحة رسالتك ما يمكن أن نعتبره بنود عقد للحوار في ما طرحته من أسئلة أرحب بها كامل الترحيب. فهي قابلة لأن تكون الجسر الواصلة بين موقفين من تشخيص حال الفكر العربي الإسلامي الراهنة مختلفين اختلافا منهجيا نأمل أن يساعد الحوار فلا يعوقه. والمعلوم أن هذا الحوار يزداد أهمية إذا لم يكن مقصورا على وجهه النظري بل استند إلى دافع عملي متصل بهم المتحاورين. وأعتقد أن الهدف هو بالنسبة إليك كما هو بالنسبة إلي فهم الشروط التي تمكن من الفلاح في سعي فكرنا العربي الإسلامي لاستئناف دوره الكوني وليس مجرد فهم فكرنا المتبادل: "وما استفساراتي هذه إلا محاولة جادة للولوج إلى فكركم فإذا فهمت منطلقاتكم ومبادئ نظركم وكليات مذهبكم صار كل كلام تقولونه مفهوماً واضحاً عندي. وأمكنني أن أبدي وجهة نظري فيه إن كان لها أهمية في نفسها أو عند أي أحد. ولا أخفيك أنني أجد كلامك غريباً عني، ولكني أحاول جهدي لا لفهمه من حيث هو لغة بل من حيث ما أشرت إليه من أصول كلية ومنطلقات ومبتدآت فكرية".

وطبعا فوجهة نظرك ذات أهمية عندي واعتقد أنها كذلك في ذاتها. ولولا  حكمي هذا لاكتفيت برد التحية المصاحبة مع الاعتذار عن التعليق. وقد تلا تعبيرك عن الوعي بهذه الغرابة التي لك كل الحق في الإشارة إليها جملةٌ من الأسئلة سأحاول تلخيصها لإبداء الرأي فيها قدر المستطاع راجيا أن يكون تلخيصي أمينا حتى يكون الجواب مباشرا ودقيقا فلا يحيلنا إلى تفريعات قد لا تمكن من نيل المطلوب. لكن بعض التعقيدات النظرية لا مفر منها إذ كما قال أقليدس لأحد الملوك البطالمة: في الرياضيات لا وجود لطريق خاصة بالملوك (والضيف عند العرب ملك) ! وطبعا فالسائل يكون شخصا معينا لكن المجيب لا  يتوجه إليه وحده: فأسئلتك تمثل فرصة لكي أوضح للكثير من السائلين المفترضين القضيتين اللتين سأرد إليهما أسئلتك كلها أعني منهجي وما يجدونه مثلك من غرابة في ما انتهيت إليه من نتائج قد لا تكون يسيرة الفهم أو القبول. 

والمعلوم أن شرط العلاج الفلسفي يصدق على طرفي الحوار. فما يسمح للسائل بأن يسأل أي سؤال يعتبره علة عدم الفهم يسمح للمجيب مثله في محاولة فهم عدم الفهم أن يفترض ما يبدو له معقولا من التأويل. وقد ختمت رسالتك بأسلوب يدعم للود كل قضية إذ إني لا اعتبر أسئلتك للمعاجزة-بمقتضى كوني لم أزعم يوما في حياتي أن لي القول الفصل في ما أبحث فيه-بل هي بمقتضى حسن النية بالمحاور من جنس ما وصفت من إرادة الفهم لتيسير الحوار ولمواصلته. وإذ أجيب على الأسئلة فذلك يعني أني أسلم بأمرين بعد الاعتراف بأهميتها:

أن هذا الهم مشترك بيننا فكلانا يسعى إلى فهم أزمة الفكر العربي الإسلامي الحالي.

وأننا بالحوار نسعى للتعاون على التعامل معه كل بطريقته وعلى قدر فهمه واجتهاده.

ولو كان المفكر الذي يسعى إلى الفهم في محاولاته الفكرية يبحث عن الموافقين رأيه دون سواهم لما كان لسعيه معنى ولأصبح الحوار مناجاة ذاتية. الاختلاف في الآراء والمواقف مع التعامل الحضاري بين المتحاورين يمكنان من التقدم المعرفي والخلقي: وهو الفرق الجوهري بين أنظمة التعليم كما بين ذلك ابن خلدون وكما نراه رؤية العين عند مقارنة تخلف أنظمتنا التقليدية التي ما تزال تخضع لمنطق الشيخ والمريد !. وبذلك تتمايز الأمم الرائدة. وسأورد ملخص أسئلتك بعدتها وبترتيبها في رسالتك. لكني لن أجيب عنها كما وردت في الرسالة بل سأستسمحك بأن أنطلق من خيطها الرابط لردها إلى مسألتين لا غير:

المسألة الأولى: هي ما تقترحه علي من منهج تراه أصلح لعلاج القضايا التي تستفسر عنها وأنا عالم بالجواب المفضل عندك.

والمسألة الثانية: هي علل استغرابك الأجوبة التي تستفسر عنها لكونها لا تطابق ما يؤدي إليه المنهج السابق من أجوبة ترتضيها.

وطبعا فإن ذلك لا يعني أني أرفض الجواب عن الأسئلة واحدا بعد آخر وهو ما لن يتخلف خلال الجواب الفلسفي النسقي الذي يمكن أن يستعرض نفس المسائل ولكن بترتيب مقابل تماما لترتيبها في رسالتك مع تعليل لهذا القلب طبعا. فالقلب كما سترى لن يكون في حالة أسئلتك إلا عودة من آخرها إلى أولها لتعليل ستراه خلال الجواب. ذلك أن عدة المسائل وترتيبها في رسالتك يخلو من النسقية ولعله جاء بحسب تواردها في ذهنك خلال قراءة ردي السابق وليس بحسب علاج بنيته في التوجه بها إلى. وترتيب المسائل إذا لم يكن بنظام قصدي قد يجعل المجيب يكرر نفسه دون الذهاب إلى المبدأ الناظم للأسئلة.

لكني مع ذلك سأتبع ترتيب الرسالة في محاولة حصر المسائل كما ينبغي أن نفعل مع أي ضيف لهذا الركن من الفضاء الذي خصصه لي مشكورين طلبتي الأعزاء مع التعبير التام عن ترحيبي بأساس العقد الحواري بيننا من منطلقين أنت اقترحتهما وأنا أوافق عليهما بكل ترحاب:

أولهما أن يكون الحوار فلسفيا وليس كلاميا لأنك تقبل بألا تكون المراجع المعتمدة هم

المتكلمين.

والثاني هو ما عبرت عنه من غرابة وجدتها في فكري الذي لا استغرب من استغرابك

منه.

ويسعدني في بداية الجواب أن اشكر الأستاذ طوقان لما بذله من جهد لطرح أسئلته المتوالية ولما قد يضطر إليه من جهد لتحقيق ما علل به توجيه الأسئلة أعني حب المعرفة والفهم فضلا عن الاشتراك في الهم والقصد: فكلانا –في حدود ما فهمت من دوافع السؤال-يسعى إلى الإسهام قدر الطاقة في طلب شروط النهوض. وقد اعتبرت أسئلته فرصة تمكنني من توضيح الكثير من المسائل لتجنب سوء التفاهم الذي قد يحصل فيجعل التشكيك في المقاصد والنوايا محل حسن الظن بعضنا بالبعض ولتيسير الاجتهاد المشترك الذي اعتبره القرآن الكريم شرط الاستثناء من الخسر: التواصي بالحق والتواصي بالصبر.

وطابع جوابي الذي قد يجد فيه البعض بعض التعقيد يعلله محاولة التوفيق بين ما اقترحه من منهج يستغرب السائل نتائجه وما طلبه في أسئلته من منطلق منهج بين طبيعته بالمثالين اللذين نصحني بقراءتهما. فيكون الجواب بذلك مؤلفا من أربعة فصول دون قسمة ضيزى لأن الفصلين الأول والأخير موضوعهما الأسئلة في صيغتها الواردة في الرسالة تكريما لصاحبها إذ نبدأ بها ونختم. أما الفصلان الأوسطان فموضوعهما ما تصبح عليه المسائل العشر بعد تحويلها الفلسفي إلى مسألتين لا غير أو بصورة أدق إلى مسألة واحدة من منظورين مختلفين:

الفصل الأول لصوغ المسائل وترتيبها كما وردت في رسالتك.

والفصل الثاني للجواب بالترتيب الفلسفي النسقي على مسألة العلاج الذي تستغربه.

والفصل الثالث للجواب بالترتيب الفلسفي النسقي على مسألة المنهجية المطلوبة

والفصل الأخير سيكون  شبه تكريم للضيف السائل أقدم فيه جوابا على عينة من أسئلته الواحد بعد الأخر بعد طرح مسألة المنهجية وما يتفرع عنها أعني مسائل المجموعة الثانية من الرابعة إلى السابعة لكونها نالت في الفصلين السابقين بما يزيد عن اللزوم وبعد بيان قابلية المسائل الثلاث الأخيرة للرد إلى المسائل الثلاث الأولى التي نأخذها عينة.

 

 

 

                           الفصل الأول

                    الأسئلة عدتها وترتيبها

تتمثل أولى عمليات العلاج الفلسفي في وصف المادة وتصنيفها: ويشبه ذلك ما يسمى بصوغ المعادلة في الرياضيات أو بالترجمة المنطقية إلى رموز في العلاج العقلي للقول العلمي. والمادة هنا هي الأسئلة التي وردت في رسالة السائل. ولما كان السائل لم يحدد المنطق الذي اتبعه في طرح أسئلته فمن واجب من يحاول الجواب أن يقوم بذلك بنفسه. وحتى لو حدد السائل منطقا لأسئلته فإن من حق المجيب أن يقبل به أو أن يستبدله بمقتضى عقد الحوار بين ذاتين حرتين بشرط أن يعترف لمحاوره بنفس الحق. لذلك فإني اقترح الوصف والتصنيف التاليين لأسئلة الأستاذ طوقان مع إيراد ما نعتبره دالا عليها من نص رسالته. فقد تبين لي أن الأسئلة تنقسم إلى ثلاث مجموعات وهي ترد إلى مسألتين لأن المجموعة الأخيرة تكرر المجموعة الأولى:

1-المجموعة الأولى:

تتضمن المجموعة الأولى ثلاثة أسئلة تدور حول شرعية حكمي في الكلام. وهذه هي المجموعة الأولى من المسائل التي تتقدم على سؤال المنهجية باعتبارها ما تستغربه من أجوبتي.

السؤال الأول: حول شرعية اعتبار الكلام دون الخطابة في سلم التدرج إلى العلم: "قلتم عن الأدلة الكلامية إنها: \"دون الخطابة تأسيسا وقربا من المعرفة العلمية\" فما هي الأمور التي تجعل من الأدلة الكلامية دون الخطابة بالنسبة للمعرفة العلمية؟"

السؤال الثاني: حول شرعية رفض الحجة الكلامية وقبول الحجة القرآنية. وهل يكون الرفض مشروطا أم مطلقا؟: قلتم: \"فليس لأي مرجع هذه المنزلة بعد القرآن والسنة فضلا عن كونهما هما بدورهما يعتمدان سلطة الحجة لا حجة السلطة\"

السؤال الثالث: حول شرعية اعتبار الأدلة الكلامية غير قرآنية أو بصورة أدق حول عدم القبول بالكلام مجرد ترجمة صناعية للأدلة القرآنية  ؟ (التأويل هو المشكل): "مع أنني لا أرى فرقاً في منهج الاستدلال من حيث هو استدلال بين الأصلين وبين الكلام، نعم في هذا الأخير نجد المصطلح والتشقيق المنطقي والقياس المفصل مما لا نجده في القرآن والسنة وذلك لما أن ذلك ينافي بلاغة القرآن، ولكن الاستدلال هو الاستدلال. والمنهج هو المنهج".

2-المجموعة الثانية:

تتضمن المجموعة الثانية أربعة أسئلة أصلها سؤال المنهج وفروعها تتعلق بشرعية ما اعتبره مواصلا لمراجعي الثلاثة في السؤال عن علل تعثر الفكر العربي الإسلامي وخاصة دور الكلام المعطل.

السؤال الرابع: حول طبيعة المنهج المستعمل لإثبات ما أنسبه إلى مراجعي في مسائل ثلاث: قولكم: \"هذه المراجع معلومة للجميع لأني لم أخفها وأعجب من سؤالك عنها". والنموذجان هما: أحمد حكمت في بحثه الكلام عند ابن خلدون والشيخ سعيد فودة في بحثين حول ابن تيمية والغزالي.

السؤال الخامس : حول شرعية دعواي بأن المراجع الثلاثة مجمعون على ما أدعيه في الكلام وكيف أثبت ذلك بصورة عامة ؟

السؤال السادس: حول صحة رفضهم الأدلة الفلسفية.

السؤال السابع: حول صحة رفضهم  الأدلة الكلامية.

"ولكن ما لم أستشكل فهمه فهو (......) فههنا ثلاثة أمور: الأول: رفضهم للأدلة الفلسفية. والثاني: رفضهم للأدلة الكلامية. والثالث: اعتبارهم الأولى عقلية وعدم اعتبارهم للثانية أنها كذلك". 

3-المجموعة الأخيرة:

وتتضمن المجموعة الأخيرة ثلاثة أسئلة وهي تكرار للمجموعة الأولى بصيغة مختلفة وتتعلق بحكمي في الكلام بقراءة السائل مطبقا المنهج الذي ينصح به.

السؤال الثامن: حول صحة  اعتبارهم  الأولى عقلية والثانية غير عقلية: "ومع احترامي لوجهة نظركم وقراءتكم وتقديري لبحثكم لهؤلاء الثلاثة فكيف تفسرون استعمالهم للأدلة الفلسفية والكلامية في معرض تقرير مقالاتهم إن كانوا لا يرونها مفيدة للعلم".

السؤال التاسع: حول الشرط وهو عين تعريف الكلام كما يتبين ذلك بقليل من التأمل. فالقول إن الكلام هو الدليل على العقائد الإيمانية بالعقل يعني أن مادة الأدلة الكلامية من الوحي حتى لو كانت الحجج من الجدل: "ثانياً: قلتم (لكي تكون {الأدلة} كلامية فلا بد لمقدماتها أن تكون نقلية. لأنها من دون هذا الشرط من المفروض أن تصبح فلسفية"فأسألكم باحترام أن تبينوا لي من أين علمتم هذا الشرط".

السؤال العاشر: حول أدلة القرآن الخمسة. أظنك قد أولت رأيي في الآيات الخمس فاعتبرتها أدلة ثم أرجعتها إلى ما فهمه المتكلمون وليس ذلك قصدي. ولعلك لم تقرأ النص الذي بينت فيه امتناع شروط الكلام: "إن ما أشرتم إليه من أدلة قرآنية خمسة، منصوص عليها بالنص في كتب الكلام، وقد وجدتها في متون العقائد مما يدل على اشتهارها وانتشارها واعتمادها وإقرارها".

وبذلك فإن الأسئلة العشرة تقبل الرد إلى مسألتين لا غير وذلك على النحو التالي:

1-المسألة الأولى:

فأربعة أسئلة منها تدور حول المنهج الذي استعملته والتشكيك في قابليته لبيان تأسيس الوصل بين موقفي ومواقف مراجعي من الكلام لعدم إثبات ذلك بالطريقة التي يمثل لها السائل بالمثالين المقترحين. وهي الأسئلة من الرابع إلى السابع بدخول البداية والغاية.

2-المسألة الثانية:

وستة أسئلة منها تدور حول غرابة ما أقدمه من حلول لمسائل اعتبرتها غير قابلة للعلاج الكلامي. والسائل يستغرب ذلك لإيمانه بالكلام أساسا مقبولا للعقائد (علما وأن هذا السؤال هو نفسه الذي طرحه السائل من أول لقاء في الملتقى عندما اعتبر من واجبي أن أقدم البديل إذا صحت دعواي في بعض قضايا الكلام). وهذه الأسئلة هي في الحقيقة ثلاثة تكررت مرتين أولاهما قبل أسئلة المنهج والثانية بعدها كما نبين فتكون مجموعة واحدة منظورا إليها من منظورين متقابلين:

فالصيغة الأولى للمجموعة تتضمن سؤالا عن شرعية موقفي من الكلام بالقياس إلى الخطابة وإلى العلم وإلى القرآن (الأسئلة الثلاثة الأولى)

والصيغة الثانية للمجموعة تتعلق بما يعارض به السائل هذا الموقف من منطلق المنهج الذي يعتبره أفضل لعلاج مسائل الكلام.

وبذلك فعلي أن أبحث في مسألتين لا غير لأن كل هذه الأسئلة التي لا تبدو مترابطة متفرعة عنها أو عن جوابها الذي سيجعلها مفهومة للسائل إن شاء الله:

الأول: هل المنهج الذي يقترحه السائل قابل للتمكين من علاج المشكل الذي ظنه السائل من جنس ما عالجه مثالاه ؟ فليس مشكلي هو التأكد من أقوال المتكلمين في الكلام بل هو تحديد دور العائق الكلامي في نهضة الأمة العلمية والدينية في عصرنا وذلك من منطلق تطور الفكر الإنساني..

الثاني: هل ما يستغربه السائل علته أنه غريب أم لأنه ينظر إليه من منطلق المشكل الذي يطرحه المتكلمون العائدون والذي ليس هو همي الأول ؟ فإذا علم السائل المشكل ما هو هل يبقى الاستغراب خاصة إذا كنا مشتركين في طلب الشروط التي تحقق استئناف الأمة دورها الكوني ؟

 

 

                         الفصل الثاني

 

        علاج المسائل الست بترتيب فلسفي نسقي

 

ولأبدأ فأمهد بالجواب عن سؤال ضمني: لماذا يقتضي العلاج الفلسفي النسقي لهذه الأسئلة عكس ترتيبها دون أن يلزم عن ذلك الاستغناء عن علاجها بمقتضى ترتيب صاحبها لاحقا تبجيلا لضيف الفضاء ؟ في حصر المسائل الأول أخذنا المسائل العشر التي وردت كمتوالية مسائل لا يربط بين حلقاتها إلا الكلام في منزلة علم الكلام بصورة لا ترينا مبدأ وحدتها وصلتها بعضها بالبعض فأرجعناها إلى مسألتين نؤخر منهما مسألة المنهج وعلينا الآن أن ندرس مسألة الموضوع ذاته أعني مسألة المعرفة الكلامية.

فشروط العلاج الفلسفي النسقي-وهذا بمقتضى العقد بيننا العقد الذي وضعت بنوده بنفسك وقبلته أنا طوعا- شرطه الأول والأخير يبقى دائما انطلاق البحث من المبدأ المؤسس للإشكالية حتى يتحقق إرجاع  ما يتفرع عنه إليه بمنهج واع بمقوماته وشروطه. وهذا المنهج يغني عن التكرار في الجواب وييسر بناء اللاحق من الأجوبة على السابق منها.

 لذلك فرجائي من القارئ ألا يعتب إذ استأنفت العلاج من رأس بمنهج يخضع لشروط الفن الفلسفي اقتصارا عليه دون التقليل من أهمية المنهج الذي يفرضه ترتيب المسائل في أسئلة السائل والذي سأعود إليه في غاية البحث. فلعل أحد الجوابين ييسر إعادة النظر في حكمه التالي:" ولا أخفيك أنني أجد كلامك غريباً عني" ليس للتحرر من الاستغراب الذي هو عامل إثراء خاصة وقد نسبه بإضافته إلى نفسه بل لكي يصل إلى ما يحاول أن يصل إليه من نتيجة قد تساعد على مواصلة الحوار المثمر:" ولكني أحاول جهدي لا لفهمه من حيث هو لغة بل من حيث ما أشرت إليه من أصول كلية ومنطلقات ومبتدآت فكرية"..

ولنبدأ فنذكر بالمسائل الواردة في رسالة السائل وترتيبها مع صوغها بصورة برقية من دون الرجوع إلى تصنيفها في مجموعات ساعدتنا في خطة البحث علما وأن هذه الأسئلة هي من ضمائر جوابي السابق الذي تعلق عليه بهذه الأسئلة : 1-شرعية المفاضلة بين الكلام والخطابة 2-شرعية رفض الحجة الكلامية-3-وشرعية عدم اعتبار الحجة الكلامية قرآنية  4-المنهج المقترح والمنهج المطلوب 5-إجماع المراجع على العناصر التالية الثلاثة 6-شرعية رفض الأدلة الفلسفية 7-شرعية رفض الأدلة الكلامية 8-شرعية القول بلا عقلانية الدليل الكلامي 9-شرعية الشرط في تعريف الكلام-10 وأخيرا العلاقة بين أدلة الكلام وأدلة القرآن الخمسة أو بصورة أدق آياته الخمسة.

لو نظرنا في هذه المسائل العشر طلبا لمنطق تواليها لخرج لنا منطق أسئلة السائل فوجدنا أن المسألة الأخيرة هي أصل المسائل التسع الأخرى كلها بترتيب يعود منها غاية (القرآن من حيث هو بيان للناس) إلى الأولى بداية (الكلام والخطابة تبيينا لبيان القرآن بدأ إضافيا إليه وانتهى بديلا منه). وكما هو بين فالغاية والبداية هما وجها نفس المسألة وجهها الموجب في الغاية (بيان القرآن) ووجهها السالب في البداية (ما يدعيه الكلام من بيان لا بد منه ليكون البيان مبينا للمؤمنين).

