



كتب دروس في فلسفة الدين دراسات تساؤلات القراء حوارات مطبوعات كتابات ذات صلة
(بديلا من علم الكلام)
ثالثة الأثافي
في أسلوب الدجالين التعليمي
أبو يعرب المرزوقي
تونس في 2008.08.22
لن نطيل الكلام في تخريف شيخ الأصلين بعد الدرسين السابقين حول منطق ابن تيمية في مقالنا الأول (نكوص الكلام) ودليل حجة الإسلام على الأبدية في مقالنا (كلام النكوص) سنكتفي بالتعليق السريع على نقاط محددة استخرجناها من جوابين أدلى بهما في الجدل الدائر حول منزلة المنطق عند المسلمين بعد أن اقتنع الكثير من رواد الموقع بالكثير من حجج شيخ الإسلام فباتوا يطرحون الأسئلة العلمية التي يمكن أن تنقلهم من التخريف إلى البحث العلمي الجدي. ولتيسير التحليل وحتى لا ندخل في جزئيات كثيرة اكتفينا بالعناوين الأساسية لأن بيان ما يعتور الجوابين من شوائب ليس له حد ولو شاء المرء لألف فيها كتبا تظهر سخف ما يقول به فيهما شيوخ الموقع في تعليهم القروسطي. وسيكون تعليقنا على نقاط الجواب الأول أوسع من التعليق على نقاط الجواب الثاني تجنبا للإطالة واكتفاء بما تبين في الأولى من عورات.
جواب الشيخ سعيدة فودة على السؤال الأول 2008.08.13
"الأخ وليد ادعيت دعويين اثنتين:
المسألة الأولى: قال علامة الموقع: "الأولى: أن ما أضافه المسلمون إلى المنطق لا يعدو أن يكون خادما له-أي لما حرره أرسطو-وممهدة للدخول في مباحثه، يعني لم يكن ما أضافوه متعلقا مطلقا بجوهر المنطق ولا بمسائله الحقيقية".
هل يمكن لمن يدعي في علم المنطق فلسفة أن يفهم سؤال السائل هذا الفهم ثم يحق له أن يتكلم في المنطق بل ويدعي تدريسه بل ويتقحم مناطحة شيخ الإسلام فيه ؟ فقصد السائل أن المسلمين والعرب -إذا ما استثنينا النقد التيمي- لم يخرجوا من دائرة التصور الأرسطي للمنطق بمعنى أن إضافاتهم مهما نسبنا إليها من أهمية لم تتخلص من نفس البرادايم المنطقي الذي وضعه أرسطو بل هي لم تفهم حتى مقوماته لتتمكن من فهم نقد ابن تيميه المشروط في الخروج عنه وتأسيس منطق بديل لا يلغيه بل يسمو به إلى ما يجعله يكون منهجا علميا حقيقيا.
وهذا العجز عن تجاوز البرادايم الأرسطي ليس مقصورا على المسلمين فكل العالم شرقيه وغربيه ظل فكره المنطقي ضمن البرادايم الأرسطي إلى بدايات القرن التاسع عشر لما شرع علماء المنطق في البناء الرياضي للمنطق والبناء المنطقي للرياضيات ووضع نظريات السيميوتيكا بوصفها جامعة بين الأمرين ومتجاوزة للمنحى الميتافيزيقي القديم لهذا البرادايم. فحتى كنط صاحب التجاوز النقدي ادعى أن المنطق اكتمل منذ أرسطو وأن تجاوزه غير ممكن.
لا أحد ينكر أن العرب والمسلمين-غير ابن تيمية-ثقفوا الخطاب المنطقي وهذبوه وربما أضافوا إليه نحوًّا واضحا إلى الصورانية. لكنهم بقوا ضمن نفس الإطار النظري السابق. وذلك في كل العلوم التي ورثوها عن اليونان مثلهم مثل غيرهم من الأمم بما في ذلك أوروبا إلى حدود العصر الكلاسيكي دون أن ننفي أن إضافاتهم أعدت إلى شروط تجاوز البرادايم اليوناني دون أن تحقق هذا التجاوز كما هو بين في أهم إضافات علمائنا أعني في العلم الرياضي الذي بلغوا به ما يقارب بذرات الثورة التي حصلت في العصر الكلاسيكي مع بقائهم في نفس البرادايم.
المسألة الثانية: قال فهامة الموقع:" الثانية: أن المسلمين لم يحرروا منطقا خاصا بهم، فأنت تفترض أن على المسلمين أن يحرروا منطقا خاصا بهم مختلفا عن منطق أرسطو ومقابلا له!"
لا يفهم المرء كيف يطالب الشيخ السائل بهذا وهو الذي زعم في الرد على المرزوقي أن المسلمين قد حرروا منطقا خاصا ومستقلا تماما عن المنطق الأرسطي بل ومقابلا له. والسائل لا يحتاج لافتراض هذا الأمر الذي يحاول الراد أن يلزمه به لأن ذلك هو فعلا ما كان المتكلمون يسعون إليه وبعضه لم يحصل فعلا إلا عند ابن تيمية ثم إن المنطق الحديث برهن على صحة توجههم: اعتبار المنطق الأرسطي حالة خاصة من المنطق وليس المنطق بصورة عامة والسعي إلى طلب علم للمنطق يكون أعم وأكثر فاعلية في تحقيق المعرفة العلمية ولا يقتصر على المساعدة في التحقق من الصحة الصورية للأقيسة.
المسألة الثالثة: قال فهامة الموقع: "ولم تذكر الموجب لذلك ولا بينت الضرورة الباعثة على ما تفترضه لو صحَّ ما ذكرتَ"
لو كان الشيخ للحق طالبا لوجد الجواب عن هذا الإلزام عند ابن تيمية. ولعله وجده ولم يفهمه فعذره أنه فضلا عن عدم القدرة على فهم هذه الدقائق أفقده الغل والحقد-الذي لا يمكن أن يفهم إلا عند المنتسب إلى الباطنية-كل قدرة على تبين ما يمكن أن تتضمنه نصوص ابن تيمية. فقد بين ابن تيميه الموجب الذي يطلبه الشيخ وبين أنه موجب مضاعف:
أولا لضرورة التطور العلمي لأن المنطق ككل العلوم معرفة إنسانية متطورة ولا يمكن أن تقف عند الحد الذي وصلت إليه في المتن الأرسطي والشروح عليه من القرن الرابع قبل الميلاد إلى عصر الرازي.
وثانيا لأن المنطق رغم كونه علم أعلى المجردات لا يخلو من التعبير بمسلماته التأسيسية عن خيارات وجودية ليست بالضرورة مشتركة بين جميع الأمم بل وبين جميع الحقب حتى في نفس الأمة.
وقد بين ابن تيمية علل رفضه للخيارات الوجودية التي بني عليها المنطق الأرسطي كما أثبتنا ذلك في غير موضع فليقدم الشيخ على التعلم ما دام يباهي بصغر سنه الذي جعله نصف سني فجعلني في التسعين ! وأشكره على الثلاثين سنة التي أضافها ببركة تخريفه إلى عمري فلعلها تكفي لقطع دابر الدجالين.