 فلكأن المسائل تمثل دائرة منغلقة تنتهي بما تبدأ به لسلب الغاية ما تدعيه البداية أعني أن الدين المنزل في الغاية يحررنا من فهمه بالدين الطبيعي في البداية أعني "الكلام أو-والخطابة" الذي تضيفه النصوص البشرية بل ويصبح بديلا من النصوص الإلهية: فنحن نتكلم على علم يزعمه أصحابه معرفين إياه تعريفا ييسر قبوله من المؤمنين بأنه الاستدلال بالعقل على العقائد الإيمانية. فيكون في الحقيقة بديلا خطابيا منها بآلية التأويل ويصبح المؤمنون بالدين ذي الكتاب المنزل تعير عقائدهم بالتأويلات الكلامية للكتاب في ما يسمى بالعقائد (التي صارت كل فرقة ونحلة لها منا صوغ خاص) وليس بنص الكتاب.

ويكفي أن نصدق دعواهم فنأخذ ما يقولون به مأخذ الجد ثم نقارن ما تقتضيه عند وصلها بمعنى العقائد الإيمانية. سنقضي عندئذ في الأمر بوضوح لا تشوبه شائبة: فالمعتقد يصبح متعددا بتعدد الفرق الكلامية لكل منها منظومة عقدية هي تأويلها للعقيدة التي هي واحدة في الكتاب المنزل والتي صيغت بصورة ذات طواعية تمكن من المحافظة على وحدة المتعدد أعني شرط حرية العقد أو تعدد الفهوم بعدة الأنفس ليكون العقد حرا بمقتضى تبين الرشد من الغي الذي ينبغي أن يكون شخصيا والذي اشترط فيه القرآن الكفر بالطاغوت ليصح الإيمان بالله (البقرة 256).

فإذا جاء من يجعل تأويله التأويل الوحيد الممكن فوضع صيغة للعقائد انتقلت الملة من الحرية الروحية والعقدية إلى السلطان الروحي الذي هو كنيسة متنكرة في الإسلام بسبب نفي القرآن لها: عندئذ يصبح الكلام بهذا المعنى وتصديقا لحكم القرآن مشروطا بالتأويل الاستبدادي الذي لا يترك منفذا لتعدد الفهوم إلا في شكل صدام بين التآويل التي يدعي أصحابها احتكار الحقيقة فيكون كل فريق مكفرا لبقية الفرق ويكون الكلام من ثم مصدر الطاغوت كله والفتن كلها لأنه يكون معبرا عن زيغ في قلب صاحبه وابتغاء للفتنة.

والمعلوم أن العقائد الإيمانية يمكن أن نعرفها بكونها ما يعلمه المعتقدون فيها بعاملين هما: 1-صوغها و2-التدليل عليها (وجودا أو عدما) في نص مكتوب (بعد اكتشاف الكتابة) أو محفوظ في الذاكرة (قبل اكتشاف الكتابة). وذلك هو القرآن عند المسلمين و هو عند غيرنا يسمى الكتاب المقدس (في الدينين المنزلين الآخرين) أو أي نص مرجعي في الأديان الطبيعية. فتكون إذن حال العقائد مربعة بمقتضى القانون الرياضي لأقسام المجموعة: فهي دائما 2 قوة العناصر التي تتألف منها المجموعة وهي هنا عنصران أعني الصوغ والتدليل.

فكل نظام عقدي لا يد أن تكون عقائده على الحال التالية: فإما أن يتوفر فيها الشرطان المحددان لوظيفة النص العقدي معا (أي الصوغ والتدليل) أو أحدهما هذا دون ذاك (الصوغ) أو ذاك دون هذا (التدليل) أو لا واحد منهما (لا الصوغ ولا التدليل). وإذن فالعقائد غالبا ما توجد في واحدة من حالتين كلتاهما مضاعفة لأن الصوغ لا بد فيه من بداية تدليل مهما كانت بدائية والتدليل لا بد مشروط بشيء من الصوغ مهما كان مضمرا. ولذلك فقل أن ينفصلا حتى وإن تفاوتت النسب بينهما. وكلما كانا عامين ومتعددين في النص كان ذلك دليلا على المرونة في العقد ومن ثم في توسيع الانتشار: فيكون العقد مترددا بين حدين فوق الأدنى (عدم الصوغ وعدم التدليل المطلقين) ودون الأعلى (الصوغ والتدليل المزعومين مطلقين). وهذان الحدان الخارجان عن العقد السوي يلتقيان التقاء الضدين: فالصوغ والتدليل عندما يزعمهما أصحابهما مطلقين يؤديان إلى التفتت العقدي بسبب زوال فسحة الحرية والتعددية المسموح بها في حالة المرونة فيعود الناس إلى عدم الصوغ وعدم التدليل المطلقين رد فعل ييبنه بكامل الدقة ما في الملل المصوغة والمدلل عليها في العقائد الرسمية من نحل لا تكاد تتناهى عدة.

فهي إذن تكون: 1-إما مصوغة و2-مدلل عليها في النص أو 3-ليست مصوغة و4-ليست مدللا عليها فيه بل منتشرة في ممارسات ومعتقدات غفلة كما في الأديان البدائية 5-وهذا الأمر بوجوهه الأربعة معلوم من النص صراحة (فيكون في متناول الجميع) أو ضمنا (فيحتاج إلى وسطاء بينه وبين الناس العاديين). والمعلوم أن القرآن يتصف بالحالة المضاعفة الأولى وذلك منه معلوم صراحة ومن ثم فهو في متناول الجميع ليس بدليل الوجود فسحب بل وكذلك بدليل النفي الصريح للوسطاء بينه وبين المؤمنين به تعريفا لنفسه بكونه بيانا للناس. لذلك كانت الأديان صنفين: قائلة بوجوب السلطان الروحي أو الكنيسة للوساطة بين الله وعباده ومتحرره منها كما هو شأن الإسلام.

والمعلوم أن الأديان الطبيعية التي هي من صنع البشر يمكن فيها أن يصدر الصوغ والتدليل من العقل البشري فيكون نصها مجرد تراكم للمجهود البشري كغيرها من المنتجات الثقافية الإنسانية بما في ذلك العلوم والآداب حتى وإن كان النظام العقدي أكثر مجلبة للصدام حتى في هذه الحالة: كالحال في التفسير أو في الفقه أو في الكتب الدينية التي هي تراكم لهذه الاجتهادات البشرية. ولعل الكلام أقرب إلى هذا الجنس فيكون كتابا بشريا إلى جانب الكتاب الإلهي: إنه دين المتكلمين وليس الإسلام الذي يوجد في المصحف والسنة من حيث وحدته العينية وفي فهوم المؤمنين كل بحسب فهمه في الوجود الذهني. ولذلك فالعقائد التي صاغتها المذاهب الكلامية يمكن أن تعتبر بهذا المعنى دينا طبيعيا للمتكلمين موازيا للإسلام كما يحدده القرآن الكريم لأنها صوغ وتدليل بديل منه بالتأويل وليست مجرد تفسير وتعليم للصوغ والتدليل القرآنيين  (وهذا هو مصدر الخلاف بين شيخ الإسلام والمتكلمين بجميع فرقهم).

ذلك هو الأساس الموحد لمسائل السائل: فسواء وقفنا الموقف الموجب أو السالب من الكلام تكون كل المسائل التي طرحها السائل دائرة حول صوغ العقائد والتدليل عليها هل ينبغي أن يكون من صنع العقل الإنساني أم  هو ينبغي أن يقتصر على ما جاء به الوحي أم هو بالجمع بينهما أم هو بدون أي منهما ويكتفي فيه بمجرد الممارسة العفوية كما في الأديان البدائية؟ وبين أن السائل يوافق المتكلمين فيتصور مثلهم أدلة الكلام جامعة بين صفتي العقلية والقرآنية. وأنا أزعم أن أدلة القرآن عقلية بالمعنى الذي وصفته في جوابي السابق وهي كافية ومغنية عن الصوغ والتدليل الكلاميين المؤديين إلى ما وصفنا وما نبه إليه القرآن الكريم من ابتغاء الفتن. والصوغ القرآني وأدلته ليست أدلة كلامية رغم كونها قمة العقلانية. ومن ثم فأدلة الكلام ليست عقلية. 

فإذا عكسنا ترتيب الأسئلة كما اقترح في مستوى العلاج النسقي ثم عمقنا النظر فإننا سنجد هذه المسائل خاضعة للمنطق الذي نوضحه بعدها:

1- فآيات القرآن الخمس لا أدلته الخمسة (الآية أكثر من الدليل لأنها ليست استدلالا كلاميا بل هي تجربة معيشة لا يستوفيها أي صوغ منطقي). 2-وشرط المقدمات النقلية في الدليل الكلامي الذي هو عين حده (الدليل العقلي على العقائد الإيمانية) 3-ولا عقلانية الدليل الكلامي الناتجة عن هذا الشرط الذي يجعلها نقلية بمعنى كونها من الوحي وليست من العقل 4-ومن ثم رفض الأدلة الكلامية التي تضمر عكس ما تظهر  5- بل وحتى رفض الأدلة الفلسفية بمجرد أن تتجاوز عالم الشهادة 6- كل ذلك حصل بإجماع المراجع الثلاثة الذين اعتمدهم سوابق في بحث العناصر الأربعة التالية 7- أعني المنهج المطلوب لبيان امتناع دور الكلام العلمي والديني  8--وعدم اعتبار الحجة الكلامية قرآنية لأنها بالطبع تأويلية  9-ورفض الحجة الكلامية لكل تلك الأسباب 10-ومن ثم اعتبار الكلام دون الخطابة.

ولنزد الأمر توضيحا وتدقيقا:

 (1) فآيات القرآن الخمس لا  أدلته التي أشرت إليها في جوابي السابق لا تدل بالمنطق المجرد والدليل الصناعي بل بالتجربة الحدية المعيشة التي يكون فيها الحدث الروحي والحديث القرآني متطابقين في وجدان المؤمن بحيث يكون حال المؤمن الروحية عين الدليل (مثال ذلك ما يجربه من اشتدت به الزوابع في البحر وفسدت شراع فلكه أو فرعون حين الغرق إلخ...أو النظر في الآثار الخالية علامة على الفناء المنتظر لمن لا يؤمن إلخ...). وهي أدلة

 (2) لو طابقها الدليل الكلامي بالأدلة التي ذكرها السائل لكان مجرد العلم القولي مؤديا إلى اليقين العقدي وهو ما لا يمكن أن يقول به عاقل وحتى لو قبلنا بذلك فعلى المتكلم-الذي ينبغي أن لا يكون جاهلا بأن الأدلة الكلامية فضلا عن كونها كما هو معلوم لدى الجميع ممن يعلم تاريخ الكلام والفلسفة ليست منتجة إلا لمن يسلم بمقدماتها التي دعوى الضرورة والبداهة فيها مشكوكة الصحة وهي لا تؤثر إلا بعد التسليم: كل الأدلة التي يذكرها المتكلمون ليس فيها من مدلولها القرآني إلا الأسماء أو الشكل المنطقي الأجوف لخلوه من التجربة الوجودية المعيشة أولا وثانيا لأن هذه التجربة بمجرد وجودها تغني عنها- عليه.

 (3)  أن يسلم بأن الكلام-كما يحده من يميز بين المباح وهو المحمود ومن شرطه أن تكون العقائد إيمانية ومسلمة لا مدلل عليها بالعقل وغير المباح منه وهو المذموم ومن علاماته التأويل المشروط في صوغ مقدماته-لا يعدو أن يكون دفاعا عن العقائد بعد التسليم بها وليس برهانا يثبتها فلا يكون دليلا عقليا بل مجرد حجة لكونه غيرها أو مضافا إليها. فيكون الكلام حتى إذا كان مباحا وممدوحا مجرد ترجمة صناعية بالمنطق واللسان الفلسفي لأحد فهوم الآيات القرآنية. وهي دعوى غير صحيحة فضلا عن كونها لو صحت لكانت تحصيل حاصل لا فائدة منه وهو ما يعني أننا ننفي وجود ما يمكن أن يكون ممدوحا من الكلام.

 (4) ولو قبلنا به لحصرناه –كما يفعل ابن خلدون والغزالي في الاقتصاد-في دور الدفاع عن عقد مسلم لا يقبل التكذيب. ومن ثم  فكل من يفهم معنى البرهان سيرفضه: لأن البرهان لا يكون برهانا ما لم يكن ضروريا أعني الواجب من الممكن أي من غير الممتنع ومن ثم فهو ينبغي أن يكون مبنيا على مقدمات قابلة للتكذيب قبولها للتصديق. وما كان كذلك يكون في غنى عن الوحي فيكون التدليل العقلي الخالص إذا صح دالا على أن النبوة أمرا لا حاجة إليه.

(5) بل إن تطور العقل الإنساني بدءا بالنقد عند الغزالي وتوسطا عند ابن تيمية وابن خلدون وختما بالنقد الحديث لن يقبل حتى بالبرهان الفلسفي لانعدام شرطه أعني تطبيق الصورة المنطقية على ما ينتسب إلى طور العقل (مادة التجربة الإنسانية العينية أو المجردة) على ما يتعداه (مادة العقائد التي هي من الغيب حتما حتى عندما يكون موضوعها عالم الشهادة لصلته بعلم الغيب)

 (6) وهذه الأمور الثلاثة أجمع عليها الغزالي وابن تيمية وابن خلدون وأكدها العقل الحديث وهم لا يقبلون بالدليل العقلي إلا سلبا أي بمعنى أنه لا يمنع ولا يحيل ما تقول به بعض العقائد لكنه لا يثبتها إثباتا برهانيا سواء كانت الإلهيات فلسفية أو كلامية. وكل من ينفي حصول إجماعهم يكتفي بإيراد أدلة تفيد بالذات هذا المعنى: فالغزالي يبيح الكلام في حدود وبشرطين وابن خلدون يوافق على ذلك وابن تيمية ينفي إمكانه من الأصل. ومن يعاند في ذلك يظن أن رده على المتكلمين كلام من جنس كلامهم.

 (7) وفضلا عن ذلك فإن بحثي في فكر المراجع الثلاثة المشار إليهم في جوابي الموالي سيبين لم ينبغي أن يكون مختلفا عن بحث المثالين اللذين ضربهما السائل حتى لو سلمنا بأنهما فعلا يطبقان منهجا علميا يخص تاريخ المواقف من علم الكلام. وهو أمر سنبين أنه ليس علميا وأنه ليس حتى أدبيا لأن مجرد سرد المواقف لا يثبت شيئا وهو من جنس تكديس الملاحظات في العلوم العادية: فذلك لا يثبت شيئا بل هو معطيات بحاجة إلى نظرية تمكن من تأويله لتحديد المعنى الناظم.

 (8) فالقصد في بحثي هو معرفة نسبة الكلام إلى العلم وإلى القرآن وليس حكم استعماله الدفاعي والعلاجي كما يحاول أن يثبت ذلك مثالا السائل الذي يطلب مني أن أقدم بحثا في نصوص المراجع الثلاثة لأثبت له موقفهما من الكلام. فلست أجادل في أن الغزالي وابن خلدون يسمحان بوجود الكلام وبفائدة المشروطة ومن ثم بكونه قد يصلح في حالتين عامة وخاصة: الدفاع ضد من يشكك في العقيدة ومساعدة من بدأ يتشكك فيها. وهذا لا يجعله علما ولا دينا بل مجرد دواء لا شيء يثبت أنه يحقق الغرض.

 (9) ولذلك فنحن نرفض الكلام لكونه ليس علميا وليس قرآنيا بل ويمكن لمن يريد أن يطبق نص القرآن حرفيا أن يثبت أنه ممنوع شرعا لأن الإباحة المشروطة بالضرورة تفيد المنع المرسل المتقدم عليها. ولا يهمنا إذا كانت المراجع الثلاثة اقتصر همها على علاج ما كان يعنيها من تحديد حكم  الكلام الشرعي وليس دوره العلمي والديني.

 (10) وبذلك فنحن في الحقيقة الدينية نكتفي بالدليل القرآني الذي هو عقلي ووجداني وتلك هي ذروة العقل بمعنى النهى واللب وليس بمعنى الاستدلال المنطقي الأجوف (أعني برهان الرب بالمعنى القرآني وهو فرقان يحلل ويفهم ووجدان يبصر ويحدس) كما بينا في غير موضع من بحوثنا وفي جوابنا السابق وكما بين ابننا المحمودي في رده الأخير وكما نزيده بيانا في المستوى الثاني من الجواب.

وكما سأبين في الفصل الموالي فليس مطلوبي الحكم في الكلام هل هو مباح ومفيد كفرض كفاية بالنسبة إلى حالتين لا غير من أجلهما أباحه الغزالي وابن خلدون (العدو المشكك والمؤمن المتحير): مطلوبي ليس حكم الكلام الشرعي بل حكمه الفلسفي أعني دوره في المعرفتين العلمية والدينية. وكما سأبين كذلك فهذا المطلوب المعرفي في العلم والدين لا تنفع فيه الدكسوغرافيا (=وصف الآراء) حتى بشروطها فضلا عنها بالصورة التي نجدها في المثالين المضروبين. لذلك فالمنهجية لا يمكن أن تكون ما يقترحه السائل تسليما جدليا بأن هذين الباحثين اللذين يضرب عملهما مثالا يحتذى استوفيا شروط البحث التاريخي الأمين.

ذلك أن الموقف من الكلام لم يكن عند اثنين من المراجع الثلاثة (الغزالي وابن خلدون) موقفا حاسما إيجابا كما كان عند ثالثهما حاسما سلبا بالصورة التي يصورها هذان الباحثان حتى لو بحثنا فيه بالمنهجية التقليدية التي تكتفي بإيراد ما يقوله المتكلم وتنسى ما يفعله فضلا عن عدم ترتيب الأقوال والأفعال في الزمان وعدم ربطهما بالمقام وعدم الانطلاق من الوضعية الهرمينوطيقية للعصر. وهذه جميعا من شروط تأويل المواقف لتحديد دلالتها. والمعلوم أن موقف الغزالي وابن خلدون لم يكن بالوضوح لصالح الكلام كما يصفه الباحثان لكونه أولا كان مترددا بين الإباحة المشروطة والمنع بسبب توازن القوى بين العلماء في عصرهم وبسبب التمييز المشهور بين الممدوح والمذموم من الكلام: مثال ذلك أن ابن خلدون لم يصرح بموقفه من المتكلمين على لسانه بل أتى بقولة للجنيد تجنبا لما كان يعاني منه حتى لا يضيف لحرب أحد كبار الفقهاء عليه حرب المتكلمين.

 والغزالي مثلا-حتى خلال تأليف الاقتصاد-لم يكن مقتنعا بعلمية الكلام ولا بفائدته الدينية وإنما هو أباحه علاجا للمشككين أو للحائرين ممن خرج من العامة دون أن يصبح من الراسخين. وليس صحيحا أنه بقي أشعريا بالمعنى الكلامي للاسم حتى وإن لم يخرج من المذهب وإلا لصح اتهام الأشعرية بما اتهم به بسبب مآله في غاية حياته الصوفية والفلسفية. وابن تيمية يرفضه قطعا وما يقول به من درء للتعارض لا يتعلق بالعقل الكلامي بل بالعقل كما يعرفه هو وقد بينا ذلك في غير موضع. ولعله من المفيد هنا ألا يتسرع المرء فلا ينتبه إلى اللطائف التي غفل عنها من يتصور بحوث الشيخ فودة مثالا يحتذى.

فابن تيمية لا يدلل بالعقل على العقائد إلا عند من لا يميز بين التدليل على أن العقل لا يمنعها (وهو غاية الدرء) والتدليل المثبت لها المدعي أنه يمكن أن ينتج منطقيا بصورة مستقلة عن العقد الإيماني بما في القرآن والسنة: فالتدليل الأول لتحييد حجج الكلام والثاني مثبت لها وشتان بين الأمرين. والكلام بشرط التسليم بالعقائد يكون فاقدا للدلالة لأن وجوده وعدمه يصبحان سيان إلا كدفاع ضد مشكك أو علاج لمتشكك: وكلاهما ليس علما ولا دينا بل هما وصفة لعلاج نفسي أو إيديولوجي لا غير. وبدون الاستناد إلى المعطى النصي يصبح الكلام فلسفة فلا يبقى كلاما: فذلك هو الفرق الوحيد بين الفنين باعتراف الجميع الذين يعرفون الكلام بكونه فنا يبحث في وجود المخلوقات من حيث دلالتها على الخالق والفلسفة فنا يبحث في الموجودات من حيث هي موجودات. وعندئذ نسأل عن معنى الاستدلال على الغيب بما يستمد من الشهادة كيف يمكن تحقيقه في الكلام.

وابن خلدون يعتقد عكس ما يراه المثال الأول بخلاف بحثه الذي يشير إليه السائل. فصاحب البحث لم يكن همه طلب الحقيقة بل مجرد تأييد موقف شيخه شكلا لا مضمونا وإلا لانتبه إلى أنه قد أثبت عكس ما سعى إليه فدحض كل حجج شيخه: فابن خلدون لا يبيح الكلام إلا بشرطي الغزالي ولا يهم إن كان متشددا على الحنبلية المتأخرة فهذا لا يعنيني كثيرا فضلا عن كون ذلك كان لا يضيره إبداء الرأي فيه بما كانوا لا سلطان لهم في الساحة الثقافية التي عاش فيها. ما يعنيني هو أنه ينفي كل إمكانية للدليل الفلسفي على العقائد ويقبل بالدليل الكلامي بشرط أن تكون العقائد مسلمة وليست موضوع الإثبات بل موضوع التأييد للرد على المشككين فيها بل هو تجرأ فاعتبر أن وظيفته الدفاعية لم تعد مطلوبة حتى وإن لم ينف دوره في تكوين المجادلة.

ثم إن منهجنا لا يهتم كثيرا بهذا الأمر. فالكلام لم يعد موجودا إلا كتراث عند جميع الأمم التي أدركت حدود العقل فوظفته في ما يفيد علما ودينا أعني في قضايا المعرفة والأخلاق وليس في العقائد التي لا وجود لأي إمكانية عقلية للحسم بين الآراء المتقابلة إلا بالعنف وحجة السلطان لا سلطان الحجة. فإذا أضفنا أن هذا الإدراك هو أهم أسس الحاجة إلى الوحي لأنه من دونه يصبح وهما أو خيالا قبالة عقل يدعي له أصحابه القدرة على العلم بالغيبيات في حين أن النبي نفسه اعترف بعجزه بنص قرآني صريح. وإنه لكذلك يتصوره كل من يطلق قدرات العقل فيزعمه قادرا على حل معضلات العقائد: فما حاجة الإنسان إلى الأنبياء إذا كان المتكلمون أو الفلاسفة قادرين على حل معضلات العقائد ؟

 ما يهمني هو ما حصل في تاريخ فكرنا لكي ينتقل فكر الأمة من علم الكلام إلى كلام العلم وهي نقلة تحققت فعلا حسب رأيي بفضل المراجع الثلاثة التي أشرت إليها على النحو التالي:

1-فعند الغزالي مر فكر الأمة من رفض الفلسفة والمنطق بدواع عقدية أو إيديولوجية إلى تبنيهما النقدي مع ما كان الغزالي نفسه معرضا له من انزلاق جعله يقبل المنطق ويرفض الميتافيزيقا ولم يكن مدركا أن المنطق ذاته بالصورة التي كان عليها غير قابل للفصل عن الميتافيزيقا بدليل النقلتين اللتين حصلتا دون وعي عنده ثم من بعده في الكلام الأشعري:

الأولى الفصل بين الدليل والمدلول بعد أن كانا متعاكسين (أعمال الباقلاني مثلا).

والثانية هي النقلة من الجوهر الفرد إلى الجوهر الهيلومورفي (الكلام بعد الغزالي).

فهاتان النقلتان جعلتا كل ميتافيزيقا الجوهر الأرسطية تدخل في العلوم الملية. وذلك ما يسر البلوغ بتحريف الكلام الأشعري غايته عندما عمم مبدأ التأويل بقانونه الذي جعل العقل المرجع عند التعارض.

2-وابن تيمية أتم إدراك هاتين القضيتين فسعى إلى تداركهما بتحرير المنطق من ميتافيزيقا الجوهر المشائية لجعله متحررا من علتي جوهرة العلم الإنساني وجعله مطابقا بحيث يكون الوجود مردودا إلى الإدراك. فيكون مفهوم الماهية حاصلا في الحد (الماهية بدل الاسم) ويكون مفهوم الضرورة المنطقية مطابقا الضرورة الوجودية (الحقيقة الوجودية بدل الخوارزمية الرمزية). وذلك هو أساس كل انحراف كلامي أدى إلى المقابلة بين الحقيقة والمجاز في نص القرآن لتأويل المتشابه بل وحتى المحكم. ذلك أن الحقيقة هي ما طابق ما يسميه الفلاسفة ذاتيا وبات يقول به المتكلمون والمجاز هو ما طبق العرضي بنفس الحيثية. فأصبح العلم العقلي معيار العلم النقلي بتوسط قانون التأويل وبات القرآن يفهم في ضوء الكلام وليس العكس.

3-أما الثالث أعني ابن خلدون فهو قد أتم الثورة فبلغ بها الغاية لأنه لم يتمكن من جعل التاريخ ينتقل من الأدبية إلى العلمية إلا بجعل الفلسفة تعود من واقعية الكليات إلى طابعها الإجرائي بحيث تتحقق في العملي تحققها في النظري بوصف الأمرين أداتي معرفة وليسا حقائق وجودية مطلقة. وبهذا المعنى صار عمل التاريخ قابلا للعلم مثله مثل عمل الطبيعة: كلاهما خاضع لقوانين يبدعها العقل بخلاف ما يزعمه الفلاسفة المميزين بين الطبيعي والتاريخي بصورة تستثني علم المدن الواقعة وتتكلم في المدن الفاضلة لا غير..

ولا يهم إن كان ابن خلدون رسميا أشعري المذهب كما يؤكد على ذلك السائل: فسر ثورته العلمية ليس في أشعريته وإلا لكان كل أشعري ابن خلدون. وكذلك كان الغزالي رسميا: وما كان لأشعريته إلا دور الدافع الجدالي لا معين الحل الفلسفي الذي جعله يبدأ ثورة لم تتم إلى الآن لما فيها من نسغ لا ينضب. وكذلك كان ابن تيمية حنبلي المذهب رسميا. لكن الحنابلة لم يكونوا كلهم بحنبليتهم متجاوزين لميتافيزيقا أرسطو وواضعين للبنات الأولى للفلسفة البديل الأولى الحقيقية من المشائية. فالتسميات المذهبية لا تعني شيئا كبيرا عند كبار المفكرين إذ حتى ديكارت كان على مذهب معين من مذاهب المسيحية لكنه تجاوز كل المذاهب القائمة بثورته الفكرية. ما كان يعني الغزالي وابن تيمية وابن خلدون-ولذلك فهم مبدعون كونيون وليسوا مسلمين فقط- هو: كيف يمكن أن نفهم النظر في الآفاق والأنفس بحيث نكتشف قوانين الظاهرات التاريخية بالعقل من دون أن يكون ذلك منافيا لما جاء به الدين.

وهم جميعا كانوا يرفضون الكلام لأن العقل في العقائد مقصور دوره عند الاستعمال الواعي بحدوده على عدم المنع الممكن النقلي لكنه لا يثبته: يكتفي بإثبات عدم التعارض بمعنى التناقض المحض لا غير. والعلم لمن يعلم معنى العلم ما هو لا يكفي فيه ألا يمنع بل لا بد أن يثبت. حصر دور العقل في العقديات في كونه لا يمنع يعني أنه يعرف بدور سلبي أي أنه يقول: لا أعلم المانع دون أن يقول أعلم الموجب وهذه قضية ذات فائدة عملية دون شك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في المعرفة النظرية. وبذلك يكون المنحنى الأساسي للأحكام في الكلام هو الإباحة المشروطة وهو من ثم ليس معدودا من العلوم بالمعنى الدقيق للكلمة فضلا عن أن يكون من العلوم المأمور بها وفضلا عن كونه كما بينا وعند من ينظر إلى المسألة من منطلق نظرية المعرفة العلمية والدينية ليس فكرا أصلا بل هو إيديولوجيا مذهبية.

فدور الكلام العلمي بين الامتناع لمجرد كون مضمون العقائد لا يقبل التكذيب بل لا بد فيه من التصديق دون التكذيب ومن ثم فهو خارج إطار العلم: لا يمكن للمتكلم أن يطلب ما يمكن أن يكذب فرضياته وإلا لعد زنديقا فيكون من ثم موقفه دغمائي بالجوهر وليس هو من ثم علميا. فلا يغالطن الكلام في دقيق الكلام أحدا: باحث الفيزياء يبحث في فرضيات قابلة للتغيير في أي لحظة لأن الحكم على التصديق والتكذيب هو التجربة والتناسق المنطقي بين النظريات. لكن المتكلم في الدقيق لا يستطيع أن يكذب ما وضعته العقيدة من سنن لكونها ليست فرضيات بل هي سنن ربانية. وتلك هي علة الصدام بين العلم والكنيسة مثلا: فهي قد جعلت بعض الحقائق العلمية عقائد ثم لما تجاوزها العلم سعت إلى فرض ما يناقض العلم بوصفه حقيقة عقدية لا يمكن التخلي عنها. وهذا ليس مقصورا على الكنيسة بل هو من مقومات كل فكر كلامي حتما. ومن جنسه القول بالإعجاز العلمي: يزعمون اكتشاف القوانين العلمية في القرآن ثم لما تتغير يضطرون لإعادة التأويل فيكذبون القرآن وهم في الحقيقة يكذبون عليه لأن القرآن لا يمكن أن يكذب.

ودور الكلام الديني بين الامتناع كذلك من كون دليله إذا اعتقد برهانيا كان مكذبا للحاجة إلى الأنبياء. فلو كان البرهان العقلي يمكن من وضع العقائد أو حتى من تأويلها التأويل المتواطئ لكانت الحاجة إلا الأنبياء مقصورة على ما يزعمونه سمعيات أعني مقصورة على الشعائر التي يعجز المتكلمون على تأويلها بعقلهم المزعوم. وهنا يأتي خطأ الرازي الأساسي في رده على دحض الغزالي للحسن القبيح وليس الصباح.

 

                        الفصل الثالث

               مسألة المنهجية المقترحة من السائل

 

تتضمن المجموعة المتعلقة بمسألة المنهجية التي ينصحني بها السائل المسائل الرابعة إلى السابعة كما بينا في الفصل الأول ومهدنا في الفصل الثاني للمسألة المنهجية التي هي أم المسائل. فلنحاول فهم علة النصيحة وسبب عدم استجابتها للحاجة التي تدعونا للخوض في مسألة الكلام. فلماذا أرفض هذا المنهج المقترح؟ وما المنهج البديل بسبب اختلاف المطلوب ؟ الجواب بسيط جدا. لو كان المطلوب هو معرفة المواقف من الكلام لتبرير الحاجة إليه لكان المنهج المستعمل من قبل المثالين اللذين ضربها السائل مجديا. وطبعا فلن أجادل في اطلاع السائل على فكر من اعتبرُهم مراجعي خاصة لأن الأمر لا يتعلق بمقارنة علمه بعلمي بهما ليس تجنبا للمفاضلة التي لا أحبها فحسب بل لأن المفاضلة في هذه الحالة مستحيلة لاختلاف المنظور لأنه بنى حكمه على نفس المنهج الذي ينسبه إلى مثاليه أعني على منهج يتنافى تماما مع المنهج الذي أتوخاه.

فالمنهج المنصوح به حتى لو قبلناه في وصف الآراء لا يمكن من تحديد الاتجاه الدال في فكر أي مفكر ما لم يخضع للشروط التالية التي تحقق هدفه دون أن تجعله مع ذلك ملائما لمطلوبي. فحتى لو اقتصرنا على مطلوب أصحابه المختلف تماما عن مطلوبي أعني بحثهم في مواقف المتكلمين من الكلام لن يكون مجديا إلا بشرط  أن تتوفر فيه مقومات خمسة لا أراها حاصلة في ما اطلعتُ عليه من عملهما السردي:

فليس تاريخ الفكر الإنساني مراكمة الشواهد بل هو اكتشاف منطقها من حيث دلالتها على الوضعيات المعرفية التي تعبر عنها لا أراء أصحابها فيها.

كما أن البحث في قوانين الطبيعة ليس هو مراكمة الملاحظات بل اكتشاف نسقها من حيث دلالتها على النظريات العملية التي تصوغ قوانين الواقع لا آراء أصحابها فيها.

فالمعرفة سواء كانت إنسانية (الحالة الأولى) أو طبيعية (الحالة الثانية) ليست من جنس التعبير الأدبي حيث يكون لأحوال أصحابها كبير الأهمية بل إن الذات العارفة في العلوم ليست أفرادا فضلا عن أن تكون أحوالهم وآراءهم بل هي بنية عامة لعمل الجماعة العلمية أي ما يجمع عادة تحت مسمى البارادايم المعرفي الذي يسعى العلم بالعلم إلى تحديده. ومثالا السائل يريدان أن يثبتا جدوى الكلام في المعرفة عامة وفي المعرفة الدينية خاصة بسرد شهادات قد تقبل لإثبات رأي المتكلمين في فنهم لكنها لا تثبت حقيقة العلاقة بين فنهم وموضوعه ولا العلمي والديني في الكلامي ما هما: فشتان بين الأمرين.

وفضلا عن كوني لست مهتما بمنازعة أحد حول أحكام المتكلمين في الكلام-لأن ذلك لم يكن في علاجي إلا أحد العناصر الواردة بالقصد الثاني خلال البحث في منطق الوضعية الفكرية العربية الإسلامية خلال القرون الوسطى من حيث شروط فاعليتها وعدم فاعليتها-فإنه لا شيء يثبت أن ما كان مجديا في عصرهم يبقى مجديا في عصرنا حتى لو صح أنه كان كذلك. ولما كنت لست ميالا لمنهجية مخض الآراء التي هي من بارادايم الفكر في العصر الوسيط فإني لا أكتفي بعدم استعمال هذا المنهج الأدبي حتى بشروطه بل أجزم بأن علة تخلف المسلمين وهجرة العلوم إلى الغرب وحدوث النهضة عندهم بدلا من حدوثها عندنا سببه هذه الطريقة التي أفسدت نظام التعليم الإسلامي فضلا عن استبداد سلطان "العلماء" (أي الفقهاء والمتكلمين).

فهم قد جعلوا المعرفة مقصورة على الجدل اللفظي في ما يمتنع علمه بنص القرآن فضلا عن استحالة التحقق من أي فرضية تقدم حول تفسير الغيبيات بدل التوجه إلى ما طلب القرآن النظر فيه أعني الآفاق (علوم الطبيعة) والأنفس (علوم الإنسان) حيث يمكن التحقق من سلوك الموضوع أو على الأقل تكذيب الفرضيات بعرضها على تجربتنا لها (وهو ما يفسر حصول الحداثة العلمية في فكر العصر الكلاسيكي الغربي) هذا فضلا عن الحروب والفتن الناتجة عن صراع الفرق صراعها الذي نبهت إليه الآية السابعة من آل عمران. كما أن أصحاب الفن ليسوا دائما أفضل من تُطلب شهادته خاصة إذا كان السؤال متعلقا بشرعية وجود الفن ذاته وحقيقة وظيفته وكانت منزلتهم رهينتهما:

1-فيكون الشرط الأول أن نثبت أن الكلام كان مجديا في عصره وأنه لا يزال مجديا في عصرنا. وكلا الأمرين فيهما خلاف. وهو كاف عندي لأن القصد ليس القول الفصل: فلا فصل في ما لا يقبل الدليل العلمي بل وحتى فيه يكاد الفصل أن يكون متعذرا.

2-ويكون الشرط الثاني أن يتم إثبات ذلك بشهادة حاسمة ممن نعتبرهم عمدة المجال سواء كانوا من أصحابه أو من غيرهم وخاصة من الكثير من ممارسي ما كان معاصرا له من الفنون. فلا يمكنني مثلا أن أكتفي في البحث التاريخي عن مدلول السحر والتنجيم والكهانة بالعودة إلى رأي السحرة والمنجمين والكهان لأحكم عليها بما يرونه في فائدة ممارساتهم. فلو فعلنا لوجدنا لهم أقوالا لا تحصى تبررها. وإذن فقول السابقين في ما كان مهما في عصرهم لا يثبت بقاء تلك الفائدة في عصرنا.

3-ويكون الشرط الثالث أن ترتب الشهادات القولية في الزمان حتى نعلم متى قال الشهود قولهم للكلام وقولهم عليه لنحسم بخصوص مواقف مراجعي الثلاثة وغيرهم من فحول الكلام: أي ما الرأي الذي استقروا عليه أو على الأقل إلى أين يتجه المنحنى.

4-ويكون الشرط الرابع أن نبين أن ما جاء في الأقوال حول الكلام موافق لما حصل في الأفعال. فعلينا مثلا أن نعلل لمَ تخلى الغزالي مثلا عن الكلام ومال إلى الفلسفة والتصوف؟ ولم تخلى ابن خلدون عنه ومال إلى تأسيس علوم الإنسان؟ أما ابن تيمية فحدث ولا حرج ! ولن أنشغل بما يقال عن توبة الفحول في أواخر حياتهم لأني لا أحب هذه الأحكام خاصة منذ أن تولدت موضة توبة الفنانين.

5-ويكون الشرط الأخير الجامع لكل هذه الشروط أن نبين أن الظرف الهرمينوطيقي الذي يعلل تلك التصريحات حول دور الكلام لا يمكن من فهم مختلف لتصريحاتهم. وهذا الشرط هو الأصل وعليه سأركز كلامي. ولذلك فلم يكن غرضي من الاعتماد على المراجع الاستناد إلى أقوالهم بل تجربتهم الفكرية وبالذات منحنى تجربتهم  الفكرية حيث كان الكلام إحدى مراحله التي اعتبرت عائقا وتم التخلص منها ليحصل في فكرهم تحول هو ما يعنيني منهم: فالغزالي لم يبق متكلما بل تجاوزه بصريح قوله إلى ما يوفي بغرضه أعني فلسفة الوجود والتصوف وابن خلدون لم يبق متكلما بل تجاوزه بصريح قوله إلى ما يفي بغرضه أعني فلسفة التاريخ والتصوف. وكلاهما ظل يسمى رسميا أشعريا. وهو أمر لا معنى له في تحديد فاعلية فكرهم الفلسفية. أما ابن تيمية فلا حاجة لإثبات موقفه فهو ليس موضع خلاف. ولست بحاجة إلى الإتيان بالنصوص: إذا تحاور عالمان في أي علم فلا معنى للإتيان بما هو مفروغ منه عندهما وإلا لامتنع الكلام.

ولنضرب مثالا من المقصود بـالظرفية الهرمينوطيقية المحددة لمعاني الأقوال والمواقف حتى يكون لقراءة الشهادات دلالة. وهذا المثال فرضته ظروف الأزمة الاقتصادية الأخيرة. فلا شك أن القراء قد رأوا الكثير من النجوم الفقهية يتحدثون في الفضائيات عن البنكية الإسلامية التي ستنجي النظام الاقتصادي العالمي! والمعلوم أنه لا أحد اليوم يمكن أن يزعم أن الدول الحديثة تسير بالفقه حتى في أفغانستان والصومال أو أن علم الاقتصاد لعبة يفهمها فقيه درس بعض الفتاوى ومتون علوم ماتت منذ قرون بحيث سيحتاج إليه أصحاب جوائز نوبل في الاقتصاد لعلاج النظام الرأسمالي. لكنك مع ذلك لن تنتظر من الفقهاء أن يتخلوا عما يتمعشون منه في بعض بنوك الخليج: لن يسلم لك أحد منهم بأن الفقه لم يعد له دور يذكر في حقيقة ما يجري في الدول الحديثة ليس في الاقتصاد فحسب بل حتى في تنظيم العلاقات الأسرية بما في ذلك في السعودية. وطبعا فكلامنا  لا يدور على ما نتمناه بل على ما نراه في واقع الأمر العمراني وما نريد فهمه لنستعيد دورنا كأمة ضحكت منها الأمم وتريد ألا يضحك منها أحد بعد الآن.

لكن الظرف الهرمينوطيقي يجعل إصلاح أي نظام إسلامي مستحيلا لأن أي فقيه مهما كان مبدعا وشجاعا لن يجرؤ إلا إذا كان كاميكاز على الإدلاء برأي صريح في نهاية الفقه التقليدي لأن من بيدهم السلطان الفقهي يستفيدون من دورهم  المغطي لما يعلمون أنه يجري بالفعل ما دام لهم فائدة من التعايش مع إضفاء الشكل الديني التبريري الخارجي لتشريع وضعي في حقيقته لا يراد الاعتراف به أمام الشعب الذي لا يزال متمسكا بدينه وشريعته وذلك في الدول الإسلامية جميعا من اندونيسيا إلى المغرب الأقصى.

وكذلك شأن إصلاح الفكر الديني. فلا أحد يمكنه أن يجرؤ فيقول إن كل الكلام الوسيط في الدين لم يعد ذا أثر في نفوس البشر وأن نسبته إلى تنظيم العمران الإنساني الحديث من جنس فلك بطليموس في نسبته إلى السباحة في الكون الخارجي ولا بد من ثورة تجعل المسلمين في الفكر الديني معاصرين للإنسانية حتى لا يصبحوا كلهم طالبان. وهذا تقريبا ما جعل الشيخ البوطي يتصورني بما اقترحته من تشخيص الوضع على هذا النحو أحارب الشرع الإسلامي إذ من عادة النخب الكلامية والفقهية الإسراع إلى اتهام كل مفكر حتى يقتلوا الفكر المجتهد بالمعنى القرآني الحقيقي حصرا للاجتهاد في القياس الموطد لسلطانهم كوسطاء بين المصدرين والمؤمنين الذين جعلوهم عامة ليكونوا خاصة.

والمعلوم أن هذه الظاهرة ظاهرة كونية وليست خاصة بنا. فالنخب المستبدة حتى لو كانت تفهم الحاجة إلى الإصلاح فهي تأباه لتنافيه مع مصالحها. لذلك فاتهامي كان يسيرا. لم يكن بوسعه أن يتصورني باحثا عن الحقيقة على الأقل مثله كما اعتقد لفهم شروط تمكن المسلمين من استعادة التشريع من يد المغتصبين سواء كانوا نخبا حديثة تحكم بممسوخات وضعية أو نخبا تقليدية يكفيها الطابع الشكلي لتشريع تبريري لاحق لتلك الممسوخات بل إنما أنا حسب رأيه ساع إلى محاربة شرع الله لمجرد كوني أرى الأمور بخلاف ما يراها هو.