المسألة الرابعة: قال نجم الموقع:" وهل الضرورة توجب على المسلمين أن يخالفوا أرسطو في كل ما قرره أو بعضه، وعلى كل حال، يلزمك إظهار البيان، ثم البرهان، ولم نرَ لك شيئا من ذلك".
لا يحتاج السائل إلى ذلك لو أن الراد عليه يفهم ما المطلوب منه فيرد عليه بدل الرد على السؤال بالسؤال. نسي الشيخ أنه ادعى ذلك في ردوده على أبي يعرب. فالضرورة توجب على المسلمين أن يخالفوا أرسطو في جل ما قرره لا في كله التام ولا في بعضه القليل. وذلك هو جوهر ما ننسبه إلى ابن تيمية من ثورة وما ينسبه ابن خلدون من سعي عند كل المتكلمين حتى وإن فشل سعيهم بعد نكوص الغزالي الذي أضفى على استعمال المنطق شرعية جعلته مقدمة لكل العلوم دون النقد الواجب. إنهم مضطرون لذلك لعلتين أساسيتن أصلهما الواحد هو أن المنطق لا يكون منهج معرفة إلا إذا طبق على مادة معينة. والمشكل ليس إذن في صورته بل في شروط تطبيقه على المادة التي يجعلها بصورة مضطرة خاضعة للخيارات الميتافيزيقية التي يتأسس عليها. وهذه الشروط من جنسين يمثلان مادة التحليلات الأواخر إذا صادف أن فتحتها وهما مصدر العلتين:
العلة الأولى هي الوهم الذي يجعل الفكر يتصور مبادئ العقل التي يحتاج إليها بناء القياس مطابقة لمبادئ الوجود الذي تؤخذ منها المواد فيكون التعليل المنطقي مطابقا للتعليل الوجودي أي توهم التوازي بين سلسلة القضايا في الاستدلال وسلسلة الحقائق الوجودية التي تعبر عنها القضايا.
العلة الثانية هي الوهم الذي يجعل الفكر يتصور الخصائص التي اختيرت لتكون عناصر الحد المعرف للحقائق أو للماهيات محيطة بحقيقة الأمر في نفسه الأمر الذي تحده تلك الحدود في قولنا فيكون الصوغ التعريفي للماهيات مطابقا للتقوم الوجودي للأشياء التي نتصور الماهيات صورها الجوهرية الحقيقية.
وإذا جمعنا المبدأين ينتج عنه أن المنطق يقتضي أمرين لا يمكن أن يستقيم معهما العلم فضلا عن الدين. فالعلم يصبح مستحيلا بمجرد تصور ما في القول مستوفيا لما في المقول لأن ذلك يعني أن الحقيقة تصبح ملكا لنا مباشرة بمجرد أن نتصورها فلا نحتاج إلى مزيد بحث نتجاوز به تعريفاتنا أو تصوراتنا لأن التصورات الماهوية في هذا المنطق هي عين حقائق الأشياء الثابتة. فإذا صارت تعريفاتنا أمرا يحتاج إلى المراجعة الدائمة-وذلك هو شرط العلم-بات القول بأن الحدود والقياس كلاهما كاف لقول الوجود دعوة باطلة بإطلاق فنحتاج إلى مراجعة المنطق حتى يتحرر من هذا التصور للمطابقة بين الحد وماهية المحدود وبين الضرورة المنطقية والضرورة الوجودية. أما الدين فهو من باب أولى يصبح مستحيلا لأن العلم إذا صار محيطا فمعنى ذلك أنه لا معنى للكلام على الغيب ومن ثم فلا حاجة إلى الوحي والرسالة تصبح كما يراها الفلاسفة مجرد مثالات من العلم العقلي الفلسفي وكما ينتهي إليه ضمنا قول المتكلمين برد المنقول إلى المعقول عند التعارض بمقتضى قانون الغزالي-الرازي في التأويل. تلك هي العلل التي تغيب عن بال فهامي الكلام البدائي في موقع الأصلين الذي يمكن أن يسمعه أميو هذا الجيل الذين لا يميزون بين العلم والتدجيل.
المسألة الأخيرة: قال فهامة الموقع:" ألا ترى أن كلا منهما مجرد دعوى عارية عن الدليل والبرهان...فهلا برهنت أو أقمت الدليل على ما تقول؟"
كلتا الدعويين حقيقة لا ريب فيها لأن ما تدعيانه حصل فعلا عندنا سابقا (ما فعله ابن تيمية) وعند غيرنا من الأمم الحديثة (كل الثورات المنطقية والرياضية اقتضت القيام بما سعى إليه ابن تيمية وخاصة إلى التمييز بين علم المقدرات الذهنية الذي هو العلم الوحيد المطلق الدقة لكونه فرضيا استنتاجيا والعلم التجريبي الذي هو إحصائي لكونه لا يكون إلا استقرائيا دائما). إنهما حقيقتان غنيتان عن الدليل فضلا عن كون الدليل هنا لا فائدة منه:
فالجاهل لن يفهمه إذ لو كان يفهمه لما طلبه لبينونته بنفسه.
والعالم لا يحتاج إليه لأنه بين بنفسه ولا حاجة لطلبه.
ولا عجب في عدم فهم الشيخ لأن المعاندة المبنية على بدايات المعرفة هي من جنس التعجب الغفل بمصطلح أرسطو وليست من جنس الدهشة الفلسفية الدالة على النفاذ الذهني. فهو يرفض أن يطلع على ما حصل في المنطق الحديث تسليما جدليا بأنه مطلع على المنطق القديم. فأما عدم اطلاعه على المنطق القديم فيكفي لإثباته أنه لم يدرك أهمية النقد التيمي لأسس المنطق الأرسطي الميتافيزيقية المنطق الذي كما بينا لم يتجاوزه أحد من المسلمين تجاوزا جوهريا يغير البرادايم إلا شيخ الإسلام. فهم دون شك قد حاولوا التخلص من هذه الأسس الميتافيزيقية كما بينا في تحليل المسألة العلمية من منطق عرض ابن خلدون لها دون جدوى. لكنهم عادوا بعد المرور من طريقة المتقدمين إلى طريقة المحدثين إلى قبول ما رفضوا من أجله المنطق ومن ثم فهم قد جعلوا الميتافيزيقا الأرسطية أساس كل العلوم الإسلامية وخاصة علمي الأصلين أي أصول الشريعة وأصول العقيدة.