 وما أظن الشيخ البوطي على دراية كافية بالقانون الحديث بل كان يظن المدونات الفقهية قابلة لبناء الدولة الحديثة وأن عدم استعمالها علته نقص الإيمان أو سوء النية عند خصوم الدين. لذلك فهو لا يمكن أن يفهم فضلا عن أن يعترف بأن المنظومة الفقهية نفسها مبنية على اغتصاب السلطة القضائية للسلطة التشريعية وآن أوان تحرير شرع الله من هذا الاستبداد لجعل الأمة التي هي وحدها صاحبة العصمة مصدر كل سلطة تشريعية بما في ذلك القبول بشرع الله: لأن شرع الله لا يتحقق بالاستبداد بل بالحرية لمجرد كونه قيما مطابقة للفطرة البشرية.

لم يكن بوسع الشيخ أن يفهم كيف أصف الفقهاء بكونهم ينبغي ألا بتجاوزوا دور القضاة وألا يكونوا مشرعين كما جعلوا أنفسهم بآلية القياس على أحكام المصدرين فضلا عن أن يفهم أنه إذا أمكن للإنسان أن ينوب الشرع الإلهي فليس ذلك لكونه فقيها بل لكونه مؤمنا بقيم القرآن فيكون التشريع فرض عين وليس فرض كفاية: وتكون السلطة التشريعية بعد الله هي الشعب كما جاء في الآية 38 من الشورى التي تجعل الأمر أمرهم وتجعل التصرف فيه شورى بينهم جميعا لا حصر التصرف التشاوري بين أهل حل وعقد لست أدري من أضفى عليهم هاتين الصفتين إذا لم يتسمدوهما ممن جعلهم الله أصحاب الأمر وأمرهم بالتشاور فيه.

ولأعد إلى المسألة المنهجية بعد هذا المثال. فما كنت لأتكلم في المنهجية أو لأطيل الكلام عليها لو لم يجعلها السائل علة استغرابه مما وجده. وطبعا فلو لم يكن رأيه مهما في نفسه وعندي حتى بمعيار المنهج الذي ضرب منه ثلاثة أمثلة في الحقيقة وليس مثالين لما أجبته: لكنه يوافقني على أنه قد قدم  علمه بالغزالي وابن خلدون مثالا لي لأنه لم يجد ما وجدته دون أن يشير إلى أن ما يراه المرء هو ما يريه إياه منهجه. ولما كنت مع ذلك أوافق السائل في ما برر به هذا الموقف إذا تحققت شروطه من حيث هو المنهج المفضل في الدراسات الأدبية فإني اضطررت إلى أن أتكلم في حدوده ومقوماته.

 وليس من شك في أن موقف الفكر الفلسفي لا يكون مستقلا إلا إذا استند إلى الحكم الذاتي الحر وأنه هو الموقف السليم في الحوار. فالحكم في الغاية يكون دائما على أساس القناعة الشخصية بما ندركه وفي حدود ما ندرك منه. ومنهجية مخض الآراء لا يمكن  أن تمثل منهجية البحث عندما يكون المطلوب دلالة الأفكار بالنسبة إلى مسار الفكر مساره المحدد لتكوينيته الناقله إياه من الجدل إلى العلم كما فعل ابن خلدون مثلا عند كلامه على الكلام أو على التاريخ أو على الفلسفة. فالفكر لو بقي عند هذا الحد ولم يوجد معيار خارجي يفصل بين المتحاورين -كما حاول ذلك ابن خلدون تركيزا على معايير نقد الخبر التاريخي- لعدنا إلى منهجية القرون الوسطى حيث تتصارع المدارس إلى يوم الدين دون نتيجة.

 ذلك أن العلماء لم يكن المهم عندهم عندئذ علاقة القول بالمقول في نظام مغاير لنظام القول (ليس في نفسه بل في نظام مغاير يكون مقياسا لنظام القول) بل يكتفون بمعارضة قول بقول سواء كان ذلك في الفلسفة أو في الكلام الوسيطين ناهيك عن الفنون الأدبية والدينية: فهي جميعا لم تتجاوز إلا في الظاهر منهجية من جنس منهجية العنعنة في التاريخ والحديث. ومثلما حاول ابن خلدون تحرير التاريخ من هذه المنهجية لم تتحرر العلوم الطبيعية إلا منذ أن اقتنع العلماء أن المهم ليس التثبت مما قال أرسطو أو زيد أو عمرو بل البحث في الظاهرات نفسها من منطلق عبارتها الرياضية ومطابقة ما في النظرية لما في التجربة.

لذلك فقد اخترت المنهجية التي تستجيب لمطلبي. لست أريد أن أثبت رأي زيد أو عمر في الكلام وشرعيته ودوره. فهذا لا معنى له في علاج قضيتنا حتى لو أثبتاه. وما كنت لأضيع دقيقة من وقتي في المنازعة مع أي كان حول: هل قال زيد أو عمرو كذا أو كذا في الكلام شرعيته وأهميته. فالعلم لا تهمه الآراء من حيث صلتها بقائليها (قضية تداولية قد يعنى بها المؤرخ للآراء) بل تعنيه من حيث صلتها بموضوعها (قضية دلالية تبحث عن الفائدة الخبرية للقول) مع مراعاة صلة الأقوال بعضها بالبعض (قضية منطقية أو نحوية تبحث عن التطابق بين تناسقين نظري وتجريبي): فلو خلطنا مثلا بين تاريخ الآراء الطبيعية والطبيعيات لما تقدمت الفيزياء قيد أنملة لأننا سنبقى نردد أقوال الطبيعيين بدل البحث في القضايا الفيزيائية. وقس على ذلك أي معرفة علمية أخرى.

إنما أنا أنطلق من واقعة مفادها أن الكلام لم يعد له دور في الفكر الحديث علميه ودينيه إلا في أذهان أصحابه تماما كالسحر والتنجيم بل وحتى كالفقه الذي لم يعد له دور في الدولة الحديثة خاصة إذا بقي على ما هو عليه ولم يستعمل المبدأ الذي يجعل الأمة هي المشرعة بالتعبير عن إرادتها في ضوء أخلاق القرآن وليس الفقهاء بالقياس لأن التشريع هو عينه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين لا يكونان إلا فرض عين مباشرة أو بالإنابة المؤسسية: لا يمكن أن نعلم شيئا عن الله وصفاته ولا عن العالم وصلته به ولا عن الإنسان وقيمه بمخض آراء المتكلمين حتى لو جمعنا كل التراث الإنساني وليس الإسلامي وحده. ولست أنفي أن هذا الجمع يهم مؤرخ الآراء وهو فن ذكرنا شروطه ولعل أفضل القائمين به اليوم هم المستشرقون كما يفعل فون آس مثلا في تاريخ المتكلمين والكلام.

لكن هذا الفن ليس من أغراض بحثي حتى وإن كان الاستئناس ببعض ثمراته مفيدا. فالمشكل الذي أريد علاجه هو: كيف يبدع المسلمون شروط فكر حديث تكون متعالياته النظرية قرآنية تماما كسؤال كيف يبدع المسلمون حرية تشريع تكون متعالياته الخلقية قرآنية. ويكون العلاج في الحالتين بشروط المعرفة العلمية لا بشروط مخض الآراء الكلامي. والجواب عن هذا السؤال مشروط هو بدوره بالبحث في العوائق التي حالت دون المسلمين وتحقيق ذلك. ومن ثم ففهم العوائق التي حالت دون ذلك في تاريخنا الفكري يكون من أغراض بحثي: لأن المشكل هو تعثر النهضة ومراوحة الأمة مكانها. من هنا جاء المطلب العلاجي: فما أريد أن أعلمه من كلامي على مراجعي ليس أراءهم في أهمية الكلام أو عدم أهميته بل هو كيف تكون الكلام في تجربتهم الفكرية وكيف فسد كمؤسسة فكرية وتعليمية بل أكثر من ذلك كيف قضى على شروط الفكر العلمي والديني في حضارتنا وتحول إلى حرب إيديولوجية بين الفرق؟

ذلك أن ما يعنيني بالقصد الأول ليس آراء المتكلمين في صنعتهم بل البديل الذي يمكن المسلمين من الإبداع الفكري والعلمي وما يعنيني بالقصد الثاني هو دور الكلام المعيق لذلك وليس فقط غير المساعد عليه. ومما يثلج الصدر أن هذا السؤال ليس مقصورا علي ولا هو من إبداعي بل هو ما لأجله اخترت هؤلاء المراجع الثلاثة لكونهم يمثلون السوابق المبشرة بالخير في أمتنا: فهم قد طرحوه بطريقتهم وعلينا أن نواصل جهدهم بما يتوفر لدينا اليوم مما لم يكن لديهم من المناهج الحديثة. فكما ندرس المؤسسات التي ضربنا منها مثال السحر والتنجيم والكهانة فإننا يمكن أن نطبق نفس المنهج على علم الكلام: كلها مؤسسات لم تعد لها فاعلية في الفكر الحديث غير فاعلية الإعاقة أعني إعاقة البديل الزائف من العلاج الواجب.

وبين أن السحر والتنجيم والكهانة لا تزال موجودة من العمران البشري. ومن الغباء أن يزعم المرء أن القضاء عليها ممكن أو حتى مطلوب: فالمجتمع البشري لا يمكن أن يخلو من الشعوذة. لذلك فهي لن تزول سواء كان المجتمع متقدما أو متخلفا. لا بد منها في المجتمع لأن الفكر الغفل هو الغالب في كل العصور. ولعل وجودها في أكثر المجتمعات تقدما أقوى منه في المجتمعات المتخلفة. وإذن فالمشكل ليس مشكل وجود بل هو مشكل نوع الوجود. فقد كانت في المجتمعات القديمة والوسيطة عامة ولا يشك فيها حتى كبار العلماء (الكندي كان منجم المأمون ونيوتن كان سيميائيا وديكارت جرب السحر في مجموعة سرية من جنس مجموعة إخوان الصفا). لكنها صارت مجرد ممارسات شعبية في حالات اليأس من العلم وليست منه.

وكل هذا يمكن أن يبدو لك مجرد حكم عام. لكن لو حاولت أن تقرأ ابن خلدون بغير العين التي قرأته بها وقرأه بها مثالاك وتنصحني أن أقرأه بها عندما ضربت مثاليك لو فعلت لفهمت أن ابن خلدون هو الذي أسس نظريا لهذا السؤال ليس حول الكلام والفلسفة وحدهما بل حول كل الشعوذات التي ذكرتها. ولذلك فهو عندي مرجع في حدود انضواء فكره في ما تطلبه المنهجية التي أتوخاها. فهو لم يكتف بسؤال المتكلمين والفلاسفة رأيهم في فنيهم بل هو بين كيف أن الكلام والفلسفة اندغم أحدهما في الآخر في غاية تطور بدأ بالحرب بينهما وانتهي بالوحدة مسائل ومناهج. ولهذا الاندغام فائدة رئيسية مضاعفة وهي التي تهمنا من البحث الخلدوني حتى وإن كان ابن خلدون لم يستخرجها وهو ما علل الحاجة إلى التكامل بين الأجيال:

فاختلاط الكلام بالفلسفة المشائية (وهو ما بينه ابن خلدون) كان فرصة لتحرر الدين منه كما أفترض في تفسيري لموقف ابن تيمية الثوري..

واختلاط الفلسفة بالكلام (وهو ما بينه ابن خلدون) كان فرصة لتحرر العلم من الفلسفة التي كانت مجرد كلام كما أفترض لتفسير النهضة الغربية.

فكان ذلك مولد الفكر العلمي والفكر الديني الحقيقيين: دين يبحث في مسائله بمناهجه التاريخية والتجربة الحدسية وهذا هو أصل كل علم ديني حقيقي وما عداه تعاقل لا يقدم ولا يؤخر بل هو عاجز حتى عن إخراج صاحبه من حيرته الوجودية. وعلم يبحث في مسائله بمناهجه الرياضية والتجربة الحسية وما عداه تعاقل لا يقدم ولا يؤخر بل هو عاجز حتى عن تفسير فعل العلم نفسه مهما خرف المستبطنون في استبطانهم.  وتلك هي الثورة التي أنسبها إلى مراجعي الثلاثة في سعيهم المتدرج إلى هذه الغاية. وهذا لا يكون بالمنهج الذي تفضله لأن المسألة ليست: هل أصحاب الكلام يعتقدون فيه أم لا بل هل الكلام يؤدي الوظيفة الدينية والعلمية التي يدعيها أصحابه أم لا.

فمن أجاب بنعم على هذا السؤال يكون كمن يقول إن السحر والتنجيم والكهانة ما يزال لها غير الدجل دورا آخر تؤديه: وطبعا لو سألت المشعوذين اليوم عن دورهم لكانوا صدر القوم مثلهم مثل الدعاة في الفضائيات العربية لكن ذلك لا يقدم الدين ولا العلم بل يعمم الدجل فلا يمكن الإسلام من العزة ولا المسلمين من السلطان على دار الإسلام وعلى أنفسهم. ومن يتصور الكلام قد بقي له غير دور إحياء الفتن لا أتصوره صادقا في نصيحة الأمة. وطبعا لم أفرض رأيي على أحد ولم أكن البادئ في الخصومة مع جماعة الشيخ فودة. فهم الذين اعتبروا كلامي في الكلام حربا على مورد رزقهم أو على "عيشهم". ثم أرادوا أن يضفوا على المسألة- ذلك كما يفعل المستبدون بالسلطان الروحي-طابع الذود عن حياض الإسلام إلى حد اتهامي بالكفر. ولا تعجب فمن يكفر ابن تيمية لا يمكن أن يتردد في تكفير من يعيبون عليه أنه متأثر بالفكر الغربي وهم لا يعلمون أنهم يمضغون سقط متاع هذا الفكر الغربي لأن المنطق الأرسطي الذي هو عمدتهم في الكلام ليس إلا من فضلات الفكر الغربي.

فالحرب الجارية بين المسلمين لم يكف فيها ما لها من أسباب حديثة ها نحن نضيف إليها ما يزيدها اشتعالا بتبريراتها الماضية أعني إعادة جراحات الماضي كالحرب الجارية بين السنة والشيعة أو داخل السنة نفسها بين الوهابية والأشعرية حول الصفات التي لا تقدم المعرفة العلمية ولا التجربة الروحية في شيء لأنه لا أحد يستطيع أن يجيب في هذه المسائل جوابا يقبل الاختبار العلمي أو الديني المقنع حتى لأقل الناس فهما.

وعن هذا الخيار المنهجي تتفرع المسائل الثلاث الباقيات وهي قابلة للجمع في أصلها أعني فترد المسألتان السادسة والسابعة إلى المسألة الخامسة:

 المسألة السادسة:

كيف أعلل شرعية رفض مراجعي الثلاثة الأدلة الفلسفية ؟

 المسألة السابعة:

كيف أعلل شرعية رفضهم  الأدلة الكلامية ؟

فهاتان المسألتان تردان إلى المسألة الخامسة ولا تحتاجان إلى جواب منفصل: كيف أثبت حصول الإجماع من المراجع على العناصر التالية الثلاثة التي اعتمدها في ما قلته عن الكلام ؟ طبعا لو كانت المنهجية هي التي تفضلها أعني تلك التي وصفنا في المسألة السابقة. فالإجماع بين هؤلاء المراجع الثلاثة لا يحتاج إلى طويل تحرير. يكفي ثلاثة مفهومات. فالغزالي هو صاحب طور ما وراء العقل وهو القائل إن الكلام لا يفي بغرضه عندما شك وطلب اليقين في العقائد. وأخيرا فهو الذي مال في غاية حياته إلى حل يجمع بين التصوف مضمونا والفلسفة أداة وتخلى نهائيا عن العلاج الكلامي. وابن خلدون يكفي لجوابه نفيه لحصر الوجود في الإدراك وهو مفهوم مرادف لمفهوم طور ما وراء العقل. لكنه مفهوم أبلغ لكونه جاء بلغة أكثر علمية من لغة الغزالي. فالأمر لم يعد عنده متعلقا بماوراء المعرفة العقلية في ما وراء عالم الشهادة فحسب بل بما يتجاوزه حتى في عالم الشهادة. أما ابن تيمية فكل الخصومة ما كانت لتوجد لولاه. فهو قد وضع المبدأ الثوري التالي بوضع السؤالين اللذين غفل عنهما كل الفلاسفة والمتكلمين: أولهما معرفي والثاني وجودي. ومن لم يكن ذلك كافيا لإفهامه أنهم ثلاثتهم قد يئسوا من الكلام فلا فائدة من مواصلة الحجاج معه.

والتوفيق برد العقلي للنقلي أو النقلي للعقلي أعني المنهجين اللذين كانا سائدين قبل ابن تيمية وظلا بعده مسيطرين على فكر من يريدون أن يعيدوا الفلسفة والكلام الوسيطين دليل على عدم الفهم حتما. ذلك أن النقلي والعقلي لو كانا قابلين الرد أحدهما إلى الآخر أيا كان المردود والمردود إليه لكان ذلك يعني أن الاختلاف بينهما وهمي: وهو في الحقيقة ما يعتقده الفلاسفة بنظرية المثالات وما يعتقده المتكلمون بقانون التأويل.

فالمسألة الأولى المتقدمة على الفصل بين صنفي العلوم والمغنية عن منهجي الرد المتبادل هي بأي علم نميز بين العقلي والنقلي (مسألة معرفية: هل هذا العلم المميز بينهما نقلي أم عقلي) ؟

والمسألة الثانية المتقدمة عليهما إذا كان النقلي والعقلي مختلفين فلا بد أن يكون لكل منهما طبيعة تخصه تجعله غير الآخر (مسألة وجودية: ما المشترك بين النوعين ليكونا جنسهما العلم وما الفرق النوعي بينهما   ليكونا صنفين منه).  

فيكون السؤال الغائب في الفكر الفلسفي والكلامي هو سؤال ذا بعدين أولهما معرفي حول العلم المميز بينهما والثاني وجودي حول طبيعية المميز بينهما. وبين أن الفلاسفة والمتكلمين لم يخطر ببالهم أي من هاتين المسألتين. ولذلك فقد بقي همهم التوفيق بالرد والصدام اللامتناهي إلى أن بلغ الأمر إلى الغاية في نظرية رد النقلي للعقلي عند التعارض بقانون التأويل أعني في الحقيقة صيرورة الكلام فلسفة أو قولا بما يقول به الفلاسفة من أن القرآن مثالات من الحقيقة العقلية وأن النبي يتميز على الفيلسوف بالقدرة على مخاطبة العامة كأنه مجرد داعية دجال من جنس نجوم التلفزات الحاليين.

وطبعا فليس هنا محل عرض الحل التيمي للمسألتين. فيمكنك أن تجد ذلك في مواضع أخرى من كتاباتي فلعل في ذلك رد جميل لنصيحتك لي بقراءة الكاتبين اللذين أفاداك: وسأفعل إن شاء الله وقد قرأت بعد النص المنشور في موقع الفلسفة حول الكلام عند ابن خلدون. لكني يمكن أن أقدم لك زبدة الحل دون بنيته العامة. فالمعرفة المتقدمة ليست نقلية ولا عقلية بل هي ملكة الوجدان (التلقي والانفعال) والفرقان (التحليل والفعل) المتقدمة على المضمون سواء كان دينيا أو فلسفيا. إنها بلغة ابن تيمية الغريزة والفطرة العقلية التي هي قوة الفهم والتنظير أيا كانت المادة ولا تأتي المقابلة بين علوم العقل وعلوم النقل إلا عند النظر إلى ما يحصل بعد العلاج بها بمقتضى طبيعة المادة المعالجة. وهذه الملكة مشروطة في كل معرفة نقلية كانت أو عقلية بالمعنى الاصطلاحي: فيكون الفرق بين المضمونين مصدر المادة ومنهج العمل عليها لتصير علما نقليا أو علما عقليا.

فالمضمون الفلسفي بخلاف وهم المتكلمين والفلاسفة لا يمكن أن يكون عقليا. فهو المعطيات التجريبية المباشرة بتوسط المدارك الحسية وغير المباشرة بتوسط فعل التجريد من المعرفة المباشرة وما يتوصل إليه من أحكام عامة أو ما يسمى بالمعقولات الثواني في الوعي العلمي.

والمضمون الديني من باب أولى ليس عقليا بخلاف ما يتوهم المتكلمون الذين يتصورون أن العقل يمدهم بمقدمات تمكن من البناء عليها في المجال الديني. فهو المعطيات المباشرة بتوسط المدارك الحدسية سواء كانت من تجربة الأنبياء المقصوصة علينا أو التي عايشها أوائلنا أو من تجاربنا الشخصية في استعادة هذه التجارب أو غير المباشر ة أعني ما يتراكم من سنن تاريخية حول المعرفة المباشرة من أحكام عامة أو ما يسمى بالمعاني الثواني في الوعي الديني.

لكن هذه المعطيات بصنفيها المضاعفين والتي هي في الحالتين نقلية أيا كان العلم هي المادة التي تعالج في الحالتين بالآليات التي تتوفر للإنسان وهي حتما ما نسميه بالمناهج العلمية والتي تتصف بعقلانية عصرها دائما:

 فلا عالم الطبيعية يستطيع أن يزعم أن عقله هو مصدر معطيات التجربة العلمية التي هي مدارك حسية مباشرة ومدارك نظرية غير مباشرة.

ولا عالم الدين يستطيع أن يدعي أن يزعم أن عقله هو مصدر معطيات التجربة الدينية التي هي مدارك حدسية مباشرة ومدارك نظرية غير مباشرة.

 فيكون صنفا العلوم كلاهما نقلي بمادته وعقلي بمضمونه بخلاف أوهام الفلاسفة والمتكلمين ومن ثم تفقد المقابلة معانيها التقليدية لتصبح في الصوغ التيمي موافقة للفهم الحديث لمعنى العلم والدين على حد سواء: لذلك عددته من أكبر فلاسفتنا بالمعنى في فلسفة العلم وفلسفة الدين. فالمناهج والآلات التي يستعملها الفكر لعلاج المادة هي دائما واحدة رغم قابليتها للقسمة إلى صنفين أحدهما غالب على أحد صنفي العلوم والثاني على الصنف الثاني:

 فالعلوم الدينية (والإنسانية) يغلب عليها أدوات مستمدة من علوم اللسان والتأويل والتاريخ الحضاري دون أن تستثني استعمال ما تستعلمه العلوم الطبيعية.

والعلوم الطبيعية يغلب عليها استعمال الأدوات المستمدة من الرياضيات والتحليل والتاريخ الطبيعي دون أن تستثني استعمال ما تستعمله العلوم الدينية.

وكلها تتوحد في المنطق الذي هو ما بعد كل الأدوات المنهجية في مفهومه الحديث الذي بدأ ابن تيمية يؤسس له: أعني نظرية اللغة العلمية أو نظرية السيميوتيكس (الوسميات). وفي ختام هذا الفصل لا بد من التذكير بأني لست غافلا بأن أصحاب المنهج المقترح من السائل يعتبرون مثل هذا الكلام غريبا وغير مفهوم. ولا نزاع معهم في ما يرونه فهذا حقهم. لكن على الأقل فليفهموا أن لغيرهم الحرية في أن يخالفهم الرأي فلا يجعلوا من ذلك معينا لاتهام القصد أو حتى التكفير كما فعلت جماعة الشيخ فودة مع من يسمونهم زمرة المرزوقي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                         الفصل الأخير

 

تقتضي آداب الضيافة أن أعود إلى مسائل السائل المتعلقة بالكلام  بحسب ترتيبها في رسالته فنقدم عينة من الأجوبة عليها مختارين تلك التي جعلت السائل ينصحنا بالمنهجية المفضلة لديه. ولذلك فسنختار من المسائل العشر التي  نذكر بها بشكل برقي المجموعة الأولى أعني المسائل الثلاث الأولى لئلا يصبح الجواب الذي طال كتابا فضلا عن التكرار المترتب على الجمع بين العلاجين. لذلك فنسكتفي في ما عداها بجوابنا على طريقة العلاج الفلسفي النسقي. وسيكون الجواب سريعا ودقيقا نزولا عند صاحب الأسئلة:

1-شرعية المفاضلة بين الكلام والخطابة 2-شرعية رفض الحجة الكلامية                 3-وشرعية عدم اعتبار الحجة الكلامية قرآنية  4-المنهج المقترح والمنهج المطلوب 5-إجماع المراجع على العناصر التالية الثلاثة 6-شرعية رفض الأدلة الفلسفية 7-شرعية رفض الأدلة الكلامية 8-شرعية القول بلا عقلانية الدليل الكلامي 9-شرعية الشرط في تعريف الكلام-10 وأخيرا العلاقة بين أدلة الكلام وأدلة القرآن الخمسة أو بصورة أدق آياته الخمسة.

 

المسألة الأولى:

ما شرعية المفاضلة بين الكلام والخطابة؟  لماذا اعتبر الدليل الكلام دون الدليل الخطابي. الجواب لعلتين:

أولا لأن الدليل الخطابي بخلاف الدليل الكلامي يعلم صاحبه شروط دلالته المنهجية والمضمونية: فالخطابة صاحبها يستعمل المنطق وعلم النفس في مباحث تتعلق بمسائل ذات أصناف ثلاثة حددها كتاب الخطابة وكلها من عالم الشهادة. وهو يستعمل الصورة المنطقية دون شك. لكن فاعليتها لا تتأتي من صورتها المنطقية لذاتها بل لما يصاحبها من انفعالات يثيرها الخطيب مستفيدا من المقام ومما يسمى اليوم بأفعال الكلام اللاكلامية: من هنا يأتي دور علم النفس في الخطابة. وهي ما كانت لتستفيد من هذه العوامل لو كانت مقصورة على البعد الدلالي من الكلام الذي يقتصر على الوجه الخبري منه: بل هي تستعمل  كل الوجوه الكلامية وخاصة ما كان منها إنشائيا للتأثير.

أما الكلام فصاحبه لا يريد أن يعترف بكون أدلته خطابية فيزعم أنها فوق ذلك بل هو يزعمها علمية بل أكثر فهي عنده من العلم الإلهي. يدعي أن دليله علمي بالمعنى المؤسس للعقائد تأسيسا يقينيا أو حتى ترجيحيا. حسنا. فبماذا يمكن أن يكون الدليل الكلامي علميا ؟ هل الصورة وحدها يمكن أن تضمن الدلالة العلمية ؟ الخطابة أيضا لا تخلو من الصورة. بل هي من دونها لا يمكن أن تؤثر إلا في العامي الذي لا يفهم الاستدلال. ومعنى ذلك أنه على المتكلم أن يستمد علمية كلامه بالإضافة إلى الصورة من خصائص مادة قوله.

ومادة القول الكلامي سواء كانت من الجليل أو من الدقيق ينبغي لها أن تكون خاضعة لما حدده كتاب البرهان في الحد والقياس (بترتيب معكوس). فما الذي يضمن للمتكلم مطابقة حدوده لمحدوداته وهي إما من الغيب بإطلاق (ذات الله وصفاته) أو ذات صلة بالغيب (صورة العالم وقوانينه)؟  فالحدس الذي يؤسس إدراك الماهيات ومن ثم يساعد على تحديدها يعرفه أرسطو في غاية المقالة الثانية من البرهان. هل الغيبيات ينطبق عليها هذا الإدراك المشروط حتما بما يشترطه الحدس المدرك للماهيات في الميتافيزيقا القديمة أو في أي ميتافيزيقا أخرى؟

إذا اعتبرنا الحد تعريفا يمكن أن نسلم بصحته في المدركات الموجودة في الأعيان ومن ثم القابلة للإدراك الحسي والحدس هنا مشروط به فكيف نسحبه على ما ليس بمدرك لنا (انظر دليل ابن خلدون ضد إلهيات الفلاسفة وهو من باب أولى ينطبق على إلهيات الكلام إلا إذا سلم المتكلم فقال إن حدوده قرآنية وليست عقلية). لكن من أدرانا أنه يصح على ما وراء الحس تسليما بأنه صحيح فعلا في الحسيات (وهو ما لا نسلمه إلا جدليا لأن التعريف فيها يبقى دائما استقرائيا إذا لم يكن فرضيا). كيف نفعل مع الغيبيات ؟ وإذا افترضنا الموجود مقصورا على المدرك منه فهل يبقى للدين من معنى وهل يكون الإنسان عندئذ بحاجة إلى الرسالة ؟ هذه هي حجة ابن خلدون ضد الفلاسفة. وهي صالحة ضد الكلام إذا ادعى أن حدوده عقلية.

ولنأت الآن إلى الأوليات التي ينبني عليها الدليل. فلنسلم بالنوع الأول منها أعني ما يسمى بمبادئ العقل (تسليما جدليا كذلك أن مبادئ العقل قد تصح في طور متعال أو متجاوز). لكن فلنقبل بذلك. ولنأت إلى النوع الثاني الذي من جنس المساوي للمساوي مساو والمشروط في كل تعدية فكرية أعني شرط كل قياس عقلي. فإذا لم تكن هذه من الضروريات التي من نوع معطيات الحس كانت من الضروريات التي تسمى أوليات العقل أعني الأكسيومات التي تمكن من الوصل بين الحدود (لأن المسلمات ليست إلا مسلمات وليس ليست ضرورية). حسنا فلنسلم أنها قابلة للانطباق على المجربات وعلى المشاهدات رغم علمنا أنها تسقط مثلا عند الكلام على اللامتناهي في الرياضيات العالية. فمن أدرانا أنها قابلة للتطبيق على الغيبيات ؟ فلا أفلاطون ولا أرسطو قالوا بذلك بل هما كلاهما يعتبر الميتافيزيقا من غالب الظن أو إن شئت مما يبدو أنه من الأفضل تصوره كذلك حتى نعلل علومنا التجريبية: وذلك ما يسميه أفلاطون بما يمكن من إنقاذ الظواهر. فهل في العقائد يمكن أن نقبل بما يسمى إنقاذ الظواهر ؟

وما دمت تطالب بالأمثلة فلنضرب بعضها: هل يمكن أن يكون دليل النظام أو دليل العناية مقبولين عند غير المتفائل إذا كان عدم النظام وعدم العناية أكثر تأثيرا على وعي المتشائم؟ لذلك حارت العقول في مسألة العدل الإلهي: فليتكلم أي كان عن العدل الإلهي مع المشلول أو الجائع أو المظلوم وسيفهم أن المسألة تصبح مجرد مواقف متفائلة قبالة مواقف متشائمة. فهل نبني العقائد على النفسانيات؟  ولذلك كان تحكيم العقل مؤديا حتما إلى الموقف الاعتزالي المناقض للواقع: ادعاء التحسين والتقبيح العقليين وزعم خضوع الله لأحكام العقل الإنساني.

وكل توسط من جنس الحلول الأشعرية لا يستقيم إلا إذا قبل مقدما حصر الكلام في النهج الدعوي للإقناع أو لدلالة الحائرين. لكن ذلك ليس أدلة علمية بل هو من جنس الخطابة لا غير بل هو دونها لعدم تسلميه بذلك. ومثال الدليل الأقوى الذي عليه تعويل الأشاعرة هو ما أفضل تسميته بدليل الترجيح الجهوي. فهذا من اليسير أن نبين أن البناء عليه من أكبر الأوهام فضلا عن كون ابن رشد قد كفانا المهمة. فلما كانت الإحاطة بما في العالم من الموجودات مستحيلة بات ادعاء أنها كلها حادثة أو حتى ممكنة بمعنى الإمكان الوسيط بين الواجب والممتنع مستحيلة. هذا مع العلم أن القرآن الكريم لا يتكلم أبدا عن خلق عن عدم بل كل خلق مسبوق بمادة ! وهذه أيضا قد وفاها الفارابي حقها.

ومن ثم فالدليل يسقط من البداية إلا إذا رضينا بالتحكم فادعينا أن الاستقراء يثبث أنه كله مادي وأنه كله متغير وأن ملازم المتغير متغير وأن كل متغير حادث إلخ... من التحكمات التي ليس لها أساس. كل ذلك  تحكم لا معنى له ما دامت الإحاطة بالموجودات العالمية فضلا عن العالم ككل أمرا ممتنعا على عقل الإنسان. وإذا زعمنا أن العالم كله مادي فإننا بالإضافة إلى نفي ما ليس بمادي بدون دليل فإننا نقع في ورطة كبرى: إذا كان كل ما في العالم مادي فإن شرط علمه يصبح التجريب أعني أننا نقصر المعرفة على العلم فتكون عدم الإحاطة أكثر ثبوتا. ولا حاجة للتقدم إلى ما بعد ذلك. وهذا أمر لم يفت حتى بعض الشباب الذين بدأوا يتحررون من التخريف الكلامي في موقع الشيخ نفسه.

المسألة الثانية:

ما شرعية رفض الحجة الكلامية ؟ لماذا أرفض الحجة الكلامية.

هنا أيضا أرفض الحجة الكلامية لعلتين. فأولا لأنها مستحيلة من دون ترجمة معاني القرآن بالعلم الفلسفي أو بما يشبهه إذا سلمنا بأن المتكلمين لهم علم مغاير للعلم الفلسفي: أي ما يسمونه الأدلة العقلية. وهذا مستحيل من دون التأويل. والتأويل قرآنيا حرام. لكن هذا ليس حجة فلسفية لكنها كافية لنفي الصلة بين الكلام والقرآن إذ عند الوصل يصبح مبدأ الكلام محظورا. فلنمر إلى الحجة الثانية. أليس المتكلم يريد أن يثبت حقائق عقدية ينبغي أن تكون مما لا يمكن أن يتغير لأنها من الثوابت القطعية ؟ فإذا أخذنا الحقائق العقدية وأردنا أن ندعي أنها تثبت بالعقل متصفة بهذه الصفة فينبغي أن يزعم المتكلم أنه اكتشف علما لم يعد أحد يقول به وفي الحقيقة لم يقل به أحد أبدا: فلا نذكر أي فيلسوف في التاريخ المعلوم من الفكر الإنساني ادعى العصمة لعلمه. فأوثق العلوم على الإطلاق أعني الرياضيات تتغير حقائقها بالتدريج. فكيف سيكون هذا العلم الذي أدلته عقلية ثم يزعم العصمة لمقدماته أو ما يزعمه من حقائق قطعية  أو من المعلوم من الدين بالضرورة كما يزعمون ؟

وفي الحقيقة فإن كل الأدلة العقلية (بمعنى العقل المصدر لا الاسم في القرآن الكريم) على وجود الله كما تتعين في الفهم الفلسفي للقرآن إن صح أن ذلك قابل للترجمة العقلية الصناعية تعود إلى دليل واحد هو أصل كل القصص القرآني: فكل الموجود بمجرد أن يحصره إدراك-أي وعي إنساني متعين الآن وهنا- يبدو لصاحب الوعي غير واجب أو إن شئنا يبدو له أنه يمكن أن يكون على غير ما هو عليه بما في ذلك ذات المدرك نفسها. فيكون الدليل هو من أين للإنسان بهذا التجاوز للحاصل من الوجود إلى الممكن منه بلا حد حتى إنه يتصور نفسه على غير ما هو عليه في نوع من الإمكان المرسل ؟

والجواب هو الفطرة التي هي عين الإسلام الأصلي في القرآن الكريم: فوراء الموجود مما يبدو للوعي من خلال توالي أحواله الواعية بما تقدم وبما يتلو الحاضر من لحظاته أنه يوجد وسيط بين الوجود الممتنع (ما لا يستطيع له صنعا) والوجود الواجب (ما لا يستطيع له دفعا) وجود ممكن لا يتصف بالامتناع ولا بالوجوب (ما غاب فيه الوصفان) فيكون جامعا للنفيين وهو الوجود الحادث أو العرضي وأهمه وجود الإنسان ذاته الواعي بهذه الوضعية الوجودية التي يدور حولها القصص في الحالات الحدية التي تشعر الإنسان بمحدوديته. ولهذا الوعي بالوسيط شرطان:

 ذاتي وهو أن الذات تتعالى دائمة على مضمون وعيها لكأن كل لحظة موالية وعيا بالوعي إلى غير غاية فيكون الوعي في الغاية وكأنه من وراء ذاته دائما مهما اتسع مضمونه.

وموضوعي وهو أن الموجود كله يصبح عنده منقسما إلى ثلاث جهات بدل اثنتين: ما لا يمكن تصوره معدوما وما لا يمكن تصوره موجودا وما يتصوره مترددا بينهما.

فبين الممتنع الذي لا يستطيع له صنعا (الذي لا يتصور وجوده) والواجب أو غير الممتنع الذي لا يستطيع له دفعا (الذي لا يتصور عدمه) اللذين يبدوان ضروريين عقلا بمبدأ الثالث المرفوع منطبقا على الوجود يضع التعالي الإنساني وسطا بينهما يناقض هذا المبدأ ويسميه ما ليس بممتنع ولا بغير ممتنع وهو العرضي الذي يمكن أن يوجد وألا يوجد لأنه ليس بواجب وليس بممتنع: فيكون الدليل العقلي على التحرر من النقيضين مستندا إلى التعالي عليهما بمبدأ يناقض أهم مبادئ العقل أعني الثالث المرفوع المنافي للمبدئين الآخرين أي الهوهوية وعدم التناقض. وذلك هو طور ما وراء العقل أو طور الإيمان العقلي كما يصفه القرآن الكريم في قصصه وفي وصفه للحالات الوجودية الحدية التي يدعو بها للإسلام لله رب العالمين.

 وهذا الوسط المنافي لمبادئ العقل الثلاثة يصبح وسيطا بين الوجود والعدم أي الوجود الذاتي أولا ثم وجود كل ما عدا الواجب والممتنع أي العالم الذي ليس ممتنعا بذاته وليس واجبا بذاته بل هو بين بين لكونه الإمكان الجامع بين الامتناع والوجوب بالغير لأنه إمكان يتصف بالقوة على الوجود والعدم في آن ومن ثم فهو يفترض علة مرجحة لأحد وجهي قوته. وهذا الدليل الذي تعود إليه كل الأدلة هو إذن عين التعالي العقلي أعني الشعور بالوساطة بين الوجود والعدم من حيث هما متعينين في الحياة والموت كما نجربهما في وجودنا الشخصي الذي نطلقه فنجعله قانون الوجود: وهذا الدليل مقبول وجدانيا وفرقانيا. لكن لاشيء يثبت أنه عقلي بالمعنى الصناعي بالمعنى الكلامي أو الفلسفي. ذلك أن دلالته ليست من صورته المنطقية بل من كونه تجربة معيشة هي عين الحياة الواعية بطابعها المتناهي الفقير إلى ما يقيمه: والدليل أن من لم يعش هذه التجارب التي يصفها القرآن قل أن يسمع للحجج التي من هذا الجنس.

المسألة الثالثة:

وشرعية عدم اعتبار الحجة الكلامية قرآنية: لماذا لا يمكن أن تعتبر الحجة الكلامية قرآنية. ننفي ذلك لعلتين كذلك:

العلة الأولى: فإذا اعتبرت قرآنية فذلك يعني أنها تأخذ الدليل القرآني وتصوغه كلاميا فتكون ترجمة للغة القرآن بلغة صناعية. وهذا يقتضي تأويل كلام القرآن حتى يطابق المصطلح الكلامي. ولما كان كل مصطلح لا يكون ذا دلالة اصطلاحية إلا بالسلب أعني بنفي ما لا يطابق التواطؤ الاصطلاحي فإن المعاني الممكنة الأخرى لن تؤخذ في الاعتبار فضلا عن ضمير ذلك القاضي بأن القرآن كان مشروطا تبليغ رسالته بهذه اللغة الصناعية. فيكون في ذلك اختيار تحكمي لا دليل على شرعيته وحتى التسليم بها على وجاهة ما يحصل منه فضلا عما ينتج عنه من إفقار للمعاني القرآنية التي تحصر في ما ظنه المتكلم معناها الذي قصده الله. ولا دليل على أن فهم المتكلم هو ما قصده الله.

العلة الثانية: إذا كان التعدد الدلالي للمعاني القرآنية مقصودا وكان ذلك هو الشرط الضروري والكافي لتعدد التجربة الروحية التي لا يمكن أبدا حصرها لكونها تكاد تكون بعدد الأنفس بل ولحظات الأنفس ومن ثم فهو الشرط الضروري والكافي للحرية الدينية الذي هو مقصد التعدد الأساسي والذي يقول الباري إنه لأجله خلقنا فإن الخيار الكلامي يصبح منعا لهاتين الغايتين الشريفتين في الدين الخاتم. والمعلوم أن هاتين الغايتين تمثلان ما بدونه لا يمكن أن يكون الإسلام رسالة كونية. ثم إن القرآن ينفي بصريح النص الكهنوت والرهبانية والوسطاء اللازمين للقيام بوظيفة التأويل والصوغ المترجم للغة الصناعية التي تجعل النص حكرا على الخاصة بدل كونه يشمل الجميع.

وبذلك يتبين لكل ذي بصيرة أن الختم القرآني للنبوات والرسالات يقتضي هاتين الفضيلتين في تكليف الإنسان وجعل فهم العقائد التي حددها القرآن من فروض العين وليست من فروض الكفاية: تحرير البشر من الوسطاء والاكتفاء بالآيات الخمس موضوعا للاعتبار والتدبر بالمعنى القرآني للعقل كما نجده في وصف التجارب الحدية إما في الدعوة المباشرة أو بتوسط القصص القرآنيين. وليس بالتعاقل الكلامي ولا الفلسفي التقليدي الذي لا يزيد النفس إلا نفورا والفكر  إلا ثبورا: وذلك هو مدلول التحذير من تعدد الفرق من الأوائل حتى إذا سلمنا بأن الحديث المتعلق بذلك ليس من ثوابت الصحة.