وهذه العودة هي في الحقيقة أساس ثمرة الانحراف الذي طرأ على فكر الأشعرية ثمرته المرة وهو انحراف بدأ مع إمام الحرمين بقبول نظرية الحال البهشمية واكتمل مع الغزالي بتبني المنطق الأرسطي بميتافيزيقاه (رغم بعض آثار طريقة القدامى في الاقتصاد في الاعتقاد) من حيث الشكل المعرفي وبتبني الفهم الصوفي من حيث المضمون المعرفي. وهما تبينيان متلازمان لأن مجرد اعتبار الحدود مطابقة لحقائق الأشياء يتحول بالتدريج إلى وهم النفاذ إلى الحقائق في المعرفة الإنسانية تحولا قابلا للإطلاق فيكون أساس كل ما يزعم من ثمرات الحدس العرفاني الصوفي بمقارنات سطحية للفلك البطليموسي وعلم النفس الأرسطي مع تأويلات أكثر سطحية لبعض آي القرآن الكريم. فليست المعاني الصوفية المتعامقة إلا هذه السطحيات السخيفة الناتجة عن البحث عن التناظر بين العالمين الكبير والصغير أي بين صورة العالم البطلمية وصورة النفس الأرسطية مع خرافات الفلسفة الهلنستية المنحطة وما انضم إليها من خرافات شرقية قديمة ومن كلام يهودي مسيحي ومجوسي.
الجواب الثاني: جواب الشويخ سعيد فودة علامة الموقع: في 14 أغسطس 2008
المسألة الأولى مكرر: -قال الشيخ الفهامة:" لم يقل أحد من المعتبرين أن العلماء جردوا المنطق عن نتائجه...."
كلا قد قال ذلك ابن خلدون بل وقاله ناسبا إياه إلى المتكلمين عامة. فهل ابن خلدون ليس من المعتبرين وهل المتكلمون القدامى كلهم ليسوا من المعتبرين عند الشيخ ؟
المسألة الثانية مكرر:-قال الشيخ الفهامة: "فلو كانت نتائج له لذاته لما جردوها عنه..."
أعجب من إنسان يزعم المعرفة بالمنطق ينفي أن يكون للمنطق نتائج لذاته. فالمنطق له نتائج لذاته من حيث البداية ومن حيث الغاية. فمن حيث البداية تأسيسه فيه خيارات وجودية ومعرفية تنتج نتائج فيها خلاف ولذلك فهو متعدد الأصناف والمراحل. ومن حيث الغاية ثمراته لها نتائج وجودية ومعرفية فيها خلاف كما بينا في التعليق على الجواب الأول. ولعل أخطر نتائج هذا المنطق المعين المتنازع فيه وليس المنطق عامة هي تبعات ما انبنى عليه من مسلمات وما ينجر عنها من تبعات على خيارات الأمم الوجودية والقيمية وخاصة عند تطبيقه فضلا عما له من نتائج لذاته أهمها وهم الاستغناء بالصورة عن تحصيل المادة.
المسألة الثالثة مكرر:-قال الشيخ الفهامة: " ولما أمكنهم ذلك..."
كلا فقد أمكن لهم ذلك. ولا يمكن أن يقول مثل هذا الكلام قائل ثم يدعي الرد على ابن تيمية في المنطق أو يزعم أنه اطلع على تحولات علم المنطق عندنا وعند غيرنا من الأمم وخاصة عند الأوروبيين المحدثين من بداية القرن التاسع عشر إلى ثورة اللسانيات ونظريات الرمز والثورة الرياضية والمنطقية في بداية القرن العشرين.
المسألة الرابعة مكرر:-قال الشيخ الفهامة: "ولو كانت نتائج المنطق مخالفة للشريعة لما كان المنطق في نفسه شرعيا!"
رغم أني أفهم أن الشيخ يقصد أن استعمال المنطق ليس حراما ومن ثم فهو على الأقل من المباح الشرعي أو بلغة ابن رشد في فصل المقال من المندوب إليه الذي يقرب من الفرض لتبعية الأداة للغاية فإن هذا الكلام يبقى من عجائب الدهر. كيف حكم الشيخ بأن المنطق الأرسطي شرعي؟ هل مجرد الأمر الواقع يضفي الشرعية على الأشياء ؟ إذا كان جل علماء الأمة قبل العزالي يكادون يحرمون استعماله وإذا كان مستعملوه ساعين إلى التحرز من الكثير من تبعاته فكيف يصبح هكذا بكل بساطة شرعيا بمعنى ضمني هو كونه مأمورا به شرعا ؟
المسألة الأخيرة مكرر: -قال متعالم الموقع:" بل إنهم جردوا المنطق عن الفلسفة الخاصة التي مثلوا عليه بها، وجردوه عن أفكار اليونان الفلسفية لا عن نتائج المنطق....فقد كان الفلاسفة المتقدمون خلطوا المنطق بالفلسفة فلما جاء المسلمون جردوه عنها"
لعل أوضح العلامات على الجهل بطبيعة المنطق عامة والمنطق القديم خاصة هذا الكلام أعني تصور صلة الفلسفة بالمنطق مقتصرة على الأمثلة الفلسفية التي ضربت فيه لتوضيح مفهوماته ونظرياته ! هذا الكلام قاله الشيخ وأيده بلال النجار الذي كنت أتصوره أكثر فهما للمنطق من شيخه (نضع ملاحظة استطرادية في غاية البحث نوجهها للشيخ بلال). فمن لم يفهم أن المنطق هو اللب من كل فلسفة-يا أستاذ بلال- اعتبره ممن لا يعي ما يقول وينبغي له أن يعود إلى تعلم المبادئ الأساسية من رأس. فالفلسفة هي قبل كل شيء وبعد كل شيء المنهج المعرفي وأساس كل منهج معرفي هو النظرية المنطقية المتلازمة مع النظرية الرمزية أي كيف تنتظم التصورات في الأذهان وكيف تنتظم عبارتها في الرموز بصورة تجعلها قادرة على الاقتراب من مطابقة الحقيقة الفعلية في الأعيان كما حددت تصوراتها الأساسية الفلسفة التي تستند إليها تلكما النظريتان لأن الأعيان في ذاتها لا يعلمها إلا رب الوجود.
من لم يفهم هذا يحق له أن يتصور المنطق محارة خاوية يمكن أن نضع فيه أي مضمون فيتصور المنطق قابلا للتجريد من الفلسفة التي تؤسسه في حين أنه ليس إلا إياها في صورتها المنهجية والرمزية وما فيها مما هو غيره ليس إلا إياه في صورته التطبيقية لأنها لا تكاد تحتوي إلا عليه من حيث هو علم خالص. ولعله يحق لي أن أعتبر تعليق السيد عبد الله عبد الله سؤالا يعبر عن دهاء ساخر فيكون تأويلي مفهوما فقد قال: " هذه المسأله أريد أن تشرحها لي مدركا كما يقول الجميع أنك مشغول جدا و أزيد طمعا بما أعطاك الله و أتمنى أن لا تبخل علينا أن تشرح لي المزيد عن الموضوع كيف خلطوا الفلسفه بالمنطق مع ذكر مثال على هذا و بارك الله فيكم و نفعنا من علمكم شيخنا سعيد".