 

 

 

 

                           الخاتمة

وأختم الجواب بإشارتين سريعتين:

أولاهما تذكر بأني عللت خلال الجواب عدم الحاجة إلى إيراد أقوال المتكلمين للتدليل على تأويلاتي لدور الكلام في إعاقة التطور الفكري الناقل من الجدل الكلامي إلى النقاش العلمي لأني أشير إلى وقائع محددة ذات دلالة في هذا المضمار فيعلم المختصون المقصود بالتدقيق: فإشاراتي ليست لأقوال بل لوقائع من فكر الغزالي أو ابن خلدون لا يمكن أن يشكك أحد من المختصين في حصولها  بل وحتى في حصولها بالمعنى الذي قصدته لأنها المنعرجات الجوهرية في فكرهما ولا يمكن الاحتجاج ضدها بالانتساب الرسمي إلى الأشعرية. ولعل السائل يذكر أن أرسطو كان يسمي نفسه أفلاطونيا في حين أن فلسفته كلها نقض لفلسفة أفلاطون إذا نظرنا إليها بمقتضى ما حصل من منعرجات فكرية. والرياضي مثلا لا يحتاج في استدلاله على النظرية التي هي موضوع البحث لغير ذكر اسم النظريات  التي يبني عليها والتي يعلمها المختصون بمجرد ذكر اسمائها: يكتفي بتحليل النظرية التي هي موضوع البرهان وليس ما وقعت البرهنة عليه سابقا. وهو ما فعلته في كتبي ولا يكون في الردود على الأسئلة.

الثانية أشير فيها إلى أني لم  افهم بعض الحجج التي قدمها السائل ليؤسس قناعته بأن المتكلمين يستعملون أدلة القرآن (بحجة أن الاستدلال يبقى الاستدلال رغم أن من شرطه الثاني الترجمة بمصطلح الأول) وأن مقدماتهم مع ذلك ليست نقلية (أي إن الترجمة لم تعد مجرد ترجمة بل تعويض ببديل) في آن من دون أن يرى التناقض في ذلك: دليل هو مجرد ترجمة للنقل= دليل عقلي خالص <=> إما لا حاجة لما يتجاوز به النقل العقل أو أكثر من ذلك لا وجود لنقلي يتجاوز العقلي ó لا معنى لحقائق الرسالة أو هي كما يقول الفلاسفة مجرد مثالات عامية من الحقيقة الفلسفية.

وذلك ما جعلني لا أفهم رد السائل للآيات التي أشرت إليها في جوابي السابق إلى الأدلة الكلامية وتأويله بعض الأفكار الكلامية في الفيزياء بكونها مقدمات عقلية. فإذا صح الأمر الأول كان المتكلم متكلما يدافع عن العقائد الإيمانية وإذا صح الأمر الثاني كان فيلسوفا لا صلة له بالدفاع عن العقائد الإيمانية. والجمع بين الأمرين هو ما اعتبره ابن خلدون فسادا طرأ على الكلام والفلسفة معا لما حصل الخلط بينهما في غاية التدرج الطويل الذي وصفه عند تأريخه لهما.

فهل المتكلم عندما يستعمل آيات القرآن بمصطلحه لم يستعمل التأويل فيأخذ منها ما يعتبره حقيقتها التي قصدها صاحبها ؟ فمن أين له بهذا العلم المطلق بقصد الله ؟ فحتى ترجمة الصور الاستدلالية القرآنية كما في القسطاس مثلا اعتبره ابن تيمية محقا تجنيا على الاستدلال القرآني: لأن الصورة في الدليل الوجداني المستند إلى التجربة المعيشة لا تقبل الفصل عن المادة بل دلالته مستمدة من وحدتهما التي لا تنفصم.

وحتى تدرك القصد فالصورة المنطقية المفصولة-كما تعلم دون شك-لا تنطبق إلا على القول الخبري. واستدلال القرآن لا يقتصر على القول الخبري بل هو يشمل كل أفعال الكلام الكلامية واللاكلامية بمصطلح اللسانيات الحديثة. وهذه كما هو معلوم لا تقبل الفصل عن الوضعية الحية ذاتها فضلا عن أن تكون ذات صورة ممتازة عن المادة. فلو كان الغزالي وهو أكثر المتكلمين علما بالفلسفة والكلام مدركا لهذه الحقيقة التي أدركها ابن تيمية وابن خلدون قبل العلم الحديث لكان كتابه القسطاس المستقيم مستحيلا: علما وأنه يعترف فيه بالموقف الباطني صراحة (ما يسميه تزيين المعقول بالمنقول حتى ييسر قبوله) رغم كونه في الظاهر كتب ضد التعليمية !

وهل المتكلم عندما يستعمل مقدمة طبيعية مثلا تكون لها الدلالة التي لها في استعمال الفيزيائي لها ؟ فكيف يصل المتكلم بين فعل الطبائع وفعل الخالق في مجريات العالم الطبيعي ؟ أليس الفعل الأول يجعل علمه نقلي التأسيس والفعل الثاني يجعله نافيا للأساس النقلي أو على الأقل معتمدا غيره ؟ من هنا جاء مشكل المشاكل الكلامية: قانون التأويل لرد النقل للعقل أعني ما بواسطته يردون الدين إلى الفلسفة لكأنهم يقولون ضمنا بما قالت به الفلاسفة أعني أن معاني القرآن الكريم مثالات "عامية" من الحقيقة الفلسفية. ولهذا يمكن القول إن القائلين بالأعجاز العلمي ليسوا إلا ورثة هذا المذهب الذي أفسد الفلسفة والدين في آن مع ما يصاحب ذلك من حرب الفرق والفتن التي حذر منها النبي الأكرم أيما تحذير.

والله ورسوله أعلم وعلى السائل وأهله وكل القراء السلام ورحمة الله وبركاته.

 ..................................

          أبو يعرب : 14/11/2008 

قبل الجواب عن أسئلة الأخوين الفاضلين أحمد باييز وغسان طوقان والأخت الكريمة نادية ق. أود أن أشير إلى أمرين أولهما شكر والثاني توضيح:

الأول: أود أن أشكر السادة محمد سالم ومنير الوسلاتي وأبا إدريس بو عبد الله على تشجيعهم لما أحاول أن أسهم به في نهضة فكرنا. وأعاهدهم بأني لن أحيد عما وعدت به وما أنا ساع إليه بكل ما أوتيت من جهد وقوة علما وأن القوة والحول من الله العزيز الحكيم. وما كان كلامي في المسائل الكلامية ملهيا لي عما عزمت عليه بل إنما كان ذلك لأن الكيل قد طفح ولأني أردت أن أنظر في ما يجري في الساحة لئلا يكون الفراغ للفكر قطيعة معها. فجزاكما الله خيرا والسلام.

الثاني أود أن أعترف بالعجز عن إفهام من تأخذه العزة بالإثم. قد بدأت كلامي مع هذا النوع من المجادلة بالقول إن الصوغ التأويلي للعقائد فضلا عن امتناعه هو من المهلكات التي خاض فيها المتكلمون. وهم بهذا الخوض قد أردوا الأمة في مهواة دائين حذرنا منهما القرآن الكريم: زيغ القلوب وابتغاء الفتن التي آلت بأمتنا إلى الانحطاط والتفتت بسبب تناحر الفرق وزعماء الدجل الكلامي. وقد اعتبرت عقيدتي يكفي لصوغها الآية 177 من البقرة مع تربية دينية تحررني من سلطان فوق ضميري وعقلي في صلتهما بآيات الله التي يطلب القرآن منا تدبرها.

فإذا رأيتم أحدا يتحداني بصوغ عقيدتي متصورا أنه بذلك يبكتني فثقوا أنه يعتبر نفسه سلطة روحية تحدد العقد الصحيح واعلموا أنه يريدني أن أكون مثله دجالا وأفاكا أشاركه في ترويج وهمه بأنه  يمكن أن يوجد حكم في علاقة المؤمنين بربهم وأنه هو ذلك الحكم: إنه يعيد الكنسية والبابوية إلى الإسلام ومعها محاكم التفتيش في ضمائر الناس. وطبعا لا ينتظرن أحد مني إذا تحداني منجم أو ساحر أو أفاك أن أعتبر عجزي نقيصة بل هو عين فضيلة.

تصوروا أحدا يتحداكم بأن تجرموا مثله في حق القرآن فتدعون علم الغيب والتدليل بالعقل على ما لو كان التدليل عليه به ممكنا لكانت الرسل سدى؟ تصوروا أحدا يتحداكم فيطالبكم بالإتيان بما يجانس تخريفه حتى يقارن التخريفين فيفضل تخريفه ويزعم أنه على حق وأنت على باطل في حين أنكما كلاكما يخرف؟  والقاعدة بسيطة: ما كل تحد معتبر خاصة إذا جاء ممن فعله لا يليق بمن يفهم معنى المسؤولية  من بين البشر وتعلم ما يتكلم فيه بمقتضى قواعد الفن وليس من كتب التقريب الجمهوري.

الكل يعلم أن المتكلم دون هذين الرهطين لو كانوا يعلمون: فلا هو حائز على علم المنجم الرياضي ولا على ذكاء الساحر النفسي بل هو مسكين تحير في الدين فأراد أن يتحول إلى معلم في ما لا يعلم لينفس على ما في قلبه من زيغ وفي نفسه من ابتغاء الفتنة بنص القرآن الصريح في وصف أداته الأساسية: التأويل. ومن علامات كذب المتحدين التحدي الذي يمتنع فيه التحقق من صدق القول: فبأي معيار يمكن لنا أن نعلم صدق من يتكلم في الغيبيات ؟ لذلك كان الكلام داعيه الجمعي ابتغاء الفتنة والفردي زيع القلوب.

ما يهمني شخصيا هو علاج ما يقبل التدليل العلمي بالعقل واختيار ما يقبل القناعة الروحية بالوجدان. لن أخوض في جزئيات الكلام لأن الدليل القرآني والفلسفي يكفيان تدليلا على امتناعه صوغا للعقائد بالتأويل وتدليلا عليها استحالته بالتحليل. فالتأويل حرمه الله نصا وهذا غني عن الدليل العقلي. والتحليل ممتنع في ما وراء الشهادة نقلا صرنا نعلمه منذ نزل القرآن الكريم. وعقلا منذ بدأ النقد عندنا واكتمل في الغرب: فالغيب من طور ما وارء طور العقل بلغة حجة الإسلام والوجود أوسع من الإدراك بلغة علامة الإسلام.

وكل مسائل الكلام مما ينتسب إلى الغيب مباشرة بجليل مسائله أو مما ينتسب إليه بصورة غير مباشرة بدقيقها أعني من خلال بحثه في صلة عالم الشهادة بعالم الغيب. لذلك فليواصل المخرفون تخريفهم إلى يوم الساعة. أما من يعتبر ابن رشد وابن تيمية وكل الفحول قبلهما وبعدهما غير فاهمين ما يتوهمه من معرفة فلا أعجب من تصوره ذاته أعلم مني في ما لم يدرسه حتى في المنام. وهبه قرأ بعد ما يكتب عادة للتقريب الجمهوري فهو بذلك سيظل من العوام. لكني لا اجزم بأنه لم يتعلم بمجرد الإلهام المشترك بين البشر والأنعام. وعلى كل فهو عندي دون شك محتاج إلى العلاج الطبي وليس إلى الحوار العلمي: وهذه القضية لا تحتاج إلى استدلال فهي بدهية بكل معاني البداهة.

تساؤل: السيد أحمد باييز

الأخ الفاضل البروفيسور أبو يعرب المرزوقي حفظه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشكركم على جوابكم على سؤالي حول برهان الإيمان.
واسمح لي بطرح سؤال كلامي طرحه أحد المناظرين في المنتدى وهو:
اذا سلمنا بأن صفة الشر والقبح في أفعال الله أو لنقل في الوجود الذي أوجده صفة اعتبارية لا ذاتية ، هل يرتفع إشكال الغاية من وجود الشر؟
أليس السؤال يظل بلا جواب:
ما الداعي الى وجود الشر ( اعتباريا كان أو ذاتيا ليس يهم ) ؟
ما مبرر كل ما نراه من شرور وآلام في عالم الحيوان غير العاقل؟ وما مبرر وجود كل هذه الشرور والكوارث الطبيعية التي تقضي على آلاف الاطفال والعجزة ؟
ما رأيكم في الجواب الكلامي على مسألة الشر؟

تعليق أبي يعرب

الأخ الفاضل أحمد باييز

أشكرك على سؤالك. لكن لا تنتظر مني جوابا كلاميا. فأنت تعلم أني أنفي عن الكلام كل قابلية لتحقيق ما يعد به من منطلقين:

 المنطلق الأول هو صريح النص القرآني: فالقرآن قد نهى صراحة عن النهج الكلامي لما نهى عن التأويل. ولا كلام من دون تأويل. والقرآن لم ينه عن التأويل بمنطق التحريم الغفل كما قد يتصور من لم يتدبره بل علله بالتمييز بين العلم المحدود والعلم المطلق بمقتضى المقابلة بين الشهادة والغيب. وعلم الإنسان محدود لا يتجاوز الشهادة. وحتى الشهادة فإن العقل الإنساني لا يعلم منها إلا مظاهرها لأن صلتها بالغيب الذي يعلل كونها ما هي متجاوز لقدرات العقل الإنساني.

وهذا ما كان فحول الفلاسفة-وحتى المتكلمين-ينتهون إليه بعد أن يجربوا النهج الفلسفي الخالص أو النهج الكلامي بعد أن ينحرف فيتحرر من استمداد مقدماته من النص دون أن يزعم بناءها على العقل الخالص كالفلاسفة. ولعل أفضل من عبر عن ذلك العلامة ابن خلدون عندما حصر وظيفة الكلام السني (يعني الكلام الأشعري من دون تحريفه الذي شرح مراحله وعلله) في تأييد المعتقد والرد على خصومه.

المنطلق الثاني هو صريح الاستدلال العقلي: فقد أدرك العقل حدوده بفضل ثورته النقدية وبات يعلم أنه لا يعلم إلا ما لا يتجاوز قدراته أعني مظاهر الوجود الشاهد. ومن ثم فعقليا يمكن القول إن  ما كان مقبولا من دعاوى كلامية في العصور الوسطى لم يعد مسموحا به في عصرنا بعد الثورة النقدية التي أنهت كل طموح إلى معرفة تتجاوز هذه القدرات المحدودة بل والمحدودة جدا. فإذا أضفنا إلى ذلك أن المتكلمين المحدثين ليس لهم معرفة بشروط المعرفة فضلا عن المعرفة بما يدعونه موضوعا لعلمهم بات الأمر محسوما. وذلك ما حاولت إقناع الشيخ فوده وجماعته به. لكنهم عاندوا وزعموا أن الكلام علم مستقل عن المقدمات النقلية لعلمهم أنهم لو اعترفوا بعدم استقلاله عنها كما فعل ابن خلدون لانتهوا إلى ما انتهى إليه ابن تيمية: وهو أن الكلام في هذه الحالة يصبح تحصيل حاصل فلا يكون المنطق فيه إلا أداة نقل الحقيقة من المقدمات إلى النتائج.

وخلافه معهم كان في بيان أن المنطق الذي يعتمدون عليه ليس هذه صفاته. فهو يتضمن التزاما وجوديا يدخل معه كل النظريات الميتافيزيقية حول تقوم الماهيات من الجواهر الثواني واعتبار التعريفات المعتمدة حقائق ماهوية وليست أسماء صناعية. فيكون أول مزاعم هذا المنطق أن العقل الإنساني يدرك الحقائق المطلقة (جواهر الأشياء) ومن ثم فهو يرد الوجود إلى إدراك الإنسان. وهذه الحجة التي تحد من أوهام العقل مشتركة بين ابن تيمية وابن خلدون.

والجامع بين المنطلقين هو المشترك بينهما أعني محدودية القدرات العقلية ولا محدودية الوجود. فالوجود لا يرد إلى الإدراك بخلاف ما تستند إليه مسلمة الفكر الفلسفي القديم القائل بمبدأ بارمينيدس أعني التوحيد بين الوجود واللوجوس. والفلسفة الحديثة لم تصبح ممكنة إلا بالتحرر منها لكون ذلك هو الشرط الضروري للشروع في المعرفة العلمية والتمييز بينها وبين العقد الديني. لكن الحجة النقلية أوسع لأنها متحررة من عيب الحجة العقلية.

 ذلك أننا بالنقد نعلم حدود العقل. لكننا لا نستطيع إطلاق حكمنا. فكان ينبغي ألا نطلق هذا العلم لئلا نتناقض. فالحد من العلم حصل بعلم محدود. ويكون من واجب العلم بحدود العقل هو بدوره عملا محدودا. فينبغي للعلم المحدود إذن عند تطبيقه على ذاته أن ينفي الإطلاق على حكمه بالمحدودية. فيكون من الواجب ترك الباب مفتوحا للإمكان. وهو ما يقول به الحل النقلي الذي يفتح الباب لإمكان المعرفة الإيمانية التي تفهمنا أن العقل يتجاوز الحد عندما يعلم الحد فيكون ذلك معراجه إلى الإيمان الحقيقي أو ما عبر عنه الصديق بالعجز عن الإدراك إدراك: للإنسان قدرة تتجاوز ما حدده العقل لذاته من حدود وبها يصبح العقل نهى وبفضله يصف القرآن المؤمنين بذوي الألباب أو النهى أو الراسخين في العلم. وذلك هو مجال الإيمان.

بعد هذا التمهيد أعود إلى سؤالك. فهو سؤال كلامي دائما. وكان في بعض مراحل الفكر سؤالا فلسفيا وخاصة منذ أن اختلط الكلام بالفلسفة أو بصورة أدق منذ أن صارت الفلسفة كلامية أعني عندما أجبرتها المؤسسات الدينية في العصور الوسيطة على القيام بالخادم الأمين للعقائد في كل الجماعات الدينية الكتابية. فوجد ما يسمى برسائل التنزيه أو برسائل العدل الإلهي التي كتبها الكثير من الفلاسفة الكبار. ولعل أشهرها رسالة لايبنتس التي أدت إلى هزليات فولتار وطنزه المشهورين حول أفضل العوالم عند لايبنتس.

سألتني إذن عن الشر في العالم وكيف نفهمه اعتباريا كان أو حقيقيا. فقد كانت محصلة الأدلة الفلسفية والكلامية التابعة لها-لأن ما في الكلام من كلام ذي معنى يرد إما إلى المقدمات المستمدة من النص أو الحلول المستعارة من الفلسفة- راجعة إلى حلين:

إما تبرير الشر بدور له في تحقيق الخير فيكون مقصودا لعلل قابلة للعلم من خلال ما يستوجبه تحقيق الخير الكثير بالشر القليل. وبين أن هذا الحل فيه شبه اعتراف بعجز الله عن تحقيق الخير المطلق من دون جرعة من الشر.

أو القول بأن ذلك من الغيب اللامعلوم لأن مقاصد الله ليست في متناول العقل الإنساني. وهذا هو الحل الذي يبدو نص القرآن قد أيده كما يبتين من "وعسى أن تكروا شيئا وهو خير لكم" فيكون الشر إذا تعين من منظور علم الإنسان هو في الحقيقة وهما إنسانيا.

وهذا يعني أن الشر هو ما حددته الشريعة لا غير . فلا يكون في الوجود شر إلا ما يفعله الإنسان مما نهى عنه الله والبقية التي لا تحصل بإرادة الإنسان ليس فيها شر ولا خير إلا بالمنظور الذاتي الإنساني. أما حكم الإنسان على شيء بوصفه شرا أو خيرا فهو أمر نسبي إليه.

ما هو الحل الذي أقول به؟ ذكرت السبيل إليه ذات مرة في أحد تحليلاتي لأفكار اللادينية العربية. فمسألة الشر عندما تطرح في شكل إشكالية العدل الإلهي هي التي تضعنا أمام الدليل الوجودي في شكله السلبي (والنص موجود في موقع الفلسفة وموقع ملتقى الإبداع الفكري وعدة مواقع أخرى). فلكأن من يطرح هذا المشكل إذ ينتهي إلى الإلحاد يكون كمن يستدل على عدم وجود الله بوجود ما يثبت عجزه عن جعل العالم بصورة تعجب الإنسان لئلا يألم فيه ولا يشقى ولا يجوع فيه ولا يعرى أي أن يعود إلى الجنة: لو كان الله موجودا لكان مطلق الصفات والقدرات فلا يخلق عالما ناقصا لكن العالم ناقص لوجود الشر فيه إذن الله غير موجود لأن نقيض التالي ينتج نقيض المقدم.

فصاحب هذه المسالة يكون كمن فضل نفي وجود الله على الاعتراف بعجزه أو بظلمه لكونه يخضعه لمعايير حكمه على الخير والشر بمعنى ما يعجبه مما لا يعجبه. يطلق حكمه فيجعل علمه كافيا للدلالة على نفي وجود الله كما يفعل المتكلم إذ يطلق علمه فيجعله كافيا للدلالة على وجوده. وفي الحقيقة فإن المتكلم مهما فعل ينتهي إلى هذا الموقف: لمجرد نفي الغيب وراء الشهادة بإطلاق العلم الإنساني يصبح المتكلم في الغاية غير مصدق لنفسه في كلامه الموجب: لا يمكن أن أزعم العلم الإنساني كافيا في الإلهيات ثم أقدم دليلا غيبيا لتفسير ظاهرة الشر. مسألة العدل الإلهي تنفي كل إمكانية لعلم الكلام لو كانوا حقا يفهمون في المنطق والعلم.