غاية التخريف
ولنبين الغاية التي وصل إليها تخريف شيخ الجماعة ومعاونيه تخريفهم كله بهذا التلوع السخيف الذي يكثر فيه الشيخ من نقاط التعجب والاستفهام ونقاط الحذف. فقد نشر في موقع الأصلين بتاريخ 2008.08.21 كلاما لا يقوله من له ذرة من المعرفة الحقيقية بعلم الكلام والفلسفة والمنطق. يقول الشويخ ردا مستعجلا حسب وصفه هو نفسه لتعليقه-ما أكثر استعجال الجماعة!-على علي جابر الذي لا أعرف عنه شيئا لكني فهمت من بعض مداخلاته أنه أذكى من سعيد فودة ومن كل مساعديه وخاصة من نظَّامهم المتشاعر بأبلد تفاخر صار فيه البحر الزاخر ثمدا غائرا دون شك وأكثر فهما لما يتكلم عليه ألف مرة. وما جاء في هذه المداخلة العجيبة يؤكد ذلك خاصة. فهو بتهكم ثقيل يتهجم على شيخ الإسلام الذي لا يرضاه تلميذا عند تلاميذه في الابتدائية.
قال مندهشا اندهاش الغفلة لا اندهاش التعجب العلمي بدليل ما يصحبها من تحليل نفسي سطحي يقابل بين صنفي الاستغراب والدهشة بالأحاسيس لا بالمعاني: "مداخلة عجِلة مبعثها الاستغراب والدهشة...المستتبعان للألم والتحسر...لا الفرح والانبساط...قال علي جابر، ويا ليته ما قال!!
اقتباس
"بل الله قادر على مخلوق لا يسبقه عدم كما قدر على مخلوق لا يتلوه عدم (الجنة والنار) ولكنك لم تفهم فخلته تناقضاً طلعت لم تفهم شيء مما قلته حتى الآن!!"
يقول بأن الله قادر على مخلوق لا يسبقه عدم، ومن الطبيعي أنه لم ينتبه إلى التناقض في قوله: "مخلوق+لم يسبقه عدمٌ"....فكيف يصح أن يكون مخلوقا، ومع ذلك لم يسبقه عدم...؟؟!!
لعمري إنه قد تفوق على ابن تيمية في الذكاء والعبقرية...وأنا متأكد أنه قادر على إيهام نفسه بأن على كلا دليلاً كما أوهم صاحبه نفسَه بأن ابن تيمية ينفي التركيب عن الله تعالى بأن أتى ببعض نقول لا محل لها ولا فائدة...ولكنها أقنعته وشفت غليله من خصومه الذين يكذبون على ابن تيمية...!! ويستنتج علي جابر ذلك -بحذقه ومهارته في التعقل والتفكير بالقياس على مخلوق لا يلحقه عدم، فما دام قد جاز مخلوق (سبقه عدم ولم يلحقه عدم (إذن فيجوز (مخلوق لا يسبقه عدم)، فعلا إن هذا قياس عبقري لوذعيٍّ أريبٍ...!! فلا فرقَ عند هذا اللوذعيِّ بين عدم سبق العدم وعدم لحوق العدم....فإن جاز الثاني فليجز الأول....!! ما شاء الله!! يريد أن يجاري بفصاحته وذكائه قول ابن تيمية بتجويز تسلسل في القدم بناء على تجويز تسلسل في المستقبل...طبعا هذا قمة الذكاء والعبقرية...!! ومع ذلك كله.... فإنه يحسب أن من يناقشه لم يصل إلى مرتبة تؤهله لأن يفهم كلامه، العميق المليء بالدرر والجواهر...لا حول ولا قوة إلا بالله...!! فعلا يجب إلجام العوام عن علم الكلام..."
إن الأمر الوحيد الصحيح في هذا الكلام رغم ما يحاول صاحبه أن يزينه به من استدلال يظنه مفحما وهو عين العي المنطقي والفهم البدائي لمبدأ عدم التناقض هو خاتمته أعني" فعلا يجب إلجام العوام على علم الكلام" لأنها تصح على قائلها صحة مطلقة. وإليكم الدليل على أن هذا الرجل أمي في المنطق والفلسفة. ولنبدأ فنترك جانبا الكلام على دليل عدم التركيب التيمي عند الكلام على التنوع الكياني في أي موجود سواء كان خالقا أو مخلوقا (كما في المقابلة بين الصفة والموصوف أو بين الصفات المختلفة لنفس الذات) لأنها ستكون المثال الذي نضربه عن سخف المتكلمين المنبعثين من قبور الفتن التي شبعت موتا. فهذا مما لا يمكن أن يفهمه من هو بالذكاء الأدنى لهذا الشويخ. فالشيخ ينسى في هذا التعليق المستعجل أمرا أعسر على الفهم مما يريد دحضه لظنه أن صاحبه بناه على قياس المسبوق بالعدم على الملحوق به لا غير. ما ينساه الشيخ هو كيف أمكن لعقله العبقري أن يقبل خلق شيء من عدم دون سائر العقول في التاريخ الإنساني كله ولم يعجب له ثم يعجب من مخلوق غير مسبوق بالزمن ؟
كيف يكون الله قادرا على أن يخلق شيئا من لا شيء ولا يكون أيسر عليه أن يجعله قديما ومخلوقا في نفس الوقت؟ ففعل الله من حيث هو خالق ليس محدثا بل هو قديم فكيف يتصوره الشيخ قد كان معطلا ثم صار خالقا لئلا تنطبق على صفة فعله صفة الزمانية؟
هل نتجنب هذا الحل لأجل عيون الخوف من المشاركة في القدم دون أن ندرك أن ذلك من أسخف المهارب. فالمهروب منه أيسر قبولا من المهروب إليه. فأن نقبل الوجوب بالغير أيسر على العقل ألف مرة من أن نقبل الحدوث من العدم فضلا عن كون الوجوب بالغير أكثر دلالة على القدرة المعجزة لأنه الأثر المطلق الدال على إضفاء البقاء اللامتناهي على ما ليس له من ذاته هذه الصفة. ولذلك فتصور مخلوق قديم أيسر على العقل من تصور مخلوق محدث من لا شيء. وهذا أمر طبعا يستعصي فهمه على من يجب إلجامهم عن علم الكلام. فإذا أضفنا أن كل الفلاسفة المسلمين-ومثلهم غيرهم من فلاسفة العالم القديم والحديث قبل أن تتخلى الفلسفة عن هذه الخرافات الكلامية-يقولون بهذا القول ويرون هذا الرأي-وهو معنى الوجوب بالغير عندهم -صح أن من قال به ليسوا ممن يصح عليهم إلجام العوام بل القائلون بضد ذلك: هل يعقل أن يصبح سعيد فودة أعلم بالفلسفة والمنطق من ابن سينا وابن رشد ؟
أما القيس على ما يسبقه العدم وما يلحقه العدم فهو ليس كما يظن الشيخ فكرة ساذجة بل هي فكرة شديدة العمق رغم ما يبدو له من تنافيها مع عدم التناقض كما يفهمه السذج من مناطقة عقاب الزمان: إنها فكرة بارعة حقا. فالقدرة المطلقة التي تجعل المحدث يتصف بالأبدية ليست عاجزة عن جعله يتصف بالأزلية دون أن يكون المحدث مع ذلك مساويا لله في القدم لأنه واجب بغيره في الحالتين وليس بذاته. ولو كنت مكان هذا الشيخ المتذاكي لتركت هذه المهنة وذهبت لأعمل شيئا آخر أو لخصصت عشر سنوات أخرى من حياتي لتعلم المنطق والكلام والفلسفة قبل التأوه والتلوغ على ما لا أفهم. أما الظن بأن "كون الشيء مخلوقا" يتنافى مع كونه "غير مسبوق بالعدم" فلست أدري من أين أتى بها هذا الرجل خاصة والقول بالحدوث المطلق أعني المسبوق بالعدم يقتضي أمرين ممتنعين في حق الله وصفاته:
الأول أن يكون خالقا بالقوة قبل أن يخلق العالم ومن ثم ففعله ينقصه تحقيق مفعوله فضلا عما يطرأ عليه من تغير عند النقلة من عدم الخلق إلى الخلق.