وسبيلي إلى الجواب لا جوابي لأني لا أدعي القدرة على الجواب في مسألة العدل الإلهي وإلا لكنت متكلما هي إذن: لو كان لي علم مطلق لاستطعت أن أقدم الجواب. فبمعيار العلم الإنساني الشر موجود لا ريب فيه. وهو ثابت حتما إذا قسنا الموجود بالشعور الإنساني استئلاما واستلذاذا. لكن حقيقته ووظيفته حتى بمعيار العلم الإنساني مجهولتان لا ريب في ذلك كذلك. ما الحل ؟ لا وجود لحل غير الإيمان بضرورة الخيار الحر بين التسليم لله أو الثورة على الله سواء سلمنا بوجوده أو نفيناه. لذلك فكلاهما دليل على تبعية الإنسان لما هو كائن بغير إرادته سواء نسبه إلى إرادة عاقلة (يغضب من تصرفها أو يرضى عنه) أو إلى عدم الإرادة أي الصدفة والضرورة العمياء عديمة القصد (فلا يكون لغضبه أو رضاه أدنى معنى).

 وإذن فالموقف في هذه الحالة هي إما القبول بالكائن أو الثورة عليه. وكلاهما استسلام للموجود عاقلا كان أو غير عاقل لأن الثورة عليه هي بدورها خيار فيه اعتراف بما لا يعود إلينا بل بما يتجاوزنا. وتلك هي وضعية الخيار التي هي جوهر الحرية الوجودية وأصل كل إبداع فني وخاصة الآداب. لكنها كذلك هي بداية السؤال الديني: فكل من وصل إلى هذه المرحلة من السؤال لا بد أنه منته إلى الإيمان الصادق. فلا يكون الكفران إلا غفلة عن التنزيه الضمني لله التنزيه الذي يعلله تفضل عدم الله على تصوره ظالما. لكن العقل له خاصية عجيبة لعلها هي المقصودة باللب أو النهي. فهو سرعان ما يدرك أنه إذا لم يع بأنه بهذا الموقف يستسلم للحتمية العمياء بديلا من القضاء.

 ولذلك فهو تحدث فيه قفزة روحية تحرره من الانحطاط العقلي والوجداني فيصبح تفكرا يشعر بكونه مكلفا بمقتضى جوهره بالاجتهاد ضد الجهل لعلم الحقيقة والجهاد ضد الظلم لعمل الحق: وعندئذ لا يبقى الشر فاعلا والإنسان منفعلا بل يصبح الإنسان فاعلا لكونه يشعر بكونه قد كلف بمجاهدة الشر ليكون أهلا لحمل الأمانة. لذلك فإني اعتبر هذه المرحلة هي البداية الحقيقية للتدين الصادق. وهو دور الفن من حيث مرقاة الشكوى الوجودية المؤدية إلى الإسلام لإرادة الله.

وبذلك لم يعد المشكل متعلقا بالعدل الإلهي بل بالتكليف الإنساني أعني بالأمانة التي حملها فقبل حملها بخلاف الجبال: هل يقبل الإنسان أن يستسلم للحتمية العمياء أم يتحرر منها بما أمده به الله من أدوات للاجتهاد الذي يدرك قوانين الحتمية فيسيطر عليها تحقيقا للتسخير خلال استعمار الأرض والاستخلاف فيها. الشر الموجود سواء كان في بدنه (الأمراض) أو في نفسه (النوازع الشريرة) أو في العالم (الظلم) كل ذلك تحديات كلفه الله بالسلطان عليها ليحقق كسب الحسنات ويتحرر من اكتساب السيئات بالعلم والعمل على علم. فالمرض والجوع والظلم كلها شرور توجد بمقدار عدم اجتهاد الإنسان وجهاده لتحقيق ما كلف به من شروط استعمار الأرض والاستخلاف فيها. ذلك هو جوابي أو إن شئت أكثر دقة طريقي إلى الجواب: لأن الجواب هنا ليس حلا نظريا بل هو التزام وجودي.

تساؤل السيد غسان طوقان

د. أبو يعرب المرزوقي،
تحية وبعد،

لقد اطلعت على النقاشات التي دارت بينكم وبين الأستاذ سعيد وأسئلة الأخ الذي تساءل عن وجه نفيكم لإمكان الاستدلال على قضايا العقائد بالدليل العقلي. وجوابكم عنها، فرأيتكم تفرقون بين الدليل العقلي والدليل الكلامي الاستنتاجي، وتمنعون إفادة الثاني مطلقاً لتحصيل العلم بقضايا الاعتقاد ولا تمنعون إفادة الأول. 

أطلب من حضرتكم بكل احترام توضيح الفروق بين الدليلين وأسباب إفادة أحدهما للمطلوب وعدم إفادة الآخر، وهل التفريق بين هذين الدليلين من اصطلاحكم أو أن لكم فيه سلفا من المتقدمين، وإحالتنا لمراجع في ذلك إن وجد.

لا أخفيكم أنني تأملت فلم أجد فرقا بينهما. فأرجو أن تبسطوا لنا هذه المسألة بعقد مقارنة أو لنقل مفاضلة بين الدليلين. وأرجو أن تقوموا بتطبيق مؤاخذاتكم على الدليل الكلامي على وجود الله تعالى مثلاً بعرضه وبيان جهات الخلل فيه بناء على تلك المآخذ التي رأيتموها وبيان كيف أنه مع تضمنه لتلك المعايب لا يمكن أن يفيد المطلوب. 
شاكرين لكم صبركم وجهودكم واهتمامكم، واقبلوا منا الاحترام

تعليق أبي  يعرب

أخي الفاضل غسان طوقان

شكرا على سؤالك الثاني لأني أجبتك عن سؤال سابق في مكاتبة مباشرة. وأظنك لم تر داعيا للإيفاء بما وعدت. فلا بأس. أجيبك ثانية خاصة وسؤالك يبدو مستندا إلى حجتين تفيدان بضميرهما أنك تعتبر تمييزي بين الدليلين الكلامي والعقلي غير مفهوم أو بصورة أدق غير مؤسس التأسيس الذي ترضى عنه. وهذا حق لكل مفكر يحاور بما تحاور به من أدب وأخلاق جميلة. فأما حجتك الأولى فهي طلب المراجع التي لا تراها بنفسك وتريدني أن أدلك على ما اعتمدته منها تأسيسا لهذا الموقف. وأما حجتك الثانية فهي أنك تأملت الأمر فلم تجد فرقا بين الدليلين العقلي والكلامي.

وقبل أن أجيبك أريد من اخوّتك أولا أن تقرأ مقدمة الجواب على الأخ أحمد باييز لأنها مقدمة ضرورية للجواب عن سؤالك كذلك. كما أدعوك إلى أن تعتبر تعليقي على حجتيك مقدمة ثانية أعني ما فهمتُه منهما لأن قصدك منهما أنت به أدرى.

فالحجة الأولى لا أفهم منها أنك تعني بالمراجع آراء المتكلمين في المسألة. وذلك لعلتين. فأما أولا فلأني لا أقبل بالمتكلمين مراجع إذ إن الكلام عندي دون الخطابة تأسيسا وقربا من المعرفة العلمية. وما أظنك تنتظر مني أن أقول لك إن زيدا أو عمرا قد قال كما يفعل أهل المدارس التقليدية: فليس لأي مرجع هذه المنزلة بعد القرآن والسنة فضلا عن كونهما هما بدورهما يعتمدان سلطة الحجة لا حجة السلطة. أما  في الفلسفة فلا وجود لحجة نصية أصلا: لا يقبل أحد من أحد فيها أن يقول والدليل أن زيدا قد قال أو عمرو. وأما ثانيا فلأن هذه المراجع معلومة للجميع لأني لم أخفها وأعجب من سؤالك عنها. وهي ليست مراجع بمعنى أني احتج بما تقول بما جربت وانتهت إليه من حلول بعد أن جربت مثلهم ووجدت أن تحليلهم مطابق لما أراه.

فقد ذكرت أن لي في المسألة ثلاثة مراجع أشرت إليهم بالاسم مع تعيين تجاربهم في مصنفاتهم الثورية أعني بترتيب عائد من الغاية إلى البداية ابن خلدون وابن تيمية والغزالي: الغزالي في التهافت والفضائح والاقتصاد وابن تيمية في الدرء والرد والمنهاج والتلبيس وابن خلدون في المقدمة خاصة. فهم عندي مراجع ليس بشهادات نصية منهم بل ببحوث علمية بينت وهاء الكلام واستعاضت عنه بمحاولات أسستها على ثمرات فعل نقدي تقدموا به على الفكر الغربي بقرون ولا يزالون. فهم قد تجاوزا كلا الفكرين اللذين كانا يتصارعان في الإلهيات بزعم القدرة على علمها. فلا أحد من هؤلاء يقبل بالأدلة الفلسفية في الإلهيات حتى وإن لم يشكوا في كونها عقلية.

لكن الأهم من ذلك هو أنه لا أحد منهم يقبل بالأدلة الكلامية في الإلهيات بل هم ينفون عنها حتى كونها أدلة عقلية. ذلك أنها لكي تكون كلامية فلا بد لمقدماتها أن تكون نقلية. لأنها من دون هذا الشرط من المفروض أن تصبح فلسفية. لكنها لن تصبح فلسفية لأننا نكتشف غياب شرط الدليل الفلسفي فيها: لفقدان شروط الآلة والمنهج والمضمون العلمي الحقيقي. تسليم المقدمات أصل كل القضايا الكلامية. والتسليم في ما لا دليل على مدعمات التسليم لا معنى له. ومقدمات العلم تكون إما فرضية فتكون النتيجة من جنسها ولا معنى للفرضي في العقدي. أو تكون المقدمات استقرائية ولا استقراء ممكن في الإلهيات لأنها ليست من مجال التجربة العامة القابلة للاشتراك الضامن للموضوعية. ومن ثم فمقدمات الكلام ليست دينية ولا هي فلسفية لأنها بشرط كونها كلامية تفقد كونها فلسفية وبفقدانها شرط كونها كلامية لا تصبح فلسفية لعدم توفر الشروط التي تشترطها الفلسفة في العلم.

ولهذه العلة لا يمكن للكلام أن يمدنا بدليل واحد موثوق به على وجود الله. ولا أحتاج هنا للتمثيل الذي طلبته لأني ناقشت ذلك في عدة مواضع يمكنك العودة إليها. خذا مثلا المقالة الأولى من شروط نهضة العرب والمسلمين: ففيها تجد مناقشة أهم فلاسفة الغرب في المسألة وكيف يتبين أن القرآن تجاوز ذلك كله حتى لو اقتصرنا على فهمه عند الفلاسفة المسلمين لأن المتكلمين انحرفوا عن القرآن فكانوا أبعد منهم عنه. ثم إن المتكلم إذا كان متكلما فينبغي له أن يتسلم عقيدة وجود الله ثم يدلل بالسلب بأن ينفي نفي وجود الله عند من لا يؤمن به فيكون دليله لتدعيم معتقده وليس لإثباته. فهو ثابت لديه.

 لذلك فالدليل الكلامي ليس عقليا بل هو نقلي مهما استعمل من حجج عقلية لتدعيم معتقده. وإذا لم يفعل ذلك لم يعد كلامه كلاما بل فلسفة. ولما كانت الفلسفة قد تخلت عن وهم المعرفة العلمية في الإلهيات بات الكلام عديم المعنى نقلا وعقلا. والمشكل مع الشيخ فودة وجماعته هو عدم التمييز بين الأمرين لأنهم يعيشون في مناخ العقلية القروسطية من دون فهم لما نبينه في النقد الذي قال به المراجع الثلاثة الذين ذكرتهم فضلا عن العلم بما تقول به الفلسفة الحديثة. وعلى كل فهم حتما مضطرون لذلك لأن مجرد الاعتراف بهذا التمييز يؤدي إلى اكتشاف ما أثبتناه في المقدمة التي أحلنا عليها في الجواب على السائل السابق.

لكن المهم هو أن المقابلة بين الدليل الكلامي والدليل العقلي أعمق من هذه المقابلة بين الدليل الكلامي والدليل الفلسفي. فالدليل الفلسفي هو بدوره لم يكن دليلا عقليا بحق لأنه يدعي ما لا يستطيع. فهو قد كان دليلا كلاميا غير واع وإن من جنس آخر لكون مقدماته المسلمة ليست من نص منزل صريح بل من نص غير منزل وغير صريح. وكان الأمر كذلك طيلة العهود المتقدمة على الفلسفة النقدية التي نشأت مع مراجعي الثلاثة واكتملت في الفكر النقدي الحديث. لم يكن الفلاسفة يسألون عن مصدر مقدمات أدلتهم ما مصدرها. كانوا يؤمنون مثل المتكلم بحقائق أولية لم يسألوا عن طبيعتها ولا عن مصدرها ما هما: والفرق الوحيد هو أن المتكلم يتسلمها بوعي صريح من النص وهم يتسلمونها بوعي غير صريح من العادة والتجربة الغفلة. فما يسمونه أوليات هو أحكام عصرهم المسبقة.

ولما كان الدليل لا يستمد من صورته مضمون الحقيقة بل مجرد الحفاظ على ما تسلمه في المقدمات خلال النقلة منها إلى النتائج فإن الفيلسوف مثله مثل المتكلم لم يسأل عن شرعية ما يتسلمه من مقدمات وشرعية ما يعتقده من تطابق بين قوانين العلاج الصوري في النقلة العقلية من المقدمة إلى النتيجة وقوانين الحدوث الوجودي في التغير من حال إلى حال وجودية أولاهما هي ما تصفه المقدمات والثانية هي ما تصفه النتائج.

لكن هذه الأسئلة سألها ابن تيمية وابن خلدون. فكانا بذلك واضعي الفلسفة النقدية على سكتها الحقيقية: 1-ما شرعية الحد (وهو أساس كل المقدمات) 2-وما أساس البرهان (وهو أساس كل النقل من المقدمات إلى النتائج) حتى يكونا مطابقين لحقائق الأشياء المفردة (الحد) وعلاقاتها الحقيقية المؤثرة في حصول ما يحصل في الوجود (البرهان). وطبعا لو سأل المتكلمون والفلاسفة هذين السؤالين لكانوا قادرين على فهم فلسفة القرآن في التمييز بين الشهادة والغيب.

ونأتي إلى الفرق بين الفلاسفة والمتكلمين. فإذا حصر الفيلسوف كلامه على الشهادة كان إلى حد ما متحررا من معضلات هذين السؤالين رغم أنه لا يتحرر بإطلاق لأن الشهادة نفسها تتضمن صلتها بالغيب ومن ثم فكل إطلاق في الكلام عليها نفي لهذه الصلة فيكون ميتافيزيقا ضمنية تفسد على المعرفة نسبيتها ومن ثم فاعليتها فتجعلها كلاما لا حقيقة له لأنه يدعي ما لا يعلم. لكن المتكلم لا بد له بالجوهر من هذا التجاوز لأن موضوعه ليس الشاهد ولا يمكن أن يقف عند حدوده بل صلته بالغيب. وصلته بالغيب مجهولة بالجوهر. وهو يتحرر من ذلك بالمقدمات التي يستمدها من النص. فإذا فعل كان مجرد إطلاق لتأويل يخصه حول النص فلا يكون علما وإذا لم يفعل تحول إلى فلسفة زائفة. وهو في الحالتين من وهم صاحبه. لذلك تخلى كل الفحول في الغاية عن الكلام بمجرد أن فهموا حقيقته.

ما هو الدليل العقلي إذن إذا كان لا يوجد في الفلسفة القديمة والوسيطة ولا في الكلام قديمه وحديثه؟ إنه الدليل الذي يقول به القرآن الكريم وهو عينه ما توصلت إليه الفلسفة الحديثة  أخيرا بعد أن اكتملت الثورة النقدية.

بعد هذا التمهيد أجيبك. ليس لي رأي في تأملك المسألة فأنت أدرى بما فحصت خلال التأمل خاصة وأنت لم تذكر طبيعة المسائل التي نظرت فيها ما هي. يكفيني أنك ما زلت تعتقد بأن أدلة الكلام عقلية حتى أعلم أن العقل عندك هو الاستنباط المنطقي الذي تظنه مشتركا بين الفنين وتظن ذلك كافيا لعدم التمييز بينهما. فتكون من القائلين بأن المنطق يتجاوز دور السلك الذي ينقل الصدق من المقدمات إلى النتائج والكذب من النتائج على المقدمات أعني أنك ما زلت تقول بالمنطق المستند إلى الميتافيزيقا الأرسطية: تعتبر الحدود مطابقة للمحدودات وتعتبر قوانين القياس مطابقة لقوانين الوجود. فيكون كل فن يستعمل هذا المنطق دليلا وبرهانا عندك.

وفي ذلك يكمن الخلاف الجوهري بين الشيخ فودة وابن تيمية إذا قبلنا فقسنا عملاق الفكر العربي الإسلامي بالمتعالم في ما لا يفهم. وليس في هذا الحكم أدنى تجن على الرجل: فلست أفهم كيف يمكن لمن يدرك هذه الأمور أن يعتبر الكلام موصلا على معرفة يقينية تمكن من تكفير زيد أو عمرو في حين أن الكلام ذاته هو محض الكفر بنص القرآن الصريح لأنه مشروط بما نهى عنه القرآن صراحة أعني التأويل الذي هو القانون العام للشروع في التكلم مع ما يفترضه من كون القرآن ليس بيانا للناس بذاته بل يجعلونه بحاجة إلى كهنوت يمثلون الخاصة التي تؤوله للعامة.

فعندي أن الحد لا يعطينا حقيقة الشيء بل هو يسميه ويميزه عن غيره في فن من الفنون كالطب والهندسة والفلك والفقه إلخ...ومن ثم فهو متغير بحسب الغاية من وضع النظرية في ذلك. فكلما تقدمنا في معرفة المحدود أعدنا صوغ الحد حتى تكون النظرية مطابقة ما أمكنت المطابقة. لكن لو كان الحد معطيا للماهية فإن كل تغيير فيها يعني أن الماهية ليست ثابتة أو أن التقدم العلمي مستحيل.

وعندي أن القياس لا يعطينا قوانين الشيء بل هو يساعدنا على الوصل بين ملاحظاتنا المتعلقة به وعلى تنظيمها بصورة تحقق صورة عنه تكون أقرب ما تكون مما نريد أن نعلمه منه. فإذا كثرت الحالات الشاذة في تعاملنا مع الموضوع غيرنا النظريات وغيرنا حتى القوانين العقلية والرياضية حتى نتمكن من صوغ نظري مؤثر في تعاملنا مع الأشياء. لكن حقائقها لا يعلمها علما مطابقا بإطلاق إلا خالقها.

لكن بيت القصيد بالنسبة إليك هو: كيف يكون الدليل في الإلهيات الفلسفية وفي العقديات الدينية عقليا ؟ والجواب مضاعف:

ففي الإلهيات الفلسفية الجواب هو ما تقول به الفلسفة النقدية بل وحتى كبار الفلاسفة القدامي (كأفلاطون وأرسطو). أقصى ما يمكن أن نصل إليه بالعقل هو ما يستحسنه العقل ولا يستطيع إثباته بالدليل القاطع: الإلهيات الفلسفية هي إما مسلمات عقلية (الفلسفة النقدية الحديثة) أو غالب الظن العقلي (الفلسفة القديمة). لكنها في كل الأحوال ليست علمية ولا عقلية بالمعنى العلمي بل بالمعنى العملي: أي إنها شرط خلقي للعقل المعقول.

أما في الإلهيات الدينية فالجواب هو ما يقول به القرآن الكريم. عندما تعيش بصدق تجاربك الوجودية الحدية التي ترى فيها فقرك إلى باريك تدرك دلالة خطابة للكائنات العاقلة بآياته الخمس. وذلك هو معنى برهان الرب الذي من جنس ما رأى يوسف عليه السلام والذي يمثل أساس كل الأدلة القرآنية من حيث هي ملازمة لتجربة وجودية حية فعلية ومعيشة: 1-تدبر آيات الأنفس 2-وتدبر آيات الآفاق 3-وتدبر آيات علاقة الأنفس بالآفاق (حاجة وشروط بقاء) 4-وتدبر آيات علاقة الآفاق بالأنفس (علما وعملا فيها) 5-وتدبر آيات الآيات كلها أعني الخطاب القرآن حول كل ذلك (كيف يعرض علينا القرآن محددات وجودنا في الكون ودورنا فيه وتكليفنا باستعمار الأرض والاستخلاف فيها).

وهذا الاستدلال ليس هو مجرد استدلال ننسبه إلى العقل بل هو العقل ذاته أعني إن مجرد كون الإنسان واعيا بوجوده في شروطه الحية خلال التجارب الوجودية الفعلية ومجرد كون الوعي موجودا هذا الوجود هو العقل وهو هذه الآيات نفسها من حيث هي ناطقة في الإنسان نفسه. وذلك هو معنى كون القرآن معجزة الإسلام: فالقرآن ليس شيئا آخر غير شرح هذه الآيات الخمس ومن ثم فهو الدليل العقلي الوحيد الممكن للإنسان اجتهاد (فهم الوجود) وجهادا (العمل بذلك الفهم). ومن لم يفهم ذلك لم يقرأ القرآن القراءة التي يقتضيها الإيمان بأنه الرسالة الخاتمة الغنية عن الكهنوت.