الثاني أن يكون علمه بثمرة فعله قد تغير لأن العلم بالعالم ولما يخلق بعد غير العلم به وقد خلق. فيكون التغير غير مقصور على الصفات الفعلية بل وكذلك على الصفات الذاتية.
فإذا أضفنا إلى ذلك أن القدم نوعان تبين أن الحل التيمي هو أفضل الحلول. فالقدم المطلق الذي ينسب إلى الله هو مما لا يقاس بالزمان لأنه فوقه ويمكن أن نطلق عليه اسم الدهر الذي اعتبره النبي صلى الله عليه وسلم من أسماء الله. والقدم النسبي هو الزمان الذي هو ما لا بداية له ولا غاية وهو قابل لأن ينسب إلى العالم كنظام كلي وليس لما فيه من موجودات مخلوقة يقاس بالزمان ومن ثم فهو القدم المخلوق. ويشبه هذان النوعان من القدم نوعي اللامتناهي الرياضي (أليس الشيخ يدعي الاختصاص في أحد فروع التقنيات الحديثة؟ هل يمكن تصورها مؤسسة على الخرافات الكلامية أم على مبادئ الرياضيات الحديثة؟):
فأحدهما هو اللامتناهي القابل للعد والثاني هو اللامتناهي غير القابل للعد. والأول مقيس بسلسلة الأعداد رغم كونه لامتناهيا ويمكن أن نعتبره مميزا للوجود العالمي.
والثاني لا يقبل القيس بأي نوع من أنواع الأعداد ويمكن أن نعتبره مميزا للوجود الإلهي. وذلك هو الفرق الجوهري بين قدم الدهر وقدم الزمان.
لذلك فعندما نعتبر العالم المخلوق قديما بهذا المعنى فنحن لا نجعله مشاركا لله في صفة القدم لأن قدم الله ليس زمانيا بل هو دهري. فتكون العلاقة بين المعنيين مجرد اشتراك في الاسم وليست علاقة تواطؤ. وهذا المعنى للعلاقة بين القدمين يترجم معنى العلاقة بين الوجوب بالذات المستغني عما عداه والوجوب بالغير الفقير إلى ما يقيمه من خارجه عند الكلام عليها بمنظور البقاء: فالباقي بغيره لا يمكن أن يقاس بقاؤه بالباقي بذاته.
مسألة التركيب في الذات الإلهية
ولنضرب مثالا أشار إليه شيخ هذه الفرقة المتكالمة مثالا من الكلام السخيف الذي جاء على لسان أحد المصفقين للشيخ مبينا فيه طبيعة حجاجه الذي يلزم فيه ابن تيميه ما يعتبره عللا كافية لتكفيره لقوله بالتركيب في الذات الإلهية عملا بحكمة شيخه العلامة في المنطق. يقول طالب العلم مصطفى علي العبقرية الذي لا يدري أنه بذلك يفضح ما تخفيه النحلة من عقيدتها الباطنية أعني نظرية الله الباطنية في رده على من يصفونهم بالحشوية والمشبهة: "سبحان الله سأحاول أن أبسط لك كلام الأستاذ سعيد حتى تفهم المقصود. حصر ابن تيمية معاني التركيب في الآتي: 1-أن يكون قد ركبه أحد 2-أن يكون متفرقا فاجتمع 3 أن يقبل التفريق. ومنع التركيب بالمعاني السابقة فقط. وهناك احتمال آخر لم يضعه مع الحصر السابق و هو أنه التركيب شيء من كنه ذاته أي أنه مركب منذ الأزل -تعالى الله عن ذلك- لم ينفه شيخ إسلامك وهو ما يعقد عليه ابن تيمية مذهبه وانظر بعين المنصف إلى جميع النصوص التي أوردتها فهو لا ينفي هذا الصنف من التركيب في أي منه. وقلي بالله عليك لماذا يقوم ابن تيمية بنفي التركيب دائما بقيد؟ لماذا لا ينفيه مطلقا؟ (...) يا رجل بالله عليك ألهذه الدرجة ترون العصمة في هذا الرجل".
ماذا في هذا الكلام من أدلة السخف في عقل المصفق والمصفق له ؟ فأولا هو لم يفهم أن ما ينسبه إلى شيخ الإسلام كاف وزيادة لتنزيه الرب. وهو طبعا لا يدري أن المعنى الرابع من التركيب المزعوم والذي يتكلم عليه هذا الأمي يمتنع أن يسمى تركيبا لأنه لا يمكن أن يتصوره تركيبا إلا القائلون بالباطنية لينفوه بعد ذلك عن الله آيلين بذلك إلى التعطيل المطلق. فلو سمي التنوع الوجودي في كيان الذوات تركيبا ثم طبق على ذات الله لانتهى الأمر إلى أحد خيارين نفي أحدهما أعني نفي خيار ابن تيمية يؤدي إلى الخيار الثاني أي إلى القول بالواحد الباطني. فحاصل الظن بأن التنوع الكياني تركيب ينبغي أن يؤدي إلى نفي الوجود عن الله فضلا عن الحياة والقدرة والعلم والإرادة. ذلك أنه إذا كان تمييز الصفات عن الذات ثم تمييز كل واحدة منها عن الأخرى في ذات الله تركيبا فمعنى ذلك أنه ينبغي أن ننفي عنه:
1-تمايز ذاته عن صفاته النفسية فضلا عن الصفات الفعلية ما كان منها عقليا أو سميعا بمصطلح المتكلمين إذا كانوا حقا يعتبرون الصفات حقائق وليست مجرد أسماء.
2-أن ننفي عن الصفات التمايز فيما بينها فيكون الوجود والحياة والقدرة والعلم والإرادة والسمع والكلام كلها شيئا واحدا فتكون أي واحدة منها مغنية عن البقية.