فإذا لم يكن هذا ما تطلبه فليس عندي غيره. وما أظنك ممن يعتبر جواب شيوخ الكلام أفضل من جواب القرآن الكريم وإلا لما سألتني: سؤالك دليل على أنك بدأت تدرك أن الكلام ليس دواء بل هو عين الداء. وقولي هذا ليس تحكما مني بل لأن القرآن اعتبر مبدأه دليلا على زيع القلوب وابتغاء الفتنة أعني تأويل المتشابهات واعتبر الإيمان المخلص منه هو الرسوخ في العلم أعني الدليل العقلي المقابل للدليل الكلامي. وبذلك تفهم أن الذي ميز بين الأمرين ليس أبو يعرب المرزوقي بل هو الله نفسه في الآية السابعة من آل عمران عندما قابل بين الرسوخ في العلم والتأويل. لكن شرط ذلك أن تسلم بأن القرآن ليس بيانا للناس بل هو نص  مبهم يحتاج إلى المتكلمين حتى يصبح مفهوما فيكون مناقضا لما يصف به نفسه: ليس هو ليس بيانا فحسب بل هو غش صرف يعبر للناس بما لا يفهم بل وبما إذا فهم كان باطنه عكس ظاهره. ذلك هو مدلول الأدلة الكلامية التي توؤل كلها إلى البناء على التأويل لصوغ المقدمات وتحصيل النتائج أعاذنا الله من كل التحريف والمحرفين. والله أعلم.

تساؤل السيدة نادية . ق

فضيلة البروفيسور ابو يعرب المرزوقي
السلام عليكم ورحمة الله
لدي سؤال ارجو ان تتفضلوا بالجواب عليه
هل تعتقد ان كل المعرفة العلمية نسبية؟
هل يمكن القول بأن هناك حقائق ثابتة وقطعية في العلم ؟
إذا كان كذلك فما مثال ذلك من الحقائق العلمية التي تعتبرونها فضيلتكم قطعية؟
وشكرا

تعليق أبي يعرب

الأخت الفاضلة نادية ق.

أشكرك على سؤالك. وهو سؤال فلسفي بامتياز. لكنه جامع لأصل سؤالي السائلين المتقدمين. فهو ذو علاقة بما نحن بصدده لأن المتكلمين مثلهم مثل القائلين بالإعجاز العلمي في القرآن كان عليهم أن يسألوا هذا السؤال حتى لا يفسدوا قدسية القرآن بتخريفهم. فبمجرد أن يكتشف عالم غربي حقيقة علمية يعيدون تأويل القرآن فيلوون نصه حتى يقارب ما يبدو لهم معنى مطابقا لهذا الاكتشاف فيصبح اكتشاف الإعجاز دائما لاحقا لا سابقا. لا يدرون أن مجرد الاكتشاف اللاحق عندهم دليل على الغباء. فإذا كان الإعجاز العلمي موجودا فينبغي أن يكون في مستطاعهم اكتشافه قبل غيرهم أي بمجرد التفسير والتأويل. أما أن ينتظروا حتى يحصل ثم يعيدوا التأويل ليطابق فهذا هو الدجل بعينه.

كذلك فعل مؤولو القرآن في ضوء الفيزياء القديمة والفلك البطليموسي. وكذلك يفعل مؤولوه في ضوء الفيزياء الحديثة والفلك الكوبرنيكي. ولنأت الآن إلى الجواب عن سؤالك. والجواب هنا يسير بخلاف مسألتي السائلين السابقين. فأنت تسألين على أمر يتعلق بالشهادة لا بالغيب. لذلك فالأمر يعود إلى فهم القصد بالقانون العلمي وبعلاقته بالظاهرات التي يقنن لها. والغريب أن المسألة الأولى التي هي أيسر من المسألة الثانية لا يمكن الجواب فيها من دونها. فيكون الأيسر مشروط بالأعسر. وذلك من عجائب العقل الإنساني وفي الحقيقة فهو الدليل على أن المسألة الدينية هي أساس كل المسائل: فما لم نسلم بأن الوجود منتظم وخاضع لمخطط يمتنع علينا أن نشرع حتى في طلب قوانين نحتكم إليها في التعامل مع محيطنا الطبيعي ومع ذواتنا.

وهذا التسليم متردد بين موقفين. فهو يكون إما فرضية عقلية لتيسير العمل دون إيمان بصحتها بل اقتصارا على جدواها. وهذا هو الموقف العلمي. لكنه موقف متناقض لأن الذرائعية التي يستند إليها تجعل الانتظام المنافي للصدفة حاصلا دون أن يكون معلولا فتكون الصدفة أم الانتظام. وهو عين الخلف. لذلك وجب أن يعترف العالم بأن العلم مستحيل من دون إيمان مزدوج: بوجود النظام في الوجود وبحب الإنسان للمعرفة  بصرف النظر عن المنفعة.

والآن ما المقصود بالقانون العلمي؟ قبل أن نحدد طبيعته فلنحاول حصر المعلوم من أصنافه. فنحن نميز بين نوعين من القواعد:

قواعد نضعها بأنفسنا لأمر ينشأ بمقتضى تلك القواعد فتكون القواعد متقدمة على الأمر المقعد أي إنه منتج فعل التقعيد. ومثال ذلك لعبة الشطرنج. نحدد عناصرها وقواعد اللعب فلا تكون لمادة القطع في الشطرنج أي دور في ما يجري في اللعبة. يمكن للقطع أن تكون من أي مادة نشاء: من الغشب عند الفقراء أو من الذهب عند الأمراء. ليس للمادة دور في اللعبة.

وقواعد نستقريها من الأمر الذي نبحث عن قواعده لعلمها. فتكون القواعد تالية عن الأمر المقعد أي إننا لا ننتجه بقواعدنا بل ننتج قواعدنا لكي تعطينا منه صورة أقرب ما تكون مما نفترضه قوانين له يجري بمقتضاها. ومثال ذلك الفيزياء. فنحن لا ندري ما الذي يحصل حقا في جوف المادة الطبيعية بل نفترض أشياء ونضع قواعد نتصورها أحكام ما يجري ثم نجرب تلك القواعد فإذا مكنت من توقع ما يجري اعتبرناها قوانين إلى حين وعندما تثبت التجربة أنها لم تعد مطابقة نغيرها.

وهذا هو مفهوم القانون العلمي لأن الأول ليس قانونا علميا لموجود طبيعي بل هو قانون لفعل إنساني حول مبدعات إنسانية تابعة للقانون في حين أن القانون العلمي ينبغي أن يكون تابعا للموضوع. وبهذا المعنى فلا وجود لقانون علمي مطلق بل كل القوانين العلمية مؤقتة وهي حتما ستتغير بتغير خبرتنا عن موضوعها. وكلما تغير قانون تغيرت معه منظومات القوانين.

ملاحظة: 1-الرياضيات نوعان. بعضها من الصنف الأول وبعضها من الصنف الثاني لأنها تكون إما خالصة أو تطبيقية. والخالصة هي مبدعات إنسانية ولا معنى لتغيرها إلا بمعنى أن الإنسان يبدع غيرها. والتطبيقية هي جميع العلوم الطبيعية حتى وإن لم تكن استقرائية كالمناظر البحتة أو كالإوالة المجردة.

2-والمنطق نوعان كذلك. بعضه من الصنف الأول وهو اللغات الصناعية التي توضع كلعبة ثم يتبين أنها قابلة لأن تكون بنية مجردة تتعين في عدة نماذج موجودة فعلا. فتكون رياضيات عالية. وبعضه منطق تطبيقي وهو أشكال المنطق التاريخية التي كان أولها منطق أرسطو. وهذه الأشكال مجردات من ميتافيزيقا معينة ولعل أفضل مثالين هما التطبيق الأرسطي للمنطق على ميتافيزيقاه في التحليلات الثواني والتطبيق الهيجلي للمنطق على ميتافيزيقاه في ثلاثيته المنطقية المشهورة التي هي عين ميتافيزيقاه.

والله أعلم

**************************************************************************

                                               البرهان على الايمان

تساؤل السيد أحمد باييز

تابعت المناظرة التي دارت بينكم وبين الشيخ سعيد فوده في منتدى الأصلين ، ومن المنتدى عرفت بوجود فضائكم هذا . ولقد استوقفني كثيرا كلامكم عن امتناع الاستدلال العقلي على العقيدة ، وهذا بين في قولكم:

"أما ما يتجاوز عالم الشهادة من الغيب فهو محجوب حتى على الأنبياء في ما لم يوح إليهم. ويكفي أننا نؤمن به والدعوة إلى الإيمان به أهم مقومات العقيدة الإسلامية. وذلك هو الرسوخ في العلم. أما الكلام فهو لا يعدو أن يكون تعبيرا عن شكوك شخصية إذ لا أحد يمكن أن يدخل في الإسلام بواسطته وقد يكون أداة إخراج منه أكثر من أداة إدخال إليه: فلا تصدق خرافات التراجم. ذلك أنه لو كان يمكن أن نثبت الدين بالأدلة القاطعة لاستغنينا عن الأنبياء: لا وجود لأدلة قاطعة لا في الكلام ولا في الفلسفة ولا في الدين ولا في العلم. العلم غني عنها. والكلام عاجز دونها. والفلسفة عملت امتناعها مؤخرا. والدين نبه إلى أخطار توهم الوصول إليه. كل الأدلة العقلية السوية شرطية الدلالة أيا كان مجال انطابقها. وهي في الفكر الديني قد تساعد على الإيمان: من يهديه الله إليه. وقد تساعد على الكفران: من يضله الله إليه. لذلك فبرهان ربي فهو الوحيد الذي يمثل النور الذي يقذفه الله في القلب لا دليل عليه ولا دليل ضده. لذلك فهو لا يوصف بصفات الأدلة العقلية التي هي اجتهادية وأسماها الشرطي لأن القطعي من الأوهام التي هي اللاواعي من مسبق الأحكام."

وفهمتم أنكم تأخذون بالدليل الوجودي. فاسمح  لي أن أسألكم :

أولا: هل أخذكم بهذا الدليل مجرد ميل قلب وشعور وجدان أم أن لكم عليه برهانا عقليا يدعمه؟

ثانيا: إذا قلتم بأن العقل لا يصلح للاستدلال على وجود الله ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فكيف ترى إلى القرآن الكريم وما حفل به من عشرات الآيات الموجبة للنظر العقلي؟ وكيف تفهم الآيات التي استدل فيها القرآن الكريم ببديع الصنعة الكونية على وجود الصانع؟

ثم ثالثا: إذا نفيت إمكان الاستدلال العقلي على وجود الله ووجدت أن الدليل عليه هو الدليل الوجودي بحسبانه نورا في القلب لا دليلا على رسم العقل ، فما برهانك على نبوة محمد ؟ هل هو أيضا نور يقذف ؟

إنها أسئلة صادقة لا أطلب بها سوى بيان وجهة نظركم وتفهمها

    تعليق أبي يعرب   06/10/2008

 أخي الفاضل أحمد باييز

أشكرك على أسئلتك الثلاثة. ولست أشك في صدقك ولا في حسن نواياك. فمن الطبيعي أن يجد المرء في ما أشرت إليه من كلام انتخبته من نصي الكثير من المسائل المحيرة. لكن بمجرد أن نتحرر من التوحيد بين العقل واستدلاله السوي والفكر الكلامي يتضح الأمر لديك. عندئذ تدرك أن أسئلتك على وجاهتها علتها مغالطات المتكلمين وليس ما ظننته من تناقض بين كلامي والاستدلال القرآني أعني ما يعتبر كذلك في بادي الرأي.

جواب السؤال الأول: يكفي أن تعلم أن القول إن الإيمان لا يعتمد على الدليل العقلي الكلامي ليس نفيا للدليل العقلي. فما يسمى ب"العقلي الكلامي" مختلف بإطلاق عن "العقلي" المناسب للمعقول الذي يتعلق به. ذلك أن صاحب العقل الكلامي يريد أن يطبق المنطق الاستنتاجي لإثبات وجود الله ومن ثم فهو بعبارة ابن خلدون يفترض الوجود المطلق قابلا للقيس بميزان التجار. فالمنطق الاستنتاجي ليس أداة علم بل هو أداة نقل صدق المعلومة من المقدمات إلى النتائج نقلا إيجابيا منها إليها وهو عند العكس ينقل  كذب المعلومة. وهو لا يعمل بإحدى الطريقتين التاليتين اللتين لا ثالثة لهما:

فهو إما أداة وصل بين قضايا مفروضة تؤخذ مقدمات ونتائجها كما في كل العلوم الفرضية الخالصة التي من جنس الرياضيات في الاتجاهين للصدق وللكذب.

أو أداة وصل بين قضايا مستقرأة تؤخذ مقدمات ونتائجها كما في كل العلوم الفرضية التجريبية التي من جنس الفيزياء في الاتجاهين للصدق والكذب.

وفي الحالتين ليس للدليل الاستنتاجي فاعلية النقل إلا بقدر التسليم بالمقدمات ومطابقتها لما صيغ فيها أولا (قواعد الدلالة اللغوية سواء كانت طبيعية أو صناعية ومدى مطابقتها مع المرجع) ثم بقدر الاعتقاد في التطابق بين قوانين العلاقات بين القضايا وقوانين العلاقات بين موضوعاتها ثانيا (قوانين النحوي المنطقي ومدى مطابقته مع قوانين الوجود).

وبين أن الشرط الأول يقتضي أن يكون الحد مطابقا للمحدود مطلق المطابقة فضلا عن اقتضائه ضرورة الوصول إلى المحدود بصورة لا يمكن أن يستدل عليها بنفس النوع من الأدلة: فهل ترى بالإمكان أن يكون لنا علم بالمحدود من حيث هو محدود في عبارات مقدماتنا ؟ المتكلم يتسلم ذلك لغفلته لكنه لا يمكن أن يستغفل من يعلم طبيعة الدليل كيف تكون ودور المنطق ما هو.

وبين أن الشرط الثاني يقتضي أن يكون تسلسل القضايا في الخطاب الاستدلالي مطابقا تمام المطابقة لتسلسل الظاهرات في الوجود فضلا عن اقتضائه شفافية الوجود المطلقة وهي مما لا يعلم بتسلسل القضايا إن صح أنها تعلم: فهل ترى بالإمكان الجزم بذلك أي هل يمكننا أن ندعي أن قوانين منطقنا هي عينها قوانين الوجود بحيث يكون علمنا مطلقا ومن ثم مطابقا لعلم الله حتى يكون مطابقا للوجود؟ المتكلم لغفلته يتصور الوجود شفافا ويظن أحكام عقله هي عين أحكام الوجود وهو ما يؤدي بالكثير منهم إلى تنصيب نفسه محددا لعقائد الناس وحاكما على سرائرهم وتلك هي علة كون علم الكلام هو المصدر الأول والأخير لنزعة التكفير والتفسيق إلخ... من الجرائم الروحية. فمن يتصور علمه مضاهيا لعلم الله لا تعجب من ادعائه تحديد المضمون الحقيقي للعقائد ومن ثم محاكمة الناس من منطلق ملكيته للحقيقة المطلقة.

فإذا كان هذان الاعتراضان جوابهما سلبيا حتما حتى في المجال العلمي العادي سواء كان رياضيا أو طبيعيا أي في عالم الشهادة أو التجربة الحسية سواء كانت غفلة أو مجهزة علميا فما بالك إذا تعلق الأمر بعالم الغيب ؟ لذلك اعتبرت هذه الطريق غير مؤدية إلى الغاية: وقد تقدم الغزالي فقال قولته الشهيرة "الكلام لا يفي بمقصودي" أعني أنه لا يوصل إلى اليقين.

وهاتان النتيجتان السلبيتان تمثلان البداية الصحيحة في التوجه نحو طلب اليقين الديني لأنهما الوجه السلبي من  الاستدلال العقلي السوي على وجود الله. إنهما تمثلان الدليل الكافي على عدم كفاية العقل القياسي الذي يتصوره المتلكمون كافيا ومن ثم فهما بداية البحث عن مصدر ثان يضمن الاطمئنان للمعرفة الإنسانية دون الزعم بإطلاقها. رغم كون هذه البداية تبدو سلبية إلا أنها   لا تسلب المعرفة بإطلاق بل تسلب إطلاق المعرفة المزعومة فتؤدي إلى العقل المدرك لحدوده: وتلك هي طريق التجربة الوجودية التي نجدها في القرآن قصا لأهم التجارب الروحية التي مرت بها الإنسانية  والتي هي نموذج مصغر من كل تجربة شخصية لكل إنسان من حيث هو إنسان وبذلك نصل إلى الإيمان وبرد اليقين.

وهذه التجارب الوجودية هي التربة الخصبة للاستدلال العقلي الإيجابي على وجود الله بالنوع الثاني من المدارك أعني بالحوادس بدل الاقتصار على الحواس. فالحوادس هي معين الاستبصار وليست مكتفية  بالاستدلال الذي كل من يعلم طبيعته يدرك أنه لا يتجاوز الوصل بين المقدمات والنتائج ولا علاقة له لا بصحة المقدمات بداية ولا بالتطابق بين السلسلتين المنطقية والوجودية في الغاية. وذلك هو المعنى الثاني للاستدلال العقلي الإيجابي الذي يمكن وصفه بالصورة التالية. فكل تجارب الإنسان المعيشة بما في ذلك خاصة وعيه بذاته كل ذلك ليس له عليه دليل بالمعنى الصوري للكلمة لكن عليه من القرائن ما لا يتناهي تجعل عين الوعي به دليلا عليه فيكون وجودا وعلما في آن وعلما ووجودا في آن وهو معنى اليقين بالوجود الذاتي التابع لشروط قيام الذات (العالم) الذي هو بدوره مشروطا بشرط بقائه (الله) لأننا ندرك ما فيه العالم من عدم قيام بالذات فتجتمع المربوبية (الفقر إلى شروط البقاء) والآلهية (العرفان بالفضل والشكر لصاحبه).

ولما كانت هذه الحقيقة حقيقة فإن الخروج عنها مستحيل ومن ثم فالإلحاد المطلق مستحيل. ذلك أن السخط على الأقدار دليل من نفس جنس الشكر لربها لأن عدم الرضا (وتلك هي وظيفة التعبير الفني عادة من حيث هو الوجه المعد للدين) فيه شيء من الاستدلال السلبي على الله: لكأن الساخط يلوم ربه على عدم الاستجابه لما ينتظره منه. فضمير الكفران هو النقمة على المربوبية المظنونة مجحفة ومن ثم فالكفرآن بالآلهية احتجاج الفكر القاصر. ولو كان صاحب الاحتجاج ملحدا حقا لكان قابلا للموجود ولا داعي للاحتجاج على أحد: فلا معنى للاحتجاج على ما ليس بعاقل وليس برب مسؤول عما يجري في حالة افتراض العالم خاضعا للضرورة العمياء. لذلك فوجود الإنسان عين دليل ذاته وعين دليل وجود الله سواء كان راضيا أو ساخطا على وضعه الوجودي: وهو معنى "أفكر فأنا أوجد" الديكارتية المشهورة والتي قيلت بما لايحصى من الأشكال قبله: واهم صيغها من عرف نفسه عرف ربه.

جواب السؤال الثاني: وهذه هي المغالطة الكلامية الكبرى. إذا سلمت للمتكلمين أن استدلالهم من جنس استدلال القرآن الكريم فإنك تكون قد وقعت ضحية مغالطة ليس مثلها مغالطة-وهي المغالطة التي وقع فيها جل المتكلمين في بداياتهم وندموا عليها في نهاياتهم لما نضج فكرهم فاعتبروا علم الكلام مضيعة للوقت بل ودليل على زيغ القلوب وابتغاء الفتنة كما حددت ذلك الآية السابعة من آل عمران: فلا كلام من دون تأويل وكل تأويل للمتشابه إدعاء للعلم المطلق الممتنع عقلا فضلا عن النهي عن ادعائه نقلا. فمفاد هذه المغالطة أن أدلة القرآن من جنس أدلة علم كلام على الأقل في الجليل منه. ولا يخلو الأمر من خليتين:

فهبك أولا سلمت لهم بهذه المغالطة: ألا يكون من المفروض أن نطالبهم بالاكتفاء بعلم كلام يسنبونه إلى الله ؟ هل منهم من يمكن أن يفسر لنا كيف يجمع بين القول إن القرآن يستدل بالعقل على وجود الله ثم يطلب أدلة عقلية أخرى غير التي في القرآن؟ أيكون هو أعلم بالمنطق وباللسان العربي وبالنفس البشرية حتى يقدم أدلة أكثر إقناعا من أدلة القرآن؟

لكن طبعا أنت لن تسلم بأن أدلة القرآن كلامية رغم كونها أسمى الأدلة العقلية ولكن بمعنى غير كلامي. وهذا هو جوابي في الحوار الذي تفضلت بمتابعته. كلا فأنا لم أنف أن يكون وجود الله قابلا للإثبات بأدلة عقلية بل نفيت أن يكون قابلا للإثبات بأدلة من جنس الأدلة الكلامية: يكفي أن تعيد قراءة النص الأخير بعنوان تقية الباطنية وهو موجود في موقع الفلسفة وفي موقع الملتقى. وصف العقلية بالكلامية ينفي عنها أن تكون من جنس الأدلة العقلية القرآنية بل وحتى الفلسفية كما لست أشك في أنك فهمت.

جواب السؤال الثالث: الجواب موجود في الجوابين السابقين. لم أنف الدليل العقلي إذ لو فعلت لما رددت على المتكلمين به بل نفيت الدليل الكلامي الذي هو غير عقلي بل تعاقلي: وشتان بين الأمرين. ويمكنك أن تتأكد من ذلك بقراءة نفس النص المشار إليه أعلاه وكذلك بالتعمق في فكر شيخ الإسلام ابن تيمية وعلامته ابن خلدون كما بينت ذلك في إصلاح العقل.                                   وكل عام وأنت بخير والسلام.

 

**********************************************