فنعود حتما إلى المعنى الباطني للواحد الأفلوطيني وراء هذه الصفات التي تصبح عين الأقانيم أعني ما صار أساس كل البدع المسيحية والباطنية في تصور ذات المبادئ السامية لتكون النموذج الذي تبنى "الدولة-الكنيسة" على منوالها. لكن عدم اعتبار ذلك تركيبا بل تنوعا في الذات نفسها لكي تكون موجودة وحية وقادرة وعالمة ومريدة ومن ثم يكون لها السلطان وحدها فلا يقتصر على جعله مجرد نموذج تفسير للكون ومثال تبريري للاستبداد في المدينة التي صارت كنيسة دولة. معاني التركيب الوحيدة هي التي ذكرها ابن تيمية والحالة الرابعة ليست تركيبا بل تنوع الكيان.
وهذا التصور لتنوع الذوات يصح حتى على المخلوقات السوية وهي تصبح غير سوية بمجرد فقدانها هذه الوحدة المتنوعة فضلا عنه عند الخالق الذي له الصمدية والذي لا يتصور له تغير أو تبدل أو انفصال إحدى الصفات عن الصفات الأخرى أو عن الذات: وذلك ليس تركيبا بل هو عين كيانية الكيان "المتعضي" بمعنى ذي الوظائف المتعددة. فإذا كان إلإنسان وهو المخلوق الضعيف ليس مركبا من وجود وحياة وقدرة وعقل وإرادة إلخ... بل هو كيان واحد له هذه الوظائف المتعددة التي هي قوام الذات الواحدة فما بالك بالله الذي هو عين الصمدية الوجودية وجوهر الحياة القيوم.
وإذا كان ابن تيمية قد اكتفى بالإحالة إلى الغزالي في صوغ المسألة والرد عليها فلأنه لم يشأ أن يذهب إلى حد إلزام المتكلمين الذين يرد عليهم بوجوب بالقول بالحل الباطني إذا اعتبروا التنوع الكياني تركيبا رغم أن الإحالة إلى رد الغزالي لها نفس المعنى لأنها تردهم إلى الحل الفلسفي الذي هو أساس الحل الباطني في تصور الذات الإلهية وتعطيلها. فقد قال محيلا على رأي الغزالي (كما أورده الشيخ علي حسين الغامدي 2008.08.17):"قال شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل : ونظير ذلك ما ذكره أبو حامد في تهافت الفلاسفة لما رد عليهم مذهبهم في نفي الصفات وبين أنه لا دليل هم على نفيها وتكلم في ذلك بكلام حسن بين فيه ما احتجوا به من الألفاظ المجملة المبهمة كلفظ التركيب فإنهم جعلوا إثبات الصفات تركيبا وقالوا متى أثبتنا معنى يزيد على مطلق الوجود كان تركيبا وأدخلوا في مسمى التركيب خمسة أنواع :
أحدها: أنه ليس له حقيقة إلا الوجود المطلق لئلا يكون مركبا من وجود وماهية.
والثاني: ليس له صفة لئلا يكون مركباً من ذات وصفات.
والثالث: ليس له وصف مختص ومشترك لئلا يكون مركباً مما به الاشتراك وما به الامتياز لتركب النوع من الجنس والفصل أو من الخاصة والعرض العام.
الرابع : أنه ليس فوق العالم لئلا يكون مركباً من الجواهر المفردة وكذلك لا يكون مركباً من المادة والصورة فلا يكون مركباً تركيباً حسياً كتركيب الجسم من الجواهر المنفردة ولا عقلياً كتركبه من المادة والصورة.وهذان نوعان بهما يصير خمسة (بحسب تصوري الجوهر السائدين عصرئذ)".
بعد هذه الملاحظة العامة حول تخريف الجماعة لن نطيل الكلام حول السخافات الأخرى التي تدور حول الذات والصفات والعرش والتجسيم والتمثيل وهلم جرا من "المعلوكات-العاهات" الفكرية التي يرد إليها علم هذا الشويخ وجماعته والتي يريدون بعثها من قبور التراث. فلكأن ما حل بالأمة من جراء هذه الممضوغات تخلفا وفرقة وتجذيرا لعقلية التكفير والتنابز ليس كافيا هاهم يدعون الشباب إلى الغوض فيها ورمي الأمة في رمالها المتحركة من جديد. عجبي من قوم ينابزون بصفات التجهيل والتفسيق ويفاخرون بصفات العلم وصحة العقد حول أمور هي بالأولى دالة على حمق الخائضين فيها أكثر من دلالتها على علمهم أو جهل خصومهم.
لكأن مجرد تصور الله مماسا للعرش أو غير مماس معيار يأخذه الله بعين الاعتبار للتمييز بين المؤمن والمشرك بحيث يؤدي القول بالمماسة إلى الخروج من الإيمان بالله فيكون الشويخ وزبانيته أحرص على سلامة العقيدة من القرآن الذي لا يستعمل إلا أسلوب التشبيه المصحوب بنفي التمثيل. فالله يقول في قرآنه إنه ينزل في كل ليلة ويعرج وهو يقول إنه أقرب إليها من حبل الوريد وأنه يسمع دعوة الداعي إذا دعاه وأنه يأتي يوم الدين ومعه الملائكة صفا صفا. وهو يقول في قرآنه إنه يستوي على العرش وإن للعرش حملة. وهو يستوي ليدبر الكون ويأمر وينهى وهو يستوي ليحكم وهو يسمع الشهود بل هو يناقشهم خلال فتح السجلات.
وأكثر من ذلك كله ففي القرآن مقارنات كثيرة يكفي أن نذكر منها مقارنة واحدة واضحة وصريحة بحيث لا يمكن لأي تأويل أن يغير منها شيئا. فالله يشبه في القرآن طيه للسموات بطي السجل للكتب: فالطي هنا لم يشبه من حيث علاقته بالمطوَى بل شبه من حيث علاقته بفعل المطوِي للطي فيكون وجه الشبه في فعل الفاعلين وليس في انفعال المفعولين= الله يطوي السموات كما يطوي السجل الكتب ! والمؤمن الصادق يعلم أن هذا التشبيه لا يعني المماثلة لأن القرآن الكريم علمه كذلك أن الله ليس كمثله شيء: ولا حاجة له بمن يؤول التشابيه القرآنية لأنها مفهومة والله منزه بشرط ليس كمثله شيء. فالتشبيه هو الطريقة الوحيدة للكلام على أفعال الله والتنزيه بنفي المماثلة هو الشرط الضروري والكافي لئلا نتقل من التشبيه إلى التمثيل.
والمعلوم أنه لا حاجة لأي مؤمن صادق حقا- أعني مؤمن لا منافق يتفاقه بشوية عبارات غير مفهومة بعد درس سريع في الفلسفة يدل على الجهل المطبق بالأمهات- لا حاجة له برب جامد لا يفعل ولا يتحرك ولا يتدخل في التاريخ بتاريخية فعلية دون أن يعني ذلك خضوعا للزمان مماثل لخضوعنا إليه لأن فعلنا مظروف في الزمان والزمان مظروف في فعل الله فنكون مظروفين في فعل الله بتوسط الزمان الذي هو عين الظرف (مصدريا لا اسميا) الإلهي للتاريخ الكوني وليس للإنسان فحسب.
إذا كان الشيخ يريد رب الباطنية أعني الواحد الجامد فله ذلك. لكن عليه أن يعترف أنه بذلك لا يكتفي بمعارضة القرآن فحسب بل هو كذلك يجهل الفلسفة التي يتصور نفسه متمكنا من أدواتها ويحاول استعمالها لتنزيه الرب مما قال هو بنفسه عن نفسه: هو إذن أحرص من القرآن العظيم والنبي الكريم على تفهيمنا العقيدة وتنزيه الله. فهذا الموقف الباطني العائد إلى الواحد الأفلوطيني العدمي دليل قاطع على أن باطنية المسلمين قديمهم وحديثهم جاهلين بالفلسفة التي لم تنحط إلى هذا الدرك لتخلد إلا بسبب صيرورتها أصل كل تأسيس لعقيدية المسيح (الكلمة) وعقيدة الإمام (عقل الله) عند أي داعي دعاة.
فلو قرأ الشيخ ما يقوله أفلاطون-في رده على السوفسطائين الذين يشبهم المتكلمون مع تدنيهم عنهم في الحذق المنطقي والفلسفي والعلمي- أفلاطون الذي لا علاقة له بالإسلام عندما أشار إلى أن العقل علما والوجود قياما لا يكفيهما رب غير موجود وغير حي وغير قادر وغير مريد. فالوجود يقتضي تعين الله حتى يكون ذا إنية. والحياة تقتضي الفاعلية فيه حتى يكون ذا قيام مستمر وذا أثر في ما عداه. والقدرة تقضي الفعل المغير للمفعول من المخلوقات. والعلم يقتضي التغير مع المعلوم ومن ثم التجدد فيه. والإرادة تقتضي الحرية والخيار ومن ثم صفات المريد. وكل هذه المعاني ينفيها التنزيه المزعوم للمخرفين من المتكلمين بمجرد أن يؤولوا ما يقوله القرآن فيها ليثبتها بالتشببه مع نفي المماثلة.
فنحن نعلم في آن أن كل التشابيه القرآنية مشروطة صراحة وليس ضمنا بأن الله لا يماثله شيء. لكن الشويخ وجوقه يريدون منا أن نترك القرآن ونسمع لتخريف متشايخي عقاب الزمان لأن الله لا يحسن التعبير عن مقاصده. علينا أن نأخذ عقائدنا من تأويلات هذا الشويخ الأمي أو ذاك الذي علمته أمه اللطف حتى صار جلفا أو ذاك الجاهل الذي لا يني يهدد كل من يفحمه بأنه سيطبق ما تخوله إياه مسؤولياته (على عقيدة الأمة سماحة البابا الذي رقمه صفر وكذلك قيمته) !
الخاتمة
خصصنا ثالثة الأثافي بعد مسألة الخطأ المنطقي التيمي المزعوم ودليل الغزالي على الأبدية خصصناها تمرينا تطبيقيا نبين فيها أهمية موجة التساؤلات التي بدأت تنهال على رؤس شويخات الموقع في المجالات التي العلم فيها متاح للجميع حتى يتمكنوا من إدراك سخف الجماعة. وقد اخترنا منها أسئلة حول المنطق عند المسلمين تعبر عن دهاء واضعيها بما تعبر عنه من سخرية لا يكادون يخفونها. وقد اكتفينا بإشكالية واحدة حول المنطق وجواب فهامة الموقع على سائلين هما علي صقر وعبد الله عبد الله. فكلاهما طرح أسئلة تعبر عن الذكاء والدهاء والسخرية التي لم يفهمها الشيخ فرد بسذاجة الأميين لفرط اقتناعه اللاوعي بلدنية علمه وعصمته. ويمكن أن يقاس على هذا الكلام السخيف الكثير من الأمثلة ككلامهم على علاقة اللغة بالفكر أو على مسائل الأوليات والمسلمات وهلم جرا فضلا عن الوعد بالكلام في كل الفلسفات الحديثة وهو طبعا قد درسها بالإيطالية التي نساها مؤيدة بالترجمات العربية الرديئة التي تباع في الأكشاك كما يشتم من كل أجوبة الجماعة في المسائل العلمية ناهيك عن المسائل الكلامية التي العلم فيها من أوهام الموسوسين.
ولنكتف ختما لهذا التعليق بالتعريج السريع إلى معنى أساسي في المنظور العقدي السني الحقيقي السمح لم يفهمه هؤلاء الغالب عليهم سفاهة الفكر وجلافة الخلق في صلفهم الذي يزعمونه دفاعا عن العقائد باسم العقل نختمه بهذه الإشارة الخفيفة إلى عظمة الحل التيمي لفناء النار لو كان الأغبياء يفهمون: فالله لا يعذب سدى أو انتقاما بل لإصلاح المعذبين. فإذا كان العذاب أبديا كان معنى ذلك أن القصد ليس إصلاح الله لعبيده بل الانتقام منهم وهو سبحانه أسمى من أن يكون منتقما بالمعنى المطلق أعني منتقما من أجل ذاته وليس للمنتقم له ولا معنى للانتقام من أجل المنتقم له إلا إذا كان لإصلاحه فيكون العذات الخالد ممتنعا عقلا ونقلا وهو ما حاول إثباته شيخ الإسلام مأجورا حتى لو لم يصب في الاجتهاد. والعجيب أن هؤلاء الأميين ينسون أن حجة الإسلام هو الأول الذي ذهب إلى مثل هذا الحل بل إلى أكثر من ذلك في كتاب الاقتصاد عندما رد على ما يستنتجه الفكر الاعتزالي الأخرق من وجوب الانتقام من المذنبين عملا بما يزعمونه مبدأ العدل مبينا لهم أن الأخلاق حتى الإنسية لا تجعل الانتقام دالا على العدل بل العفو أفضل وأكثر دلالة علما وأن رحمة الله وسعت كل شيء وأن الله قد كتب على نفسه الرحمة.
الملاحظة الاستطرادية الخاصة بالشيخ بلال النجار:
أعبر في هذا الاستطراد عن خيبة أمل من رجل كنت أحسن الظن به على الأقل لما لاحظته عنده من تدقيق محترم في كلامه على القضية المنطقية بمقتضى ما يقول به أصحاب المنطق التقليدي (أعني ما لا يتجاوز معيار العلم لأبي حامد) رغم زعمه أن أي تلميذ من تلاميذه يمكن أن يعلمني المنطق وتهديده بالفراغ لأعمالي يخرج منها ما يبين ما فيها من ضعف ! فقد وجدته بعد لحظة تأمل توقف فيها عن المداخلات في ثرثرات الموقع يعود لينافق بكلام لعله يعلم مثلي بأنه لا يسمن لا ويغني في المجال العلمي الذي يتكلم فيه. وما أيأسني من أمانته العلمية هو دعوته رواد الموقع لطلب الجواب الشافي عن أسئلتهم المنطقية التي نعالج بعضها هنا طلبها من كتابي شويخه المنطقيين الهزيلين فعلمت أني تسرعت في حسن الظن به لأنه بهذه النصيحة يثبت أنه غير مطلع لا على ما تقدم على الشروح العربية على منطق أرسطو ولا على ما حدث في المنطق منذئذ. وإذن فمثله مثل شويخه في الجهل بما يتكلم عليه. ولعل الرجل معذور في ما يفعل فالدنيا مصالح بالنسبة إلى أغلب العباد: وكم من شيخ ماسك برقاب من يتشيخ عليهم بتوسط الإمساك بأرزاقهم.
كما عجبت مما بدا من قصور في كلامه على علاقة الدلالة بين البصر والعمى بداية للعلاج ونهاية. فهو قد شرع في الجواب دون البدء بالتمييز بين معنيي البصر: فهل المقصود في كلامه حاسة الرؤية أعني العين أم وظيفة الرؤية أعني فعل العين؟ وختم الجواب دون غاية تقنع السائل. فأما البداية فكان ينبغي أن تكون تحديد المقصود بالبصر أي المعنيين يتعلق بالعمى وبأي معنى يتعلق به حتى يمكن تحديد طبيعة دلالة أحدهما على الثاني. فالبصر العين غير البصر الرؤية وأمر الدلالة يختلف باختلاف أمر العلاقة بينهما بمقتضى أحد معنيي البصر تسليما بأننا نتكلم على عمى البصر لا عمى البصيرة.
والمعلوم أنه لا وجود لعضو للعمى بل هو عرض يعرض لعضو الرؤية أي للعين: العمى عطب يصيب عضو البصر. لكن فقدان فاعلية الرؤية تناظر وجود فاعلية البصر أي المعنى الثاني للبصر: وأظنه قد قصر كلامه على هذا المعنى. العمى هو إذن عاهة تعرض للعين ومن ثم فلا تناظر بين عضوين. أما في الحالة الثانية فالتناظر تام: حرمان الرؤية بالمعنى الفلسفي يناظر وجود الرؤية فيتناظر البصر والعمى. معنيان أحدهما حرمان أو عدم والثاني وجود. ولا يمكن أن نتكلم على علاقة الدلالة في الحالتين الأولى والثانية نفس الكلام.
لكن فلنقبل كلامه دون اعتبار لهذا التمييز. إنه يدعي أن العلاقة بين العمى والبصر علاقة لزوم وينفي أن تكون علاقة تضمن زاعما أن ما هو من مقومات تصور العمى ليس البصر بل شبه الجملة أو المركب عدم البصر ومن ثم فهو ليس ذا دلالة تضمنية بل لزومية. هو إذن يتكلم على المعنى الثاني للبصر. لكن الدلالة في هذه الحالة لو فهمت كما فهمها لما صح وصفها لا بالتضمن ولا باللزوم لأن شرط تحديد نوع الدلالة فهم طبيعة العلاقة وهو ما لم يحصل في تحليله لظنه أنه يبحث العلاقة بين البصر وعدم البصر. وليس بين البصر والبصر المعدوم. فيمكن أن أصف بعدم البصر الكائنات التي ليس من طبعها أن تكون مبصرة لكني لا أستطيع أن اصف بالبصر المعدوم إلا الكائنات المبصرة بطبعها. وهو معنى الحرمان.
العمى ليس عدم البصر بل هو البصر المعدوم. فتكون الدلالة دلالة مطابقة مسلوبة بمعنى تبادل الاستثناء بين الوجود والعدم في الرؤية وهي إذن علاقة تضايف بين الوجود والحرمان بالمعنى الفلسفي لا النفسي: فالبصر بمعناه الثاني هو "وجود الرؤية" والعمى هو "عدم الرؤية". فيكون العمى الحرمان من البصر ومن ثم فالعلاقة هي علاقة حرمان بوجود أو هي مطابقة بالتناظر العكسي ويمكن أن تعتبر علاقة عناصر أحدهما بالثاني علاقة تضمن. وهي في كل الحالات لا تقبل الرد إلى اللزوم لأنها في أقصى الحالات دلالة على إمكان تلازمي بين الوجود والعدم (أي إن كلا الأمرين يلزم عن الثاني في مسألة العلاقة بين الرؤية والعمى ضمن البصر كملكة لعضو محس) قريب من تلازم التضايف بين الأضداد.
فإذا أضفنا إلى ذلك أن العمى الذي عبرنا عنه بالمركب "البصر المعدوم" بمعنى الرؤية المعدومة لا يقبل التحليل إلى عنصريه بخلاف ما يظن الأستاذ بلال لأنه حد العمى والحد وإن كان مؤلفا لفظا فهو واحد معنى للحفاظ على وحدة المحدود غير المركبة من مقوماتها كمنفصلات بعضها عن البعض اكتملت الصورة: فالمقصود بالعمى هو "رؤية معدومة بالفعل" والمقصود بالبصر هو "رؤية موجودة (بالفعل أو حتى بالقوة)". وكلاهما موجود بالقوة للمعنى الأول من البصر أو للعين ويقبل أن يكون بالفعل.
ولما كان الوجود والعدم من مقومات ماهيتهما فإنه لا يمكن لأي منهما أن يقبل الفصل عن الموصوف به بخلاف ما فعل الأستاذ بلال. فالعمى ليس له علاقة بالبصر مفصولا عن معدوميته بل بالبصر المعدوم وليس له علاقة بالعدم بل بمعدومية البصر. وكلتا العبارتين مختلفة عن مؤلفيها لأنها مطابقة للمعنى الحاصل من تقاطعهما وهو معنى يستثني كل ما يخرج عن المشترك بينهما. فالحال هو كما في حد الإنسان فهو ليس مؤلفا من حيوان وناطق بل هو حيوان ناطق كأمر واجد لا يقبل التجزئة: كل ما في الحيوان من غير الناطق وكل ما في الناطق من غير الحيوان ليس من الإنسان في شيء غرائز الإنسان ليست كغزائر الحيوان غير الناطق ونطق الإنسان ليست كنطق الملاك غير الحيوان مثلا. وإذا قبلنا فجزأنا المقومات فنحن أمام دلالة التضمن لا دلالة اللزوم بخلاف ما ذهب إليه الشيخ. لكننا ليسنا أمام أي منهما بل أمام معنى آخر هو ما سميناه بدلالة التناظر العكسي التي بين الوجود والحرمان. وطبعا فهذا المعنى من الدلالة يخرج عن الثالوث المقدس التقليدي للدلالة بالمطابقة والتضمن واللزوم. لكني ما زلت بحاجة لسماع تلاميذ الشيخ بلال حتى يفهموني كيف أمكن له أن يعالج هذه المسألة بهذه السطحية.